خير الكلام: قال تعالي: والله يعلم المفسد من المصلح
الرئيس مبارك صرح بأن التعديلات الدستورية المقترحة تأتي (لتوسيع) حريات المواطن وتعزيز حقوقه ، والحقيقة أني
لا أفهم دخل حقوق المواطن في مسألة منح رئيس الجمهورية الحق في إلغاء البرلمان كله بشخطة قلم من سيادته. جمال سلطان
حين تغدو الأصولية فزاعة كل عام
بقلم: فهمـي هـويـــدي
كلما عثرت بغلة امتطاها رجل ملتح في أي بلد كان، هلل نفر من المحللين صائحين: انتكس المشروع الاصولي وفقد قوة الدفع. وليس في هذا الكلام أية مبالغة، لأننا شهدنا في العقدين الاخيرين نماذج لأولئك المحللين الذين ظل شاغلهم الوحيد هو تصيد الشواهد والحيثيات التي تؤكد على فشل وسوء عاقبة المشروع الأصولي، حتى في الساحات التي لا يوجد بها مثل هذا المشروع. لا تسألني عن دوافعهم الى ذلك، فمنهم هواة، يحللون الظواهر تبعا لأهوائهم وأمنياتهم، وليس انطلاقا من معطيات الواقع، ومنهم الكارهون الذين لم يتمنوا ان تقوم لذلك المشروع قائمة يوما ما، واعتبروا دائما أن ظهور ما يسمون بالأصوليين وأشباههم نذير شؤم ومقدمة لكارثة محققة. ومنهم الأبواق الذين يفصلون المواقف استجابة لحسابات ومصالح معينة، لأطراف في خصومة دائمة مع تلك الفئة من الناس.
سواء انطلق هؤلاء المحللون من قراءاتهم وضغائنهم الشخصية، او انهم ركبوا الموجة اثناء سنوات الصدام بين الجماعات الإسلامية وبين بعض الانظمة، أو أنهم انخرطوا في الحملة الأمريكية التي أعقبت أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، وتطوعوا او جندوا لصالح ما اطلق عليه الحملة العالمية ضد الإرهاب، فالشاهد ان تلك الاصوات تعددت في الساحة الاعلامية، واصبح لأصحابها حضور لا يكف عن التبشير في كل مناسبة بفشل الأصولية وأفول نجمها، منتقيا حوادث معينة، حقيقية أو وهمية، توظف لتسويغ وتبرير الحكم المعد سلفا، ليس ذلك فحسب، وانما لجأ هؤلاء الى الافتعال والتدليس حين اعتبروا كل من أطلق لحيته او تحدث عن هويته الاسلامية، او ذكر الله في اي باب، جزءا من المشروع الأصولي، وأوهموا الرأي العام بأن الأصولية ليست سوى وحشاً كبيراً هائل الجسم، ومتعدد الأذرع والأطراف، التي تتحرك في مختلف أنحاء العالم، ليس بطريقة عفوية، وانما من خلال عملية منسقة وتنظيم محكم، وهو ما يسرب إلى الإدراك العام وهما موحيا بأن كل المسلمين المتدينين الناشطين في انحاء العالم يجمعهم تنظيم القاعدة الارهابي، وما أدراك ما هو!
أدري أننا بصدد «متاهة» لها أول وليس لها آخر، ذلك انك اذا سألت من يكون الاصولي، فستجد من يقول لك انه كل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والتزم بتعاليم دينه، وستجد من يعرفه بانه كل من آثر ان يتشدد على نفسه وعلى غيره، وستجد من يقول لك انه من لم يتطرف في فكره فحسب، وانما ذهب الى حد حمل السلاح وإشهاره في وجه من حوله، ساعياً الى احداث التغيير الذي ينشده بالقوة، ولن تعدم أناسا يفضلون الإبقاء على المصطلح غامضا وفضفاضا، ليتسنى اطلاقه على كل احد، و«تلبيسه» التهمة، الى ان يثبت هو براءته من كل ذلك، وهو ما ألمح إليه احد الباحثين الايرلنديين الساخرين في ندوة شهدتها ذات مرة في لندن، حيث قال إن أسهل تعريف للأصولي في الخطاب الغربي هو انه الشخص الذي لا تعجبنا مواقفه او أفكاره، او حتى هيئته!
هذا التفاوت في تعريف الاصولي يتكرر في حالة التساؤل عن حكاية المشروع الأصولي، وهل هو مشروع واحد، ام ان له تجليات متعددة، وهل لابد ان يكون الاصولي جزءا من مشروع، وما هي طبيعة ذلك «المشروع» الذي تلوكه الألسن، وتحول إلى فزاعة يلوح بها لتخويف الناس وإرعابهم.
هذه المقدمة التي طالت، هي من أصداء شعور بالدهشة والاستفزاز حين قرأت على هذه الصفحة في مثل هذا اليوم من الاسبوع الماضي، استعراضا لأبرز أحداث عام 2006 وأهم مؤشرات العام الجديد، وكان محور ذلك التقييم ان السنة التي مرت كانت سنة الهجوم الأصولي المضاد، وان العام الجديد يمثل بداية الضربة للهجمة الأصولية، وهو ما يدل عليه الحاصل في الصومال الذي يوحي بان المد الأصولي فقد قوة الدفع، ونتائج معركة الصومال ـ التي حسمت على النحو الذي يعرفه الجميع ـ ستؤثر على مصير المعركة الفاصلة والحرب الكبرى التي يخوضها العالم ضد الاصولية، الامر الذي سيؤثر على مسار المعارك الدائرة في ساحات عدة، من بغداد وكابول، الى غزة وبيروت وطهران، وصولا الى القاهرة.. هكذا قيل على الاقل.
هذا التقييم المدهش لم ير في أحداث عام 2006 ولا عام 2007 إلا مسألة «الأصولية» وخطرها «الداهم»، وسرب لنا في السياق الادعاء بأن الحرب ضد الأصولية هي الكبرى التي يخوضها العالم، وليس الولايات المتحدة ومن لف لفها، الى هذا الحد وصل التبسيط والتغليط، الذي يزدري بعقل القارئ ويفترض فيه الغباء وفقدان الذاكرة.
أسقط التقييم عامدا فكرة انهيار المشروع الامريكي التي أثبتتها أحداث عام 2006، والتي دفعت بعضا من كبار الباحثين الامريكيين الى الإقرار بانتهاء الحقبة الامريكية في الشرق الاوسط، ولم يشر بكلمة الى انهيار قوة الردع الاسرائيلية التي كشف عنها العدوان على لبنان في الصيف الماضي، وهو ما أقر به المحللون الاسرائيليون والغربيون وكان له صداه في دوائر صنع القرار الامريكية ذاتها. كما لم يشر بكلمة الى فضيحة حصار الشعب الفلسطيني والتواطؤ الدولي على تجويعه، عقابا له على انه انتخب حكومة حماس في لحظة ديمقراطية نادرة في المنطقة.
لم ير في ذلك التصويت لصالح حركة حماس انحيازا لبرنامج المقاومة، وبطبيعة الحال فانه لم ير في مقاومة حزب الله للاجتياح الاسرائيلي ما يستحق الذكر، ولا في ثبات المقاومة العراقية الباسلة للاحتلال الامريكي ما يستوجب الاشارة.
لأن العرض ظل مهجوسا طول الوقت بمسألة الاصولية والحرب الامريكية العالمية فلم يلحظ شيئا من كل ذلك. وفي حين بدت الأعين مغمضة عن هذه الملابسات، فانها لم تر سوى شيء واحد ميز العام، هو ما أسماه بالهجوم الأصولي المضاد، وفي هذا الاختزال المخل، فشلت الأعين في رصد ضيق الشعوب بالهجوم الأمريكي والإسرائيلي الذي امتهن كرامة الأمة وأثار غضب أغلب شرائحها، وليس الاصوليين وحدهم، وهو ما تجلى في حالتي العدوان على لبنان والحصار الذي حاول تجويع واذلال الشعب الفلسطيني. حالة الصومال التي اعتبرت مدخلا الى عام 2007، ومقدمة لما سمي في العرض بانه بداية ضرب الهجمة الاصولية، نموذج يكشف موقف التبسيط والتغليط في التحليل، المقترن بافتراض جهل القارئ وغبائه اذ لم تعرف الصومال في تاريخها حركة اسلامية ذات وزن سياسي. وليس صحيحا على الاطلاق ان ما كان في الصومال حالة يمكن ان توصف حقا بأنها مشروع أصولي. وإذا كانت المحاكم «الشرعية» هي التي تصدت للأمر، في اطار تجمع اطلق عليه الاتحاد الاسلامي واذا كان اغلب قادة المحاكم والاتحاد قد اطلقوا لحاهم وصبغوها بالحناء، فليس في هذه القرائن ما يدل أن للمشروع الأصولي قدما هناك، رغم ان الأبواق الاعلامية ما برحت تروج لذلك الادعاء ـ حتى زعمت أن في الصومال أربعة آلاف من «المجاهدين» الذين قدموا من أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك بلاد الشيشان، وادعت ان جماعات من الصوماليين تدربت في معسكرات حزب الله في لبنان ـ والذى يعرفه كل متابع للشأن الصومالي ان مشروع المحاكم الشرعية هو في الاساس مشروع القبائل التي ضاقت ذرعا بصراعات أمراء الحرب، بالتعاون مع طبقة التجار الذين وجدوا ان اقتصاد البلد قد دمر وان مصالحهم ضيعت بالكامل، صحيح ان قادة المحاكم فرضوا على الناس بعض القيود التي كانت قريبة مما طبقته حركة طالبان في افغانستان، الا ان تلك القيود كانت تعبيرا عن الالتزام بالتقاليد السائدة، كما هو الحاصل في بعض ولايات نيجيريا مثلا، بأكثر منها التزاما بمشروع واضح المعالم والاهداف.
إن الذين يتحدثون عن تجربة المحاكم الشرعية لا يذكرون انها برزت ردا على التحدي الذي ظهر في بداية عام 2006، حين شكل الامريكيون وقتذاك تجمعا باسم «تحالف مكافحة الارهاب»، الذي ضم عشرة من أمراء الحرب، ذوي الصلات المعروفة بالامريكيين والاسرائيليين، وأغلبهم كانوا يقيمون ويتمركزون في اثيوبيا، في تلك الاثناء استنفرت قبائل المنطقة الجنوبية وتعاون شيوخها مع التجار الذين توافقوا على تقدم المحاكم الاسلامية بالتصدى للهجوم الجديد، وقد نجحت فى ذلك، حتى سيطرت على العاصمة مقديشيو في شهر يونيو من العام الماضي، وحققت السلام والاستقرار في الوسط ومعظم مناطق الجنوب لأول مرة منذ بداية التسعينات، وهو ما لم يرض الحكومة التي رعتها أثيوبيا وكينيا، وتكفلت حكومة اديس ابابا بحمايتها في معقلها الشمالي بمدينة بيداوا. وحين بدا ان المحاكم الاسلامية تتقدم صوب بيداوا لتسيطر عليها، فان اثيوبيا دفعت بجيشها وطيرانها لضرب قوات المحاكم وقصف مطار مقديشيو، الامر الذى احدث انقلابا فى ميزان القوة، أسفر عن هزيمة قوات المحاكم، وتراجعها الى مواقعها في الجنوب واحتمائها بالغابات الموازية للحدود الكينية..
إن ما سمي في استعراض احداث عام 2006 بانه بداية الضرب للهجمة الاصولية كان في حقيقته كما يلى: اجتياح اثيوبي مدعوم بالكامل من جانب الولايات المتحدة واسرائيل (التى كانت طرفا حاضرا في اغلب مساعي المصالحة في الصومال) ـ وهذا الاجتياح أدى الى احتلال دولة هي عضو في جامعة الدول العربية منذ اكثر من ثلاثين عاما (انضمت عام 1974)، ولم يحرك شيئا في العالم العربي، بل ان العكس هو الصحيح، لان الرئيس حسني مبارك صرح عقب اسقاط نظام المحاكم بان مصر ـ الدولة العربية الكبرى ـ «تتفهم» دواعي التدخل الاثيوبي في الصومال.
لقد اصبح كل شيء مستباحا ومقبولا طالما ان الهدف هو ضرب المشروع الأصولي، حتى وان أدى ذلك إلى احتلال بلد عربي وانتهاك عرضه السياسي بتحويله الى لقمة سائغة للاثيوبيين والامريكيين والاسرائيليين .. هل لنا بعد ذلك أن نطمئن أو نتفاءل بما سيأتى به العام الجديد؟!.
رســـائــل الإعــــــدام المهـــــين
كلما عثرت بغلة امتطاها رجل ملتح في أي بلد كان، هلل نفر من المحللين صائحين: انتكس المشروع الاصولي وفقد قوة الدفع. وليس في هذا الكلام أية مبالغة، لأننا شهدنا في العقدين الاخيرين نماذج لأولئك المحللين الذين ظل شاغلهم الوحيد هو تصيد الشواهد والحيثيات التي تؤكد على فشل وسوء عاقبة المشروع الأصولي، حتى في الساحات التي لا يوجد بها مثل هذا المشروع. لا تسألني عن دوافعهم الى ذلك، فمنهم هواة، يحللون الظواهر تبعا لأهوائهم وأمنياتهم، وليس انطلاقا من معطيات الواقع، ومنهم الكارهون الذين لم يتمنوا ان تقوم لذلك المشروع قائمة يوما ما، واعتبروا دائما أن ظهور ما يسمون بالأصوليين وأشباههم نذير شؤم ومقدمة لكارثة محققة. ومنهم الأبواق الذين يفصلون المواقف استجابة لحسابات ومصالح معينة، لأطراف في خصومة دائمة مع تلك الفئة من الناس.
سواء انطلق هؤلاء المحللون من قراءاتهم وضغائنهم الشخصية، او انهم ركبوا الموجة اثناء سنوات الصدام بين الجماعات الإسلامية وبين بعض الانظمة، أو أنهم انخرطوا في الحملة الأمريكية التي أعقبت أحداث سبتمبر/ أيلول 2001، وتطوعوا او جندوا لصالح ما اطلق عليه الحملة العالمية ضد الإرهاب، فالشاهد ان تلك الاصوات تعددت في الساحة الاعلامية، واصبح لأصحابها حضور لا يكف عن التبشير في كل مناسبة بفشل الأصولية وأفول نجمها، منتقيا حوادث معينة، حقيقية أو وهمية، توظف لتسويغ وتبرير الحكم المعد سلفا، ليس ذلك فحسب، وانما لجأ هؤلاء الى الافتعال والتدليس حين اعتبروا كل من أطلق لحيته او تحدث عن هويته الاسلامية، او ذكر الله في اي باب، جزءا من المشروع الأصولي، وأوهموا الرأي العام بأن الأصولية ليست سوى وحشاً كبيراً هائل الجسم، ومتعدد الأذرع والأطراف، التي تتحرك في مختلف أنحاء العالم، ليس بطريقة عفوية، وانما من خلال عملية منسقة وتنظيم محكم، وهو ما يسرب إلى الإدراك العام وهما موحيا بأن كل المسلمين المتدينين الناشطين في انحاء العالم يجمعهم تنظيم القاعدة الارهابي، وما أدراك ما هو!
أدري أننا بصدد «متاهة» لها أول وليس لها آخر، ذلك انك اذا سألت من يكون الاصولي، فستجد من يقول لك انه كل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والتزم بتعاليم دينه، وستجد من يعرفه بانه كل من آثر ان يتشدد على نفسه وعلى غيره، وستجد من يقول لك انه من لم يتطرف في فكره فحسب، وانما ذهب الى حد حمل السلاح وإشهاره في وجه من حوله، ساعياً الى احداث التغيير الذي ينشده بالقوة، ولن تعدم أناسا يفضلون الإبقاء على المصطلح غامضا وفضفاضا، ليتسنى اطلاقه على كل احد، و«تلبيسه» التهمة، الى ان يثبت هو براءته من كل ذلك، وهو ما ألمح إليه احد الباحثين الايرلنديين الساخرين في ندوة شهدتها ذات مرة في لندن، حيث قال إن أسهل تعريف للأصولي في الخطاب الغربي هو انه الشخص الذي لا تعجبنا مواقفه او أفكاره، او حتى هيئته!
هذا التفاوت في تعريف الاصولي يتكرر في حالة التساؤل عن حكاية المشروع الأصولي، وهل هو مشروع واحد، ام ان له تجليات متعددة، وهل لابد ان يكون الاصولي جزءا من مشروع، وما هي طبيعة ذلك «المشروع» الذي تلوكه الألسن، وتحول إلى فزاعة يلوح بها لتخويف الناس وإرعابهم.
هذه المقدمة التي طالت، هي من أصداء شعور بالدهشة والاستفزاز حين قرأت على هذه الصفحة في مثل هذا اليوم من الاسبوع الماضي، استعراضا لأبرز أحداث عام 2006 وأهم مؤشرات العام الجديد، وكان محور ذلك التقييم ان السنة التي مرت كانت سنة الهجوم الأصولي المضاد، وان العام الجديد يمثل بداية الضربة للهجمة الأصولية، وهو ما يدل عليه الحاصل في الصومال الذي يوحي بان المد الأصولي فقد قوة الدفع، ونتائج معركة الصومال ـ التي حسمت على النحو الذي يعرفه الجميع ـ ستؤثر على مصير المعركة الفاصلة والحرب الكبرى التي يخوضها العالم ضد الاصولية، الامر الذي سيؤثر على مسار المعارك الدائرة في ساحات عدة، من بغداد وكابول، الى غزة وبيروت وطهران، وصولا الى القاهرة.. هكذا قيل على الاقل.
هذا التقييم المدهش لم ير في أحداث عام 2006 ولا عام 2007 إلا مسألة «الأصولية» وخطرها «الداهم»، وسرب لنا في السياق الادعاء بأن الحرب ضد الأصولية هي الكبرى التي يخوضها العالم، وليس الولايات المتحدة ومن لف لفها، الى هذا الحد وصل التبسيط والتغليط، الذي يزدري بعقل القارئ ويفترض فيه الغباء وفقدان الذاكرة.
أسقط التقييم عامدا فكرة انهيار المشروع الامريكي التي أثبتتها أحداث عام 2006، والتي دفعت بعضا من كبار الباحثين الامريكيين الى الإقرار بانتهاء الحقبة الامريكية في الشرق الاوسط، ولم يشر بكلمة الى انهيار قوة الردع الاسرائيلية التي كشف عنها العدوان على لبنان في الصيف الماضي، وهو ما أقر به المحللون الاسرائيليون والغربيون وكان له صداه في دوائر صنع القرار الامريكية ذاتها. كما لم يشر بكلمة الى فضيحة حصار الشعب الفلسطيني والتواطؤ الدولي على تجويعه، عقابا له على انه انتخب حكومة حماس في لحظة ديمقراطية نادرة في المنطقة.
لم ير في ذلك التصويت لصالح حركة حماس انحيازا لبرنامج المقاومة، وبطبيعة الحال فانه لم ير في مقاومة حزب الله للاجتياح الاسرائيلي ما يستحق الذكر، ولا في ثبات المقاومة العراقية الباسلة للاحتلال الامريكي ما يستوجب الاشارة.
لأن العرض ظل مهجوسا طول الوقت بمسألة الاصولية والحرب الامريكية العالمية فلم يلحظ شيئا من كل ذلك. وفي حين بدت الأعين مغمضة عن هذه الملابسات، فانها لم تر سوى شيء واحد ميز العام، هو ما أسماه بالهجوم الأصولي المضاد، وفي هذا الاختزال المخل، فشلت الأعين في رصد ضيق الشعوب بالهجوم الأمريكي والإسرائيلي الذي امتهن كرامة الأمة وأثار غضب أغلب شرائحها، وليس الاصوليين وحدهم، وهو ما تجلى في حالتي العدوان على لبنان والحصار الذي حاول تجويع واذلال الشعب الفلسطيني. حالة الصومال التي اعتبرت مدخلا الى عام 2007، ومقدمة لما سمي في العرض بانه بداية ضرب الهجمة الاصولية، نموذج يكشف موقف التبسيط والتغليط في التحليل، المقترن بافتراض جهل القارئ وغبائه اذ لم تعرف الصومال في تاريخها حركة اسلامية ذات وزن سياسي. وليس صحيحا على الاطلاق ان ما كان في الصومال حالة يمكن ان توصف حقا بأنها مشروع أصولي. وإذا كانت المحاكم «الشرعية» هي التي تصدت للأمر، في اطار تجمع اطلق عليه الاتحاد الاسلامي واذا كان اغلب قادة المحاكم والاتحاد قد اطلقوا لحاهم وصبغوها بالحناء، فليس في هذه القرائن ما يدل أن للمشروع الأصولي قدما هناك، رغم ان الأبواق الاعلامية ما برحت تروج لذلك الادعاء ـ حتى زعمت أن في الصومال أربعة آلاف من «المجاهدين» الذين قدموا من أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك بلاد الشيشان، وادعت ان جماعات من الصوماليين تدربت في معسكرات حزب الله في لبنان ـ والذى يعرفه كل متابع للشأن الصومالي ان مشروع المحاكم الشرعية هو في الاساس مشروع القبائل التي ضاقت ذرعا بصراعات أمراء الحرب، بالتعاون مع طبقة التجار الذين وجدوا ان اقتصاد البلد قد دمر وان مصالحهم ضيعت بالكامل، صحيح ان قادة المحاكم فرضوا على الناس بعض القيود التي كانت قريبة مما طبقته حركة طالبان في افغانستان، الا ان تلك القيود كانت تعبيرا عن الالتزام بالتقاليد السائدة، كما هو الحاصل في بعض ولايات نيجيريا مثلا، بأكثر منها التزاما بمشروع واضح المعالم والاهداف.
إن الذين يتحدثون عن تجربة المحاكم الشرعية لا يذكرون انها برزت ردا على التحدي الذي ظهر في بداية عام 2006، حين شكل الامريكيون وقتذاك تجمعا باسم «تحالف مكافحة الارهاب»، الذي ضم عشرة من أمراء الحرب، ذوي الصلات المعروفة بالامريكيين والاسرائيليين، وأغلبهم كانوا يقيمون ويتمركزون في اثيوبيا، في تلك الاثناء استنفرت قبائل المنطقة الجنوبية وتعاون شيوخها مع التجار الذين توافقوا على تقدم المحاكم الاسلامية بالتصدى للهجوم الجديد، وقد نجحت فى ذلك، حتى سيطرت على العاصمة مقديشيو في شهر يونيو من العام الماضي، وحققت السلام والاستقرار في الوسط ومعظم مناطق الجنوب لأول مرة منذ بداية التسعينات، وهو ما لم يرض الحكومة التي رعتها أثيوبيا وكينيا، وتكفلت حكومة اديس ابابا بحمايتها في معقلها الشمالي بمدينة بيداوا. وحين بدا ان المحاكم الاسلامية تتقدم صوب بيداوا لتسيطر عليها، فان اثيوبيا دفعت بجيشها وطيرانها لضرب قوات المحاكم وقصف مطار مقديشيو، الامر الذى احدث انقلابا فى ميزان القوة، أسفر عن هزيمة قوات المحاكم، وتراجعها الى مواقعها في الجنوب واحتمائها بالغابات الموازية للحدود الكينية..
إن ما سمي في استعراض احداث عام 2006 بانه بداية الضرب للهجمة الاصولية كان في حقيقته كما يلى: اجتياح اثيوبي مدعوم بالكامل من جانب الولايات المتحدة واسرائيل (التى كانت طرفا حاضرا في اغلب مساعي المصالحة في الصومال) ـ وهذا الاجتياح أدى الى احتلال دولة هي عضو في جامعة الدول العربية منذ اكثر من ثلاثين عاما (انضمت عام 1974)، ولم يحرك شيئا في العالم العربي، بل ان العكس هو الصحيح، لان الرئيس حسني مبارك صرح عقب اسقاط نظام المحاكم بان مصر ـ الدولة العربية الكبرى ـ «تتفهم» دواعي التدخل الاثيوبي في الصومال.
لقد اصبح كل شيء مستباحا ومقبولا طالما ان الهدف هو ضرب المشروع الأصولي، حتى وان أدى ذلك إلى احتلال بلد عربي وانتهاك عرضه السياسي بتحويله الى لقمة سائغة للاثيوبيين والامريكيين والاسرائيليين .. هل لنا بعد ذلك أن نطمئن أو نتفاءل بما سيأتى به العام الجديد؟!.
