بالوظة
مجدى مهنا
مع أنني أحب «البالوظة»، إلا أن التعبير الذي استخدمه الدكتور علي الدين هلال، أمين الإعلام في الحزب الوطني، في وصف حال مصر أعجبني.. فقد قال في حوار أجرته معه صحيفة «الميدان»: مصر عاملة زي البالوظة في حالة رجرجة.
الله.. الله يا دكتور هلال، ما هذه العبقرية.. فأنت في هذه العبارة الموجزة شخصت حال مصر.
أن يعلن رئيس الدولة أن سيادته مع حرية الصحافة، وأن إيمانه بها لا يتزعزع، ويعد بإلغاء الحبس في قضايا النشر، ثم لا تنفذ أجهزة الدولة هذا الوعد، وتصدر الأحكام بحبس الصحفيين، لأنهم استعملوا حقهم المشروع في نقد رموز الحزب الحاكم.
بماذ نسمي ذلك؟.. بالوظة!
وأن يعلن رئيس الوزراء أن الحكومة اتفقت مع التجار علي ضبط الأسعار في شهر رمضان، وأن معدل النمو الاقتصادي طبقا لتقديرات بيوت الخبرة العالمية، وصل إلي أعلي معدل له في العشرين سنة الماضية.. ثم يحدث الارتفاع بشكل عشوائي في جميع السلع، والحكومة ليست لها السيطرة عليه.
بماذا نسمي ذلك؟.. بالوظة!
وأن يعلن وزير الداخلية أن تعليماته إلي أجهزة الأمن هي احترام حقوق الإنسان، وحسن معاملة المواطنين، ثم تنشر يوميا أخبار عن سوء معاملة المواطنين، وتعذيب البعض في أقسام الشرطة، وإلقاء مواطن من فوق سطوح منزله، وعن تجاهل تنفيذ أحكام القضاء.
بماذا نسمي ذلك؟.. بالوظة!
وأن يرفض رئيس مجلس الشعب وصف أحد القضاة للبرلمان بأنه «منبطح»، ثم تكشف جلسات البرلمان والتشريعات الصادرة عنه، أنه لم يرفض أمرا واحدا للحكومة، وأن النواب لا يمارسون حقهم الدستوري في التشريع، ويقتصر دورهم علي تلقي مشروعات القوانين من الحكومة، ولا يحق لهم إدخال أي تعديلات عليها.
بماذا نسمي ذلك؟.. بالوظة!
وأن يعيش الحزب الوطني وقياداته ورموزه في واد، وتعيش أحزاب المعارضة والمجتمع المدني كله في واد آخر، لا حوار بينهما، ولا استجابة لأي مطلب ترفعه المعارضة.
بماذا نسمي ذلك؟.. بالوظة!
وأن تستمر الحرب المستعرة بين الدولة والصحافة الخاصة، وبين القضاة ووزارة العدل وجماعة الإخوان والدولة، والشعب والحكومة.. إلي آخر الأزمات التي نعيشها.
بماذا نسمي ذلك؟.. بالوظة!
وأن يواصل نظام الحكم تحديه، ولا يريد أن يفتح طاقة نور نحو مستقبل الحكم في مصر، بحيث لا يبقي إلا التوريث أو الفوضي.
بماذا نسمي ذلك؟.. بالوظة!
صدقت يا دكتور هلال.. البالوظة هي سيدة الموقف وهي السلعة الرائجة في الأسواق هذه الأيام، وحالة «الرجرجة» التي تعيشها مصر هي الوصف الدقيق والأمين لأحوال الحكم في مصر، وقد يدين المؤرخون بالفضل إلي الدكتور علي الدين هلال، في استعارة هذا الوصف منه، ويطلقون علي نظام الحكم الحالي بأنه عصر الدولة البالوظية!
آه يا بلد بالوظة!
حل «عبقرينو»!
مجدى مهنا
بجرة قلم.. وبكلمة فاصلة منه.. أنهي الزميل الأستاذ أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام، في مقال نشره أمس.. الأزمة الناشبة حالياً بين الدولة والصحفيين.
قال: إن الحكم بحبس الزملاء الأربعة رؤساء تحرير الصحف المستقلة ليس له علاقة بحرية الصحافة ولا بالعدوان عليها.
برافو يا أسامة.. حل «عبقرينو»! يعني ليه بقي الدوشة ووجع الدماغ والصياح والعويل والصوت العالي والاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات في نقابة الصحفيين، وتشكيل لجنة للحوار مع الدولة.
كل هذا كلام فارغ وإهدار للوقت والجهد، لأن حرية الصحافة كما يراها الزميل سرايا بخير، مادام هو شخصيا بخير.. وأن حبس الصحفيين حق وواجب علي رقاب الصحفيين.. ولماذا الصحفيون؟ إنه حق وواجب علي كل مواطن مصري لسانه طويل.. فالدستور في هذا الشأن لم يفرق بين مواطن وآخر، ولا بين صحفي وعربجي.
لقد صور لنا الزميل العزيز حرية الصحافة.. أو هكذا أرادنا أن نفهم علي أنها ديناصور انقرض أو شيء هلامي لا وجود له، وأن الحرية الحقيقية للصحافة هي في أن تؤيد رموز الحكم والحزب الوطني، وأن تصفق وتطبل للحكم ولرجاله، وترقص طرباً كمان!
ومادام رئيس تحرير الأهرام.. أكرم الله وجهه.. لديه هذا الحل «العبقرينو» والقدرة علي حل المشكلات والأزمات، فلماذا لا تستفيد منه الدولة في حل المشكلات مع المعارضة ومع المواطنين، ومع جميع خلق الله في الداخل وفي الخارج.