رســـائــل الإعــــــدام المهـــــين
بقلم: فهمـي هـويـــدي
خير الكلام: قال تعالي: والله يعلم المفسد من المصلح
لا أفقنا من الصدمة, ولا فارقنا الشعور بالمهانة والخزي. ولا نجحت الأيام العشرة التي مرت في إزالة آثار البصقة التي ألقيت في وجوهنا صبيحة يوم العيد. لكن ذلك ينبغي ألا يمنعنا من فض حزمة الرسائل التي تلقيناها من العواصم المعنية منذ وقعت الواقعة.(1)ثمة حقيقة يتعين الاعتراف بها قبل فض تلك الرسائل, وهي أن الذين أهانوا الرئيس السابق صدام حسين وارادوا إذلاله والانتقام منه, قدموا له من حيث لايحتسبون خدمة جليلة لم يحلم بها وهو في محبسه, إذ حولوه من رمز للجبروت والطغيان إلي رمز للكبرياء والشجاعة, حيث رآه الناس في مشهد إعدامه صامدا وثابت الجنان, بينما ظهر جلادوه أقزاما تخفوا وراء الأقنعة وجرذانا مذعورة تحاول أن تتخفي من أعين التاريخ.إن الذين تخيروا ساعة النحر يوم عيد الأضحي موعدا لشنقه, وحرصوا علي تصوير ماجري لحظة بلحظة, كأنما أعمي الله بصيرتهم فأوقعهم في شر أعمالهم. إذا بدا واضحا أن الغباء وشهوة الانتقام والحقد, هذه العوامل حين اجتمعت فيهم, فإنها غيبت عنهم إدراك جلال مناسبة العيد التي تمس شغاف قلوب مئات الملايين من المسلمين, وعن المعاني السامية والنبيلة التي يستحضرها المسلمون في تلك اللحظات. كما أعمتهم عن تمثل أبسط القيم التي تقرر للناس حق الكرامة في لحظات الموت, ناهيك عن أنهم تخلوا في تلك اللحظات عن مقتضيات المروءة والشهامة التي يجلها العرب والشرفاء في كل مكان.حين عموا عن ذلك كله وصموا, فإنهم لم يهينوا صدام حسين وحده, وإنما اهانوا عيد المسلمين, وملايين المسلمين, ومشاعر العرب أجمعين. ولأن غباءهم بدا مفرطا وبلا حدود, فإنهم حولوا مراسم الإعدام إلي طقس شيعي, فصوبوا سهما مسموما إلي العلاقة التي أصابها الوهن في العراق بين الشيعة والسنة. الأمر الذي حول مشهد الإعدام الي قنبلة ملوثة شديدة الانفجار, انتشرت شظاياها في أنحاء العالم العربي والاسلامي.بشاعة تصرفهم جعلت كثيرين ينسون سجل صدام حسين وفظائعه, ويتذكرون فقط لحظات الثبات التي وقفها وهو مقبل علي حبل المشنقة. ناهيك عن أن منهم من أصبح يترحم علي ايامه حين يقارنها بالخراب الذي عم البلاد وأهلك العباد بعد التحرير. كما أن التشفي فيه ومحاولة اهانته دفعا الأغلبية الساحقة الي الانحياز للضحية, ومن ثم الإعجاب بشجاعته والتعاطف معه. وهناك آخرون انضموا الي صفوف الغاضبين والناقمين, ليس احتجاجا علي ما أصاب الرجل, وإنما غضبا لحرمة عيدهم الذي تم ابتذاله وانتهكت كرامته, ولحرمة انتمائهم العقيدي الذي تعرض للتجريح والإهانة, وغيرة علي قيم المروءة والنخوة التي أهدرت في المشهد.(2)في العدد الأخير من مجلة نيوزويك وصف رئيس تحريرها فريد زكريا مشهد الإعدام بأنه انتقام المنتصرين ووصف آداء فريق الرئيس بوش في العراق بأنه كان مزيجا غريبا من الجهل والسذاجة. لكني لا أري في هذه الأوصاف تشخيصا دقيقا ولاتفسيرا كافيا لاختيار اعدام الرئيس العراقي السابق بهذه الطريقة في ذلك التوقيت الحساس. أعني في ساعة النحر صبيحة اليوم الأول من عيد الأضحي. علما بأنه تم تجاوز اللغط حول صلة الأمريكيين بتحديد موعد الاعدام, بعدما ثبت أنهم العنصر الأساسي في حسم جميع تفاصيل العملية. وأن كل مافعلته الحكومة العراقية أنها قامت بالتنفيذ واعتبرته فرصة للانتقام والتشفي.صحيح أن الانتقام وارد وأن الجهل والسذاجة باتا من السمات الأصيلة لقرارات الإدارة الأمريكية في العراق, لكن إجراء الإعدام وتوقيته صبيحة يوم العيد سلط الضوء علي ماهو أبعد وأعمق من مضمون تلك المصطلحات. الأمر الذي يضعنا بازاء حالة تجلي فيها الأزدراء والاحتقار في اسطع صوره. ذلك أن إلقاء تلك البصقة الجارحة في وجوه مليار و300 مليون مسلم دفعة واحدة في يوم عيدهم لايمكن الاكتفاء في تفسيره بحسبانه نابعا من مجرد الجهل والسذاجة. فخطوة بهذه الجسامة لايمكن لراشد أن يغفل عن تداعياتها في الظروف العادية. ولايمكن لصاحب القرار أن يقدم عليها في مناسبة عيد ديني هو الأكبر عند المسلمين, إلا إذا كان قد تعامل مع الطرف الآخر فيها( العرب والمسلمون) بحسبانهم كائنات لا قيمة لها ولا كرامة. وليس لديهم مايستحق الاعتبار, لا العقيدة ولا التقاليد أو الأعراف, وأن ثقافتهم مما يمكن دوسه واستباحته دون قلق من ردود الفعل.لو أن الرئيس بوش وفريقه خطر ببالهم للحظة أنهم يتعاملون مع أمة فيها نبض حياة وتخيلوا أن ثقافتها تستحق الاحترام, وأن شعوبها لها شيء من الكرامة وتعرف معني الغضب لترددوا ألف مرة قبل أن يقدموا علي فعلتهم, ولما أوي الرئيس بوش إلي فراشه متهللا في تلك الليلة, حاظرا علي الجميع ايقاظه تحت أي ظرف..( كما نشرت الصحف) ـ ولم لايستريح ضميره ويهنأ باله, وهو يعلم أن غاية ما سوف يحدث في الصباح التالي أن تسقط جثة فرد فوق سطح جثة أمة لم يرها إلا فاقدة الحراك ومعدومة الاعتبار؟!.تلك هي الرسالة الأهم التي يتعين استلامها مما جري. ومن يريد منها استزادة أو توثيقا لخلفيات موقف الازدراء الأمريكي التقليدي بالآخر, فعليه أن يقرأ كتاب الباحث منير العكش: حق التضحية بالآخر ـ أمريكا والإبادات الجماعية. وهو من سجل بتفصيل مثير قصة الوحشية الأمريكية في ابادة الهنود الحمر, ـ أول آخر صادفهم ـ الذين كان الأمريكيون يمعنون في إذلالهم وتحقيرهم ويصفونهم بأنهم عرب!(3)اذا كان الاحتقار هو مفتاح قراءة الموقف الأمريكي, فإن الانتقام هو مفتاح موقف السلطة العراقية. ولا يخلو من مبالغة وصفها بأنها سلطة, لأنها لا تملك من الأمر شيئا في حين أن السلطة الفعلية هي للأمريكيين علي مستوي, وللإيرانيين علي مستوي آخر, وكل الذين يتحركون علي مسرح السلطة خيوطهم مشدودة إلي هذا الطرف أو ذاك. كما أن كل الذي يشاع عن اقامة الاحتلال لدولة ديمقراطية يسودها القانون ومجتمع مدني تتعدد فيه المؤسسات, هو هراء ومحض أكاذيب. فنحن بازاء أنقاض واشلاء دولة تمكنت منها جماعات لها دوافعها الطائفية, التي تريد اعادة صياغة العراق وكتابة تاريخه من هذه الزاوية. وهم في ذلك لم يختلفوا كثيرا عن صدام حسين في تبنيهم للعنف, بل ربما كانوا أسوأ منه. أقله لأن الرجل كان جلادا لحساب الوطن, بينما هم جلادون لحساب بالطائفة. وهذه هي الرسالة الثانية التي تلقيناها في ثنايا مشهد الاعدام المهين. دعك من اهدار القانون في تشكيل المحكمة بواسطة حكومة الاحتلال, وفي اجراءات التحقيق والمرافعة, وفي تنفيذ الاعدام في يوم العيد الكبير( الممنوع بحسب القانون وطبقا للاعراف السائدة في العالم المتحضر), وفي شنق الرجل فيحين أنه كان ينبغي أن يعدم رميا بالرصاص باعتباره أسير حرب, إلي غير ذلك من الممارسات التي ندد بها المنصفون والراشدون, وفضحت أكذوبة دولة القانون. إذا غضضت الطرف عن ذلك كله وسألت: لماذا اعدم الرجل بتهمة قتل138 مواطنا عراقيا( هم حصيلة يوم واحد في المقتلة الدائرة حاليا), ولم يحاسب علي قتل خمسة آلاف كردي عراقي بالغاز السام في حلبجة, ولا علي غزوه للكويت, أو حربه ضد ايران, أو الجرائم الأخري التي ارتكبت بحق معارضيه السياسيين ؟ستلوح فكرة الانتقام في الأفق حين تتحري الاجابة. اذ ستلاحظ أن الذين حاولوا اغتيال الرئيس السابق قبل ربع قرن, اثناء حربه ضد إيران, هم من شيعة قرية الدجيل, الذين بطش بهم الرجل اثر فشل المحاولة. ولأن الجماعات الشيعية هي صاحبة السهم المعلي في الوضع الراهن, فإن إشباع رغبتها في الانتقام اقتضي ان يعدم صدام حسين بسبب ما اقترفه بحقهم.واذا كان الأبالسة الذين اخرجوا المشهد قد وفروا للمتعصبين فرصتهم في التشفي, إلا أنهم حققوا من وراء الاعدام غرضا آخر كسبوا به نقطة أراحت خواطرهم. فإلي جانب مجاملتهم للشبعة, فإنهم تخلصوا من الرجل وأسكتوه إلي الأبد. حتي لا يفضي بما لديه من اسرار ويكشف مخزون فضائح الممارسات السياسية التي تمت في عهده, والتي كانت الدول الغربية وبعض العربية ضالعة فيها. ذلك أن الغاز السام الذي قتل به الاكراد في حملة الانفال لم يكن منتجا عراقيا ولكنه قدم اليه من الدول الغربية الصديقة. وحربه ضد ايران كانت مؤيدة بالدعم الامريكي والعربي, حتي غزوه للكويت لم يسلم من اللغط الذي جري الزج في ثناياه بدور للدبلوماسية الأمريكية. وخلال سنوات حكمه التي استمرت ربع قرن فانه لم يكن يتصرف لوحده دائما. وانما تداخلت مع وتقاطعت اطراف أخري خارجية بصورة أو أخري. وذلك كله يمكن أن يفجر ويفضح اذا ما حوكم الرجل عن تلك الجرائم. ولأن اسكاته غدا مطلبا ملحا لإغلاق الملفات الأخري, فإن الاعدام كان هو الحل.(4)بقيت عندي رسالتان, إحداهما جاءتنا من طهران, والثانية بعثت بها عواصم العرب. الأولي عبرت عنها تصريحات المسئولين في العاصمة الايرانية, الذين رحبوا بشنق صدام حسين. واعتبروه نصرا للعراقيين( حميد رضا آصفي نائب وزير الخارجية) ـ وهنأوا شعب العراق لأن الرجل ذهب إلي الجحيم( علاء الدين يروجردي رئيس لجنة الأمن في مجلس الشوري).. وهو ما سوغ لوكالات الأنباء أن تصنف الجمهورية الاسلامية مع اسرائيل والولايات المتحدة, في موقفها من الحفاوة بعملية الاعدام.لقد شعرت بمرارة في حلقي حين وقعت علي ذلك التصنيف. لكن المرارة اقترنت بحزن لم أستطع اخفاءه لأن طهران انضمت إلي الشامتين, ولم يستوقفها انتهاك حرمة العيد ولا ما اصاب مشاعر ملايين المسلمين من أذي ومهانة جراء تنفيذ الاعدام صبيحة يومه الأول, ورأيت في تلك التصريحات ايران أخري غير التي عرفتها أو تمنيتها. غلبت فيها فرحة الانتقام للطائفة علي الغضب لما اصاب كرامة عامة المسلمين من انتهاك وازدراء وهو ما جعلني اتساءل قائلا: لو أنها كانت ايران الشاهنشاهية, هل كان الأمر يختلف عما عبرت به ايران الاسلامية؟أما رسالة عواصم العرب فقد عبرت عنها الاصداء القوية لحدث الاعدام في مشرق العالم العربي ومغربه, والتي اختلط فيها الغضب لما اصاب الذات من جرح بمشاعر الاعجاب والافتتان بالصورة التي ظهر بها الرئيس السابق في مشهد الاعدام. حتي الذين آذاهم صدام حسين واجرم بحقهم نسوا ما اصابهم وأكبروا موقفه, الأمر الذي يشي بحقيقة يتعين الانتباه اليها, وهي أن العالم العربي ضاق ذرعا بالانكسار والاستخذاء. ومنذ سنوات وهو يبحث جاهدا عن رمز يجسد له الصمود والكبرياء والعزة. ذلك أنه مع كل صفعة نتلقاها, أو مهانة تحل بنا, فان الناس ما برحوا يهرعون إلي الواجهات باحثين عن قشة كبرياء يتعلقون بها أو رمز للعزة يصطفون وراءه, إلا أنهم في كل مرة يردون إلي أعقابهم محبطين. ولولا بعض ومضات الأمل في محيطهم لاستسلموا لليأس والكمد. بسبب من ذلك, فما أن رأوا صدام حسين منتصب الهامة ومرفوع الرأس ومتحديا لكل ما أحاط به من قهر وذل, حتي غفروا له جرائمه وغسلوا يديه من دمائهم ورفعوه فوق رؤوسهم عاليا, شاكرين له أنه استدعي إلي وعيهم في ومضة نادرة ما يفتقدونه في واقعهم الذي يخيم عليه العجز والمهانة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور محمد عباس ينعى الرئيس صدام حسين
إنا لله و إنا إليه راجعون
شقت الشهادتان قلبي..
أشهد أن لا إله إلا الله.. و أشهد أن محمدا رسول الله..
أشهد أن لا إله إلا الله.. و أشهد أن محمدا رسول الله..
قالها الرجل صامدا وشامخا وهو يقف كالطود على منصة إعدامه حاسر الرأس لم يعد بينه وبين لقاء ربه شيء..
كان جلادوه ملثمين فافتضح الأمر.. فليس الأمر أمر حكومة تعاقب مجرما.. بل عصابة مجرمين عملاء خونة يذبحون رئيسهم ويقدمونه -عليهم اللعنة- قربانا لأمريكا و إسرائيل..
هل قلت عصابة مجرمين عملاء خونة؟؟!! لماذا أدللهم.. لماذا أستعمل هذه الألفاظ الرقيقة في وصفهم فتتلوث بهم الألفاظ..
كان جلادوه ملثمين.. لكن لم يكن من الصعب علىّ أن أستشف ملامحهم .. ملامح شياطين.... بل حتى تبدو ملامح الشياطين إزاءهم خيرة ناعمة وديعة.. ما كان من الصعب علىّ أن أعرفهم لأستمطر اللعنات عليهم واحدا واحدا.. و أولهم كل حكامنا.. حكامنا العاجزون عن المقاومة الآن فهم حائضون.. و أولهم أيضا ذلك المجرم الذئب الغادر القابع في البيت الأسود.. وتابعيه في بريطانيا و إسرائيل..
نعم.. كان صدام حسين يواجه الموت شجاعا أبيا لا تختلج له نبرة ولا يهتز له طرف.. وفي نفس اللحظة كانت كل سراويل كل حكامنا تبتل.
نعم.. أقولها لك أيتها الأمة التعيسة المنكوبة التي لم تبق خير أمة أخرجت للناس منذ توقفت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أقولها لك.. أن حكامك كحكام العراق الخونة.. ولولا أن الاتهام بالكفر له فقهه وشروطه – التي تكشفه ولا توجده- لقلت أن حكامنا لا يقلون كفرا ونفاقا..
كانت الفضائيات تتحدث عن حكامنا فتذكر عاهل كذا وعاهل كذا وعاهل كذا.. منسوبين إلى بلاد العرب..
وكانت أذناي تستبدل الراء باللام في كل عاهل..
***
كان الأذلاء المهانون حكامنا يرددون لا إله إلا أمريكا وكان هو يردد:
أشهد أن لا إله إلا الله.. و أشهد أن محمدا رسول الله..
أشهد أن لا إله إلا الله.. و أشهد أن محمدا رسول الله..
انكسر في نفسي شيء وانتكس في روحي جرح وسمعت من جوانحي رجع الصدى لرنين أنين..
هل صدقتني أذناي وهما تنبئاني بصدق ذلك الصوت الذي شرخ قلبي؟؟....
***
أبغضت الرجل – وهاجمته كثيرا حتى عام 1990..
ثم صمت عنه ودافعت عن الإسلام والمسلمين والعراق..
قلت فيه ما قاله امرؤ القيس في أبيه: ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا..
ثم تتابعت الأحداث لأرى في الرجل ما لم أكن أرى..
أي صمود هذا الذي صمده..
أي صبر هذا الذي صبره..
أي بطولة و أي ثبات..
***
حكامنا الحائضون يأسفون لأن الإعدام تم صبيحة عيد الأضحى..
وكأنه لو تأجل الأمر أياما أو تقدم يوما لا ستوفى مشروعيته..
ليسوا قادة ولا قوادا بل هم قوادون.. هم قوادون لا يعترضون على الزنا نفسه لكنهم يعترضون على أن يتم في نهار رمضان.. أما لو تم بعد أذان المغرب فلا تثريب..
قواد من قوادينا فعلها قبل ذلك حين انتقد الأمريكيين – أحقر وأخس و الأكثر شرا و إجراما ووحشية أمس واليوم وغدا وعبر التاريخ .. نعم .. أقصد الأمريكيين جميعا حكومة وشعبا و آباء و أبناء و أجيالا خلف أجيال-.. انتقدهم لأنهم قاموا بغارة مدمرة في ليلة القدر.. لم يعترض القواد على الغارة لكنه اعترض على حدوثها ليلة القدر.. وكأنها لو تقدمت يوما أو تأخرت يوما لاستوفت مشروعيتها.
***
ثم جاء موقع " مفكرة الإسلام" الإليكتروني ليضيف بعدا آخر للصورة.. ولقد بدأ هذا الموقع بداية طيبة مع المقاومة ثم انحرف شيئا فشيئا لينسى في غالب الأحوال الصليبيين واليهود وليقتصر في طائفية منتنة – أيا كان اتجاهها – على مهاجمة الشيعة .. و أنا أدين الجريمة.. بل و أجرؤ على التكفير أيضا.. لكن ليس بتهمة أنهم شيعة.. بل بسبب خيانتهم لله ولرسوله وللمؤمنين ولموالاة الكفار.. وهذه تهم يشترك فيها هؤلاء و أولئك.. ( هل يستطيع منصف أن يعطي إيران درجة في الخيانة أعلى من درجة مصر أو السعودية أو الأردن) .. كان البعد الذي أضافه موقع مفكرة الإسلام على الصورة هو كتاب إليكتروني عن صدام حسين جلى فيه وجهه المسلم.. كان اسم الكتاب هو:
"عقدٌ من حياة صدام ... في ميزان الإسلام"
ويمكن للقارئ أن يجده في مواقع عديدة منها موقع مفكرة الإسلام وموقع شبكة البصرة..
وفي هذا الكتاب سيجد القارئ معلومات تختلف تماما عما تروجه آلة الإعلام الغربية الشيطانية.. وهذا طبيعي.. لكن أغلبنا لا يفقهه أبدا.. وبعض هؤلاء يتصرف كما لو كان يملك صكوك غفران .. أو أنه يقسم رحمة ربه.. فيحدد من سيغفر الله لهم ومن لن يغفر لهم الله في تأل على الله مرفوض ومذموم ومدان.. والغريب أن هؤلاء أيدوه ظالما ومجافيا لروح الإسلام فلما تشرب الإسلام وشكل وجدانه إذا بإخواننا هؤلاء يخذلونه.. ومن المحزن كثيرا جدا أن مناط الغضب والرضا في الحالتين لم يكن وجه الله بل كان وجه أمريكا!!.
الكتاب يغير صورة صدام حسين تماما.. وينسف صورته القديمة ليقدم صورة جديدة مبهرة.
وعلى الرغم من ذلك فإنني لا أدافع عن جرائم ارتكبها صدام حسين أو عن ذنوب اقترفها.. لكنني أقرر أنه ما من جريمة نسبت إليه – بالحق أو بالباطل- إلا وقد ارتكب أبشع منها و أكبر كل حاكم من حكامنا.. و أقرر أن صدام لم يعاقب على جرائمه وذنوبه و إنما عوقب على توبته و أوبته وحسناته وبطولته وصبره ودفاعه عن دينه و أمته وعروبته ووطنه وشرفه وعزته وكرامته وكبريائه .. أما حكامنا فقد تجردوا من ذلك جميعا فلم يستحقوا بالتالي أي عقاب.. مهما ربت جرائمهم على ما يدعونه على صدام من جرائم.
***
لم يعاقب صدام بسبب جرائمه.. ولا حتى بأي سبب محدد و إنما عوقب لأن وقت عقابه في المخطط الشيطاني لمحاولة القضاء على العالم الإسلامي قد حان.. ووقت خصم قوة العراق من قوة المسلمين قد آن.. ووقت شرذمة الشعب العراقي لصالح أمريكا و إسرائيل قد أزف.. ولو لم يغز صدام الكويت لاختلق المجرمون ألف ذريعة لاغتياله ولتدمير العراق.. نفس الذرائع التي يعدونها الآن لتدمير إيران وسوريا والسعودية والسودان ومصر.. وسائر بلاد عالمنا الإسلامي..
نعم.. الأمر كله مخطط ومدبر مع انتهاز الفرص إن جاءت فإن لم تجئ اختلقت..
نفس المنهج الشيطاني الذي تتعامل به حكوماتنا معنا.. وهل كان ما حدث للإخوان المسلمين منذ إبراهيم عبد الهادي وحتى ما أطلق عليه بالكذب والزور : "ميليشيات الأزهر" إلا تطبيقا لهذا المنهج الشيطاني.. انتظار الفرصة.. فإن لم تجئ فاختلاق الذرائع..
نقس المنهج لأكثر الحضارات دموية و إجراما وشراسة وكذبا في التاريخ....
نعم .. نفس المنهج الواحد هنا وهناك..
فالمخطط واحد..
والتنفيذ واحد..
ما يختلف فقط هو أن العملاء أكثر إجراما من المجرم الأصلي..
فالأخير يعمل لما يظن أنه صالح أمته ودينه.. أما الأول فيعمل ما يعلم أنه خيانة لأمته ودينه.
***
هل أنعي صدام؟! أم أنعي الحكام الحائضين والأمة النفساء بعد سقط ميت..
ترقبت مظاهرات تكنس حكاما.. فما تحرك أحد..
ترقبت صلاة الغائب في كل مسجد لكن أقل القليلين فعلوها..
المشكلة في الأمة المشلولة الخاضعة المستذلة المهانة..
لكني أوجه ندائي إلى المجاهدين الأبطال في العراق..
اتبعوا تعاليم ديننا .. الإسلام.. و أطيعوا البطل الذي أدعو الله أن يتقبله شهيدا.. إياكم والفرقة والفتنة.. والله يعلم أنني أحمل للخونة ما تحملون.. ولكنني أرجوكم ألا يتوجه رصاصكم إلى قلب من توجد أدنى شبهة في أنه مسلم..
ثأرنا مع الأمريكان والصهاينة ومن يواليهم دون تأويل.. ولن ننسى ثأرنا أبد الدهر.. اقتلوهم حيث ثقفتموهم.. اللهم أحصهم عددا ومزقهم بددا ولا تبق على ظهر الأرض منهم أحدا..
يا أبطال العراق وما حول العراق.. يا مجاهدين تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله..أطفئوا نيران قلوبنا بدماء الأمريكيين والبريطانيين المحتلين.. وتجنبوا العراقيين ما أمكنكم تجنبهم..
أعرف أن الأمر صعب.. بل إنني لم أتمالك نفسي من الهتاف لحظة الإعدام:
- اللهم تقبل صدام شهيدا.. اللهم العن مقتدى الصدر ومحمد باقر الصدر ومن على شاكلتهم يا رب العالمين.. يا جبار يا قهار يا منتقم يا مذل يا مالك الملك....
***
أتساءل في لوعة غاضبة مذهولة : ما هو موقف الرئيس الإيراني أحمدي نجادي؟؟ وما هو موقف السيد حسن نصر الله؟؟.. وهل يدركون أن الشيعة خسروا في الأعوام القليلة الماضية ما اكتسبوه عبر ألف عام.
إنكما تمتهنان دماء شهداء استشهدوا في سبيل الإسلام لا في سبيل هذا أو ذاك أو تلك.. أرجوكما .. قولا شيئا.. رغم أنني أظن وقت القول قد فات..
يقول فهمي هويدي في مقال هام له في صحيفة الشرق الأوسط(الاربعـاء 3 يناير 2007 ) وهو مقال أشاركه فيه جله مشاعرا وفكرا:
يغمرني شعور بالحزن والاسى حين اجد نفسي مدفوعا الى التعاطي مع ملف السنة والشيعة، لأنني أحد الذين جاهدوا طويلا ـ منذ ربع قرن على الاقل ـ لتجاوز ذلك التصنيف الطائفي، والتعامل مع الجميع باعتبارهم مسلمين من اهل القبلة، دماؤهم وأموالهم وأعراضهم عليهم حرام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع. وخلال تلك السنوات ظللت في اشتباك مستمر مع غلاة أهل السنة الذين طعنوا في عقائد الشيعة حتى اخرجوهم من الملة، (...) هذا الموقف ظل يتغير بصورة نسبية مع تطور الممارسات المذهبية في العراق، ولا استطيع ان اتجاهل في هذا الصدد ان الاحتلال ألقى بذرة هذه الفتنة حين عهد الى تشكيل اول مجلس للحكم الانتقالي على اساس مذهبي وعرقي(...) .. أن فرق الموت الشيعية مدعومة عند الحد الادنى بالسلطة وبالأحزاب الشيعية الرئيسية. واستخدامها لسيارات الشرطة وأسلحتها وسجونها خير دليل على ذلك، في حين أن التي تنتسب إلى أهل السنة لا ظهر لها ولا سند. الملاحظة الثانية ان ممارسات فرق الموت وعمليات التطهير العرقي التي لجأت اليها قوبلت بصمت مثير للانتباه من قبل المراجع الشيعية العليا، في حين ان ممارسات الجماعات السنية ضد التجمعات الشيعية أدينت علنا من جانب مختلف المراجع السنية، في داخل العراق وخارجه. وفي كل الاحوال فان هذا الجدل يمكن ان تحسمه اية جهة محايدة تتولى تقصي حقائق الفتنة الحاصلة بين الطرفين.(...) ان اهل السنة في الغرب حين صدوا هجوما من فرق جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، فان الطائرات الامريكية حلقت فوق أحيائهم في اليوم التالي، وغطت هجوما على الارض، وترتدي ثياب الشرطة عمدت الى جمع الأسلحة من البيوت، لتصبح تلك الاحياء بلا دفاعات، الامر الذي ييسر مهمة عناصر جيش المهدي في اجتياحها بعد ذلك. (...) مع ذلك فثمة اجماع على ان جيش المهدي هو الذي يباشر عمليات التطهير الطائفي الجارية في بغداد الان. حتى ان وكالات الانباء اصبحت تتحدث صراحة عن ذلك. وهو ما يسوغ لنا أن نسأل من يمول مقتدى الصدر ومن أين يأتي لرجاله بالسلاح؟ ـ إنني لا اريد ان اصدق ـ ولا اتمنى ـ ان تكون طهران هي التي تدعمه، ورغم ان ثمة لغطا كبيرا في هذا الصدد، يستند الى قراءة تشي بأن لإيران بصمات في هذا الموضوع. وهو ما يحتاج بدوره الى تحرير، قبل ان تستفحل الشائعات وتتراكم حتى يتم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلم بها.