مثلاً.. يمكن أن نقول علي نفس الطريقة: إن استمرار العمل بقانون الطوارئ ليس له علاقة بالانتقاص من الديمقراطية ومن حرية العمل السياسي.. وأن الاستمرار في سياسة المعتقلات والزج بالآلاف في السجون ليس له علاقة باحترام حقوق الإنسان، وأن ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات ليس له علاقة بمستوي معيشة المصريين، وأن أزمات المياه والصرف الصحي في قري ومدن مصر ليست لها علاقة بأداء حكومات الحزب الوطني ولا بتقييم دورها ولا بالحكم عليها، وأن ارتفاع معدل الفساد وغياب الشفافية في مصر عالمياً لا يتحمل مسؤوليته نظام الحكم.. وأن وصول السيد جمال مبارك إلي السلطة في أعلي مراتبها.. ليس له علاقة بالتوريث.
بهذه الحلول «العبقرينو» يمكن لحكومة الحزب الوطني أن تنهي جميع مشكلات وأزمات مصر الداخلية والخارجية.. دون أن تفعل شيئا.. أو أن تكلف خاطرها عقد اجتماعات لمجلس الوزراء، وطرح خطط وبرامج وسياسات وتدبير أموال وميزانيات للقضاء علي تلك المشكلات.
الحل سهل وعبقرينو.. وهو لن يكلف الدكتور أحمد نظيف سوي الجلوس في مكتبه بالقرية الغبية، أو بالجلوس في إحدي شرفات برج سان استيفانو علي شط الإسكندرية لكتابة روشتة علاج أزمات مصر في ورقة واحدة علي طريقة «إن حبس الصحفيين ليس له علاقة بحرية الصحافة»!
ثم بعد طرح هذه الورقة في الأسواق وعرضها علي الشعب المصري من خلال وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة سوف تختفي تلقائيا ونهائيا مشكلات مصر، وربما ستعاني حكومة الحزب الوطني من أزمة جديدة- غير معروفة- هي كيف تستثمر وقتها في فعل شيء مفيد بعد أن تمكنت بعون الله، وبتدخل «عبقرينو» من الزميل أسامة سرايا من حل مشكلات مصر القديمة والحالية وفي المستقبل.
أرجو من الزميل سرايا النقابي القديم، وعضو مجلس النقابة، لعدة دورات نقابية.. حصل خلالها علي ثقة زملائه الصحفيين أن يراجع أسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام فيما كتبه في عدد أمس علي الأقل، إذا ما فكر في ترشيح نفسه علي كرسي نقيب الصحفيين إذا لم يكن في الدورة المقبلة، ففي الدورة بعد المقبلة، وإذا لم يكن لتحقيق حلم أي نقابي في الجلوس علي كرسي النقيب الذي هو شرف له.. فعلي الأقل للحفاظ علي كرسي رئيس تحرير الأهرام أطول فترة ممكنة، فكرسي النقيب يصنع المعجزات، واسأل الأستاذ النقيب إبراهيم نافع الذي أحييه في هذه الأيام علي دوره المحترم في أزمة القانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥ التي غاب عنها الزميل سرايا.
مجدى مهنا
س: ما رأيك في الجهود الإصلاحية التي يقوم بها الحزب الوطني، أو ما يسمون أنفسهم جبهة الإصلاح في الحزب التي تقودها أمانة السياسات؟
جـ: هذه الجهود مع تقديري لها، وبافتراض حسن النوايا من وجهة نظري، لن تسفر عن تحقيق إصلاح ديمقراطي حقيقي علي نظام الحكم.
س: لماذا؟
جـ: لأن أي إصلاح بدون مشاركة الناس فيه، وبدون تصديق الناس للأهداف المرجوة منه، لن يكتب له النجاح، بل سيظل يراوح مكانه، أو بالكثير، لن يخرج علي مجرد عمليات ترقيع في بناء متهالك وآيل للسقوط.
وبصراحة الناس تقول إن هدف خطة الإصلاح هذه، ليس تحقيق آمال الشعب المصري في حياة أفضل، وفي رفع مستوي معيشته واحترام آدميته، أو بالوصول إلي نظام حكم أفضل.. بل هدفها تصعيد جمال مبارك ومجموعته.
الناس تقول ذلك.. ولهذا فهي لا تصدق ما يقال لها.. ولا تشارك في صنعه ولا تتجاوب معه.. وبالكثير تقف متفرجة عليه.. منتظرة ما قد يسفر عن نتائج.
س: وما رؤيتك يا بطل للإصلاح من وجهة نظرك؟
جـ: الإصلاح في مفهومي هو إعادة رسم نظام الحكم من جديد.. نحن في حاجة إلي إصلاح هيكلي، وليس تدريجياً، وليس بالقطارة، بوضع دستور جديد للبلاد، يعيد بناء مؤسسات الدولة علي قواعد جديدة.. وفي إطار خطة مرسومة ومدروسة، وفي ظل أولويات.
إصلاح يعيد رسم علاقة مؤسسات الدولة ببعضها البعض.. بحيث يكون هناك فصل حقيقي بين السلطات، ثم السماح لكل سلطة بأن تراقب وتحاسب الأخري، بحيث لا تنفرد سلطة واحدة، هي سلطة رئيس الجمهورية باتخاذ القرار.. وتشمل خطة الإصلاح بناء كل مؤسسة من مؤسسات الدولة علي حدة.
مثلاً.. الحياة الحزبية تحتاج إلي عملية نسف ما هو قائم منها، والنزول به علي الأرض، لأن ما هو قائم لن يؤدي إلي تحقيق ديمقراطية حقيقية في أي وقت، ولا بعد ألف سنة، بمفهوم تداول السلطة بين القوي السياسية.
مطلوب إلغاء الأحزاب الحالية كلها، وإصدار قانون جديد للأحزاب. يساوي بينها جميعاً.. ولا يعطي للجنة تابعة للحزب الوطني، ويسيطر عليها، سلطة الموافقة أو الاعتراض علي قيام أي حزب سياسي.. ومطلوب أيضاً إنهاء الخصومة مع تيار الإسلام السياسي، والسماح له بحرية العمل في إطار الدولة المدنية، وليست الدولة الدينية.. ويحق لهذا التيار الشروع في العمل السياسي، مع الالتزام بقواعد العملية الديمقراطية، وبما لا يسمح له بالانقلاب عليها.
ومثلاً «سلطة القضاء» في حاجة إلي إعادة رسمها من جديد، من خلال قوانين وتشريعات، تلغي المحاكم العسكرية، وإحالة المدنيين إليها، وتمكين القضاة من القيام بدورهم ورسالتهم في المجتمع.. بحيث لا يتدخل أحد في عملهم.. ويتحقق بذلك الاستقلال الحقيقي للقضاء.
ومثلاً.. «الصحافة» في حاجة هي الأخري إلي نظرة شاملة، يعاد النظر من خلالها في مسألة ملكية الدولة لوسائل الإعلام.. وعلاقة المؤسسات الصحفية القومية بالدولة وبالحزب الحاكم، وبشخص رئيس الجمهورية.. ثم وضع القوانين التي تمنع الحبس في قضايا النشر، وتمنع في الوقت نفسه التجاوزات الصحفية.
وهكذا باقي سلطات الدولة التشريعية والأمنية ورئاسة الجمهورية، كلها في حاجة إلي إعادة بناء جديد لها.
س: وهل خطة الحزب الوطني أو خطة جبهة الإصلاح، ستقودنا إلي هذا الإصلاح الشامل الذي تحدثت عنه؟
جـ: لا.. إن المواطن سوف يصدق الإصلاح، وسوف يتجاوب معه عندما يعرف أنه يستهدفه ويحقق مصلحته في النهاية.. وليس تصعيد شخص أو مجموعة إلي رأس الحكم، ووقتها لا يهم من يكون اسم رئيس الجمهورية أو أسماء بقية الرموز إلي جانبه، لأنهم سيكونون جميعاً مختارين من الشعب.. اختياراً حراً.. بعيداً عن أي تدخلات أو ألاعيب.
س: ما تقوله يقودنا إلي ثورة؟
جـ: قل عنها ما تشاء.. لكن هذا هو الإصلاح الحقيقي، الذي يمكن أن يتجاوب معه الشعب.
سندوتش مكرونة
بقلم: إبراهيم عيسىالميزة الأساسية لجمال مبارك أنه لايتميز بأى شئ... ستقول لى إننى لا أحبه (وهذا غير صحيح) ومن ثم رأيى فيه سلبى.. خلاص ياسيدى إنت اللى بتحبه قولى بقى ميزته!لقد شارك جمال مبارك فى 13 مؤتمرا انتخابيا للحزب الوطنى فى إنتخابات مجلس الشعب الماضية فسقط المرشحون الثلاثة عشر الذين دعا إليهم وساندهم بحضورة ، حتى إن هناك من نصحه أوربما أمره بألا يكرر ظهوره فى أى مؤتمرات فى المراحل التالية للإنتخابات منعا لحرج الهزيمة..لاتوجد عند جمال مبارك هذه الحالة (أو الهالة) الزعامية ، فهو مثل والده تماما يحمل على كتفه روح الموظف التقليدى الذى يخلو من الموهبة السياسية وحين يلعب رياضة يختار رياضة يلعب فيها الكرة فى الحائط. فضلا عن أن جمال لم ولن يكون فى يوم خطيبا ولازعيما ولامفكرا ولامثقفا وليس أكثر من موظف بنك حاد القسمات..جمال مبارك مولود وفى يده ملعقة من ذهب ، وفى يده كرباج من فضة ، وفى قدمية باتيناج السلطة ، يأمر فيستمع الجميع ويوافقونه وينافقونه شأن ابن الناظر فى أى مدرسة حكومية..لايعرف جمال مبارك من مصر سوى مراتع الأغنياء وضواحى الأثرياء وقصور الشركاء وفيلات الأنسباء ، ولايعرف عربيات الفول والطعمية فى مصر القديمة ساعة الصبحية والموظفين بيضربوا طبق الفول قبل الشغل، ولم يأكل سندوتش مكرونة فى وسط البلد ، ولا غالطه الصبى الذى يجمع الأجرة فى ميكروباص فى فيصل ولم تنفلت أعصابه من خنقة كوبرى قليوب فى الطريف الزراعى ولا وقف فى إشارة مرور فى صلاح سالم لما اتنحل وبره ولاركب قطار الصعيد ووقع قفص القرص بتاع الواد السريح من على دماغه فشخط فيه وبعدين صعب عليه فغمزه بحسنه على ماقسم ، ولااتصلب طوله فى الشهر العقارى فى ميدان الجيزة فى عز الحر وصوت المروحة فى السقف زى ماكنة الطحين ، ولاشخطت فيه موظفة الصحة طمعانة فى جنية إكرامية لما راح يطعم ابنته ولا اشتكى له سواق تاكسى الساعة اثنين الصبح من انه بيطبق يومين شغل من أجل دروس الواد فى الثانوى العام ولاأحب زميلته فى الكلية وبعدين سابته لأنه جالها عريس بيشتغل فى فودافون ، ولاشرب جمال مبارك من مية النيل الملوثة واشترى فلتر لما ضغطت علية مراته وقالت له اشمعنى أختك جابت فلتر..جمال مبارك لم يصيف فى راس البر مع جمعية العاملين .. جمال لايعرفنا بل نعرف شلته من المليارديرات الذين يصيفون فى ماربيلا بأسبانيا ورأيهم أن مارينا بيئة .. هذا الرجل لايعرف مصر فكيف نسمح له بأن يحكمها.