إن إيران مطالبة بتحديد موقف صريح من عملية التطهير الطائفي الجارية، خصوصا من جانب المرشد الاعلى السيد على خامنئي(...) لأنه من المهم للغاية ان تعلن القيادة والمرجعية الايرانية براءتها من الجرائم التى ترتكب بحق السنة. علما بان ايران خسرت كثيرا من رصيدها بسبب ممارسات الشيعة في العراق، بدءا بالذين تواطأوا مع الاحتلال الامريكي وأيدوه، وانتهاء بعمليات التطهير الطائفي التي استهدفت اهل السنة. (...) اننا نبذل جهدا كبيرا لاقناع من حولنا بالتفرقة بين ممارسات الشيعة في العراق، والمواقف المشرفة لنظرائهم في لبنان. كما ندعو الى التفرقة بين التحفظ على السياسة الايرانية في العراق، وبين التورط في الاصطفاف الى جانب المعسكر الامريكي الاسرائيلي الذي يتربص بايران ويكيد لها. ونحن في هذا وذاك ندافع عن عزة الأمة وكرامتها، ولا ندافع عن طائفة أيا كانت. لكن ذلك الجهد يظل قاصرا ومقصورا اذا لم تساعدنا عليه طهران(...)
في نفس هذا الصدد فإن صحيفة الرياض السعودية قد أكدت أن أن المجرم السفاح العميل مقتدى الصدر أصر على حضور المجزرة كي يقوم بإعدام البطل الشهيد بيديه.. و أنهم لذلك هتفوا باسمه. كما أوردت وكالات الأنباء أن المجرم المالكي قد احتفل بزواج ابنه ليلة اغتيال البطل الشهيد.
أصرخ مع الكاتب حلمي الأسمر الذي كتب في صحيفة الدستور الأردنية ليسأل:
ما مشاعرنا نحن العرب المسلمين السنة، حين نسمع صدام لحظة إعدامه وهو ينطق بالشهادتين، فيما تتعالى أصوات القتلة حوله تهتف باسم مقتدى الصدر؟!(...) ولا نريد هنا أن نتوقف عن مخالفة الحكومة لأبسط أسس القانون والأعراف، وتجاوزها حتى على الدستور العراقي نفسه الذي وضع في ظل الاحتلال، حتى قاضي محاكمة صدام الكردي رزكار أمين "أفتى" بعدم قانونية إجراءات الإعدام!
ثم يواصل حلمي الأسمر في صرخة أكاد أشاركه فيها:
إنها جريمة قتل طائفية بشعة، على علماء وعقلاء الشيعة أن يتبرءوا منها، لأنها لا تمثلهم، فإن لم يفعلوا، فهم ومن احتفل في غرفة الإعدام بتلك الطريقة المقيتة البشعة سواء!.
و أقول :"أكاد" لأنني على الرغم من كل شيء مازلت أعطي للعذر بالجهل مكانا.
و أتساءل: لماذا حذف الكلاب هتاف الشهيد للأمة وللعراق وفلسطين إلا لأنهم خونة الأمة والعراق وفلسطين..
***
يسحق القلب ما هو أكثر من الألم..
وبحرق العين ما هو أسخن من الدموع..
ويكسر النفس ما هو أمر من الذل..
أما بالنسبة لصدام حسين فمن الأكرم له ولنا أن يكون عند الله شهيدا من أن يكون عند عبدة الشيطان الأنجاس أسيرا..
لا يؤلمني - بل يشرفني- استشهاده..
ما آلمني أسره قبل استشهاده..
ولو نفعت "لو" لقلت : لو استشهد قبل أن يؤسر!!
إن مكانة الشهادة أعلى من مكانة الانتصار.. و أن الشهيد أفضل من المنتصر.. ولعل الله اختار له ما هو أغلى و أعلى من النصر..
الآن كم من مليون قلب يبكيك وهو لم يحبك في حياتك.. لكن هنيئا لك أنك تمضي وعدد من يحترمونك أكثر بكثير ممن يحبونك..
الآن أبكيك مستعيدا كلماتك الأخيرة:
"اللهم إن قبضتها فارحمها فإني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم أنت رحمن رحيم" ....... ثم تمتمة غير مفهومة ثم يقول "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله".
***
أبكيك مرددا قصيدة أرسلها لي الأستاذ عبدالله الخياط من مكة ألمكرمه صبيحة عيد الأضحى:
اصعد فموطنك المرجى مخفر
متعدد اللهجات والأزياء
للشرطة الخصيان؛ أو للشرطة
الثوار؛ أو للشرطة الأدباء
أهل الكروش القابضين على القروش
من العروش لقتل كل فدائي
الهاربين من الخنادق والبنادق
للفنادق في حمى العملاء
القافزين من اليسار إلى اليمين
إلى اليسار إلى اليمين كقفزة الحرباء
المعلنين من القصور قصورنا
واللاقطين عطية اللقطاء
اصعد؛ فهذي الأرض بيت دعارة
فيها البقاء معلق ببغاء
من لم يمت بالسيف مات بطلقة
من عاش فينا عيشة الشرفاء؟؟
ماذا يضيرك أن تفارق أمة
ليست سوى خطأ من الأخطاء
فاللهم بحق الشهادتين اللتين شقتا قلبي:
أشهد أن لا إله إلا الله.. و أشهد أن محمدا رسول الله..
أشهد أن لا إله إلا الله.. و أشهد أن محمدا رسول الله..
بحقهما يا رب وبحق صبره وابتلائه وجهاده اغفر له وتجاوز عن سيئاته وبدلها حسنات وتقبله شهيدا فإنه يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ويشهد أن محمدًا عبدك ورسولك .. بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم أنت رحمن رحيم" ..
وإنا لله و إنا إليه راجعون
المعركة الدســـتور.. وخبز الفقـــراء!
بقلم : صلاح الدين حافظ
دستور في الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية, ليس مجرد هيكل خشبي مصمت, بنصوص جامدة صماء, يحتكر صياغتها فقهاء القانون المحترفون وحدهم, وفق سرية المهنة, لكن الدستور وثيقة اجتماعية, تحمل في أحشائها كائنا حيا, يعبر عن الحالة الانسانية والاجتماعية, ويتفاعل مع المواطنين كافة, ويترجم أشواقهم للحرية من ناحية, ويكفل لهم ضمانات الخبز من ناحية أخري..ولذلك فإن الخطر كل الخطر ترك صياغة الدستور, أو تعديلاته, في أيدي فئة دون غيرها, سواء كانت قانونية بحتة, أو كانت طبقية بحتة, إنما الأصح والأدق أن تسهم كل فئات المجتمع في الحوار حول الدستور, والإسهام بجدية في صياغة مبادئه ونصوصه, ليجمع في النهاية من حوله التوافق الوطني..ولأن مصر علي سبيل المثال, تطرح الآن تعديل حزمة من مواد الدستور, هي34 مادة, بعد أن أحالها رئيس الدولة إلي مجلسي الشعب والشوري, وسط مناخ اجتماعي اقتصادي, يهرول هرولة نحو الليبرالية الاقتصادية, بما يواكبها من سوق حرة وخصخصة وبيع متسرع لأصول المجتمع وثروة الدولة, ومن اعتلاء كلمة المستثمرين ورجال الأعمال والأثرياء منابر القيادة, والتأثير الغلاب علي فلسفة الحكم, فإن الأمر يستدعي التمهل والدقة والحذر, خوفا من أن تأتي صياغة التعديلات بتغليب مصالح الأقلية الثرية علي حساب الأغلبية الفقيرة.والواقع يقول إن الأزمة الاقتصادية الاجتماعية, قد تركت آثارا سلبية رهيبة, علي القوام الرئيسي للمجتمع المصري, بالغلاء الفاحش والبطالة المتزايدة واتساع مساحات الفق,ر التي أكلت معظم الطبقة الوسطي, عماد المجتمع, وركزت الثروة والسلطة في أيدي قلة القلة, التي تسعي بكل الجهد لتطويع الدستور والقانون, ومن ثم الدولة ونظامها السياسي, لإرادتها ولمصالحها علي حساب الاخرين, وهاهي الفرصة قد جاءتها عبر طرح التعديلات الدستورية الواسعة, لتحكم قبضتها علي كل شيء يحقق لها مزيدا من الثراء, ومزيدا من النفوذ والسلطة.ثم يقولون لنا, هذه هي قواعد الليبرالية, بينما الحقيقة أن النظم الليبرالية والديمقراطية تقوم علي توازن المصالح وعلي قاعدة الحرية المتكافئة لفئات المجتمع ومواطنيه, وإلا أصبحت ليبرالية متوحشة, ولننظر إلي قاعدة الليبرالية في الغرب, ونعني بريطانيا, بل وامريكا, اللتين تحافظان علي الحريات العامة وحقوق الانسان, مثلما تعملان علي ضمان الحياة الاجتماعية وكفالة حقوق العمل والغذاء والمسكن والرعاية الصحية والاجتماعية للجميع, من أصحاب المليارات الي أصحاب الدخل المحدود!من هنا نقول, بل نحذر, من أن تستولي مصالح ونفوذ رجال الأعمال والحلقة الضيقة المحيطة بصنع السياسات, علي صياغة تعديلات الدستور, فتخضعها فقط لمصالحها الضيقة والمؤقتة علي حساب أغلبية الشعب المغيبة, من الناحية العملية, عن كل ما يتعلق بصنع السياسات واتخاذ القرار وصياغة الدستور لأسباب عديدة, يعلمها الكافة..ولذلك قلنا ونقول إن تعديل الدستور, معركة بكل معني الكلمة, لايجب تركها لا لمجموعة محدودة العدد وربما الكفاءة من القانونيين, ولا لمجموعة محدودة أخري من رجال الأعمال وأصحاب المصالح وطلاب السلطة ومحتكري الثروة, ولا لحزب وحيد, حتي لو ادعي أنه حزب الأغلبية, لكنها معركة وطنية وديموقراطية بالأساس, تتطلب جهود كل فئات المجتمع وطبقاته ونخبه وأحزابه ومنظماته المدنية والجماهيرية, وإلا أصبحت معركة من طرف واحد, يفاوض نفسه ويتحاور مع ظله, ويدافع فقط عن مصالحة, ويدوس علي الآخرين وهم الأغلبية الساحقة, التي إن لم تشارك في وضع الدستور وصياغة مواده والتوافق علي فلسفته.. أسقطت شرعيته!!***وعلي سبيل المثال, فإن التعديلات المطروحة, تلغي ما في الدستور القائم والصادر عام1971, كل مايشير إلي الاشتراكية وسيطرة الدولة علي وسائل الانتاج, وهذا طبيعي ومن تحصيل الحاصل, بحكم سقوط الاشتراكية عالميا من ناحية, وبحكم التحولات الكبري التي جرت في مصر, سياسيا واقتصاديا, منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي, حتي اليوم, اتجاها للعودة إلي النظام الرأسمالي, من ناحية ثانية.لكن التعديلات لم تقل لنا صراحة ماهو البديل وماهي الرؤية والبوصلة فيما يتعلق بدور الدولة في التنمية البشرية, وفي الاشراف علي عدالة توزيع الثروة بين الطبقات والأفراد, وفي الرعاية الاجتماعية والتعليمية والصحية لعموم المواطنين, وفي اعانة ومساندة الفقراء الذين يزدادون فقرا, بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة, وفي مكافحة غول الغلاء ووحش البطالة وظلام الأمية وتوحش الفساد المصحوب دوما بالاستبداد.والمجاهر به الآن, هو ترك كل ذلك لآلية السوق ولكرم رجال الأعمال وسماحة أصحاب الثروة والنفوذ, هم يتحملون المسئولية, وربما يكون ذلك سائدا في بعض الدول الرأسمالية بالفعل, التي استقرت فيها المباديء والقوانين وفلسفة العمل والانتاج والحكم وأساليب تكوين الثروات ودفع الضرائب وأداء المسئولية الاجتماعية, لكنه حتما لا يصلح علي إطلاقه لبلد مثل مصر, يعيش48 في المائة من مواطنيها حول وتحت خط الفقر, ويبلغ متوسط دخل43.9 في المائة من سكانها أقل من دولارين في اليوم, وفق تقرير التنمية البشرية الدولي, ويسكن ما بين16 و20 مليونا في العشوائيات والمقابر, ويجري في شوارعها مليونا طفل مشرد, ناهيك عن أعداد العاطلين الذين تتناقض أرقامهم الحقيقية صعودا وهبوطا...مواجهة هذا العبء المخيف, يجب ألا تترك لسماحة وكرم قله الأثرياء, ولا لاحتكار بعض القانونيين المتخصصين في الصياغة. المطاطة حمالة الأوجه, ولا لهواة السياسة المستجدين, ولا حتي لضغوط الدول الأجنبية والمنظمات المالية الدولية.. بل إنها مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع, التي يجب أن يحددها الدستور الواضح المعالم, وإلا ساد حكم الغابة للأقوي.. للأشرس!يقول قائل: إن تعديلات الدستور لم تمس حقوقا اجتماعية وسياسية واقتصادية مكتسبة, مثل مجانية التعليم, ونسبة50 في المائة للعمال والفلاحين, والعلاج الصحي, وهذا صحيح أيضا من الناحية النظرية, ولكن حين نتفحص الواقع, نري أن السياسات الجديدة تخترق كل ذلك وتنقض عليه وتحاصره, فمجانية التعليم أصبحت وهمية, ونسبة العمال والفلاحين لم تعد للعمال والفلاحين الحقيقيين, والعلاج صارت أسعاره نارية كاوية لا يقدر عليها إلا كل ذي مال وفير, ومسئولية تشغيل الشباب تخلت عنها الدولة, وتركتها لأريحية القطاع الخاص, وأسعار المساكن التهبت بما لا قبل ولا قدرة لأغلبية المجتمع علي الوفاء بها, بينما نقرأ يوميا عن مشروعات الاسكان الفاخر, يتخاطفها المليونيرات الجدد, من أملاك الدولة, التي تبيعها لكبار المستثمرين, دون حساب لحق البسطاء والفقراء..وبرغم أهمية تعديل الدستور, وبرغم ايماني العميق بضرورة أن يفضي التعديل إلي اطلاق الحريات العامة والي صيانة الحقوق الرئيسية للمواطنين, بما في ذلك حرية تكوين الأحزاب السياسية, وحرية الصحافة والرأي والتعبير, وحرية تداول السلطة, إلا أننا لو سألنا جموع المواطنين المهمومين بظروف العيش القاسية وضغوط الفقر, أي الخيارات والأولويات أهم حرية تكوين الأحزاب السياسية أولا, أو زيادة الدخل وتحسين الأحوال المعيشية ومكافحة البطالة وتثبيت الأسعار, لاختاروا حتما الأخيرة دون تردد..***وهو اختيار لا يعني التخلي عن الحريات العامة, والتضحية بها تفضيلا للقمة العيش, إنما هو ترتيب للأولويات تحكمه الضرورات, فما جدوي الكلام عن الحريات النظرية, بل ما معني الدستور والأحزاب والانتخابات والسلطة والديمقراطية, إن لم تكفل للمواطن البسيط المرهق المنهك, الحد الأدني من حقوقه الرئيسية, حق الغذاء والكساء والمسكن والتعليم والعمل والعلاج.. وحق الأمل في مستقبل أفضل..والعكس في رأينا صحيح, فما معني الغذاء الوفير والمسكن الفاخر والعمل المنتظم, دون حرية حقيقية للمواطن, يعبر بها عن رأيه ويتمتع بحقوقه الدستورية والقانونية, ويختار ممثله ونائبه ورئيسه, ويسعي حتي إلي رئاسة السلطة وفق قاعدة التداول عبر انتخابات نزيهة ونظيفة.الخبز والحرية, وجهان لعملة واحدة, والليبرالية الغربية أسست نظمها الديمقراطية, علي قدمين هما الحرية السياسية والحرية الاقتصادية, والنظم الاشتراكية فشلت وسقطت لأنها كسرت قدم الحرية وحبست أنفاس البشر وتجاهلت آراء الناس ورغباتهم, باسم بناء الدولة وتقوية السلطة, فإذا بهذه تتحول الي ديكتاتورية وحشية!وأمام مصر في هذه المرحلة العاصفة, مهمة أن تقدم للعرب والعجم, مبادرة تاريخية, إن هي نجحت في إعداد دستورها علي الوجه الذي يكفل الخبز والحرية, ويوازن بين الحقوق والحريات السياسية, والحقوق الاقتصادية والاجتماعية, ويصلح الخلل الخطير الذي أصاب المجتمع, فأذاب الطبقة الوسطي وضمها قسرا للطبقة الفقيرة والمعدمة, وراكم الثروة مع السلطة في أيدي قلة, تقودها مجموعة من المغامرين والطامعين والطامحين, دون أن تكون لهم رؤية مستقبلية, ولا مسئولية مجتمعية..وربما تكون احدي الوسائل العاجلة لإصلاح هذا الخلل السياسي الاجتماعي, تكمن في إطلاق حرية تكوين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني, لكي تعبر تعبيرا صادقا عن التعددية في المجتمع, تعددية الفقراء والأغنياء, الفلاحين والعمال وأصحاب الاعمال, المثقفين والمهنيين والحرفيين, وهي تعددية تقود حتما إلي تكريس تبادل السلطة بين كل أصحاب المصالح عبر انتخابات حرة, والا ما جدوي التعددية الحزبية إن لم تؤد إلي تداول السلطة, وما جدوي تداول السلطة إن لم تعبر عن حرية الاختيار لجميع أبناء الوطن. وها هي مصر يشغلها ضجيج23 حزبا, دون أن يتمكن واحد منها من الحصول علي نسبة5 في المائة من مقاعد البرلمان, كشرط للترشح لرئاسة الجمهورية في المستقبل, كما تنص التعديلات الدستورية المطروحة..حقا ما جدوي كل ذلك, وما مؤداه, إلا أن يظل الحزب الحاكم.. حاكما!!***خير الكلام: قال تعالي: والله يعلم المفسد من المصلح
مطلوب تحري حقائق التطهير المذهبي في العراق
يثير انتباهنا ودهشتنا ذلك الصمت الذي قوبلت به الدعوة التي أطلقها اتحاد علماء المسلمين لتشكيل لجنة تقصي حقائق عملية التطهير العرقي على الاساس الطائفي: التي يشهدها العراق الان، والتى قدر ضحاياها بحوالي مليون ونصف المليون شخص، وكان الاتحاد الذي يرأسه الدكتور يوسف القرضاوي قد اصدر بيانا بهذا المعنى منذ اكثر من اسبوع (في 24/12)، طالب فيه بتحرى ما جرى في هذا الصدد، وكشف حقائقه وخلفياته ومقاصده، بواسطة لجنة خاصة، سواء من قبل الجهات الدولية المعنية بحقوق الانسان، أو من جانب منظمة المؤتمر الاسلامي والجامعة العربية، إذ من شأن خطوة من ذلك القبيل ان تقطع الطريق على أجواء البلبلة الشديدة الرائجة الآن في العالم العربي والإسلامي، وتطفئ نار فتنة تلوح في الأفق ويعلم الله وحده المدى الذي يمكن ان تصل اليه، اذا تجاوزت شراراتها حدود العراق الى أقطار عربية واسلامية اخرى، يتعايش في ظلها أصحاب المذاهب المختلفة جنبا الى جنب منذ قرون.
لقد تناقلت وكالات الأنباء وبعض الصحف بيان اتحاد العلماء، لكن الجهات المعنية بالامر لم تتحرك وغضت الطرف عنه، بالتالي فان الحال بقي كما هو عليه، فاستمرت عمليات التطهير المذهبى، وتدفق سيل الاخبار فى العراق مفصلا في وقائعها وفظائعها، بالتالي فان البلبلة زادت في اوساط المسلمين، واستصحبت معها مزيدا من الاحزان والمرارات والضغائن.
واذا كان اتحاد علماء المسلمين قد بادر الى اصدار البيان الذي لم يسم أحدا، ولم يحدد مسؤولية أية جهة، وانما طالب فقط بالتحقق مما يجري قبل اتخاذ اي موقف، فأحسب انه بذلك عبر عن مواقف مختلف الهيئات والمنظمات المعنية بالشأن الاسلامي، باعتبار ان ما يجري هناك أمر يهم المسلمين جميعا ويزعجهم، لذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت أن دعوة اتحاد العلماء تمثل مدخلا عاما ورصينا للتعامل مع الملف المسكوت عليه رسميا، في حين أن الشائعات الرائجة حوله في الاوساط الاسلامية من الخطورة بحيث يتعين احتواؤها قبل فوات الاوان.
أدري ان مشكلات العراق اكبر، وان البلد كله اصبح غارقا في الدماء الآن، وان ثمة غموضا يحيط بالكثير مما يجري فيه، بعدما انفلت العيار وغاب الأمن، وأصبحت الساحة مفتوحة على مصارعها لما لا حصر له من شرور، كأن الاحتلال الامريكى هو المصدر الاول لها، لكننا اذا عجزنا عن ان نطفئ الحريق الكبير ونستأصل أصل الداء، فلا اقل من ان نعمل على تخفيف حدة البلاء، وننزع بعض اسباب الفتنة المدمرة، ليس فقط دفاعا عن فئة في مواجهة اخرى، ولكن أيضا لكي تحتشد مختلف الفئات لمواجهة الاحتلال.
يغمرني شعور بالحزن والاسى حين اجد نفسي مدفوعا الى التعاطي مع ملف السنة والشيعة، لأنني أحد الذين جاهدوا طويلا ـ منذ ربع قرن على الاقل ـ لتجاوز ذلك التصنيف الطائفي، والتعامل مع الجميع باعتبارهم مسلمين من اهل القبلة، دماؤهم وأموالهم وأعراضهم عليهم حرام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع. وخلال تلك السنوات ظللت في اشتباك مستمر مع غلاة أهل السنة الذين طعنوا في عقائد الشيعة حتى اخرجوهم من الملة، حتى زعم بعض اولئك الغلاة أنني «تشيعت»، وأورد احدهم اسمي ضمن أسماء آخرين في كتاب كان عنوانه «المتحولون». ويبدو ان الشائعة انطلت على البعض، حتى ان احد الباحثين السعوديين اهتم بالموضوع، وقدم الى القاهرة ليسألني عن صحة ذلك الادعاء، في اطار بحث كان يعده للماجستير. فقلت انها اكذوبة لا تستحق ان أنفيها، لكنني عند موقفي من احترام الشيعة، لان اعداءنا لا يفرقون بين شيعي وسني، ولان ثمة مصلحة حقيقية للامة الاسلامية فى تعاون مختلف الفرق وائتلافها في مواجهة مختلف التحديات التي تتربص بها، ناهيك عن ان الذين يكرهون الامة لا يكفون عن الوقيعة بين الطرفين، وينتظرون بفارغ الصبر لحظة انفجار الصراع بينهما.
ما خطر ببالي قط ان اخاطب الاخرين باعتباري من اهل السنة، لكنى لا أخفى أن ذلك الشعور بدأ يراودني بعد احتلال العراق، حتى قلت للدكتور ابراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق الأسبق حين لقيته فى العراق ذات مرة، ان الحاصل في العراق ذكرنا بأننا سنة، في حين اننا ظللنا طوال الوقت نعتز بهويتنا كمسلمين فقط.
هذا الموقف ظل يتغير بصورة نسبية مع تطور الممارسات المذهبية في العراق، ولا استطيع ان اتجاهل في هذا الصدد ان الاحتلال ألقى بذرة هذه الفتنة حين عهد الى تشكيل اول مجلس للحكم الانتقالي على اساس مذهبي وعرقي، الامر الذي همش اهل السنة العرب، وفتح شهية الغلاة من القيادات الشيعية للتوغل والتوسع، والتطلع الى المزيد من الاستئثار بالسلطة والارض والثروة، وذهب هؤلاء الى ابعد حيث طرحوا فكرة «الفيدرالية» التي أريد بها إقامة اقليم شيعي كبير يضم 9 محافظات في الجنوب، تتركز فيها الثروة النفطية، ولتحقيق ذلك فان مجموعات من الغلاة، الذين انخرطوا فيما سمي بفرق الموت، عمدت الى تهديد أهل السنة في الاقليم المفترض، لضمان «نقائه المذهبي»، في خطوة لا سابقة لها في التاريخ العراقي، حيث ظلت القبائل والعشائر والزيجات تضم طول الوقت خليطا من السنة والشيعة. ولكي يحقق التهجير أهدافه، فان مختلف اساليب الترويع استخدمت فيه، حتى لم تتورع جماعات الغلاة عن قتل الاشخاص وهتك الاعراض ونهب الاموال وهدم البيوت وتفجير المساجد.
أدري ان بعض غلاة السنة لجأوا الى مثل هذه الاساليب الشريرة، ورغم ان الجدل لن يتوقف حول الطرف الذي بدأ العدوان، ومن المسؤول عن الفعل ومن الذي قام برد الفعل، الا اننا نسجل ملاحظتين في هذا الصدد:
الأولى أن فرق الموت الشيعية مدعومة عند الحد الادنى بالسلطة وبالأحزاب الشيعية الرئيسية. واستخدامها لسيارات الشرطة وأسلحتها وسجونها خير دليل على ذلك، في حين أن التي تنتسب إلى أهل السنة لا ظهر لها ولا سند. الملاحظة الثانية ان ممارسات فرق الموت وعمليات التطهير العرقي التي لجأت اليها قوبلت بصمت مثير للانتباه من قبل المراجع الشيعية العليا، في حين ان ممارسات الجماعات السنية ضد التجمعات الشيعية أدينت علنا من جانب مختلف المراجع السنية، في داخل العراق وخارجه. وفي كل الاحوال فان هذا الجدل يمكن ان تحسمه اية جهة محايدة تتولى تقصي حقائق الفتنة الحاصلة بين الطرفين.
في حدود علمي فان ما دعا اتحاد العلماء الى اصدار بيانه هو تلك الاخبار المؤرقة التي خرجت اخيرا من بغداد، والتي تحدثت عن قيام فرق الموت التابعة لمقتدى الصدر بعملية تهجير وقتل على الهوية في العاصمة. وذكرت أن هذه الجماعات مندفعة في عملية التطهير لإخلاء بغداد من السنة. وقد تحقق لها ما أرادت في شرق بغداد، وهي الان تهاجم بشدة احياء غرب المدينة، الامر الذي ينذر بسقوط العاصمة بأيديهم اذا لم يتم تدارك الامر في الوقت المناسب. وسمعت من بعض القادمين من العراق ان اهل السنة في الغرب حين صدوا هجوما من فرق جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، فان الطائرات الامريكية حلقت فوق أحيائهم في اليوم التالي، وغطت هجوما على الارض، وترتدي ثياب الشرطة عمدت الى جمع الأسلحة من البيوت، لتصبح تلك الاحياء بلا دفاعات، الامر الذي ييسر مهمة عناصر جيش المهدي في اجتياحها بعد ذلك.
لا أريد ان استرسل في التفاصيل الاخرى التي سمعتها في هذا الصدد، لكني أنبه إلى انه في غيبة جهد يبذل لتقصي الحقائق والتثبت مما يجري، فان سوق الشائعات ستروج، لا ريب، ولن يخلو الامر من مبالغات واكاذيب يطلقها هذا الطرف او ذاك. وقد نعذر أو نفهم أية تصرفات سلبية يمكن ان تترتب على الترويج لتلك الشائعات. وهو ما لا نتمناه على أي حال.
مع ذلك فثمة اجماع على ان جيش المهدي هو الذي يباشر عمليات التطهير الطائفي الجارية في بغداد الان. حتى ان وكالات الانباء اصبحت تتحدث صراحة عن ذلك. وهو ما يسوغ لنا أن نسأل من يمول مقتدى الصدر ومن أين يأتي لرجاله بالسلاح؟ ـ إنني لا اريد ان اصدق ـ ولا اتمنى ـ ان تكون طهران هي التي تدعمه، ورغم ان ثمة لغطا كبيرا في هذا الصدد، يستند الى قراءة تشي بأن لإيران بصمات في هذا الموضوع. وهو ما يحتاج بدوره الى تحرير، قبل ان تستفحل الشائعات وتتراكم حتى يتم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلم بها.
إن إيران مطالبة بتحديد موقف صريح من عملية التطهير الطائفي الجارية، خصوصا من جانب المرشد الاعلى السيد على خامنئي، حتى قبل ان تشكل لجنة تقصي حقائق، لأنه من المهم للغاية ان تعلن القيادة والمرجعية الايرانية براءتها من الجرائم التى ترتكب بحق السنة. علما بان ايران خسرت كثيرا من رصيدها بسبب ممارسات الشيعة في العراق، بدءا بالذين تواطأوا مع الاحتلال الامريكي وأيدوه، وانتهاء بعمليات التطهير الطائفي التي استهدفت اهل السنة. حتى اصدقاءها ـ وأنا منهم ـ لم يعودوا قادرين على فهم تصرفاتها وعاجزين عن تفسير صحتها، في حين انها مقبلة على مواجهة مع الولايات المتحدة بسبب مشروعها النووي، تحتاج فيها الى كسر طوق العزلة وليس الى تعميقه وتعزيزه. علما بأن الممارسات التي نسبت الى طهران أنعشت كثيرا من التيارات السلفية المغالية المخاصمة للشيعة في العالم العربي والإسلامي حتى رجحت كفتها على التيارات المعتدلة في أقطار عدة.
اننا نبذل جهدا كبيرا لاقناع من حولنا بالتفرقة بين ممارسات الشيعة في العراق، والمواقف المشرفة لنظرائهم في لبنان. كما ندعو الى التفرقة بين التحفظ على السياسة الايرانية في العراق، وبين التورط في الاصطفاف الى جانب المعسكر الامريكي الاسرائيلي الذي يتربص بايران ويكيد لها. ونحن في هذا وذاك ندافع عن عزة الأمة وكرامتها، ولا ندافع عن طائفة أيا كانت. لكن ذلك الجهد يظل قاصرا ومقصورا اذا لم تساعدنا عليه طهران، التى اعرف انها تزخر بالحكماء وبعيدي النظر، فهل تسمع لهؤلاء صوتا؟
حكايتي مع العيادة
د.أيمن محمد الجندي : بتاريخ 7 - 1 - 2007
حينما وقع ذلك الخطاب في يدي – بعد ثمان سنوات كاملة تغير فيها كل شيء - رحت أضحك وأستعيد ذكري تلك الأيام السوداء التي افتتحت فيها عيادة طبية ، وقلت لنفسي أنت مجنون .. لا يوجد أحد يكتب مثل هذا الخطاب ثم يرسله إلى ناس لا يعرفونه وهو بكامل قواه العقلية. ولكن دعوني أحكي لكم الأمر من البداية ...........................عام 1998 ابتعت – بكل ما أملك – عيادة في قلب المدينة . عيبها الوحيد أنها في الطابق السابع ، لكني قلت لنفسي أن الموقع مميز والسعر مناسب وهناك مصعد في كل حال . كنت أتوقع بعض المشاكل مستقبلا لكن الواقع كان أسوأ من كل ما تخيلت .بمجرد افتتاح العيادة علمت أنه يتحتم دفع مبلغ خمسمائة جنيه كوديعة يستخدم ريعها في الصرف على العمارة ، بالإضافة لمبلغ ( 30 جنيه ) شهريا مقابل أجر البواب وكهرباء المصعد وإنارة المدخل وإصلاح أي أعطال محتملة في عمارة تعج بالعيادات الطبية الشهيرة ومكاتب المحاماة والاستيراد والتصدير . دفعت سعيدا كل ما هو مطلوب مني برغم أني أعلم أننا نفتقد روح العمل الجماعي في مصر ، لكني تصورت – لسذاجتي البالغة – أن الكل سيتكاتف لأن المصلحة واحدة ، وتعطل المصعد يعني تعطل أعمالنا الخاصة التي يمكن ترجمتها إلى مال . أضف إلى ذلك أن موقع البناية مميز ، وبالتالي فكل من فيها ميسورو الحال .كانت هذه العيادة هي أول احتكاك لي بواقع المجتمع المصري. لقد سأمت هذا العالم الخيالي الذي عشت فيه طيلة الوقت وشعرت برغبة حقيقية في تجربة حظي . أن أكون واحدا من تلك الكائنات الخطرة التي تتكلم في أهمية وتنظر للآخرين في صرامة وتتعامل بلغة المال.كانت أياما سوداء قابلت فيها أنماطا عجيبة من البشر ..خذ عندك مثلا تلك الفتاة نصف البلهاء التي عملت معي ..هي الأخرى كانت تجرب حظها وتخرج للعالم الخطر لأول مرة، فانطبق علينا المثل ( اتلم المتعوس على خايب الرجا ) ..بمجرد أن أدخل العيادة يكون السيناريو كالتالي تقول في بلاهة : - مبروك يا دكتور ، أخذت براءة . أنظر إليها في دهشة محاولا الفهم : - براءة من ايه بالضبط ؟ .- الراجل جه وقال أنك أخذت براءة في القضية - رجل مين يا بنتي ؟فتستطرد الفتاة وكأني لم أقل شيئا - وعليك غرامة خمسين جنيهوأحاول أنا استيعاب الكلام المتناقض ، أي قضية تلك التي نلت فيها براءة ؟ وإذا كنت بريئا من هذه التهمة المجهولة فكيف حكم علي بدفع غرامة ؟ يتبين فيما بعد أن أوغاد المحليات الذين كانوا يترددون على العيادة يوميا لابتزازي ( وكأن هناك مصنعا ينتجهم بالجملة ) قد لفقوا لي قضية بزعم أن اللافتة مخالفة فحكم علي القاضي بتلك الغرامة .....................سرعان ما اكتشفت الحقيقة المرة ،نصف السكان لا يريدون الدفع وبالتالي فكل شيء متوقف . المصعد معطل وشركة الصيانة تريد مستحقاتها السابقة قبل إصلاحه ، المدخل مظلم لأن شركة كهرباء قطعت النور لعدم دفع الفاتورة ، القمامة تفوح بروائح خبيثة لأن البواب يرفض رفعها حتى ينال أجره عن الشهور الماضية..باختصار فإن مجرد الوصول لعيادتي يستلزم مريضا انتحاريا يصعد سبعة أدوار يتحسس طريقه في ظلام مطبق دامس مغامرا بانزلاقه على الدرج ودق عنقه ، أو عاشقا مجهولا يذوب صبابة في عشقي ولا ينام طول الليل من حبي ..سألت عن المسئول عن العمارة فقالوا لي أنه الدكتور سعيد ، ذهبت لعيادته في الدور الثالث فتنين لي أنه لا يكف عن شرب الينسون لتسليك صوته الذي بح من محاولة انتزاع الثلاثين جنيها من السكان المحترمين دون جدوى ، بل وصل الأمر أن طبيبا شهيرا – هكذا قال لي - يكسب الآلاف يوميا وليس شهريا قال له بوضوح - صعب جدا أعطيك المبلغ دفعة واحدة ، يمكنك إرسال مساعدتك لتأخذ جنيها كل يوم .ورغم غرابة الفكرة فقد رحب بها الدكتور سعيد ، وتعودت البنت أن تذهب كل صباح لتعود بالجنيه السحري ، ولكنه عاد وتراجع بعد عدة أيام واستخسر الجنيه ( بشرفي كل كلمة في المقال حدثت فعلا ) .بالطبع لم أهضم هذه الكوميديا السوداء ، وبصرف النظر عن أي مبادئ فإن دهشتي الكبرى أنهم يؤذون أنفسهم بلا مبرر ويخسرون في كل الأحوال..فالمريضة التي تصعد خمسة أدوار لتعطل المصعد لن تعود في المرة القادمة ..لماذا يقبلون خسارة جسيمة على المدى البعيد في سبيل تجنب دفع مبلغ شهري زهيد ؟. .في ظل هذه الظروف كتبت هذا الخطاب الذي أشرت إليه في بداية المقال ، وقامت الفتاة نصف البلهاء بتوزيعه بحماسة منقطعة النظير على كل سكان العمارة . بصراحة استمتعت جدا أثناء كتابته..خصوصا وأنا أتخيل ملامح تلك الكائنات الخطرة وهي تقرؤه .. ولأنهم لا يعرفونني فقد كان له وقع الصاعقة على الجميع . بعض الأصدقاء أصحاب الحس الفكاهي تناقلوه فيما بينهم ثم ضاع هذا الخطاب وانمحى تماما من ذاكرتي حتى وجدته مرة أخرى فقلت أنشره هنا ...............كان نص الخطاب كالتالي السادة الزملاء الأفاضل تحية طيبة عاطرة وتهنئة مباركة بعيد الأضحى المبارك الجميع لاحظ التدهور الذي لحق بمرافق العمارة في الآونة الأخيرة مثل تعطل المصعد واحتراق موتور المياه ، وقد أرجع السيد الدكتور سعيد رئيس اتحاد العمارة هذا التدهور إلى عزوف البعض عن دفع المستحقات المالية مثل مبلغ الخمسمائة جنيه الذي يدفع مرة واحدة عند شراء أي شقة ومبلغ 30 جنيه المستحق شهريا للصرف على العمارة .السادة الزملاء الأفاضلإنني أنعى إليكم ذهاب عصر المعجزات .كنا نتمنى جميعا لو أن المصعد – ذلك الوغد – يعمل بغير انقطاع إلى الأبد دون صيانة أو حاجة إلى مصدر للطاقة . ولكنه – ويا للعجب – لا يعمل إلا بالكهرباء . والأدهى أن شركة الكهرباء الآثمة تريد مالا مقابل استهلاك الكهرباء !! ، انظروا إلى الجرأة !! ، إنها تأبى أن تعطينا الكهرباء مجانا فأي وقاحة !!.وموتور المياه – تصوروا !!- يحترق بعد عمل دءوب لمدة عشرة أعوام فقط ، وبائعو الموتور يطلبون مالا مقابل ذلك ..انظروا إلى سوء الأخلاق !!.والقمامة ؟ لماذا تحتاج إلى عامل ليرفعها ؟ لماذا لا تنتقل بالقوة الخفية إلى صندوق القمامة من تلقاء نفسها ؟ ، وما فائدة القوى الروحانية في هذا الكون إذا لم نستفد منها ؟ . وبواب العمارة يريد أجرا شهريا ، وهذا يشعرني بالاشمئزاز .دائما يطلبون مالا . لن يتعلموا أبدا القناعة وسمو النفس . ثم دعوني أتساءل ماذا سيفعل بالمال ؟ ، أنه مفسدة وواجبنا أن نغرس روح الفضيلة في النشء والشباب ، أرجوكم دعوكم من هذا الكلام الفارغ عن إطعام أطفاله فالصوم الطويل يدفع للجلد وقوة الاحتمال .مدخل العمارة بحاجة إلى الإضاءة !! ، عجيب هذا الكلام . إن نفوسنا المضيئة سيفيض منها نور ساطع سيضيء كل العمارات المجاورة ويمكن أن نربح منهم مالا أيضا .والآن سادتي الأفاضل سأقترح بعض الأفكار التي سوف تفيدكم حينما يطالبكم الدكتور سعيد بدفع المال .1- انظر إليه نظرات زائغة ، وتظاهر بالانهماك الشديد . أنت رجل شديد الأهمية وذهنك لا يتسع لهذه الأمور التافهة الحقيرة . أنت مشغول بمستقبل الإنسانية فهل يجوز أن يحدثونك في هذا الهراء ؟2- ارسم على وجهك علامات الأسف العميق على هؤلاء الذين يهتمون بالمال – ذلك المتاع الفاني – لماذا لا يهتمون مثلك بالأمور الروحانية ؟3- لا تفعل شيئا . البعض سيدفع ولا تبالي أنك تنتفع بخدمات من جيب غيرك . لا تخجل من هذا .4- طالب بتنحي الدكتور سعيد وتعيين سلطان بروناي للإنفاق على العمارة .!!وكل عام وانتم بخير . د.أيمن محمد الجندي . انتهى الخطاب .........................أما نهاية قصتي مع العيادة فقد كانت محتمة وهي إغلاقها بالطبع توطئة لبيعها ، لم تمض عدة شهور إلا وأغلقها المشتري هو الآخر وهاجر من البلاد نهائيا ..هذه العيادة ( قدم السعد )كما تلاحظون .. لذلك لم يكن عجيبا أن أتجنب المرور بجوارها لأن ذكرياتها السوداء تطاردني ، ولكنها علمتني درسا مهما جدا في هذه الحياة : الناس على أتم استعداد لإلحاق الضرر بأنفسهم ما داموا يضرونك معهم .aymanguindy@hotmail.com
أيها المغتربون استمتعوا حيث أنتم! ... بقلم : د. فيصل القاسم
مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
لاشك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة. فكم من المغتربين قضوا نحبهم في بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة! وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود في النهاية، ودون أن يستمتع بحياة الاغتراب! وكم منهم قاسى وعانى الأمرّين، وحرم نفسه من ملذات الحياة خارج الوطن كي يوفر الدريهمات التي جمعها كي يتمتع بها بعد العودة إلى دياره، ثم طالت به الغربة وانقضت السنون، وهو مستمر في تقتيره ومعاناته وانتظاره، على أمل التمتع مستقبلاًً في ربوع الوطن، كما لو أنه قادر على تعويض الزمان!
وكم من المغتربين عادوا فعلاً بعد طول غياب، لكن لا ليستمتعوا بما جنوه من أرزاق في ديار الغربة، بل لينتقلوا إلى رحمة ربهم بعد عودتهم إلى بلادهم بقليل، وكأن الموت كان ذلك المستقبل الذي كانوا يرنون إليه! لقد رهنوا القسم الأكبر من حياتهم لمستقبل ربما يأتي، وربما لا يأتي أبداً، وهو الاحتمال الأرجح!
لقد عرفت أناساً كثيرين تركوا بلدانهم وشدوا الرحال إلى بلاد الغربة لتحسين أحوالهم المعيشية. وكم كنت أتعجب من أولئك الذين كانوا يعيشون عيشة البؤساء لسنوات وسنوات بعيداً عن أوطانهم، رغم يسر الحال نسبياً، وذلك بحجة أن الأموال التي جمعوها في بلدان الاغتراب يجب أن لا تمسها الأيدي لأنها مرصودة للعيش والاستمتاع في الوطن. لقد شاهدت أشخاصاً يعيشون في بيوت معدمة، ولو سألتهم لماذا لا يغيرون أثاث المنزل المهترئ فأجابوك بأننا مغتربون، وهذا البلد ليس بلدنا، فلماذا نضيّع فيه فلوسنا، وكأنهم سيعيشون أكثر من عمر وأكثر من حياة!
ولا يقتصر الأمر على المغتربين البسطاء، بل يطال أيضاً الأغنياء منهم. فكم أضحكني أحد الأثرياء قبل فترة عندما قال إنه لا يستمتع كثيراً بفيلته الفخمة وحديقته الغنــّاء في بلاد الغربة، رغم أنها قطعة من الجنة، والسبب هو أنه يوفر بهجته واستمتاعه للفيلا والحديقة اللتين سيبنيهما في بلده بعد العودة، على مبدأ أن المــُلك الذي ليس في بلدك لا هو لك ولا لولدك!! وقد عرفت مغترباً أمضى زهرة شبابه في أمريكا اللاتينية، ولما عاد إلى الوطن بنا قصراً منيفاً، لكنه فارق الحياة قبل أن ينتهي تأثيث القصر بيوم!!
كم يذكــّرني بعض المغتربين الذين يؤجلون سعادتم إلى المستقبل، كم يذكــّرونني بسذاجتي أيام الصغر، فذات مرة كنت استمع إلى أغنية كنا نحبها كثيرا أنا وأخوتي في ذلك الوقت، فلما سمعتها في الراديو ذات يوم، قمت على الفور بإطفاء الراديو حتى يأتي أشقائي ويستمعون معي إليها، ظناً مني أن الأغنية ستبقى تنتظرنا داخل الراديو حتى نفتحه ثانية. ولما عاد أخي أسرعت إلى المذياع كي نسمع الأغنية سوية، فإذا بنشرة أخبار.
إن حال الكثير من المغتربين أشبه بحال ذلك المخلوق الذي وضعوا له على عرنين أنفه شيئاً من دسم الزبدة، فتصور أن رائحة الزبدة تأتي إليه من بعيد أمامه، فأخذ يسعى إلى مصدرها، وهو غير مدرك أنها تفوح من رأس أنفه، فيتوه في تجواله وتفتيشه، لأنه يتقصى عن شيء لا وجود له في العالم الخارجي، بل هو قريب منه. وهكذا حال المغتربين الذين يهرولون باتجاه المستقبل الذي ينتظرهم في أرض الوطن، فيتصورون أن السعادة هي أمامهم وليس حولهم.
كم كان المفكر والمؤرخ البريطاني الشهير توماس كارلايل مصيباً عندما قال: " لا يصح أبداً أن ننشغل بما يقع بعيداً عن نظرنا وعن متناول أيدينا، بل يجب أن نهتم فقط بما هو موجود بين أيدينا بالفعل".
لقد كان السير ويليام أوسلير ينصح طلابه بأن يضغطوا في رؤوسهم على زر يقوم بإغلاق باب المستقبل بإحكام، على اعتبار أن الأيام الآتية لم تولد بعد، فلماذا تشغل نفسك بها وبهمومها. إن المستقبل، حسب رأيه، هو اليوم، فليس هناك غد، وخلاص الإنسان هو الآن، الحاضر، لهذا كان ينصح طلابه بأن يدعوا الله كي يرزقهم خبز يومهم هذا. فخبز اليوم هو الخبز الوحيد الذي بوسعك تناوله.
أما الشاعر الروماني هوراس فكان يقول قبل ثلاثين عاماً قبل الميلاد: "سعيد وحده ذلك الإنسان الذي يحيا يومه ويمكنه القول بثقة: أيها الغد فلتفعل ما يحلو لك، فقد عشت يومي".
إن من أكثر الأشياء مدعاة للرثاء في الطبيعة الإنسانية أننا جميعاً نميل أحياناً للتوقف عن الحياة، ونحلم بامتلاك حديقة ورود سحرية في المستقبل- بدلاً من الاستمتاع بالزهور المتفتحة وراء نوافذنا اليوم. لماذا نكون حمقى هكذا، يتساءل ديل كارنيغي؟ أوليس الحياة في نسيج كل يوم وكل ساعة؟ إن حال بعض المغتربين لأشبه بحال ذلك المتقاعد الذي كان يؤجل الكثير من مشاريعه حتى التقاعد. وعندما يحين التقاعد ينظر إلى حياته، فإذا بها وقد افتقدها تماماً وولت وانتهت.
إن معظم الناس يندمون على ما فاتهم ويقلقون على ما يخبئه لهم المستقبل، وذلك بدلاً من الاهتمام بالحاضر والعيش فيه. ويقول دانتي في هذا السياق:" فكــّر في أن هذا اليوم الذي تحياه لن يأتي مرة أخرى. إن الحياة تنقضي وتمر بسرعة مذهلة. إننا في سباق مع الزمن. إن اليوم ملكنا وهو ملكية غالية جداً. إنها الملكية الوحيدة الأكيدة بالنسبة لنا".
لقد نظم الأديب الهندي الشهير كاليداسا قصيدة يجب على كل المغتربين وضعها على حيطان منازلهم. تقول القصيدة: "تحية للفجر، انظر لهذا اليوم! إنه الحياة، إنه روح الحياة في زمنه القصير. كل الحقائق الخاصة بوجود الإنسان: سعادة التقدم في العمر، مجد الموقف، روعة الجمال. إن الأمس هو مجرد حلم انقضى، والغد هو مجرد رؤيا، لكن إذا عشنا يومنا بصورة جيدة، فسوف نجعل من الأمس رؤيا للسعادة، وكل غد رؤيا مليئة بالأمل. فلتول اليوم اهتمامك إذن، فهكذا تؤدي تحية الفجر".
لمَ لا يسأل المغتربون عن أوطانهم السؤال التالي ويجيبون عليه، لعلهم يغيرون نظرتهم إلى الحياة في الغربة: هل أقوم بتأجيل الحياة في بلاد الاغتراب من أجل الاستمتاع بمستقبل هـُلامي في بلادي، أو من أجل التشوق إلى حديقة زهور سحرية في الأفق البعيد؟
كم أجد نفسي مجبراً على أن أردد مع عمر الخيام في رائعته (رباعيات): لا تشغل البال بماضي الزمان ولا بآتي العيش قبل الأوان، واغنم من الحاضر لذاته فليس في طبع الليالي الأمان.
العدالة .. هي جوهر الهم الوطني
المصريون : بتاريخ 9 - 1 - 2007
جمال سلطانالمفارقة المضحكة في مسلسل الاعتداء على استقلال القضاء وعلى دوره في حماية شفافية الانتخابات ونزاهتها ، أنه في نفس الوقت الذي تشن فيه السلطة التنفيذية حملتها لتهميش دور القضاء وعزله عن الرقابة على الانتخابات تخرج نفس الأصوات التي تروج لهذا العدوان لكي تتحدث بشاعرية واحتفال كبير عن القرار بإدخال المرأة في سلك القضاء ، وسط زفة إعلامية سخيفة تبشر بدخول مصر عصر الحداثة والاستنارة ، دون أن تنسى "الزفة" الحديث عن دور القيادة السياسية في الانتقال بالمرأة المصرية إلى عصر الريادة وتمكينها من منصة القضاء ، وواضح أن هذا التوازي في القرارات يكشف عن "الملعوب" وهو إعطاء طعم لمنظمات المجتمع المدني والقوى الوطنية من خلال قرارات شكلية وترفية حاليا مقابل سكوتهم على جوهر الأزمة وصلب المطالب الوطنية ، المصريون لا يعنيهم اليوم أن يكون على المنصة ذكر أو أنثى ، وإنما تعنيهم العدالة ، أما أن تكون الإجراءات التي تتخذ الآن تدفع باتجاه تهميش دور العدالة ، فإن تعيين امرأة في منصة القضاء سوف لا يعني أي شئ على الإطلاق لرفعة هذا الوطن وتأمين حقوق مواطنيه ، والحداثة المدنية لا يمكن أن تكون لها أي قيمة إلا في وجود حداثة سياسية ، لقد كانت ترويجات الحزب الحاكم قبل سنوات أنه سوف يمنح المرأة فرصة أوسع في البرلمان ، وقد صدرت قرارات رئاسية بتعيين سيدات في البرلمان ، فهل هذا كان يعني مؤشرا على تعزيز الديمقراطية والحداثة في مصر ، أبدا ، بل إن أسوأ القوانين المقيدة للحريات صدرت بقيادة "المرأة" التي تم تعيينها في البرلمان ، والناس لا تنسى قوانين الست "فوزية" ، مصر اليوم تبحث عن "جوهر" الحق وجوهر العدل وجوهر الحرية ، هذه هي الأولوية القصوى ، وبعدها يأتي الحديث والحوار الوطني عن كل شئ ، والأمة تختار وتحدد طريقها بدون أي وصاية من أي طرف أو قوة ، ليست قضيتنا اليوم أن نعين سيدة على منصة القضاء وإنما قضيتنا هي ترسيخ العدالة وتعزيز استقلال القضاء وتأكيد دوره في إدارة العملية الانتخابية بالكامل وليس كموظفين أفراد تحت سيطرة وإدارة أجهزة السلطة مهما تسترت بوجود شخصيات عامة منتقاة فيها ، مصر اليوم أمام تحدي مفصلي لا يقبل التساهل أو التسامح فيه من أي ضمير وطني ، أن يدير القضاء المصري العملية الانتخابية بالكامل ، ثم أن يكون البت في صحة العضوية موكولا أيضا للقضاء من خلال محكمة النقض وشيوخها ، فليس مقبولا أن يثبت القضاء أن المرشح تقدم بأوراق مزورة ثم يتم تفويض البرلمان بالبت في صحة العضوية من عدمه وتتشكل لجان برلمانية للبت بدعوى أن البرلمان سيد قراره ، هذا تهريج ، ولا يمكن أن تقرر محكمة النقض أن مرشحا بعينه حصل على مقعده بتزوير الانتخابات والتلاعب بأصوات الناخبين ، ثم يقول البرلمان بأنه سوف ينظر في المسألة ويقرر استمرار العضو أو إسقاط عضويته ، هذه مساخر لا تحدث في أي مكان من العالم المتحضر ، سيادة البرلمان فيما يخصه من حوار أو نقاش أو لوائح داخلية أو إجراءات متعلقة بالنشاط النيابي داخله ، أما كل ما يتصل بما وقع قبل حصول العضو على عضويته فهو موكول إلى القضاء ، وإذا قضى بأن العضوية تحصلت بطريق باطل فيكون الأمر ملزما للبرلمان باحترام حكم القضاء لأنه عنوان الحقيقة ، ولأن كل ما بني على باطل هو باطل ، إن الكثير من التعديلات المقدمة لا تحمل أي أهمية بينما المحاور الأكثر خطورة وأهمية تم إغفالها وتجاهلها عمدا ، إن أحد أهم أولويات المواطن وحقوقه أن تكون محاكمته دائما أمام قاضيه الطبيعي ، وليس أن يفاجأ في أي خصومة سياسية بأنه أمام محكمة لأمن الدولة أو محكمة عسكرية ، فهذا أهم كثيرا من بشرى إلغاء المدعى العام الاشتراكي أو ما يسمى محكمة القيم .