كلمة أخيرة :
الظروف .. كلمة وهمية من اختراع الإنسان الفاشل.. كلمة المراد منها التهرب من المسؤوليات.. كلمة تعبرفيها عن فشلك وتقصيرك في حق نفسك أنت قبل حق الآخرين .. الظروف .. عمل سيئ قمت به ولم تجد مبرر له غير الظروف ..تلك هي الظروف.. وطالما وجد الإنسان الفاشل شماعة جاهزة من أجل تبرير فشلة سيستمر الفشل لأنه لم يبحث عن السبب الحقيقي الذي يؤدي إلى عجزه وقلة حيلته وتقصيره.
يا واهب الناس اسباب الهدى
يا من بحمد العالمين تفردا
لى عند بابك دعوة فيها رجا
احشر اخوتى فى الله
تحت عرشك سجدا
و اسقهم من حوض حبيبك محمدا
ماء سلسبيلا طيبا
و انثر عليهم فى هذه الجمعة
رياحين الجنة
و نسائم الرحمة
و عبير الرضا
جمعة مباركة
و دعاء مستجاب
من قريببقلم : سلامة أحمد سلامة
الغرق في المسلسلات!
بينما تزداد الهوة اتساعا بين الإسلام والغرب, ويرتفع حائط من الشك وسوء الفهم الذي, لم تنجح الحوارات المتعددة في إزالته, يتحول كثير من قيم الثقافة والتقاليد في المجتمعات الإسلامية إلي مظاهر سطحية تفتقر الي المعاني الروحية والفكرية الأصيلة, وهو ما يحدث الآن في الطقوس الاحتفالية لشهر رمضان التي تحولت الي خيمة كبيرة أغلقها المسلمون علي أنفسهم بالإغراق في الطعام والشراب وفنون اللهو والتسلية.. عزلت العالم الإسلامي عما يدور من أخطار!لا تعكس الأدبيات والإبداعات الفنية وغير الفنية التي يفرزها شهر الصوم في كل المجتمعات الإسلامية, شيئا من التحديات, ولا يجيب علي التساؤلات التي تثيرها الكتابات الغربية عن أسباب العنف الإسلامي والعجز عن التكيف مع الحريات والأوضاع السائدة في العالم, وبالأخص فيما يتعلق بوجود ومصير الملايين من الجاليات الإسلامية المهاجرة والمستوطنة في الغرب.ويبدو هذا التطور نتيجة طبيعية, بعد أن تعددت في السنوات الأخيرة أعمال العنف والتفجيرات التي يتورط فيها مسلمون من أصول آسيوية وشرق أوسطية, امتدت الي معظم البلدان والعواصم الأوروبية.. واجتذبت إليها مواطنين أوروبيين اعتنقوا الاسلام, وكانت أوروبا قد شهدت في العقود الأخيرة توسعا ملحوظا في اقبال أوروبيين وأمريكيين علي اعتناق الإسلام ودراسته, وبالأخص بعد أحداث سبتمبر, ولكن هذا التوسع لم يلبث أن شهد انحسارا, بعد أن طالت العمليات الارهابية والتفجيرات عددا من المدن الأوروبية.لا يوجد شك في أن أوضاع المسلمين في العالم, خاصة في أوروبا وأمريكا قد دخلت مرحلة حرجة.. ترجع في جانب منها الي الشكوك التي تحيط بهم لأسباب دينية وسياسية, تضاعفت بدرجة كبيرة نتيجة انخراط الغرب في حروب عدوانية ضد دولتين اسلاميتين ولا تبدو لها نهاية وشيكة.. وتقابل هذه الحروب في الوقت نفسه بمشاعر كراهية من العالم الإسلامي, تستتبعها عمليات إرهابية تنسب إلي نشطاء القاعدة بين حين وآخر, ولكنها ترجع أيضا الي عجز الجاليات الإسلامية عن الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها.وبغض النظر عن المغالطات التي يطرحها السياسيون والإعلاميون في الغرب, فإن الآية انقلبت الآن ليصبح الشك والخوف موجها الي الاسلام كدين وأسلوب حياة باعتباره مصدر العنف الكامن في نفسية المسلمين وردود أفعالهم؟هذه أسئلة تحتاج بالفعل إلي اجابات, فلم يعد الاتهام والشك موجها الي جماعات من المسلمين بعينهم, أفرادا أو شعوبا, بل بات موجها الي الاسلام كدين وعقيدة ورؤية روحية, وقد تضاعفت هذه الشكوك مع اعتناق أوروبيين للاسلام وانقلابهم ضد مجتمعاتهم, بحيث بات الربط بين الاسلام والقاعدة وشبكات التطرف الأصولي خطا ثابتا في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي.ونخلص بعد ذلك الي القول بأن هذه القضايا التي ينبغي أن تشغل العقل الإسلامي في مثل شهر رمضان, تغيب تماما ونحن غارقون في العسل المر لمسلسلات وتسالي رمضانية لا تقدم ولا تؤخر.