مصيبة العرب الكبرى !
محمود سلطان : بتاريخ 9 - 1 - 2007
أثناء العدوان الأمريكي البريطاني على العراق في فبراير عام 2003، كانت تغطيات بعض الصحف العربية "الكبرى"، مثيرة للاستغراب! ولولا أننا نعرف أنها تصدر من عواصم عربية وأوربية، لتوقعنا أنها تصدر عن "البنتاجون"، ويحررها جنرالات الحرب الأمريكيين وليس صحفيين.والتبس الأمر على الرأي العام ـ آنذاك ـ على نحو يصعب على المراقب، فهمه وما إذا كانت هذه التغطية "شماتة" في صدام ، أم دفاعا عن "الأنظمة" العربية التي ظاهرت واشنطن في عدوانها، أم "تعجيلا" للمشروع الأمريكي لـ"دمقرطة" العالم العربي كما قيل في ذلك الوقت؟!وإذا كان بلير وبوش يتحملان مسئولية ضياع العراق ، فإن الصحف والكتاب العرب الذين ، اصطفت أقلامهم لتبرير الحرب والدفاع عنها وإعادة غسيل سمعة القيادتين البريطانية والأمريكية، تتحمل هي الأخرى مسئولية كل الجرائم التي ترتكب الآن في حق الشعب العراقي ، بالتضامن والتواطؤ مع القتلة والمجرمين في كل من لندن وواشنطن وطهران.العراق لم يكن ضحية أطماع واشنطن في نفط الخليج وحسب ، أيضا كان ضحية "الحمق" النخبوي العربي ، الذي صدق أن " بوش" يأتيه "الخبر" من السماء، وأن "الرب" بعثه مبشرا بـ"الديمقراطية" ونذيرا لـ"الديكتاتورية" ، فسلم له مثقفون عربا، عواصمهم وقصور أمرائهم ورؤسائهم، وأقلامهم ، ورقابهم حتى دهستها أحذية المارينز مؤخرا، وتخلت عنهم للطواغيت مجددا، لقاء من يمد لهم يد الإنقاذ من عار الهزيمة في بلد عربي كان اسمه قبل ثلاث السنوات "العراق" ، مزقه الأمريكيون والإيرانيون كل ممزق، وجعلوه قصصا وأحاديث.من يبكي الآن على العراق ، شارك بشكل أو بآخر في مأساته، وهذه واحدة من "معضلات" النخبة التي لا تتعلم من دروسها! في كثير من قصايانا "المحلية" أو الإقليمية شديدة التماس بالأمن القومي العربي .لقد انتقد مثقفون مصريون ـ على سبيل المثال ـ تغطية الأهرام الصحفية للعمليات العسكرية الأمريكية بالعراق، إذ كان موقفها ـ في بدايات الحرب ـ بالغ الاستفزاز، ومشينا ومسيئا لكل مصري ، بلغت مبلغ أن يجري رئيس تحريرها ابراهيم نافع ـ الذي شغل منصب نقيب الصحفيين المصريين لعدة سنوات ورئيس اتحاد الصحفيين العرب ـ حوارا مع بوش، في 8 مايو 2004 ،كان في مضمونه وحقيقته عملية غسيل لسمعة الرئيس الأمريكي وتجميله في عيون المصريين، وصف فيه جنوده القتلة بالعراق بأنهم "رائعون"! وهو الحوار الذي نشر بالتزامن مع حوارات مشابهة في قناتي "الحوار" و" العربية" ، في ترتيب لا تخطئه عين، بأنه يستهدف تقديم الجزار الأمريكي للعالم العربي باعتباره "المنقذ" لهم من "الضلال" الديكتاتوري الرسمي الذي يسومهم سوء العذاب آناء الليل وأطراف النهار.أول أمس قتل الأمريكيون العشرات من فقراء ومساكين العرب المسلمين بالصومال، في عمل عدواني همجي وحقير، استخف كعادته بالدم العربي المسلم، وللأسف صدرت الأهرام يوم أمس بعنوان يبرر الجريمة يقول" هجوم جوي أمريكي علي موقع للقاعدة في الصومال" !وهي المنبر الإعلامي الوحيد الذي جزم في عنوانه بأن الطائرات الأمريكية استهدفت "موقعا للقاعدة"! وكأنها ناطق بلسان حال البنتاجون! أو كأن الزميل أسامة سرايا ، كان من بين القوات المحمولة جوا، ورأي رأي العين أعلام أسامة بن لادن وايمن الظواهري ترفرف فوق "الموقع" القاعدي المزعوم.لا شك في أن مصيبة العرب والمسلمين كبيرة، وشبابهم وشيوحهم ونسائهم واطفالهم يذبحون بدم بارد في الشيشان وأفغانستان والعراق والصومال وفلسطين ، غير أن مصيبتهم أكبر فيمن أسند إليهم إدارة مؤسساتهم الإعلامية التي تتحدث باسم انظمتهم رسميا "الحكومية" أو بالباطن "الخاصة" ، حين شاركت ـ بقصد أو بدون قصد ـ في قصقصة العالم العربي والإسلامي من أطرافه من جهة ، وفي تخلفه السياسي والاقتصادي والثقافي، باسم العقلانية أو الواقعية السياسية من جهة أخرى.sultan@almesryoon.com
النكتة صوت الشعب المطحون ـ د. جابر قميحة
د. جابر قميحة : بتاريخ 12 - 1 - 2007
عرفوا "الإنسان" بتعريفات متعددة , لعل أشهرها وأقدمها أنه "حيوان ناطق" , أي مفكر . ومن هذه التعريفات كذلك : "أنه حيوان مخترع" أي: متطور, وضربوا مثلاً بالإنسان والقرد، فالقرد ـ من ملايين السنين ـ ما زال يعيش في الكهوف وبين الأشجار ويأكل الموجود الجاهز من ثمار وحشائش وغيرها، أما الإنسان فقد طور حياته وبيئته , فحول سكنه من الكهوف إلى البيوت المبنية ...و إلى ناطحات السحاب. وطور ملبسه من ورق الشجر إلى جلد الحيوانات , ثم إلى أخفر المنسوجات... الخ، وطور حياته من الفوضوية إلى الحياة الاجتماعية المحكومة بنظام قانوني .وعرفوا الإنسان كذلك بأنه "حيوان ضاحك" , والضحك تعبير معين يظهر على قسمات الوجه - وخصوصًا الشفتين - مصحوبا بصوت معين هو صوت الضحكة الذي ـ إذا علا وارتفع ـ سمي "قهقهة" والضحك نوعان: ضحك تعبيري , وضحك تعويضي . والأول مصدره شعور الإنسان بالفرح والسعادة . أما النوع الثاني فسببه تلاحق الشدائد والمصائب على الإنسان حتى يفقد إحساسه بها على حد قول المتنبي:رماني الدهرُ بالانصالِ حتىفؤادي في غشاء من نبالِفكنت إذا أصابتني سهامتكسّرت النصال على النصالوأمام حالة "اللامبالاة" هذه يلجأ المرزوء إلى ملء منطقة السعادة المفقودة في شعوره بالضحك الذي يأخذ صورة السخرية من ظالميه وأعدائه.. يسخر منهم ويضحك , ويُضحك الآخرين عليهم, منتقما منهم بلسانه بعد أن عجز عن الثأر منهم بيده , ويجد أن أمضى سلاح في هذا المقام هو "النكتة", والنكتة السياسية بصفة خاصة. وقد وصفها خالد محمد خالد ـ رحمه الله ـ بأنها "الاستمناء ـ أي العادة السرية ـ للشعب المظلوم . هذا , ولفظة "النكتة" تعني المعاني الآتية في اللغة العربية:1 ـ حز الأرض، أو ضربها بعود أو عصا، وإحداث أثر فيها.2 ـ النقطة السوداء كوسخ في المرآة أو السيف أو العين ... الخ3 ـ الضربة أو الطعنة، أو إلقاء الرجل في الأرض على رأسه , والرجل النـكَّات هو: الطعان في الناس.وهناك كلمة تشبهها في المعنى هي كلمة "التبكيت" وهي ـ كما جاء في لسان العرب ـ الضرب بالعصا والسيف واليد ونحوها، وهو أيضًا: التقريع والتوبيخ.والتعريف اللغوي يشير في قوة إلى الطابع النقدي المعنوي "للنكتة" : فهي تكشف العيوب والمثالب, وتهزها وتضربها بالسخرية الشديدة المرة . وهي ـ كالتبكيت ـ تحمل معنى التقريع والتوبيخ , ونذكر في هذا المقام أن عبد الله النديم أصدر مجلة سماها "التنكيت والتبكيت" كانت تهاجم المستعمرين والفاسدين بسخرية وتهكم.ويعد الشعب المصري من أكثر شعوب العالم ضحكًا وتنكيتًا ـ وذلك على سبيل التعويض طبعًا - لأنه تعرض على مدار التاريخ للظلم الفادح والقهر الطحون . والعلاقة بين النكتة والظلم السياسي والاجتماعي علاقة طردية , فهي تكثر وتتنوع وتنتشر في عهود الظلم والدكتاتورية , وتقل ـ بل تختفي ـ في عهود العدل والحرية , لذلك كان النصف الثاني من القرن العشرين بعد قيام الميمونة سنة 1952م اغزر العهود وأشدها وأمرها نكتًا , وأغلبها يرتبط بتصرفات المسئولين الكبار إذا شذت عن الطريق القويم . وكثير من هذه النكت غير صالح للنشر في أي عهد من العهود , لبشاعته وتوظيفه كلمات خارجة يعاقب عليها القانون . ومن أكثر النكت اعتدالاً النكت الآتية:* سأل الأول الثاني: هيه.. سمعت آخر نكتة؟ فرد عليه مش عايز اسمعها. سيبني أربي العيال . فأخذ الأول يتأفف :أف... أف . فقال له الثاني غاضبًا: يا أخي بطل كلام في السياسة.* خرج الفأر من الجحر ليبحث عن رزقه , وترك زوجته مع أولاده الصغار, ولكنه سرعان ما عاد ـ وهو يلهث - وطلب من زوجته أن تغلق باب الجحر بسرعة ؛ لأنه رأى رجال الأمن يقبضون على الإخوان المسلمين , قالت زوجته : ولكنك لست من الإخوان... أنت مجرد فأر . فصرخ في وجهها: يا غبية إنهم لن يصدقوا أنني فأر .* التقي مصري وأمريكي، فقال الأمريكي: عندنا من الحرية ما يمكننا من التظاهر في أكبر ميادين نيويورك، والهتاف بسقوط بوش، فقال المصري: ونحن نتمتع بحرية واسعة حتى إننا نستطيع أن نتظاهر في ميدان التحرير، ونهتف أيضا بسقوط بوش.* بعد أن خلع أحد المصريين ضرسه عند طبيب الأسنان في القاهرة، تورم أنفه بصورة مفزعة، فعرض نفسه على أشهر طبيب أسنان، وجراحة الفم في العالم، ومقره باريس، ودار بينهما الحوار التالي ( بعد أن فزع الطبيب العالمي من تضخم الأنف بشكل رعب ).ـ ماذا جرى؟ـ خلعت ضرسي في القاهرة.ـ ولكن خلع الضرس لا يؤدي إلى هذه النتيجة المفزعة.ـ لقد خلعته من أنفي: وضع الطبيب "كماشته" ووصل بها إلى فمي المغلق عن طريق أحد ثقبي أنفي، ثم خلع ضرسي، وأخرجه عن طريق الأنف .ـ عجيبة!!! ولماذا لم يخلع ضرسك عن طريق فمك مباشرة.ـ لأننا في مصر لا يستطيع أي مواطن "أن يفتح فمه".* قيل إن أحد الرؤساء أراد أن يكرم الرئيس الذي سبقه، فأمر أن يركب في قبره "جهاز تكييف"، وأتاه "المرحوم" في المنام وقال له: شكرًا.. لقد أرحتني من حرارة القبر الحقيقة التكييف ده "يرد الروح" , فقام من نومه فزعًا, وأخذ يصرخ: شيلوا التكييف بسرعة.. شيلوا التكييف.* يقال: أن أحد الرؤساء كان يقول في كل خطبة من خطبه "وأنا بحمد الله في سياستي، ومعيشتي أتمثل وأقتدي بعمر".فتجرأ أحد حوارييه وهمس في أذنه:ـ ولكن سياستك تختلف تمامًا عن سياسة عمر بن الخطاب فأجابه الرئيس.ـ أنا لا أقصد عمر بن الخطاب، ولكني أقصد "عمر الشريف" اللي كان جوز ـ الله يمسيها بالخير- فاتن حمامة.* وفي العهد الحاضر كثرت النكت التي تسخر من الوزارة وسياستها وكان ذلك يضايق الدكتور نظيف إلى أبعد حد، فأرسل يستشير خبيرًا أمنيًا كبيرًا عن كيفية اختراع هذه النكت؟ وانتشارها بسرعة مذهلة، وكان جواب الخبير: هذه النكت قطعًا مصدرها شخص واحد يتسم بالذكاء، وحضور البديهة، ينشرها بين أصدقائه، ومنهم يتلقفها الناس في شغف، ويروونها لشعورهم بكراهية النظام، وكلف رئيس الوزراء قواته المخابراتية التي بثت عيونها في كل مكان إلى أن اهتدوا إلى " فتوة " اجتمع حوله مجموعة من أصدقائه، وأخذ يتدفق بالنكت الجديدة كأنه ماكينة. فقبضوا عليه، وأحضروه بين يدي الدكتور نظيف الذي بادره قائلا: بقي أنت اللي بتخترع النكت؟؟ دنا هخرب بيتك. وفجأة دخل وزير التموين، وهو يقول باعتزاز وصوت مرتفع:ـ خلاص يا دكتور.. خلاص ابتداء من 1/1/2007م. ستنخفض أسعار السلع والخدمات بنسبة 30% , فقهقه الفتوة بصوت عال قائلاً: شفت يا دكتور؟؟ أنا ولا هو اللي بنخترع النكت؟* يقال أن أحد المواطنين ذهب إلى صفوت الشريف , وقال له " هذه عشرة آلاف جنيه مني , واشرح لي المقصود بالعبور الثاني " . فقال صفوت " بل لك مني عشرون ألف جنيه لو شرحت أنت لي المقصود بالعبور الثاني " .* يقال إن أحد المواطنين الفقراء ادخر من دخله، ثلاثة جنيهات وذهب إلى الجزار في اعتزاز.ـ من فضلك اديني بثلاثة جنيه لحمه.ـ نعم!! امش يا راجل من هنا وإلا فلقت دماغك بالساطور، هوّ فيه لحمه بثلاثة جنيه ؟.ـ طب اديني بالثلاثة جنيه ماسورة عضم.ـ برضه مفيش ماسور بثلاثة جنيه.ـ طب خد الثلاثة جنيه وسيبني أحضن العجل خمس دقايق.* وذهب أحدهم إلى جزار آخر، وقال:ـ اديني بربع جنيه لحمه.ـ طب امش من هنا لحسن أخلّي أهلك يخدوا عزاك.ـ إذن أنت ممتنع عن البيع، والمادة 32 فقرة أ من قانون العقوبات تقر ...فخاف الجزار ووزن له قطعة لحم في حجم الإصبع ثم سأله : حتعمل إيه بالحتة دي؟ـ مفيش حاجة ,أكتر من أني حلِفّها في سجارتين.هذا عن النكتة , فإذا كانت قصيرة جدًّا فهي "قفشة" كقولهم: إن المخابرات الأمريكية عثرت على بصمات ابن لادن على "قفا بوش" , وأن بوش ينام على الأرض ,لا على سرير خوفا من "المُـلا".***********وآمل – في النهاية - أن تكون معي – يا قارئي العزيز – في أن النكتة من أصدق الأصوات تعبيرا عن " "جُـوَّانية " الشعب المكبوت ... المخروس ... المطـحون .ولكل منها دلالة سياسية , أو اجتماعية . وآه ...آه ...!!! يا ليت حكامنا الأشاوس يقرءون , ويفهمون , ويستـجيبون . ولكن : لقد أ سمعتَ لو ناديتَ حيا = ولكن لا حيـاة لمـن تناديونار لو نفختَ بها أضاءتْ = ولكن ضاع نفخك في الرمادِkomeha@menanet.net
علاقة سعي المصريين لبناء مؤسسات موازية بانتشار ثقافة الاحتجاج: دلالات الهدوء الذي يبدو علي سطح الحياة السياسية المصرية
دستور في الدولة المدنية الحديثة والديمقراطية, ليس مجرد هيكل خشبي مصمت, بنصوص جامدة صماء, يحتكر صياغتها فقهاء القانون المحترفون وحدهم, وفق سرية المهنة, لكن الدستور وثيقة اجتماعية, تحمل في أحشائها كائنا حيا, يعبر عن الحالة الانسانية والاجتماعية, ويتفاعل مع المواطنين كافة, ويترجم أشواقهم للحرية من ناحية, ويكفل لهم ضمانات الخبز من ناحية أخري..ولذلك فإن الخطر كل الخطر ترك صياغة الدستور, أو تعديلاته, في أيدي فئة دون غيرها, سواء كانت قانونية بحتة, أو كانت طبقية بحتة, إنما الأصح والأدق أن تسهم كل فئات المجتمع في الحوار حول الدستور, والإسهام بجدية في صياغة مبادئه ونصوصه, ليجمع في النهاية من حوله التوافق الوطني..ولأن مصر علي سبيل المثال, تطرح الآن تعديل حزمة من مواد الدستور, هي34 مادة, بعد أن أحالها رئيس الدولة إلي مجلسي الشعب والشوري, وسط مناخ اجتماعي اقتصادي, يهرول هرولة نحو الليبرالية الاقتصادية, بما يواكبها من سوق حرة وخصخصة وبيع متسرع لأصول المجتمع وثروة الدولة, ومن اعتلاء كلمة المستثمرين ورجال الأعمال والأثرياء منابر القيادة, والتأثير الغلاب علي فلسفة الحكم, فإن الأمر يستدعي التمهل والدقة والحذر, خوفا من أن تأتي صياغة التعديلات بتغليب مصالح الأقلية الثرية علي حساب الأغلبية الفقيرة.والواقع يقول إن الأزمة الاقتصادية الاجتماعية, قد تركت آثارا سلبية رهيبة, علي القوام الرئيسي للمجتمع المصري, بالغلاء الفاحش والبطالة المتزايدة واتساع مساحات الفق,ر التي أكلت معظم الطبقة الوسطي, عماد المجتمع, وركزت الثروة والسلطة في أيدي قلة القلة, التي تسعي بكل الجهد لتطويع الدستور والقانون, ومن ثم الدولة ونظامها السياسي, لإرادتها ولمصالحها علي حساب الاخرين, وهاهي الفرصة قد جاءتها عبر طرح التعديلات الدستورية الواسعة, لتحكم قبضتها علي كل شيء يحقق لها مزيدا من الثراء, ومزيدا من النفوذ والسلطة.ثم يقولون لنا, هذه هي قواعد الليبرالية, بينما الحقيقة أن النظم الليبرالية والديمقراطية تقوم علي توازن المصالح وعلي قاعدة الحرية المتكافئة لفئات المجتمع ومواطنيه, وإلا أصبحت ليبرالية متوحشة, ولننظر إلي قاعدة الليبرالية في الغرب, ونعني بريطانيا, بل وامريكا, اللتين تحافظان علي الحريات العامة وحقوق الانسان, مثلما تعملان علي ضمان الحياة الاجتماعية وكفالة حقوق العمل والغذاء والمسكن والرعاية الصحية والاجتماعية للجميع, من أصحاب المليارات الي أصحاب الدخل المحدود!من هنا نقول, بل نحذر, من أن تستولي مصالح ونفوذ رجال الأعمال والحلقة الضيقة المحيطة بصنع السياسات, علي صياغة تعديلات الدستور, فتخضعها فقط لمصالحها الضيقة والمؤقتة علي حساب أغلبية الشعب المغيبة, من الناحية العملية, عن كل ما يتعلق بصنع السياسات واتخاذ القرار وصياغة الدستور لأسباب عديدة, يعلمها الكافة..ولذلك قلنا ونقول إن تعديل الدستور, معركة بكل معني الكلمة, لايجب تركها لا لمجموعة محدودة العدد وربما الكفاءة من القانونيين, ولا لمجموعة محدودة أخري من رجال الأعمال وأصحاب المصالح وطلاب السلطة ومحتكري الثروة, ولا لحزب وحيد, حتي لو ادعي أنه حزب الأغلبية, لكنها معركة وطنية وديموقراطية بالأساس, تتطلب جهود كل فئات المجتمع وطبقاته ونخبه وأحزابه ومنظماته المدنية والجماهيرية, وإلا أصبحت معركة من طرف واحد, يفاوض نفسه ويتحاور مع ظله, ويدافع فقط عن مصالحة, ويدوس علي الآخرين وهم الأغلبية الساحقة, التي إن لم تشارك في وضع الدستور وصياغة مواده والتوافق علي فلسفته.. أسقطت شرعيته!!***وعلي سبيل المثال, فإن التعديلات المطروحة, تلغي ما في الدستور القائم والصادر عام1971, كل مايشير إلي الاشتراكية وسيطرة الدولة علي وسائل الانتاج, وهذا طبيعي ومن تحصيل الحاصل, بحكم سقوط الاشتراكية عالميا من ناحية, وبحكم التحولات الكبري التي جرت في مصر, سياسيا واقتصاديا, منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي, حتي اليوم, اتجاها للعودة إلي النظام الرأسمالي, من ناحية ثانية.لكن التعديلات لم تقل لنا صراحة ماهو البديل وماهي الرؤية والبوصلة فيما يتعلق بدور الدولة في التنمية البشرية, وفي الاشراف علي عدالة توزيع الثروة بين الطبقات والأفراد, وفي الرعاية الاجتماعية والتعليمية والصحية لعموم المواطنين, وفي اعانة ومساندة الفقراء الذين يزدادون فقرا, بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة, وفي مكافحة غول الغلاء ووحش البطالة وظلام الأمية وتوحش الفساد المصحوب دوما بالاستبداد.والمجاهر به الآن, هو ترك كل ذلك لآلية السوق ولكرم رجال الأعمال وسماحة أصحاب الثروة والنفوذ, هم يتحملون المسئولية, وربما يكون ذلك سائدا في بعض الدول الرأسمالية بالفعل, التي استقرت فيها المباديء والقوانين وفلسفة العمل والانتاج والحكم وأساليب تكوين الثروات ودفع الضرائب وأداء المسئولية الاجتماعية, لكنه حتما لا يصلح علي إطلاقه لبلد مثل مصر, يعيش48 في المائة من مواطنيها حول وتحت خط الفقر, ويبلغ متوسط دخل43.9 في المائة من سكانها أقل من دولارين في اليوم, وفق تقرير التنمية البشرية الدولي, ويسكن ما بين16 و20 مليونا في العشوائيات والمقابر, ويجري في شوارعها مليونا طفل مشرد, ناهيك عن أعداد العاطلين الذين تتناقض أرقامهم الحقيقية صعودا وهبوطا...مواجهة هذا العبء المخيف, يجب ألا تترك لسماحة وكرم قله الأثرياء, ولا لاحتكار بعض القانونيين المتخصصين في الصياغة. المطاطة حمالة الأوجه, ولا لهواة السياسة المستجدين, ولا حتي لضغوط الدول الأجنبية والمنظمات المالية الدولية.. بل إنها مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع, التي يجب أن يحددها الدستور الواضح المعالم, وإلا ساد حكم الغابة للأقوي.. للأشرس!يقول قائل: إن تعديلات الدستور لم تمس حقوقا اجتماعية وسياسية واقتصادية مكتسبة, مثل مجانية التعليم, ونسبة50 في المائة للعمال والفلاحين, والعلاج الصحي, وهذا صحيح أيضا من الناحية النظرية, ولكن حين نتفحص الواقع, نري أن السياسات الجديدة تخترق كل ذلك وتنقض عليه وتحاصره, فمجانية التعليم أصبحت وهمية, ونسبة العمال والفلاحين لم تعد للعمال والفلاحين الحقيقيين, والعلاج صارت أسعاره نارية كاوية لا يقدر عليها إلا كل ذي مال وفير, ومسئولية تشغيل الشباب تخلت عنها الدولة, وتركتها لأريحية القطاع الخاص, وأسعار المساكن التهبت بما لا قبل ولا قدرة لأغلبية المجتمع علي الوفاء بها, بينما نقرأ يوميا عن مشروعات الاسكان الفاخر, يتخاطفها المليونيرات الجدد, من أملاك الدولة, التي تبيعها لكبار المستثمرين, دون حساب لحق البسطاء والفقراء..وبرغم أهمية تعديل الدستور, وبرغم ايماني العميق بضرورة أن يفضي التعديل إلي اطلاق الحريات العامة والي صيانة الحقوق الرئيسية للمواطنين, بما في ذلك حرية تكوين الأحزاب السياسية, وحرية الصحافة والرأي والتعبير, وحرية تداول السلطة, إلا أننا لو سألنا جموع المواطنين المهمومين بظروف العيش القاسية وضغوط الفقر, أي الخيارات والأولويات أهم حرية تكوين الأحزاب السياسية أولا, أو زيادة الدخل وتحسين الأحوال المعيشية ومكافحة البطالة وتثبيت الأسعار, لاختاروا حتما الأخيرة دون تردد..***وهو اختيار لا يعني التخلي عن الحريات العامة, والتضحية بها تفضيلا للقمة العيش, إنما هو ترتيب للأولويات تحكمه الضرورات, فما جدوي الكلام عن الحريات النظرية, بل ما معني الدستور والأحزاب والانتخابات والسلطة والديمقراطية, إن لم تكفل للمواطن البسيط المرهق المنهك, الحد الأدني من حقوقه الرئيسية, حق الغذاء والكساء والمسكن والتعليم والعمل والعلاج.. وحق الأمل في مستقبل أفضل..والعكس في رأينا صحيح, فما معني الغذاء الوفير والمسكن الفاخر والعمل المنتظم, دون حرية حقيقية للمواطن, يعبر بها عن رأيه ويتمتع بحقوقه الدستورية والقانونية, ويختار ممثله ونائبه ورئيسه, ويسعي حتي إلي رئاسة السلطة وفق قاعدة التداول عبر انتخابات نزيهة ونظيفة.الخبز والحرية, وجهان لعملة واحدة, والليبرالية الغربية أسست نظمها الديمقراطية, علي قدمين هما الحرية السياسية والحرية الاقتصادية, والنظم الاشتراكية فشلت وسقطت لأنها كسرت قدم الحرية وحبست أنفاس البشر وتجاهلت آراء الناس ورغباتهم, باسم بناء الدولة وتقوية السلطة, فإذا بهذه تتحول الي ديكتاتورية وحشية!وأمام مصر في هذه المرحلة العاصفة, مهمة أن تقدم للعرب والعجم, مبادرة تاريخية, إن هي نجحت في إعداد دستورها علي الوجه الذي يكفل الخبز والحرية, ويوازن بين الحقوق والحريات السياسية, والحقوق الاقتصادية والاجتماعية, ويصلح الخلل الخطير الذي أصاب المجتمع, فأذاب الطبقة الوسطي وضمها قسرا للطبقة الفقيرة والمعدمة, وراكم الثروة مع السلطة في أيدي قلة, تقودها مجموعة من المغامرين والطامعين والطامحين, دون أن تكون لهم رؤية مستقبلية, ولا مسئولية مجتمعية..وربما تكون احدي الوسائل العاجلة لإصلاح هذا الخلل السياسي الاجتماعي, تكمن في إطلاق حرية تكوين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني, لكي تعبر تعبيرا صادقا عن التعددية في المجتمع, تعددية الفقراء والأغنياء, الفلاحين والعمال وأصحاب الاعمال, المثقفين والمهنيين والحرفيين, وهي تعددية تقود حتما إلي تكريس تبادل السلطة بين كل أصحاب المصالح عبر انتخابات حرة, والا ما جدوي التعددية الحزبية إن لم تؤد إلي تداول السلطة, وما جدوي تداول السلطة إن لم تعبر عن حرية الاختيار لجميع أبناء الوطن. وها هي مصر يشغلها ضجيج23 حزبا, دون أن يتمكن واحد منها من الحصول علي نسبة5 في المائة من مقاعد البرلمان, كشرط للترشح لرئاسة الجمهورية في المستقبل, كما تنص التعديلات الدستورية المطروحة..حقا ما جدوي كل ذلك, وما مؤداه, إلا أن يظل الحزب الحاكم.. حاكما!!***خير الكلام: قال تعالي: والله يعلم المفسد من المصلح
مطلوب تحري حقائق التطهير المذهبي في العراق
يثير انتباهنا ودهشتنا ذلك الصمت الذي قوبلت به الدعوة التي أطلقها اتحاد علماء المسلمين لتشكيل لجنة تقصي حقائق عملية التطهير العرقي على الاساس الطائفي: التي يشهدها العراق الان، والتى قدر ضحاياها بحوالي مليون ونصف المليون شخص، وكان الاتحاد الذي يرأسه الدكتور يوسف القرضاوي قد اصدر بيانا بهذا المعنى منذ اكثر من اسبوع (في 24/12)، طالب فيه بتحرى ما جرى في هذا الصدد، وكشف حقائقه وخلفياته ومقاصده، بواسطة لجنة خاصة، سواء من قبل الجهات الدولية المعنية بحقوق الانسان، أو من جانب منظمة المؤتمر الاسلامي والجامعة العربية، إذ من شأن خطوة من ذلك القبيل ان تقطع الطريق على أجواء البلبلة الشديدة الرائجة الآن في العالم العربي والإسلامي، وتطفئ نار فتنة تلوح في الأفق ويعلم الله وحده المدى الذي يمكن ان تصل اليه، اذا تجاوزت شراراتها حدود العراق الى أقطار عربية واسلامية اخرى، يتعايش في ظلها أصحاب المذاهب المختلفة جنبا الى جنب منذ قرون.
لقد تناقلت وكالات الأنباء وبعض الصحف بيان اتحاد العلماء، لكن الجهات المعنية بالامر لم تتحرك وغضت الطرف عنه، بالتالي فان الحال بقي كما هو عليه، فاستمرت عمليات التطهير المذهبى، وتدفق سيل الاخبار فى العراق مفصلا في وقائعها وفظائعها، بالتالي فان البلبلة زادت في اوساط المسلمين، واستصحبت معها مزيدا من الاحزان والمرارات والضغائن.
واذا كان اتحاد علماء المسلمين قد بادر الى اصدار البيان الذي لم يسم أحدا، ولم يحدد مسؤولية أية جهة، وانما طالب فقط بالتحقق مما يجري قبل اتخاذ اي موقف، فأحسب انه بذلك عبر عن مواقف مختلف الهيئات والمنظمات المعنية بالشأن الاسلامي، باعتبار ان ما يجري هناك أمر يهم المسلمين جميعا ويزعجهم، لذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت أن دعوة اتحاد العلماء تمثل مدخلا عاما ورصينا للتعامل مع الملف المسكوت عليه رسميا، في حين أن الشائعات الرائجة حوله في الاوساط الاسلامية من الخطورة بحيث يتعين احتواؤها قبل فوات الاوان.
أدري ان مشكلات العراق اكبر، وان البلد كله اصبح غارقا في الدماء الآن، وان ثمة غموضا يحيط بالكثير مما يجري فيه، بعدما انفلت العيار وغاب الأمن، وأصبحت الساحة مفتوحة على مصارعها لما لا حصر له من شرور، كأن الاحتلال الامريكى هو المصدر الاول لها، لكننا اذا عجزنا عن ان نطفئ الحريق الكبير ونستأصل أصل الداء، فلا اقل من ان نعمل على تخفيف حدة البلاء، وننزع بعض اسباب الفتنة المدمرة، ليس فقط دفاعا عن فئة في مواجهة اخرى، ولكن أيضا لكي تحتشد مختلف الفئات لمواجهة الاحتلال.
يغمرني شعور بالحزن والاسى حين اجد نفسي مدفوعا الى التعاطي مع ملف السنة والشيعة، لأنني أحد الذين جاهدوا طويلا ـ منذ ربع قرن على الاقل ـ لتجاوز ذلك التصنيف الطائفي، والتعامل مع الجميع باعتبارهم مسلمين من اهل القبلة، دماؤهم وأموالهم وأعراضهم عليهم حرام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع. وخلال تلك السنوات ظللت في اشتباك مستمر مع غلاة أهل السنة الذين طعنوا في عقائد الشيعة حتى اخرجوهم من الملة، حتى زعم بعض اولئك الغلاة أنني «تشيعت»، وأورد احدهم اسمي ضمن أسماء آخرين في كتاب كان عنوانه «المتحولون». ويبدو ان الشائعة انطلت على البعض، حتى ان احد الباحثين السعوديين اهتم بالموضوع، وقدم الى القاهرة ليسألني عن صحة ذلك الادعاء، في اطار بحث كان يعده للماجستير. فقلت انها اكذوبة لا تستحق ان أنفيها، لكنني عند موقفي من احترام الشيعة، لان اعداءنا لا يفرقون بين شيعي وسني، ولان ثمة مصلحة حقيقية للامة الاسلامية فى تعاون مختلف الفرق وائتلافها في مواجهة مختلف التحديات التي تتربص بها، ناهيك عن ان الذين يكرهون الامة لا يكفون عن الوقيعة بين الطرفين، وينتظرون بفارغ الصبر لحظة انفجار الصراع بينهما.
ما خطر ببالي قط ان اخاطب الاخرين باعتباري من اهل السنة، لكنى لا أخفى أن ذلك الشعور بدأ يراودني بعد احتلال العراق، حتى قلت للدكتور ابراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق الأسبق حين لقيته فى العراق ذات مرة، ان الحاصل في العراق ذكرنا بأننا سنة، في حين اننا ظللنا طوال الوقت نعتز بهويتنا كمسلمين فقط.
هذا الموقف ظل يتغير بصورة نسبية مع تطور الممارسات المذهبية في العراق، ولا استطيع ان اتجاهل في هذا الصدد ان الاحتلال ألقى بذرة هذه الفتنة حين عهد الى تشكيل اول مجلس للحكم الانتقالي على اساس مذهبي وعرقي، الامر الذي همش اهل السنة العرب، وفتح شهية الغلاة من القيادات الشيعية للتوغل والتوسع، والتطلع الى المزيد من الاستئثار بالسلطة والارض والثروة، وذهب هؤلاء الى ابعد حيث طرحوا فكرة «الفيدرالية» التي أريد بها إقامة اقليم شيعي كبير يضم 9 محافظات في الجنوب، تتركز فيها الثروة النفطية، ولتحقيق ذلك فان مجموعات من الغلاة، الذين انخرطوا فيما سمي بفرق الموت، عمدت الى تهديد أهل السنة في الاقليم المفترض، لضمان «نقائه المذهبي»، في خطوة لا سابقة لها في التاريخ العراقي، حيث ظلت القبائل والعشائر والزيجات تضم طول الوقت خليطا من السنة والشيعة. ولكي يحقق التهجير أهدافه، فان مختلف اساليب الترويع استخدمت فيه، حتى لم تتورع جماعات الغلاة عن قتل الاشخاص وهتك الاعراض ونهب الاموال وهدم البيوت وتفجير المساجد.
أدري ان بعض غلاة السنة لجأوا الى مثل هذه الاساليب الشريرة، ورغم ان الجدل لن يتوقف حول الطرف الذي بدأ العدوان، ومن المسؤول عن الفعل ومن الذي قام برد الفعل، الا اننا نسجل ملاحظتين في هذا الصدد:
الأولى أن فرق الموت الشيعية مدعومة عند الحد الادنى بالسلطة وبالأحزاب الشيعية الرئيسية. واستخدامها لسيارات الشرطة وأسلحتها وسجونها خير دليل على ذلك، في حين أن التي تنتسب إلى أهل السنة لا ظهر لها ولا سند. الملاحظة الثانية ان ممارسات فرق الموت وعمليات التطهير العرقي التي لجأت اليها قوبلت بصمت مثير للانتباه من قبل المراجع الشيعية العليا، في حين ان ممارسات الجماعات السنية ضد التجمعات الشيعية أدينت علنا من جانب مختلف المراجع السنية، في داخل العراق وخارجه. وفي كل الاحوال فان هذا الجدل يمكن ان تحسمه اية جهة محايدة تتولى تقصي حقائق الفتنة الحاصلة بين الطرفين.
في حدود علمي فان ما دعا اتحاد العلماء الى اصدار بيانه هو تلك الاخبار المؤرقة التي خرجت اخيرا من بغداد، والتي تحدثت عن قيام فرق الموت التابعة لمقتدى الصدر بعملية تهجير وقتل على الهوية في العاصمة. وذكرت أن هذه الجماعات مندفعة في عملية التطهير لإخلاء بغداد من السنة. وقد تحقق لها ما أرادت في شرق بغداد، وهي الان تهاجم بشدة احياء غرب المدينة، الامر الذي ينذر بسقوط العاصمة بأيديهم اذا لم يتم تدارك الامر في الوقت المناسب. وسمعت من بعض القادمين من العراق ان اهل السنة في الغرب حين صدوا هجوما من فرق جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، فان الطائرات الامريكية حلقت فوق أحيائهم في اليوم التالي، وغطت هجوما على الارض، وترتدي ثياب الشرطة عمدت الى جمع الأسلحة من البيوت، لتصبح تلك الاحياء بلا دفاعات، الامر الذي ييسر مهمة عناصر جيش المهدي في اجتياحها بعد ذلك.
لا أريد ان استرسل في التفاصيل الاخرى التي سمعتها في هذا الصدد، لكني أنبه إلى انه في غيبة جهد يبذل لتقصي الحقائق والتثبت مما يجري، فان سوق الشائعات ستروج، لا ريب، ولن يخلو الامر من مبالغات واكاذيب يطلقها هذا الطرف او ذاك. وقد نعذر أو نفهم أية تصرفات سلبية يمكن ان تترتب على الترويج لتلك الشائعات. وهو ما لا نتمناه على أي حال.
مع ذلك فثمة اجماع على ان جيش المهدي هو الذي يباشر عمليات التطهير الطائفي الجارية في بغداد الان. حتى ان وكالات الانباء اصبحت تتحدث صراحة عن ذلك. وهو ما يسوغ لنا أن نسأل من يمول مقتدى الصدر ومن أين يأتي لرجاله بالسلاح؟ ـ إنني لا اريد ان اصدق ـ ولا اتمنى ـ ان تكون طهران هي التي تدعمه، ورغم ان ثمة لغطا كبيرا في هذا الصدد، يستند الى قراءة تشي بأن لإيران بصمات في هذا الموضوع. وهو ما يحتاج بدوره الى تحرير، قبل ان تستفحل الشائعات وتتراكم حتى يتم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلم بها.
إن إيران مطالبة بتحديد موقف صريح من عملية التطهير الطائفي الجارية، خصوصا من جانب المرشد الاعلى السيد على خامنئي، حتى قبل ان تشكل لجنة تقصي حقائق، لأنه من المهم للغاية ان تعلن القيادة والمرجعية الايرانية براءتها من الجرائم التى ترتكب بحق السنة. علما بان ايران خسرت كثيرا من رصيدها بسبب ممارسات الشيعة في العراق، بدءا بالذين تواطأوا مع الاحتلال الامريكي وأيدوه، وانتهاء بعمليات التطهير الطائفي التي استهدفت اهل السنة. حتى اصدقاءها ـ وأنا منهم ـ لم يعودوا قادرين على فهم تصرفاتها وعاجزين عن تفسير صحتها، في حين انها مقبلة على مواجهة مع الولايات المتحدة بسبب مشروعها النووي، تحتاج فيها الى كسر طوق العزلة وليس الى تعميقه وتعزيزه. علما بأن الممارسات التي نسبت الى طهران أنعشت كثيرا من التيارات السلفية المغالية المخاصمة للشيعة في العالم العربي والإسلامي حتى رجحت كفتها على التيارات المعتدلة في أقطار عدة.
اننا نبذل جهدا كبيرا لاقناع من حولنا بالتفرقة بين ممارسات الشيعة في العراق، والمواقف المشرفة لنظرائهم في لبنان. كما ندعو الى التفرقة بين التحفظ على السياسة الايرانية في العراق، وبين التورط في الاصطفاف الى جانب المعسكر الامريكي الاسرائيلي الذي يتربص بايران ويكيد لها. ونحن في هذا وذاك ندافع عن عزة الأمة وكرامتها، ولا ندافع عن طائفة أيا كانت. لكن ذلك الجهد يظل قاصرا ومقصورا اذا لم تساعدنا عليه طهران، التى اعرف انها تزخر بالحكماء وبعيدي النظر، فهل تسمع لهؤلاء صوتا؟
حكايتي مع العيادة
د.أيمن محمد الجندي : بتاريخ 7 - 1 - 2007
حينما وقع ذلك الخطاب في يدي – بعد ثمان سنوات كاملة تغير فيها كل شيء - رحت أضحك وأستعيد ذكري تلك الأيام السوداء التي افتتحت فيها عيادة طبية ، وقلت لنفسي أنت مجنون .. لا يوجد أحد يكتب مثل هذا الخطاب ثم يرسله إلى ناس لا يعرفونه وهو بكامل قواه العقلية. ولكن دعوني أحكي لكم الأمر من البداية ...........................عام 1998 ابتعت – بكل ما أملك – عيادة في قلب المدينة . عيبها الوحيد أنها في الطابق السابع ، لكني قلت لنفسي أن الموقع مميز والسعر مناسب وهناك مصعد في كل حال . كنت أتوقع بعض المشاكل مستقبلا لكن الواقع كان أسوأ من كل ما تخيلت .بمجرد افتتاح العيادة علمت أنه يتحتم دفع مبلغ خمسمائة جنيه كوديعة يستخدم ريعها في الصرف على العمارة ، بالإضافة لمبلغ ( 30 جنيه ) شهريا مقابل أجر البواب وكهرباء المصعد وإنارة المدخل وإصلاح أي أعطال محتملة في عمارة تعج بالعيادات الطبية الشهيرة ومكاتب المحاماة والاستيراد والتصدير . دفعت سعيدا كل ما هو مطلوب مني برغم أني أعلم أننا نفتقد روح العمل الجماعي في مصر ، لكني تصورت – لسذاجتي البالغة – أن الكل سيتكاتف لأن المصلحة واحدة ، وتعطل المصعد يعني تعطل أعمالنا الخاصة التي يمكن ترجمتها إلى مال . أضف إلى ذلك أن موقع البناية مميز ، وبالتالي فكل من فيها ميسورو الحال .كانت هذه العيادة هي أول احتكاك لي بواقع المجتمع المصري. لقد سأمت هذا العالم الخيالي الذي عشت فيه طيلة الوقت وشعرت برغبة حقيقية في تجربة حظي . أن أكون واحدا من تلك الكائنات الخطرة التي تتكلم في أهمية وتنظر للآخرين في صرامة وتتعامل بلغة المال.كانت أياما سوداء قابلت فيها أنماطا عجيبة من البشر ..خذ عندك مثلا تلك الفتاة نصف البلهاء التي عملت معي ..هي الأخرى كانت تجرب حظها وتخرج للعالم الخطر لأول مرة، فانطبق علينا المثل ( اتلم المتعوس على خايب الرجا ) ..بمجرد أن أدخل العيادة يكون السيناريو كالتالي تقول في بلاهة : - مبروك يا دكتور ، أخذت براءة . أنظر إليها في دهشة محاولا الفهم : - براءة من ايه بالضبط ؟ .- الراجل جه وقال أنك أخذت براءة في القضية - رجل مين يا بنتي ؟فتستطرد الفتاة وكأني لم أقل شيئا - وعليك غرامة خمسين جنيهوأحاول أنا استيعاب الكلام المتناقض ، أي قضية تلك التي نلت فيها براءة ؟ وإذا كنت بريئا من هذه التهمة المجهولة فكيف حكم علي بدفع غرامة ؟ يتبين فيما بعد أن أوغاد المحليات الذين كانوا يترددون على العيادة يوميا لابتزازي ( وكأن هناك مصنعا ينتجهم بالجملة ) قد لفقوا لي قضية بزعم أن اللافتة مخالفة فحكم علي القاضي بتلك الغرامة .....................سرعان ما اكتشفت الحقيقة المرة ،نصف السكان لا يريدون الدفع وبالتالي فكل شيء متوقف . المصعد معطل وشركة الصيانة تريد مستحقاتها السابقة قبل إصلاحه ، المدخل مظلم لأن شركة كهرباء قطعت النور لعدم دفع الفاتورة ، القمامة تفوح بروائح خبيثة لأن البواب يرفض رفعها حتى ينال أجره عن الشهور الماضية..باختصار فإن مجرد الوصول لعيادتي يستلزم مريضا انتحاريا يصعد سبعة أدوار يتحسس طريقه في ظلام مطبق دامس مغامرا بانزلاقه على الدرج ودق عنقه ، أو عاشقا مجهولا يذوب صبابة في عشقي ولا ينام طول الليل من حبي ..سألت عن المسئول عن العمارة فقالوا لي أنه الدكتور سعيد ، ذهبت لعيادته في الدور الثالث فتنين لي أنه لا يكف عن شرب الينسون لتسليك صوته الذي بح من محاولة انتزاع الثلاثين جنيها من السكان المحترمين دون جدوى ، بل وصل الأمر أن طبيبا شهيرا – هكذا قال لي - يكسب الآلاف يوميا وليس شهريا قال له بوضوح - صعب جدا أعطيك المبلغ دفعة واحدة ، يمكنك إرسال مساعدتك لتأخذ جنيها كل يوم .ورغم غرابة الفكرة فقد رحب بها الدكتور سعيد ، وتعودت البنت أن تذهب كل صباح لتعود بالجنيه السحري ، ولكنه عاد وتراجع بعد عدة أيام واستخسر الجنيه ( بشرفي كل كلمة في المقال حدثت فعلا ) .بالطبع لم أهضم هذه الكوميديا السوداء ، وبصرف النظر عن أي مبادئ فإن دهشتي الكبرى أنهم يؤذون أنفسهم بلا مبرر ويخسرون في كل الأحوال..فالمريضة التي تصعد خمسة أدوار لتعطل المصعد لن تعود في المرة القادمة ..لماذا يقبلون خسارة جسيمة على المدى البعيد في سبيل تجنب دفع مبلغ شهري زهيد ؟. .في ظل هذه الظروف كتبت هذا الخطاب الذي أشرت إليه في بداية المقال ، وقامت الفتاة نصف البلهاء بتوزيعه بحماسة منقطعة النظير على كل سكان العمارة . بصراحة استمتعت جدا أثناء كتابته..خصوصا وأنا أتخيل ملامح تلك الكائنات الخطرة وهي تقرؤه .. ولأنهم لا يعرفونني فقد كان له وقع الصاعقة على الجميع . بعض الأصدقاء أصحاب الحس الفكاهي تناقلوه فيما بينهم ثم ضاع هذا الخطاب وانمحى تماما من ذاكرتي حتى وجدته مرة أخرى فقلت أنشره هنا ...............كان نص الخطاب كالتالي السادة الزملاء الأفاضل تحية طيبة عاطرة وتهنئة مباركة بعيد الأضحى المبارك الجميع لاحظ التدهور الذي لحق بمرافق العمارة في الآونة الأخيرة مثل تعطل المصعد واحتراق موتور المياه ، وقد أرجع السيد الدكتور سعيد رئيس اتحاد العمارة هذا التدهور إلى عزوف البعض عن دفع المستحقات المالية مثل مبلغ الخمسمائة جنيه الذي يدفع مرة واحدة عند شراء أي شقة ومبلغ 30 جنيه المستحق شهريا للصرف على العمارة .السادة الزملاء الأفاضلإنني أنعى إليكم ذهاب عصر المعجزات .كنا نتمنى جميعا لو أن المصعد – ذلك الوغد – يعمل بغير انقطاع إلى الأبد دون صيانة أو حاجة إلى مصدر للطاقة . ولكنه – ويا للعجب – لا يعمل إلا بالكهرباء . والأدهى أن شركة الكهرباء الآثمة تريد مالا مقابل استهلاك الكهرباء !! ، انظروا إلى الجرأة !! ، إنها تأبى أن تعطينا الكهرباء مجانا فأي وقاحة !!.وموتور المياه – تصوروا !!- يحترق بعد عمل دءوب لمدة عشرة أعوام فقط ، وبائعو الموتور يطلبون مالا مقابل ذلك ..انظروا إلى سوء الأخلاق !!.والقمامة ؟ لماذا تحتاج إلى عامل ليرفعها ؟ لماذا لا تنتقل بالقوة الخفية إلى صندوق القمامة من تلقاء نفسها ؟ ، وما فائدة القوى الروحانية في هذا الكون إذا لم نستفد منها ؟ . وبواب العمارة يريد أجرا شهريا ، وهذا يشعرني بالاشمئزاز .دائما يطلبون مالا . لن يتعلموا أبدا القناعة وسمو النفس . ثم دعوني أتساءل ماذا سيفعل بالمال ؟ ، أنه مفسدة وواجبنا أن نغرس روح الفضيلة في النشء والشباب ، أرجوكم دعوكم من هذا الكلام الفارغ عن إطعام أطفاله فالصوم الطويل يدفع للجلد وقوة الاحتمال .مدخل العمارة بحاجة إلى الإضاءة !! ، عجيب هذا الكلام . إن نفوسنا المضيئة سيفيض منها نور ساطع سيضيء كل العمارات المجاورة ويمكن أن نربح منهم مالا أيضا .والآن سادتي الأفاضل سأقترح بعض الأفكار التي سوف تفيدكم حينما يطالبكم الدكتور سعيد بدفع المال .1- انظر إليه نظرات زائغة ، وتظاهر بالانهماك الشديد . أنت رجل شديد الأهمية وذهنك لا يتسع لهذه الأمور التافهة الحقيرة . أنت مشغول بمستقبل الإنسانية فهل يجوز أن يحدثونك في هذا الهراء ؟2- ارسم على وجهك علامات الأسف العميق على هؤلاء الذين يهتمون بالمال – ذلك المتاع الفاني – لماذا لا يهتمون مثلك بالأمور الروحانية ؟3- لا تفعل شيئا . البعض سيدفع ولا تبالي أنك تنتفع بخدمات من جيب غيرك . لا تخجل من هذا .4- طالب بتنحي الدكتور سعيد وتعيين سلطان بروناي للإنفاق على العمارة .!!وكل عام وانتم بخير . د.أيمن محمد الجندي . انتهى الخطاب .........................أما نهاية قصتي مع العيادة فقد كانت محتمة وهي إغلاقها بالطبع توطئة لبيعها ، لم تمض عدة شهور إلا وأغلقها المشتري هو الآخر وهاجر من البلاد نهائيا ..هذه العيادة ( قدم السعد )كما تلاحظون .. لذلك لم يكن عجيبا أن أتجنب المرور بجوارها لأن ذكرياتها السوداء تطاردني ، ولكنها علمتني درسا مهما جدا في هذه الحياة : الناس على أتم استعداد لإلحاق الضرر بأنفسهم ما داموا يضرونك معهم .aymanguindy@hotmail.com
أيها المغتربون استمتعوا حيث أنتم! ... بقلم : د. فيصل القاسم
مهما طالت سنين الغربة بالمغتربين، فإنهم يظلون يعتقدون أن غربتهم عن أوطانهم مؤقتة، ولا بد من العودة إلى مرابع الصبا والشباب يوماً ما للاستمتاع بالحياة، وكأنما أعوام الغربة جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب.
لاشك أنه شعور وطني جميل، لكنه أقرب إلى الكذب على النفس وتعليلها بالآمال الزائفة منه إلى الحقيقة. فكم من المغتربين قضوا نحبهم في بلاد الغربة وهم يرنون للعودة إلى قراهم وبلداتهم القديمة! وكم منهم ظل يؤجل العودة إلى مسقط الرأس حتى غزا الشيب رأسه دون أن يعود في النهاية، ودون أن يستمتع بحياة الاغتراب! وكم منهم قاسى وعانى الأمرّين، وحرم نفسه من ملذات الحياة خارج الوطن كي يوفر الدريهمات التي جمعها كي يتمتع بها بعد العودة إلى دياره، ثم طالت به الغربة وانقضت السنون، وهو مستمر في تقتيره ومعاناته وانتظاره، على أمل التمتع مستقبلاًً في ربوع الوطن، كما لو أنه قادر على تعويض الزمان!
وكم من المغتربين عادوا فعلاً بعد طول غياب، لكن لا ليستمتعوا بما جنوه من أرزاق في ديار الغربة، بل لينتقلوا إلى رحمة ربهم بعد عودتهم إلى بلادهم بقليل، وكأن الموت كان ذلك المستقبل الذي كانوا يرنون إليه! لقد رهنوا القسم الأكبر من حياتهم لمستقبل ربما يأتي، وربما لا يأتي أبداً، وهو الاحتمال الأرجح!