المبيدات مجددا
محمود سلطان : بتاريخ 19 - 9 - 2007
لا أدري سر هذه الحملة التي ينظمها صحفيون ومسئولون بوزارة الزراعة، لنفي وجود "مبيدات مسرطنة".. وزير الزراعة الحالي قال إنه "لا توجد حاجة اسمها مبيدات مسرطنة".. وفي برنامج "بعد المداولة" الذي يقدمه مجدي مهنا على القناة الثانية من التلفزيون المصري ، قال الدكتور صلاح سليمان نائب رئيس لجنة المبيدات بوزارة الزراعة : لا يوجد مبيد مسرطن ولا توجد كلمة "مبيد مسرطن" ، وأكد على علي أنها "غير علمية"، ونفي وجود أية علاقة بين الأمراض والمبيدات!وفي ذات السياق انبرى الزميل الأستاذ مكرم محمد أحمد في الأهرام مدافعا عن وزير الزراعة السابق د. يوسف والي، وانضم إليه كتيبة من الزملاء ممن يكتبون زوايا يومية ، أحالوها إلى "مكتب محاماة" للدفاع عن وزراء بعينهم، و"ملاغية" آخرين، ومناشدة القيادة السياسية تأجيل أي قرار يستهدف تغيير الوزارة الحالية، لأن "التغيير" بالتجربة ثبت عدم جدواه، ولإعطائهم "فرصة" و"الوقت الكافي" لتحقيق الإنجازات.. والكتابة في هذا الموضوع بشكل فج وفاضح ، وواضح منه حماية "الحبايب" منهم من الإقالة، لأسباب الجماعة الصحفية المصرية تعرف سرها وعلانيتها!كتيبة المدافعين عن "سرطنة الشعب"، شرعوا في إعادة غسيل المتورطين في إبادة الشعب المصري، بالادعاء بأن حكاية المبيدات المسرطنة كانت "كذبة كبيرة" وصدقها البلهاء أمثالنا!أنا أكتب في هذا الملف من واقع تجربتي الشخصية كصحفي في جريدة "الشعب" ، التي انفردت وحدها بشرف الذود عن الشعب المصري ضد سياسة الإبادة الجماعية بالمبيدات المسرطنة ، التي قادتها وزارة الزراعة في عهد الدكتور والي.لقد أهداني أستاذ جامعي عام 1998 تقريرا صادرا من مكتب الدكتور والي نفسه، مرفقا به جدول يتضمن العشرات من المبيدات "المحرمة دوليا" .. والجدول لم يذكر فقط اسم المبيد، ولكن مسجل أمامه اسم المادة الفعالة، ونوع السرطان الذي يسببه.التقرير مرفق به توصية من الوزير بعدم استخدام هذه المبيدات لأنها "محرمة دوليا"، وما حمل الأستاذ بكلية الزراعة بإحدى الجامعات الساحلية على تسليمي هذا التقرير أنه تأكد له أن التقرير الذي صدر عام 1996 لم ينفذ رغم خطورته ورغم مرور عامين على صدوره، وأن أسواق المبيدات في طول البلاد وعرضها ما زالت مكتظة بكل هذه المبيدات.بعد عرضي للتقرير وكلام الأستاذ الجامعي في اجتماع لقسم التحقيقات الصحفية، قررت إدارة التحرير تكليفي بعمل تحقيق ميداني للتأكد من صحة ادعاء الأستاذ صاحب المفاجأة المرعبة، وقررت أيضا توفير غطاء مالي لشراء المبيدات من السوق وتصويرها وعرضها ـ حال ثبوت صحة الواقعة ـ في الجريدة.وتخيرت أكثر من محافظة في مصر، اصطحبني في بعضها نفس الأستاذ، وتأكدت بنفسي من وجود تلك المبيدات المسرطنة في الأسواق المصرية، وأنها تباع وتشترى دون أية رقابة أو خوف من الضبط أو الملاحقة، ما يعني أن التقرير والتوصية كانت محض حبر على ورق.وفي القضية التي قدم فيها صحفيو الشعب إلى المحاكمة بتهمة سب وقذف د. والي، قدمت فيها العشرات من المستندات التي تثبت خطورة هذه المبيدات، وكنت بنفسي واحدا ممن اختارني الزميل مجدي حسين رئيس تحرير الشعب وقتذاك لمساعدة محامي الجريدة د. على الغتيت في فرز المستندات وترتيبها عشية عرض الزملاء على المحكمة، واطلعت بنفسي على أدلة الإدانة، وعلى الرغم من أن الدفاع طالب بالتحقق من صحة المستندات الدالة على سلامة موقف الصحفيين من مسألة المبيدات المسرطنة ، إلا أن المحكمة توقفت فقط عند مسألة سب وقذف الوزير!هذا اللغط المثار حاليا في هذا الصدد ما كان له أن يعود بهذا الشكل "التحايلي" والمناور، لو أن المحكمة أو القضاء فصل أيضا في قضية المبيدات، أو لو استجابت النيابة العامة لطلب محكمة الجنايات بسماع أقوال يوسف والي في قضية وثيقة الصلة بهذا الموضوع.اعتقد أن ملف المبيدات بالغ الخطورة وينبغي إعادته إلى المحكمة للفصل فيه، لوضع حد للمزايدين والكذابين ممن لا تعنيهم إلا جيوبهم وكروشهم ولو أبيد الشعب المصري عن بكرة أبيه . sultan@almesryoon.com
اللهم إني صائم !
جمال سلطان : بتاريخ 19 - 9 - 2007
كنا نهزأ من بعض صغار التجار والحرفيين الذين يستغلون الدين وحتى الآيات القرآنية للترويج لبضاعتهم بطريقة فجة للغاية وأحيانا مضحكة ، مثل الترزي الذي وضع على باب محله "وكل شيئ فصلناه تفصيلا" ، ولكن مع الأسف هذا الذي أصبح يحدث أيضا في المؤسسة الدينية الرسمية ، وعبر أكبر رؤوسها أو عمائمها ، وإلا فبالله عليكم من يمكنه أن يفسر لي خطبة شيخ الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي هذا الأسبوع التي تحدث فيها عن فضائل شهر رمضان فقال : إنه شهر مكافحة الشائعات ! ، والحقيقة أن هذه أول مرة أسمع فيها هذا الوصف لشهر القرآن منذ وعيت على الدنيا قبل ما يقرب من نصف قرن ، ما هذا التهريج ، هل يمكن أن يكون الدين مستباحا إلى هذا الحد الذي يجرؤ فيه شيخ أكبر مؤسسة دينية في البلد على تفصيله وتنزيله على مقاس الحزب الحاكم وقياداته ، هل يمكن أن يكون الدين مستباحا إلى حد أن يوظفه شيخ الأزهر في خدمة السلطة في صراعها مع الصحافة والصحفيين والأقلام الحرة ، المصيبة أن الأمر لم يتوقف على شيخ الأزهر وحده ، بل إني صدمت في الشيخ علي جمعة الذي انتصب هو الآخر في احتفالية عامة ليقول : (أن الإسلام يحرم ترويج ونشر الشائعات والكلام الذي لا أساس له من الصحة لما لذلك من خطورة علي المجتمع وأفراده وتشتيت الأمة الإسلامية ، .. مضيفا في المحاضرة التي ألقاها في ملتقي الفكر الإسلامي الذي ينظمه المجلس الأعلي للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف بساحة مسجد الحسين (إن الإسلام يحرم أن ينقل المسلم كل شيء يسمعه دون تثبت أو دليل علي صحة هذا القول..مشيراً إلي أن الرسول محمداً "صلي الله عليه وسلم" يسمي القول بغير دليل بأنه كذب) ـ حسب النص المنشور في الصحف القومية لكلامه ـ ، جميل أن يقال هذا الكلام وينشر لحض الناس على التثبت من الأخبار والمعلومات ، ولكن ما مناسبة هذا التنبيه هذه الأيام يا فضيلة الشيخ ، أليس هو توظيف للمعاني الدينية العامة في معركة السلطة مع الصحفيين ، وما الذي حفزك على أن تتجاهل مئات المعاني والفضائل الأخرى التي يمكن الوقوف عندها واتجهت إلى هذه النقطة تحديدا ، هل هي شكوى أحد المواطنين أيضا ، مثل شكوى المواطن التي حولها القاضي إلى حكم بحبس أربعة رؤساء تحرير صحف مستقلة بتهمة نشر إشاعات عن صحة الرئيس وعن سلوك قيادات الحزب الوطني الحاكم ، هل يمكن أن تبرأ كلمات مفتي الجمهورية من الاتهام الواضح في سياقها وتوقيتها بأنها مجرد تخديم على "شهوات" السلطة لقمع الصحافة وإرهاب الصحفيين ، ومنع أي نقد أو اتهامات موجهة إلى قيادات الحزب الحاكم ، وهل هذا يليق من علماء ورجال دين كبار في مثل هذه الأوقات المباركة ، التي يفترض أن تصفو فيها النفوس وتكون أكثر قربا من الله وليس من السلطة ، وأكثر رهبة من وعيد الله وليس وعيد السلطة ، وأشد شوقا ورغبة لما عند الله وليس ما عند السلطة ، وماذا أبقينا للعوام من الصنايعية والحرفيين الذين يوظفون المعاني الدينية والآيات والأحاديث في خدمة أحوالهم وصنائعهم على النحو المضحك الذي نعرفه جميعا ، بصراحة ، هؤلاء أبرأ نفسا وأقل في موجبات الإدانة ، لأن ما يفعلوه يغلب عليه البراءة وربما الجهل ، ولكن ما يفعله علماء كبار ورموز للدين والعلم في الدولة لا يمكن أن يكون عن براءة ولا أن يكون صادرا عن جهل وغفلة .
مسكين شعب مصر !