لقد عرفت أناساً كثيرين تركوا بلدانهم وشدوا الرحال إلى بلاد الغربة لتحسين أحوالهم المعيشية. وكم كنت أتعجب من أولئك الذين كانوا يعيشون عيشة البؤساء لسنوات وسنوات بعيداً عن أوطانهم، رغم يسر الحال نسبياً، وذلك بحجة أن الأموال التي جمعوها في بلدان الاغتراب يجب أن لا تمسها الأيدي لأنها مرصودة للعيش والاستمتاع في الوطن. لقد شاهدت أشخاصاً يعيشون في بيوت معدمة، ولو سألتهم لماذا لا يغيرون أثاث المنزل المهترئ فأجابوك بأننا مغتربون، وهذا البلد ليس بلدنا، فلماذا نضيّع فيه فلوسنا، وكأنهم سيعيشون أكثر من عمر وأكثر من حياة!
ولا يقتصر الأمر على المغتربين البسطاء، بل يطال أيضاً الأغنياء منهم. فكم أضحكني أحد الأثرياء قبل فترة عندما قال إنه لا يستمتع كثيراً بفيلته الفخمة وحديقته الغنــّاء في بلاد الغربة، رغم أنها قطعة من الجنة، والسبب هو أنه يوفر بهجته واستمتاعه للفيلا والحديقة اللتين سيبنيهما في بلده بعد العودة، على مبدأ أن المــُلك الذي ليس في بلدك لا هو لك ولا لولدك!! وقد عرفت مغترباً أمضى زهرة شبابه في أمريكا اللاتينية، ولما عاد إلى الوطن بنا قصراً منيفاً، لكنه فارق الحياة قبل أن ينتهي تأثيث القصر بيوم!!
كم يذكــّرني بعض المغتربين الذين يؤجلون سعادتم إلى المستقبل، كم يذكــّرونني بسذاجتي أيام الصغر، فذات مرة كنت استمع إلى أغنية كنا نحبها كثيرا أنا وأخوتي في ذلك الوقت، فلما سمعتها في الراديو ذات يوم، قمت على الفور بإطفاء الراديو حتى يأتي أشقائي ويستمعون معي إليها، ظناً مني أن الأغنية ستبقى تنتظرنا داخل الراديو حتى نفتحه ثانية. ولما عاد أخي أسرعت إلى المذياع كي نسمع الأغنية سوية، فإذا بنشرة أخبار.
إن حال الكثير من المغتربين أشبه بحال ذلك المخلوق الذي وضعوا له على عرنين أنفه شيئاً من دسم الزبدة، فتصور أن رائحة الزبدة تأتي إليه من بعيد أمامه، فأخذ يسعى إلى مصدرها، وهو غير مدرك أنها تفوح من رأس أنفه، فيتوه في تجواله وتفتيشه، لأنه يتقصى عن شيء لا وجود له في العالم الخارجي، بل هو قريب منه. وهكذا حال المغتربين الذين يهرولون باتجاه المستقبل الذي ينتظرهم في أرض الوطن، فيتصورون أن السعادة هي أمامهم وليس حولهم.
كم كان المفكر والمؤرخ البريطاني الشهير توماس كارلايل مصيباً عندما قال: " لا يصح أبداً أن ننشغل بما يقع بعيداً عن نظرنا وعن متناول أيدينا، بل يجب أن نهتم فقط بما هو موجود بين أيدينا بالفعل".
لقد كان السير ويليام أوسلير ينصح طلابه بأن يضغطوا في رؤوسهم على زر يقوم بإغلاق باب المستقبل بإحكام، على اعتبار أن الأيام الآتية لم تولد بعد، فلماذا تشغل نفسك بها وبهمومها. إن المستقبل، حسب رأيه، هو اليوم، فليس هناك غد، وخلاص الإنسان هو الآن، الحاضر، لهذا كان ينصح طلابه بأن يدعوا الله كي يرزقهم خبز يومهم هذا. فخبز اليوم هو الخبز الوحيد الذي بوسعك تناوله.
أما الشاعر الروماني هوراس فكان يقول قبل ثلاثين عاماً قبل الميلاد: "سعيد وحده ذلك الإنسان الذي يحيا يومه ويمكنه القول بثقة: أيها الغد فلتفعل ما يحلو لك، فقد عشت يومي".
إن من أكثر الأشياء مدعاة للرثاء في الطبيعة الإنسانية أننا جميعاً نميل أحياناً للتوقف عن الحياة، ونحلم بامتلاك حديقة ورود سحرية في المستقبل- بدلاً من الاستمتاع بالزهور المتفتحة وراء نوافذنا اليوم. لماذا نكون حمقى هكذا، يتساءل ديل كارنيغي؟ أوليس الحياة في نسيج كل يوم وكل ساعة؟ إن حال بعض المغتربين لأشبه بحال ذلك المتقاعد الذي كان يؤجل الكثير من مشاريعه حتى التقاعد. وعندما يحين التقاعد ينظر إلى حياته، فإذا بها وقد افتقدها تماماً وولت وانتهت.
إن معظم الناس يندمون على ما فاتهم ويقلقون على ما يخبئه لهم المستقبل، وذلك بدلاً من الاهتمام بالحاضر والعيش فيه. ويقول دانتي في هذا السياق:" فكــّر في أن هذا اليوم الذي تحياه لن يأتي مرة أخرى. إن الحياة تنقضي وتمر بسرعة مذهلة. إننا في سباق مع الزمن. إن اليوم ملكنا وهو ملكية غالية جداً. إنها الملكية الوحيدة الأكيدة بالنسبة لنا".
لقد نظم الأديب الهندي الشهير كاليداسا قصيدة يجب على كل المغتربين وضعها على حيطان منازلهم. تقول القصيدة: "تحية للفجر، انظر لهذا اليوم! إنه الحياة، إنه روح الحياة في زمنه القصير. كل الحقائق الخاصة بوجود الإنسان: سعادة التقدم في العمر، مجد الموقف، روعة الجمال. إن الأمس هو مجرد حلم انقضى، والغد هو مجرد رؤيا، لكن إذا عشنا يومنا بصورة جيدة، فسوف نجعل من الأمس رؤيا للسعادة، وكل غد رؤيا مليئة بالأمل. فلتول اليوم اهتمامك إذن، فهكذا تؤدي تحية الفجر".
لمَ لا يسأل المغتربون عن أوطانهم السؤال التالي ويجيبون عليه، لعلهم يغيرون نظرتهم إلى الحياة في الغربة: هل أقوم بتأجيل الحياة في بلاد الاغتراب من أجل الاستمتاع بمستقبل هـُلامي في بلادي، أو من أجل التشوق إلى حديقة زهور سحرية في الأفق البعيد؟
كم أجد نفسي مجبراً على أن أردد مع عمر الخيام في رائعته (رباعيات): لا تشغل البال بماضي الزمان ولا بآتي العيش قبل الأوان، واغنم من الحاضر لذاته فليس في طبع الليالي الأمان.
العدالة .. هي جوهر الهم الوطني
المصريون : بتاريخ 9 - 1 - 2007
جمال سلطانالمفارقة المضحكة في مسلسل الاعتداء على استقلال القضاء وعلى دوره في حماية شفافية الانتخابات ونزاهتها ، أنه في نفس الوقت الذي تشن فيه السلطة التنفيذية حملتها لتهميش دور القضاء وعزله عن الرقابة على الانتخابات تخرج نفس الأصوات التي تروج لهذا العدوان لكي تتحدث بشاعرية واحتفال كبير عن القرار بإدخال المرأة في سلك القضاء ، وسط زفة إعلامية سخيفة تبشر بدخول مصر عصر الحداثة والاستنارة ، دون أن تنسى "الزفة" الحديث عن دور القيادة السياسية في الانتقال بالمرأة المصرية إلى عصر الريادة وتمكينها من منصة القضاء ، وواضح أن هذا التوازي في القرارات يكشف عن "الملعوب" وهو إعطاء طعم لمنظمات المجتمع المدني والقوى الوطنية من خلال قرارات شكلية وترفية حاليا مقابل سكوتهم على جوهر الأزمة وصلب المطالب الوطنية ، المصريون لا يعنيهم اليوم أن يكون على المنصة ذكر أو أنثى ، وإنما تعنيهم العدالة ، أما أن تكون الإجراءات التي تتخذ الآن تدفع باتجاه تهميش دور العدالة ، فإن تعيين امرأة في منصة القضاء سوف لا يعني أي شئ على الإطلاق لرفعة هذا الوطن وتأمين حقوق مواطنيه ، والحداثة المدنية لا يمكن أن تكون لها أي قيمة إلا في وجود حداثة سياسية ، لقد كانت ترويجات الحزب الحاكم قبل سنوات أنه سوف يمنح المرأة فرصة أوسع في البرلمان ، وقد صدرت قرارات رئاسية بتعيين سيدات في البرلمان ، فهل هذا كان يعني مؤشرا على تعزيز الديمقراطية والحداثة في مصر ، أبدا ، بل إن أسوأ القوانين المقيدة للحريات صدرت بقيادة "المرأة" التي تم تعيينها في البرلمان ، والناس لا تنسى قوانين الست "فوزية" ، مصر اليوم تبحث عن "جوهر" الحق وجوهر العدل وجوهر الحرية ، هذه هي الأولوية القصوى ، وبعدها يأتي الحديث والحوار الوطني عن كل شئ ، والأمة تختار وتحدد طريقها بدون أي وصاية من أي طرف أو قوة ، ليست قضيتنا اليوم أن نعين سيدة على منصة القضاء وإنما قضيتنا هي ترسيخ العدالة وتعزيز استقلال القضاء وتأكيد دوره في إدارة العملية الانتخابية بالكامل وليس كموظفين أفراد تحت سيطرة وإدارة أجهزة السلطة مهما تسترت بوجود شخصيات عامة منتقاة فيها ، مصر اليوم أمام تحدي مفصلي لا يقبل التساهل أو التسامح فيه من أي ضمير وطني ، أن يدير القضاء المصري العملية الانتخابية بالكامل ، ثم أن يكون البت في صحة العضوية موكولا أيضا للقضاء من خلال محكمة النقض وشيوخها ، فليس مقبولا أن يثبت القضاء أن المرشح تقدم بأوراق مزورة ثم يتم تفويض البرلمان بالبت في صحة العضوية من عدمه وتتشكل لجان برلمانية للبت بدعوى أن البرلمان سيد قراره ، هذا تهريج ، ولا يمكن أن تقرر محكمة النقض أن مرشحا بعينه حصل على مقعده بتزوير الانتخابات والتلاعب بأصوات الناخبين ، ثم يقول البرلمان بأنه سوف ينظر في المسألة ويقرر استمرار العضو أو إسقاط عضويته ، هذه مساخر لا تحدث في أي مكان من العالم المتحضر ، سيادة البرلمان فيما يخصه من حوار أو نقاش أو لوائح داخلية أو إجراءات متعلقة بالنشاط النيابي داخله ، أما كل ما يتصل بما وقع قبل حصول العضو على عضويته فهو موكول إلى القضاء ، وإذا قضى بأن العضوية تحصلت بطريق باطل فيكون الأمر ملزما للبرلمان باحترام حكم القضاء لأنه عنوان الحقيقة ، ولأن كل ما بني على باطل هو باطل ، إن الكثير من التعديلات المقدمة لا تحمل أي أهمية بينما المحاور الأكثر خطورة وأهمية تم إغفالها وتجاهلها عمدا ، إن أحد أهم أولويات المواطن وحقوقه أن تكون محاكمته دائما أمام قاضيه الطبيعي ، وليس أن يفاجأ في أي خصومة سياسية بأنه أمام محكمة لأمن الدولة أو محكمة عسكرية ، فهذا أهم كثيرا من بشرى إلغاء المدعى العام الاشتراكي أو ما يسمى محكمة القيم .
مصيبة العرب الكبرى !
محمود سلطان : بتاريخ 9 - 1 - 2007
أثناء العدوان الأمريكي البريطاني على العراق في فبراير عام 2003، كانت تغطيات بعض الصحف العربية "الكبرى"، مثيرة للاستغراب! ولولا أننا نعرف أنها تصدر من عواصم عربية وأوربية، لتوقعنا أنها تصدر عن "البنتاجون"، ويحررها جنرالات الحرب الأمريكيين وليس صحفيين.والتبس الأمر على الرأي العام ـ آنذاك ـ على نحو يصعب على المراقب، فهمه وما إذا كانت هذه التغطية "شماتة" في صدام ، أم دفاعا عن "الأنظمة" العربية التي ظاهرت واشنطن في عدوانها، أم "تعجيلا" للمشروع الأمريكي لـ"دمقرطة" العالم العربي كما قيل في ذلك الوقت؟!وإذا كان بلير وبوش يتحملان مسئولية ضياع العراق ، فإن الصحف والكتاب العرب الذين ، اصطفت أقلامهم لتبرير الحرب والدفاع عنها وإعادة غسيل سمعة القيادتين البريطانية والأمريكية، تتحمل هي الأخرى مسئولية كل الجرائم التي ترتكب الآن في حق الشعب العراقي ، بالتضامن والتواطؤ مع القتلة والمجرمين في كل من لندن وواشنطن وطهران.العراق لم يكن ضحية أطماع واشنطن في نفط الخليج وحسب ، أيضا كان ضحية "الحمق" النخبوي العربي ، الذي صدق أن " بوش" يأتيه "الخبر" من السماء، وأن "الرب" بعثه مبشرا بـ"الديمقراطية" ونذيرا لـ"الديكتاتورية" ، فسلم له مثقفون عربا، عواصمهم وقصور أمرائهم ورؤسائهم، وأقلامهم ، ورقابهم حتى دهستها أحذية المارينز مؤخرا، وتخلت عنهم للطواغيت مجددا، لقاء من يمد لهم يد الإنقاذ من عار الهزيمة في بلد عربي كان اسمه قبل ثلاث السنوات "العراق" ، مزقه الأمريكيون والإيرانيون كل ممزق، وجعلوه قصصا وأحاديث.من يبكي الآن على العراق ، شارك بشكل أو بآخر في مأساته، وهذه واحدة من "معضلات" النخبة التي لا تتعلم من دروسها! في كثير من قصايانا "المحلية" أو الإقليمية شديدة التماس بالأمن القومي العربي .لقد انتقد مثقفون مصريون ـ على سبيل المثال ـ تغطية الأهرام الصحفية للعمليات العسكرية الأمريكية بالعراق، إذ كان موقفها ـ في بدايات الحرب ـ بالغ الاستفزاز، ومشينا ومسيئا لكل مصري ، بلغت مبلغ أن يجري رئيس تحريرها ابراهيم نافع ـ الذي شغل منصب نقيب الصحفيين المصريين لعدة سنوات ورئيس اتحاد الصحفيين العرب ـ حوارا مع بوش، في 8 مايو 2004 ،كان في مضمونه وحقيقته عملية غسيل لسمعة الرئيس الأمريكي وتجميله في عيون المصريين، وصف فيه جنوده القتلة بالعراق بأنهم "رائعون"! وهو الحوار الذي نشر بالتزامن مع حوارات مشابهة في قناتي "الحوار" و" العربية" ، في ترتيب لا تخطئه عين، بأنه يستهدف تقديم الجزار الأمريكي للعالم العربي باعتباره "المنقذ" لهم من "الضلال" الديكتاتوري الرسمي الذي يسومهم سوء العذاب آناء الليل وأطراف النهار.أول أمس قتل الأمريكيون العشرات من فقراء ومساكين العرب المسلمين بالصومال، في عمل عدواني همجي وحقير، استخف كعادته بالدم العربي المسلم، وللأسف صدرت الأهرام يوم أمس بعنوان يبرر الجريمة يقول" هجوم جوي أمريكي علي موقع للقاعدة في الصومال" !وهي المنبر الإعلامي الوحيد الذي جزم في عنوانه بأن الطائرات الأمريكية استهدفت "موقعا للقاعدة"! وكأنها ناطق بلسان حال البنتاجون! أو كأن الزميل أسامة سرايا ، كان من بين القوات المحمولة جوا، ورأي رأي العين أعلام أسامة بن لادن وايمن الظواهري ترفرف فوق "الموقع" القاعدي المزعوم.لا شك في أن مصيبة العرب والمسلمين كبيرة، وشبابهم وشيوحهم ونسائهم واطفالهم يذبحون بدم بارد في الشيشان وأفغانستان والعراق والصومال وفلسطين ، غير أن مصيبتهم أكبر فيمن أسند إليهم إدارة مؤسساتهم الإعلامية التي تتحدث باسم انظمتهم رسميا "الحكومية" أو بالباطن "الخاصة" ، حين شاركت ـ بقصد أو بدون قصد ـ في قصقصة العالم العربي والإسلامي من أطرافه من جهة ، وفي تخلفه السياسي والاقتصادي والثقافي، باسم العقلانية أو الواقعية السياسية من جهة أخرى.sultan@almesryoon.com
النكتة صوت الشعب المطحون ـ د. جابر قميحة
د. جابر قميحة : بتاريخ 12 - 1 - 2007
عرفوا "الإنسان" بتعريفات متعددة , لعل أشهرها وأقدمها أنه "حيوان ناطق" , أي مفكر . ومن هذه التعريفات كذلك : "أنه حيوان مخترع" أي: متطور, وضربوا مثلاً بالإنسان والقرد، فالقرد ـ من ملايين السنين ـ ما زال يعيش في الكهوف وبين الأشجار ويأكل الموجود الجاهز من ثمار وحشائش وغيرها، أما الإنسان فقد طور حياته وبيئته , فحول سكنه من الكهوف إلى البيوت المبنية ...و إلى ناطحات السحاب. وطور ملبسه من ورق الشجر إلى جلد الحيوانات , ثم إلى أخفر المنسوجات... الخ، وطور حياته من الفوضوية إلى الحياة الاجتماعية المحكومة بنظام قانوني .وعرفوا الإنسان كذلك بأنه "حيوان ضاحك" , والضحك تعبير معين يظهر على قسمات الوجه - وخصوصًا الشفتين - مصحوبا بصوت معين هو صوت الضحكة الذي ـ إذا علا وارتفع ـ سمي "قهقهة" والضحك نوعان: ضحك تعبيري , وضحك تعويضي . والأول مصدره شعور الإنسان بالفرح والسعادة . أما النوع الثاني فسببه تلاحق الشدائد والمصائب على الإنسان حتى يفقد إحساسه بها على حد قول المتنبي:رماني الدهرُ بالانصالِ حتىفؤادي في غشاء من نبالِفكنت إذا أصابتني سهامتكسّرت النصال على النصالوأمام حالة "اللامبالاة" هذه يلجأ المرزوء إلى ملء منطقة السعادة المفقودة في شعوره بالضحك الذي يأخذ صورة السخرية من ظالميه وأعدائه.. يسخر منهم ويضحك , ويُضحك الآخرين عليهم, منتقما منهم بلسانه بعد أن عجز عن الثأر منهم بيده , ويجد أن أمضى سلاح في هذا المقام هو "النكتة", والنكتة السياسية بصفة خاصة. وقد وصفها خالد محمد خالد ـ رحمه الله ـ بأنها "الاستمناء ـ أي العادة السرية ـ للشعب المظلوم . هذا , ولفظة "النكتة" تعني المعاني الآتية في اللغة العربية:1 ـ حز الأرض، أو ضربها بعود أو عصا، وإحداث أثر فيها.2 ـ النقطة السوداء كوسخ في المرآة أو السيف أو العين ... الخ3 ـ الضربة أو الطعنة، أو إلقاء الرجل في الأرض على رأسه , والرجل النـكَّات هو: الطعان في الناس.وهناك كلمة تشبهها في المعنى هي كلمة "التبكيت" وهي ـ كما جاء في لسان العرب ـ الضرب بالعصا والسيف واليد ونحوها، وهو أيضًا: التقريع والتوبيخ.والتعريف اللغوي يشير في قوة إلى الطابع النقدي المعنوي "للنكتة" : فهي تكشف العيوب والمثالب, وتهزها وتضربها بالسخرية الشديدة المرة . وهي ـ كالتبكيت ـ تحمل معنى التقريع والتوبيخ , ونذكر في هذا المقام أن عبد الله النديم أصدر مجلة سماها "التنكيت والتبكيت" كانت تهاجم المستعمرين والفاسدين بسخرية وتهكم.ويعد الشعب المصري من أكثر شعوب العالم ضحكًا وتنكيتًا ـ وذلك على سبيل التعويض طبعًا - لأنه تعرض على مدار التاريخ للظلم الفادح والقهر الطحون . والعلاقة بين النكتة والظلم السياسي والاجتماعي علاقة طردية , فهي تكثر وتتنوع وتنتشر في عهود الظلم والدكتاتورية , وتقل ـ بل تختفي ـ في عهود العدل والحرية , لذلك كان النصف الثاني من القرن العشرين بعد قيام الميمونة سنة 1952م اغزر العهود وأشدها وأمرها نكتًا , وأغلبها يرتبط بتصرفات المسئولين الكبار إذا شذت عن الطريق القويم . وكثير من هذه النكت غير صالح للنشر في أي عهد من العهود , لبشاعته وتوظيفه كلمات خارجة يعاقب عليها القانون . ومن أكثر النكت اعتدالاً النكت الآتية:* سأل الأول الثاني: هيه.. سمعت آخر نكتة؟ فرد عليه مش عايز اسمعها. سيبني أربي العيال . فأخذ الأول يتأفف :أف... أف . فقال له الثاني غاضبًا: يا أخي بطل كلام في السياسة.* خرج الفأر من الجحر ليبحث عن رزقه , وترك زوجته مع أولاده الصغار, ولكنه سرعان ما عاد ـ وهو يلهث - وطلب من زوجته أن تغلق باب الجحر بسرعة ؛ لأنه رأى رجال الأمن يقبضون على الإخوان المسلمين , قالت زوجته : ولكنك لست من الإخوان... أنت مجرد فأر . فصرخ في وجهها: يا غبية إنهم لن يصدقوا أنني فأر .* التقي مصري وأمريكي، فقال الأمريكي: عندنا من الحرية ما يمكننا من التظاهر في أكبر ميادين نيويورك، والهتاف بسقوط بوش، فقال المصري: ونحن نتمتع بحرية واسعة حتى إننا نستطيع أن نتظاهر في ميدان التحرير، ونهتف أيضا بسقوط بوش.* بعد أن خلع أحد المصريين ضرسه عند طبيب الأسنان في القاهرة، تورم أنفه بصورة مفزعة، فعرض نفسه على أشهر طبيب أسنان، وجراحة الفم في العالم، ومقره باريس، ودار بينهما الحوار التالي ( بعد أن فزع الطبيب العالمي من تضخم الأنف بشكل رعب ).ـ ماذا جرى؟ـ خلعت ضرسي في القاهرة.ـ ولكن خلع الضرس لا يؤدي إلى هذه النتيجة المفزعة.ـ لقد خلعته من أنفي: وضع الطبيب "كماشته" ووصل بها إلى فمي المغلق عن طريق أحد ثقبي أنفي، ثم خلع ضرسي، وأخرجه عن طريق الأنف .ـ عجيبة!!! ولماذا لم يخلع ضرسك عن طريق فمك مباشرة.ـ لأننا في مصر لا يستطيع أي مواطن "أن يفتح فمه".* قيل إن أحد الرؤساء أراد أن يكرم الرئيس الذي سبقه، فأمر أن يركب في قبره "جهاز تكييف"، وأتاه "المرحوم" في المنام وقال له: شكرًا.. لقد أرحتني من حرارة القبر الحقيقة التكييف ده "يرد الروح" , فقام من نومه فزعًا, وأخذ يصرخ: شيلوا التكييف بسرعة.. شيلوا التكييف.* يقال: أن أحد الرؤساء كان يقول في كل خطبة من خطبه "وأنا بحمد الله في سياستي، ومعيشتي أتمثل وأقتدي بعمر".فتجرأ أحد حوارييه وهمس في أذنه:ـ ولكن سياستك تختلف تمامًا عن سياسة عمر بن الخطاب فأجابه الرئيس.ـ أنا لا أقصد عمر بن الخطاب، ولكني أقصد "عمر الشريف" اللي كان جوز ـ الله يمسيها بالخير- فاتن حمامة.* وفي العهد الحاضر كثرت النكت التي تسخر من الوزارة وسياستها وكان ذلك يضايق الدكتور نظيف إلى أبعد حد، فأرسل يستشير خبيرًا أمنيًا كبيرًا عن كيفية اختراع هذه النكت؟ وانتشارها بسرعة مذهلة، وكان جواب الخبير: هذه النكت قطعًا مصدرها شخص واحد يتسم بالذكاء، وحضور البديهة، ينشرها بين أصدقائه، ومنهم يتلقفها الناس في شغف، ويروونها لشعورهم بكراهية النظام، وكلف رئيس الوزراء قواته المخابراتية التي بثت عيونها في كل مكان إلى أن اهتدوا إلى " فتوة " اجتمع حوله مجموعة من أصدقائه، وأخذ يتدفق بالنكت الجديدة كأنه ماكينة. فقبضوا عليه، وأحضروه بين يدي الدكتور نظيف الذي بادره قائلا: بقي أنت اللي بتخترع النكت؟؟ دنا هخرب بيتك. وفجأة دخل وزير التموين، وهو يقول باعتزاز وصوت مرتفع:ـ خلاص يا دكتور.. خلاص ابتداء من 1/1/2007م. ستنخفض أسعار السلع والخدمات بنسبة 30% , فقهقه الفتوة بصوت عال قائلاً: شفت يا دكتور؟؟ أنا ولا هو اللي بنخترع النكت؟* يقال أن أحد المواطنين ذهب إلى صفوت الشريف , وقال له " هذه عشرة آلاف جنيه مني , واشرح لي المقصود بالعبور الثاني " . فقال صفوت " بل لك مني عشرون ألف جنيه لو شرحت أنت لي المقصود بالعبور الثاني " .* يقال إن أحد المواطنين الفقراء ادخر من دخله، ثلاثة جنيهات وذهب إلى الجزار في اعتزاز.ـ من فضلك اديني بثلاثة جنيه لحمه.ـ نعم!! امش يا راجل من هنا وإلا فلقت دماغك بالساطور، هوّ فيه لحمه بثلاثة جنيه ؟.ـ طب اديني بالثلاثة جنيه ماسورة عضم.ـ برضه مفيش ماسور بثلاثة جنيه.ـ طب خد الثلاثة جنيه وسيبني أحضن العجل خمس دقايق.* وذهب أحدهم إلى جزار آخر، وقال:ـ اديني بربع جنيه لحمه.ـ طب امش من هنا لحسن أخلّي أهلك يخدوا عزاك.ـ إذن أنت ممتنع عن البيع، والمادة 32 فقرة أ من قانون العقوبات تقر ...فخاف الجزار ووزن له قطعة لحم في حجم الإصبع ثم سأله : حتعمل إيه بالحتة دي؟ـ مفيش حاجة ,أكتر من أني حلِفّها في سجارتين.هذا عن النكتة , فإذا كانت قصيرة جدًّا فهي "قفشة" كقولهم: إن المخابرات الأمريكية عثرت على بصمات ابن لادن على "قفا بوش" , وأن بوش ينام على الأرض ,لا على سرير خوفا من "المُـلا".***********وآمل – في النهاية - أن تكون معي – يا قارئي العزيز – في أن النكتة من أصدق الأصوات تعبيرا عن " "جُـوَّانية " الشعب المكبوت ... المخروس ... المطـحون .ولكل منها دلالة سياسية , أو اجتماعية . وآه ...آه ...!!! يا ليت حكامنا الأشاوس يقرءون , ويفهمون , ويستـجيبون . ولكن : لقد أ سمعتَ لو ناديتَ حيا = ولكن لا حيـاة لمـن تناديونار لو نفختَ بها أضاءتْ = ولكن ضاع نفخك في الرمادِkomeha@menanet.net