جمال سلطان : بتاريخ 17 - 9 - 2007
كلام مهين جدا للناس والبلد والشعب يتكرر ـ مع الأسف ـ من الرئيس مبارك شخصيا ومن قيادات كثيرة في الدولة ، كلما حاولوا تبرير عجز خطط التنمية عن تحقيق الحياة الكريمة للمواطنين ، وذلك بتحميل الناس المسؤولية لأنهم يتزوجون ويتناسلون ، وبالتالي فنسل المصريين هو الذي يفسد برامج التنمية ويهدر الإنجازات الجبارة للحكومة في مجالها ، بصراحة ، هذا الكلام لا يليق قوله لا علميا ولا أدبيا ، كما أن تكراره يعطي إِشارة سلبية إلى ضيق القيادة المصرية من مواطنيها ، وقرفها الذي يصل إلى حد تمني هلاك نصف شعب مصر على الأقل من أجل أن تظهر إنجازات الحكومة ، هل هذا كلام يليق ، إن هذا المنطق يعني تبرئة أي حكومة مصرية قادمة إلى يوم الدين ، لأن فطرة الخلق التي فطر الله الناس عليها أن يتزوجوا ويتناسلوا ويتكاثروا ، وبالتالي فعلى شعب مصر أن لا ينتظر أي أمل في حياة كريمة إلا أن يعمهم الله بطوفان مثل طوفان قوم نوح ولا يبقى فيهم إلا أعضاء الحزب الحاكم فقط وإن شاء الله تظهر عليهم أمارات الإنجازات الكبيرة ، والغريب أن هذه الحجة هي نفسها المتكررة في دول العالم الثالث ، وخاصة الدول العربية ، وكان الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة يعنف الشعب التونسي علنا في التليفزيون ويتهمه بأنه يضيع ثمار إنجازاته الضخمة ـ التي لا يراها أحد إلا هو ـ لأنهم يتزوجون ويتكاثرون ، ويتندر التونسيون عن تعبيراته العلنية التي لم تخل من طريقة "إباحية" وهو يعبر عن هذا الموضوع ، لكن أمما أخرى يتزوجون ويتكاثرون ربما أكثر منا ، ومع ذلك نشهد لهم إنجازات حقيقية وطفرات اقتصادية ، واسألوا نمور آسيا ، بل اسألوا الصين التي تقترب من مليار ونصف المليار ، أي قرب ربع سكان العالم كله ، ومع ذلك تحقق أعلى معدلات النمو الاقتصادي على الإطلاق والدخل القومي الصيني يقترب من التريليون دولار الآن ، القضية لم تكن أبدا تكاثر الناس ، وإنما فشل الدولة في خلق أفكار وخطط تنموية رائدة ، وغياب الإبداع عن أفكار التطوير ، وعجزها عن استثمار طاقاتها البشرية في دفع معدلات النمو إلى أقصاها ، وإيمان كوادر الحكومة المطلق في أن الكفاءة والعطاء ليسا هما سبيل التكريم والرفعة وإنما التملق والنفاق وتغميض العين عن الانحرافات ، إضافة إلى معدلات الفساد العالية التي تجعل خزائن الدولة أشبه بالجيب المخروم ، كلما دخلت فيه أموال جديدة سقطت إلى مسارب حسابات شخصية في بنوك أوربية معروفة ، ثم نقول بعدها أن الفساد في كل الدول وليس عندنا فقط ، الطريف في الموضوع أن الدول الأوربية التي تعرف أقل معدلات الفساد وتوسع مطرد في فرص العمل وخطط التنمية في ظل استقرار سياسي ومناخ ديمقراطي يحقق قدرا عاليا من الشفافية والمشاركة ، تجدها تشكو من أن قلة النسل هي التي تعيق خطط التنمية في بلادهم ، وبعض الدول يعطي حوافز وجوائز لمن ينجب أكثر من طفل ، وهناك طرائف عديدة تروى في هذا المجال كقرار بعض الدول منح المواطنين إجازة خاصة في بعض الأيام على أمل أن تضخ في البلاد جيشا من المواطنين الجدد ، وبعض الدراسات الغربية الجديدة أكدت على حاجة أوربا إلى "استيراد" من عشرة إلى خمسة عشر مليون شخص سنويا لمدة عشر سنوات على الأقل من أجل ضمان استمرار خطط التنمية ومعدلاتها وعدم تعرضها للانتكاس ، بطبيعة الحال هذا الكلام لا أقصد منه أبدا الدعوة إلى زيادة النسل كما لا أدعو بالمقابل إلى تحديده ، لأن قناعتي أن هذه أسوأ مبرر يمكن ذكره في دولة محترمة كمعوق للتنمية ، مسكين شعب مصر ، دائما هو الشماعة التي تعلق عليها حكوماته المتوالية فشلها وفسادها وضعف هممها عن النهوض وعجزها عن التخطيط العلمي لاستثمار طاقاتها وإمكاناتها البشرية وغير البشرية .gamal@almesryoon.com
ساهموا معنا في مكافحة الشائعات !
جمال سلطان : بتاريخ 21 - 9 - 2007
خلال أقل من شهر واحد ، كان البلاغ المقدم ضد الزميل إبراهيم عيسى قد حول إلى النيابة التي قامت بالتحقيق فيه بشكل عاجل ، ثم صدر ، خلال الشهر نفسه ، قرار النيابة بتحويل عيسى إلى المحكمة بالاتهامات المنشورة سابقا ، الأمر نفسه حدث مع الزملاء الأربعة رؤساء تحرير الصحف المستقلة حيث تم التحقيق معهم فور شكوى "مواطن" ثم إحالة القضية للمحاكمة ، قبل أن يتم الحكم عليهم جميعا بالسجن ، وهذا يعطي إيحاءا بأن "العدالة" في مصر ناجزة وسريعة وغير كسولة ، غير أن بعض "مروجي الشائعات" يقولون بأن الأمر ليس على هذا النحو من الجدية والاهتمام وسرعة التصرف دائما ، خاصة في قضايا الصحافة والرأي العام ، وإنما الناس مقامات ، ويستشهدون بقضية الزميلة ـ أيضا ـ هالة سرحان ، صاحبة الضجة الكبيرة