علاقة سعي المصريين لبناء مؤسسات موازية بانتشار ثقافة الاحتجاج: دلالات الهدوء الذي يبدو علي سطح الحياة السياسية المصرية
محمد عبدالحكم دياب
13/01/2007
تبدو الأوضاع هادئة علي سطح الحياة السياسية المصرية، وهذا أثار قلق قوي كثيرة، منها ما يري في ذلك تراجعا عن حراك سياسي، وصل ذروته، قبيل وخلال انتخابات 2005 التشريعية والرئاسية، أو نهاية لصحوة، توصف بأنها عابرة، ومنها من يراه هدوءا يسبق عاصفة قادمة يتوقعها أغلب الناس، ونحن نميل الي الرأي، الذي يري أن الأمور ليست بهذه البساطة، لأن الحكم علي المجتمعات بهذا الشكل، وتصوير الأمر بأنه ليس الا خيارا بين الأبيض والأسود، لا يستقيم مع حقائق التطور الانساني وقواعد الحراك البشري، ويتناقض مع سنة التغيير. وكثيرا ما يبدو سطح النهر هادئا وديعا، الا أن أعماقه تمور بالحياة والحركة. فالحياة تحت سطح نهر جار ومتجدد لا تتوقف، واعتقد أن هناك شعورا غلب علي البعض، في أعقاب ما حدث من توتر داخل الحركة المصرية من أجل التغيير، كفاية ، وانسحاب عدد من مؤسسيها وقادتها، والسبب في نمو هذا الاحساس هو حجم الآمال التي علقها هذا البعض عليها، وعندما لم تتحقق هذه الأهداف، حسب تصورهم، انتابهم هذا الشعور.ونحن ممن يعتقدون أن حركة كفاية حققت شيئا مهما، أشرنا اليه في مقالات سابقة، ولا بأس من التذكير به، وهو أنها كسرت حاجز الخوف، وقللت من رهاب السلطة في نفوس كثير من المواطنين، وبعثت الروح في الطبقة الوسطي، التي كانت قد ضاقت وانحسرت، مما شجع أناسا علي النزول الي الشوارع، وممارسة الاحتجاج والرفض بشكل ملحوظ.. فعاد الدم يسري في شرايين كانت قد أصيبت بالتصلب.ومن يزور القاهرة، هذه الأيام، سوف يلحظ أن القوي المعنية بالتغيير، تختلف كثيرا وتتباين في آرائها تجاه تفسير الحالة الراهنة، ويجد أن هناك عملية بحث جارية، للتعرف علي الأسباب الحقيقة لها، وفسرها البعض بأنها نجاح لحسني مبارك، وتعبير عن عبقرية كامنة فيه وفي حكمه، وبراعة من جماعات المستفيدين منه، وآخرون اعتبروا ذلك علامة من علامات الموات، وما كانت كفاية الا صحوة موت عابرة، مرت بالحياة السياسية المصرية. ونحن نعتقد أن الأمر لا هذا ولا ذاك. فحكم حسني مبارك لا يتحلي بأي عبقرية، ولا يحمل ملمحا واحدا منها، فضلا عن افتقاره للخيال السياسي، الذي يحتاجه الحكم الرشيد، في التعامل مع مشاكل ومتطلبات ورغبات الشعب الذي يحكمه.. فكيف لحكم يعتمد في ادارته لشؤون البلاد، علي البطش واللصوصية وارتكاب أبشع الجرائم في حق الشعب، أن يوصف بالعبقرية؟ فمن هذا العبقري الذي يقوم بهذه الممارسات الشاذة والأنشطة غير المشروعة؟ وما هي علاقة العبقرية بالقتل المادي، تحت التعذيب، والموت المعنوي. باهدار الكرامة، وهتك الأعراض؟ من هذا الذي يدعي بأن المجرم أو الفاسد عبقري؟ ان الدراسات الجادة تثبت عكس ذلك، فالمسلك الاجرامي، والنشاط المنحرف، كله يخرج عن جادة الحياة السوية، وغير الأسوياء ليسوا بعباقرة، وقد نستثني من يرتكب جريمته تحت وطأة الجنون، أو المرض النفسي، أو من وقع في براثن الادمان، لظرف أو آخر. ومن يتابع ويطلع علي دراسات تطبيقية وجادة، في مجالات الاجتماع والنفس والسياسة، سوف يجد أنها تؤكد عكس ذلك الرأي القائل بعبقرية المجرم أو المنحرف أو الفاسد، فالقدرات العقلية للمجرمين والمنحرفين هي الأقل، مقارنة بالأسوياء. واذا كان نظام حسني مبارك، بشهادات كثيرة موثقة، من أكثر النظم اجراما وانحرافا وفسادا، فمعني هذا أنه الأكثر غباء وتخلفا عقليا.أما أن الحالة الراهنة تعبر عن موات، فهذا ما نجادل فيه ولا نرجحه، ويبدو أن من يقولون بهذا وقعوا فيما وقع فيه بعض مثقفي الغرب، ممن تصوروا، بتأثير سكرة الانتصار علي الاتحاد السوفييتي، أن التطور قد توقف وأن الأمور قد دانت لهم. فخرجوا علي العالم بنظريتهم، التي تم التراجع عنها فيما بعد، وهي نهاية التاريخ ، لتأكيد اعتقادهم بالهزيمة المطلقة لكل ما هو غير رأسمالي، ومن أجل أن يعطوا أنفسهم حق مصادرة حق الغير في الحياة خارج دوائرهم، والاستسلام لما يفرضونه، ويلبي مطالب القوة الأعظم الوحيدة، وجاءت تحولات أمريكا اللاتينية، في مسار معاكس تماما لنظرية نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية، لتؤكد أن غرور القوة يأتي بنفس النتائج التي تأتي بها دونية الهزيمة، ولا يختلف أنصار القول بالموات عن مؤيدي نهاية التاريخ ، وهم ليسوا سوي جماعة متشائمة، غير قادرة علي رؤية مستقلة، خارج نطاق تجبر أجهزة الأمن، وسطوة مافيا الحكم. ونحن ممن يميلون الي أن السبب في الوصول الي هذه الأحكام، هو غياب التواصل، المساعد علي كشف عمق ما يجري تحت سطح الحياة السياسية، وضعف العلاقة، بين النخب من جهة، والقطاعات الشعبية العريضة من جهة أخري.وكان الوجود في القاهرة فرصة لمتابعة الاهتمام، الذي استحوذ علي عدد من الأكاديميين وأساتذة الجامعات والخبراء والمهتمين، بالشأن الداخلي لكشف أسرار انفصال النخبة، بمحدودية حجمها، عن القوي الأكثر اتساعا، علي المستوي الشعبي والجماهيري، مثل العمال والطلاب والفلاحين، وأصبحت هذه القضية شغل هؤلاء الشاغل، وقد اكتشفوا أن انتشار جماعات التغيير ، بين الشباب والمثقفين والأكاديميين والقضاة والمرأة، لم يخرج بعد عن دوائر النخبة، فبقيت محدودة بمحدودية حجم الفئات المعبرة عنها، وبالحوار معهم أمكن اكتشاف وجود ما يفسر هذا العيب ويعالجه، فانتشار ثقافة الاحتجاج ، اذا جاز التعبير، في أوساط غير نخبوية، أدي الي عدم مرور يوم دون احتجاج أو اعتصام بشكل ما، في مصنع أو شركة أو معهد أو جامعة، أو بين هذه الفئة أو تلك. ومع أنها ثقافة ما زالت في بدايتها، لم تتجاوز في تأثيرها حدود المصالح الفئوية عند القطاعات عريضة من شعب، الا أنها مرشحة للانتشار.فمن اضراب واعتصامات الطلاب احتجاجا علي حرمان زملاء لهم عن الترشيح، مرورا بعمال النسيج في مصانع المحلة الكبري، بمحافظة الغربية في وسط الدلتا، في كانون الاول (ديسمبر) 2006، وصولا الي اضراب عمال النظافة، في محافظة الجيزة، علي تخوم القاهرة، يوم السبت الماضي، وأخيرا اعتصام سائقي قطارات السكك الحديدية والأنفاق، الأربعاء الأخير. ونتوقف عند مشكلة النظافة، التي تشغل بال الرأي العام من زمن. ففي الوقت الذي أعلنت فيه أجهزة الدولة عجزها الفاضح في حل مشكلة النظافة، بعد أن أوكلت المهمة الي شركات أجنبية، فشلت بدورها، وحلت محلها شركات أخري، لرجال أعمال مصريين، بدت وكأنها تتآمر علي صحة المصريين وتدميرها، فزادت من تفشي التلوث، وانتشار القاذورات، وتراكم القمامة، في المدن والعواصم، ولا يستثني من ذلك غير أحياء الأغنياء ومنتجعاتهم. وقصر الاهتمام علي هذه الأحياء والمنتجعات وتوفير الخدمات الكاملة لها، جاء علي حساب باقي مدن وقري مصر، بشكل فاقم من وطأة الأمراض بشكل أدي الي توطنها، في عشوائيات وأحياء الفقراء ومحدودي الدخل. في ظل هذا الواقع المتردي لأحوال النظافة تم فصل عمال أضربوا عن العمل، احتجاجا علي اجبارهم علي الالتحاق بشركات جديدة، بعد الغاء وسحب رخص المتعهدين، واضطرت هيئة النظافة بالجيزة، الي أعادة العمال تحت ضغط الاضراب. ومع ذلك فهم يتوقعون الفصل من العمل مرة أخري، اذا ما رفضوا التوقيع علي عقود جديدة، لا تضمن لهم حقوقهم، حسب ما ورد في صحيفة المصري اليوم الثلاثاء الماضي. وبمناسبة اضراب عمال النظافة في الجيزة فقد شاهدت في طريقي أكبر جبل للقمامة، يمكن أن تقع عليه عين شخص، وكان علي مشارف حي المهندسين الراقي، واقترحت علي من كانوا معي التقاط صورة ملونة له، وطباعتها بكميات كبيرة، علي شكل بطاقة معايدة وتهنئة بعيد الأضحي، الذي احتفل به المسلمون السبت قبل الماضي، توزع علي كل المسؤولين، بداية من حسني مبارك حتي أصغر مسؤول. والمطلوب أن تتجاوز ثقافة الاحتجاج حدودها التقليدية، من هنا تأتي أهمية عملية التواصل بين النخب وهذه القوي. ودون ذلك لن يعطي الفعل الشعبي أثره المطلوب، ولن يري المصريون نهاية قريبة لحكم عائلة حسني مبارك، الذي أصبح استمرارها خطرا حقيقيا علي صحة المجتمع، وبنية الدولة المصرية، ولو تصورنا وجود عقل جماعي وأداة جامعة تربط بين النخب والقوي الشعبية، لحدثت نقلة تعجل برحيلها عن الحكم. وما يدور بشأن العمل علي سد الفجوة، بين النخبة والقوي الشعبية ينفي ما توصل اليه البعض من وجود موات في الشارع السياسي، بجانب أن الحصار، الذي ضربه حسني مبارك علي القوي والفئات الرافضة لنظامه أدي الي السعي لاقامة أشكال ومؤسسات موازية ، تواجه الأشكال والمؤسسات الرسمية، بعد أن أصبحت عبئا علي الفرد والمجتمع، واستمرار تشكيلها بالتزييف والتزوير والبلطجة، ويبدو أن دعوة المهندس الاستشاري ممدوح حمزة لانشاء نقابة مهندسين موازية، من عدة شهور، ردا علي عدم رفع الحراسة عن نقابة المهندسين، المستمرة من عدة سنوات، يبدو أن الدعوة وجدت صدي في أوساط الطلاب والعمال، فبعد التدخل السافر من سلطات الأمن، ومنع طلاب التيار الاسلامي من دخول الانتخابات، بادر الطلاب بانشاء اتحاد طلاب مواز، باسم اتحاد الطلاب الحر، وهكذا العمال، رغم عملية التنكيل التي تمت للطلاب، خاصة في جامعة عين شمس، أثناء عملية اجراء انتخابات اتحاد الطلاب الحر مؤخرا، وبدأت فئات وقوي أخري تتحرك علي نفس الطريق.وتبقي المشكلة فيما يتردد الآن من دعوة البعض الي اقامة برلمان مواز، وجمعية وطنية، تضع دستورا، بدل دستور مهلهل لايتحمل ترقيعا جديدا، ومع ذلك دعا حسني مبارك الي تعديل 34 مادة منه، في اجراء وصفه رئيس نادي القضاة، زكريا عبد العزيز، أنه توفيق أوضاع وليس تعديل دستور، ومع صعوبة مهمة انشاء كيانات ومؤسسات موازية، الا أن مجرد المحاولة، يبين أن الهدوء البادي علي سطح السياسة المصرية، لا يعكس تفاعلات وارهاصات، قد تحدث مفاجأة لهؤلاء الذين رأوا في الهدوء تراجعا أو مواتا، مع أن مصر تتطلع الي التغيير وتطلبه بالحاح.
13/01/2007
تبدو الأوضاع هادئة علي سطح الحياة السياسية المصرية، وهذا أثار قلق قوي كثيرة، منها ما يري في ذلك تراجعا عن حراك سياسي، وصل ذروته، قبيل وخلال انتخابات 2005 التشريعية والرئاسية، أو نهاية لصحوة، توصف بأنها عابرة، ومنها من يراه هدوءا يسبق عاصفة قادمة يتوقعها أغلب الناس، ونحن نميل الي الرأي، الذي يري أن الأمور ليست بهذه البساطة، لأن الحكم علي المجتمعات بهذا الشكل، وتصوير الأمر بأنه ليس الا خيارا بين الأبيض والأسود، لا يستقيم مع حقائق التطور الانساني وقواعد الحراك البشري، ويتناقض مع سنة التغيير. وكثيرا ما يبدو سطح النهر هادئا وديعا، الا أن أعماقه تمور بالحياة والحركة. فالحياة تحت سطح نهر جار ومتجدد لا تتوقف، واعتقد أن هناك شعورا غلب علي البعض، في أعقاب ما حدث من توتر داخل الحركة المصرية من أجل التغيير، كفاية ، وانسحاب عدد من مؤسسيها وقادتها، والسبب في نمو هذا الاحساس هو حجم الآمال التي علقها هذا البعض عليها، وعندما لم تتحقق هذه الأهداف، حسب تصورهم، انتابهم هذا الشعور.ونحن ممن يعتقدون أن حركة كفاية حققت شيئا مهما، أشرنا اليه في مقالات سابقة، ولا بأس من التذكير به، وهو أنها كسرت حاجز الخوف، وقللت من رهاب السلطة في نفوس كثير من المواطنين، وبعثت الروح في الطبقة الوسطي، التي كانت قد ضاقت وانحسرت، مما شجع أناسا علي النزول الي الشوارع، وممارسة الاحتجاج والرفض بشكل ملحوظ.. فعاد الدم يسري في شرايين كانت قد أصيبت بالتصلب.ومن يزور القاهرة، هذه الأيام، سوف يلحظ أن القوي المعنية بالتغيير، تختلف كثيرا وتتباين في آرائها تجاه تفسير الحالة الراهنة، ويجد أن هناك عملية بحث جارية، للتعرف علي الأسباب الحقيقة لها، وفسرها البعض بأنها نجاح لحسني مبارك، وتعبير عن عبقرية كامنة فيه وفي حكمه، وبراعة من جماعات المستفيدين منه، وآخرون اعتبروا ذلك علامة من علامات الموات، وما كانت كفاية الا صحوة موت عابرة، مرت بالحياة السياسية المصرية. ونحن نعتقد أن الأمر لا هذا ولا ذاك. فحكم حسني مبارك لا يتحلي بأي عبقرية، ولا يحمل ملمحا واحدا منها، فضلا عن افتقاره للخيال السياسي، الذي يحتاجه الحكم الرشيد، في التعامل مع مشاكل ومتطلبات ورغبات الشعب الذي يحكمه.. فكيف لحكم يعتمد في ادارته لشؤون البلاد، علي البطش واللصوصية وارتكاب أبشع الجرائم في حق الشعب، أن يوصف بالعبقرية؟ فمن هذا العبقري الذي يقوم بهذه الممارسات الشاذة والأنشطة غير المشروعة؟ وما هي علاقة العبقرية بالقتل المادي، تحت التعذيب، والموت المعنوي. باهدار الكرامة، وهتك الأعراض؟ من هذا الذي يدعي بأن المجرم أو الفاسد عبقري؟ ان الدراسات الجادة تثبت عكس ذلك، فالمسلك الاجرامي، والنشاط المنحرف، كله يخرج عن جادة الحياة السوية، وغير الأسوياء ليسوا بعباقرة، وقد نستثني من يرتكب جريمته تحت وطأة الجنون، أو المرض النفسي، أو من وقع في براثن الادمان، لظرف أو آخر. ومن يتابع ويطلع علي دراسات تطبيقية وجادة، في مجالات الاجتماع والنفس والسياسة، سوف يجد أنها تؤكد عكس ذلك الرأي القائل بعبقرية المجرم أو المنحرف أو الفاسد، فالقدرات العقلية للمجرمين والمنحرفين هي الأقل، مقارنة بالأسوياء. واذا كان نظام حسني مبارك، بشهادات كثيرة موثقة، من أكثر النظم اجراما وانحرافا وفسادا، فمعني هذا أنه الأكثر غباء وتخلفا عقليا.أما أن الحالة الراهنة تعبر عن موات، فهذا ما نجادل فيه ولا نرجحه، ويبدو أن من يقولون بهذا وقعوا فيما وقع فيه بعض مثقفي الغرب، ممن تصوروا، بتأثير سكرة الانتصار علي الاتحاد السوفييتي، أن التطور قد توقف وأن الأمور قد دانت لهم. فخرجوا علي العالم بنظريتهم، التي تم التراجع عنها فيما بعد، وهي نهاية التاريخ ، لتأكيد اعتقادهم بالهزيمة المطلقة لكل ما هو غير رأسمالي، ومن أجل أن يعطوا أنفسهم حق مصادرة حق الغير في الحياة خارج دوائرهم، والاستسلام لما يفرضونه، ويلبي مطالب القوة الأعظم الوحيدة، وجاءت تحولات أمريكا اللاتينية، في مسار معاكس تماما لنظرية نهاية التاريخ وانتصار الرأسمالية، لتؤكد أن غرور القوة يأتي بنفس النتائج التي تأتي بها دونية الهزيمة، ولا يختلف أنصار القول بالموات عن مؤيدي نهاية التاريخ ، وهم ليسوا سوي جماعة متشائمة، غير قادرة علي رؤية مستقلة، خارج نطاق تجبر أجهزة الأمن، وسطوة مافيا الحكم. ونحن ممن يميلون الي أن السبب في الوصول الي هذه الأحكام، هو غياب التواصل، المساعد علي كشف عمق ما يجري تحت سطح الحياة السياسية، وضعف العلاقة، بين النخب من جهة، والقطاعات الشعبية العريضة من جهة أخري.وكان الوجود في القاهرة فرصة لمتابعة الاهتمام، الذي استحوذ علي عدد من الأكاديميين وأساتذة الجامعات والخبراء والمهتمين، بالشأن الداخلي لكشف أسرار انفصال النخبة، بمحدودية حجمها، عن القوي الأكثر اتساعا، علي المستوي الشعبي والجماهيري، مثل العمال والطلاب والفلاحين، وأصبحت هذه القضية شغل هؤلاء الشاغل، وقد اكتشفوا أن انتشار جماعات التغيير ، بين الشباب والمثقفين والأكاديميين والقضاة والمرأة، لم يخرج بعد عن دوائر النخبة، فبقيت محدودة بمحدودية حجم الفئات المعبرة عنها، وبالحوار معهم أمكن اكتشاف وجود ما يفسر هذا العيب ويعالجه، فانتشار ثقافة الاحتجاج ، اذا جاز التعبير، في أوساط غير نخبوية، أدي الي عدم مرور يوم دون احتجاج أو اعتصام بشكل ما، في مصنع أو شركة أو معهد أو جامعة، أو بين هذه الفئة أو تلك. ومع أنها ثقافة ما زالت في بدايتها، لم تتجاوز في تأثيرها حدود المصالح الفئوية عند القطاعات عريضة من شعب، الا أنها مرشحة للانتشار.فمن اضراب واعتصامات الطلاب احتجاجا علي حرمان زملاء لهم عن الترشيح، مرورا بعمال النسيج في مصانع المحلة الكبري، بمحافظة الغربية في وسط الدلتا، في كانون الاول (ديسمبر) 2006، وصولا الي اضراب عمال النظافة، في محافظة الجيزة، علي تخوم القاهرة، يوم السبت الماضي، وأخيرا اعتصام سائقي قطارات السكك الحديدية والأنفاق، الأربعاء الأخير. ونتوقف عند مشكلة النظافة، التي تشغل بال الرأي العام من زمن. ففي الوقت الذي أعلنت فيه أجهزة الدولة عجزها الفاضح في حل مشكلة النظافة، بعد أن أوكلت المهمة الي شركات أجنبية، فشلت بدورها، وحلت محلها شركات أخري، لرجال أعمال مصريين، بدت وكأنها تتآمر علي صحة المصريين وتدميرها، فزادت من تفشي التلوث، وانتشار القاذورات، وتراكم القمامة، في المدن والعواصم، ولا يستثني من ذلك غير أحياء الأغنياء ومنتجعاتهم. وقصر الاهتمام علي هذه الأحياء والمنتجعات وتوفير الخدمات الكاملة لها، جاء علي حساب باقي مدن وقري مصر، بشكل فاقم من وطأة الأمراض بشكل أدي الي توطنها، في عشوائيات وأحياء الفقراء ومحدودي الدخل. في ظل هذا الواقع المتردي لأحوال النظافة تم فصل عمال أضربوا عن العمل، احتجاجا علي اجبارهم علي الالتحاق بشركات جديدة، بعد الغاء وسحب رخص المتعهدين، واضطرت هيئة النظافة بالجيزة، الي أعادة العمال تحت ضغط الاضراب. ومع ذلك فهم يتوقعون الفصل من العمل مرة أخري، اذا ما رفضوا التوقيع علي عقود جديدة، لا تضمن لهم حقوقهم، حسب ما ورد في صحيفة المصري اليوم الثلاثاء الماضي. وبمناسبة اضراب عمال النظافة في الجيزة فقد شاهدت في طريقي أكبر جبل للقمامة، يمكن أن تقع عليه عين شخص، وكان علي مشارف حي المهندسين الراقي، واقترحت علي من كانوا معي التقاط صورة ملونة له، وطباعتها بكميات كبيرة، علي شكل بطاقة معايدة وتهنئة بعيد الأضحي، الذي احتفل به المسلمون السبت قبل الماضي، توزع علي كل المسؤولين، بداية من حسني مبارك حتي أصغر مسؤول. والمطلوب أن تتجاوز ثقافة الاحتجاج حدودها التقليدية، من هنا تأتي أهمية عملية التواصل بين النخب وهذه القوي. ودون ذلك لن يعطي الفعل الشعبي أثره المطلوب، ولن يري المصريون نهاية قريبة لحكم عائلة حسني مبارك، الذي أصبح استمرارها خطرا حقيقيا علي صحة المجتمع، وبنية الدولة المصرية، ولو تصورنا وجود عقل جماعي وأداة جامعة تربط بين النخب والقوي الشعبية، لحدثت نقلة تعجل برحيلها عن الحكم. وما يدور بشأن العمل علي سد الفجوة، بين النخبة والقوي الشعبية ينفي ما توصل اليه البعض من وجود موات في الشارع السياسي، بجانب أن الحصار، الذي ضربه حسني مبارك علي القوي والفئات الرافضة لنظامه أدي الي السعي لاقامة أشكال ومؤسسات موازية ، تواجه الأشكال والمؤسسات الرسمية، بعد أن أصبحت عبئا علي الفرد والمجتمع، واستمرار تشكيلها بالتزييف والتزوير والبلطجة، ويبدو أن دعوة المهندس الاستشاري ممدوح حمزة لانشاء نقابة مهندسين موازية، من عدة شهور، ردا علي عدم رفع الحراسة عن نقابة المهندسين، المستمرة من عدة سنوات، يبدو أن الدعوة وجدت صدي في أوساط الطلاب والعمال، فبعد التدخل السافر من سلطات الأمن، ومنع طلاب التيار الاسلامي من دخول الانتخابات، بادر الطلاب بانشاء اتحاد طلاب مواز، باسم اتحاد الطلاب الحر، وهكذا العمال، رغم عملية التنكيل التي تمت للطلاب، خاصة في جامعة عين شمس، أثناء عملية اجراء انتخابات اتحاد الطلاب الحر مؤخرا، وبدأت فئات وقوي أخري تتحرك علي نفس الطريق.وتبقي المشكلة فيما يتردد الآن من دعوة البعض الي اقامة برلمان مواز، وجمعية وطنية، تضع دستورا، بدل دستور مهلهل لايتحمل ترقيعا جديدا، ومع ذلك دعا حسني مبارك الي تعديل 34 مادة منه، في اجراء وصفه رئيس نادي القضاة، زكريا عبد العزيز، أنه توفيق أوضاع وليس تعديل دستور، ومع صعوبة مهمة انشاء كيانات ومؤسسات موازية، الا أن مجرد المحاولة، يبين أن الهدوء البادي علي سطح السياسة المصرية، لا يعكس تفاعلات وارهاصات، قد تحدث مفاجأة لهؤلاء الذين رأوا في الهدوء تراجعا أو مواتا، مع أن مصر تتطلع الي التغيير وتطلبه بالحاح.
No comments:
Post a Comment