ببرنامج العار الذي قدمته على إحدى القنوات الفضائية تصور فيه أحوال الفتاة المصرية واحترافها للدعارة وأتت بثلاث فتيات قدمتهن على اعتبار أنهن "داعرات" ويشرحن المبررات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي دفعتهن لذلك ، وهي الحلقات التي جعلت المصريات مسخرة على الألسنة من المحيط إلى الخليج وأهانت المرأة المصرية والأسرة المصرية والمجتمع المصري كله الذي انتفض غضبا في ذلك الوقت على هذه "الجريمة" ثم ظهر بعد ذلك أن الحلقات مفبركة ومزورة ، وأن الفتيات ما هن إلا مستأجرات لتأدية دور ، وأن الزميلة هالة غررت بهن وخدعتهن ، وقد تسببت في فضائح لهن ولأسرهن ، فواحدة طلقت أختها والأخرى فسخت خطوبتها والثالثة لحق العار بأسرتها ، إلى آخر ما حدث ، وتحت ضغط الرأي العام وقتها قامت النيابة بفتح تحقيق في القضية ، ولكن منذ ستة أشهر لا يعرف أحد ما الذي حدث فيها ، هل تم حفظ التحقيق مثلا ، هل تم تحويل هالة سرا إلى المحكمة ، طبعا هالة سرحان يومها كانت في دبي ثم نصحها "نافذون" في مصر بأن لا تعود الآن حتى تهدأ الضجة ، فسافرت إلى لندن وبقيت هناك عدة أشهر بدعوى إجراء فحوصات طبية ، أسأل الله أن يشفيها مما هي فيه ، قادر يا كريم ، ولما تطاول البعض على مقام الست هالة بأنها هاربة من التحقيقات أعلنت بالفم الملآن من لندن بأن أي جهة تحقيق لم توجه إليها طلبا للمثول ، وكان ذلك إحراجا بالغا للنيابة العامة ، لأنها هي محور الاتهام وجوهره وأساسه ، فما معنى التحقيق والتحقيقات طالما أنها هي نفسها غير مطلوبة ، فأعلنت النيابة في اليوم التالي أنها قررت استدعاء هالة للتحقيق ، ولكنها لم تأت ، وهذا آليا يستدعي وضعها على قوائم ترقب الوصول في المطارات والمواني المصرية ، وبعد قرابة ستة أشهر من الصمت والنسيان فوجئ الناس بالست هالة تتبختر على الشاشات من جديد ، وضحكة الفرفشة إياها تجلجل ، وحشد المصفقين والمصفقات ، والحالة فل الفل ، إيه الحكاية ، السؤال سأله محامي الفتيات ، وإيه اللي حصل ، وحتى هذه اللحظة لا أحد يجيبه على سؤاله أو يشرح له سر ما أذهله ، طبعا أنا لا أريد أن أصدق الشائعات المغرضة التي تسري الآن في بر مصر بأن أميرا خليجيا صاحب حضور نافذ في مصر ومشروعات كبيرة حصل على وعد من قيادة سياسية وحزبية نافذة جدا في مصر ، بلملمة الحكاية ، وعودة الست هالة إلى فنها ورسالتها الراقية معززة مكرمة لا يمسها سوء ولا يلحق بعارضيها عار ، وكانت عودتها في الشهر الفضيل ، شهر العفو والتسامح والغفران ، وطالما أن شهر رمضان أصبح ، كما يقول شيخ الأزهر ، شهر مكافحة الشائعات ، فإني أتمنى من السيد المستشار عبد المجيد محمود النائب العام أن يشارك معنا في هذه الفضيلة ، ببيان شاف وكاف للرأي العام يكشف فيها ملابسات هذه الأعجوبة ، ويساهم معنا في مكافحة الشائعات .gamal@almesroon.com
شعبية بالعافية ! ياساتر يارب! ـ د. محمد جمال حشمت
د. محمد جمال حشمت : بتاريخ 21 - 9 - 2007
فى ظل حالة التراجع التي يحياها المجتمع المصرى على كل المستويات وفى ظل مناخ القمع الذى يعانى منه الشعب المصرى بكل أطيافه المنشغلين بالعمل العام والمنشغلين بلقمة العيش !وفى ظل حالة النهب المستمر لخيرات وثروات مصر تبدو فكرة زيادة أعضاء الحزب الوطنى الذى يفاجئنا به مسئوليه كل فترة من الزمان غريبة ورغم أن هذا الحزب - الذى لم يوفق أوضاعه حتى الآن طبقا لقانون الأحزاب فى مفارقة عجيبة من مفارقات هذا الزمن – هو المتسبب فى كل هذه المصائب والبلاوى التى يعانى منها المصريين !!إلا أن المصريين يندفعون اليه بصورة مرضية تجعل منهم حالة تدرس طبقا للمثل الشعبى "القط يحب خناقه" وهذا بالطبع أمر مستحيل ! فكيف يستقيم الأمر ؟ هناك حرامى يسرق أعمارنا ومجهودنا وخيرة الناس منا فكيف لا يسرق عضوية زائفة!!؟ لكن الذى أمسكته مؤخرا كان مفاجئة لى لم أكن أتخيلها !! فكل عام يخرج علينا الحزب الوطنى بإعلان انضمام الآلاف له كعضوية !! ولم أتخيل أن أحدا مهما كان طمعه وجشعه أن يسمح لنفسه بعد كل ماحدث على أيدى هذا الحزب وقياداته أن يفكر فى الانضمام اليه !! هكذا أرى الناس وأتعامل معهم وأعرف رأيهم !!! ، ولكن من سوء حظ هؤلاء القيادات الماهرة الكفء أن وقعت فى يدى عدة بطاقات تحقيق شخصية صادرة من وزارة الداخلية قطاع الأمن المركزى ممهورة بتوقيع اللواء نزار عجاج لجنود فى الأمن المركزى ومعها بطاقات عضوية للحزب الوطنى امانة البحيرة لنفس الأسماء وفى وقت لاحق لصدور بطاقات الداخلية !! مما يدل على أن العضوية الجديدة جزء كبير منها من جنود الأمن المركزى وكل جندى مسكن فى وحدة حزبية فى محل إقامته !! وتأكد شكى عندما سألت أحد هؤلاء الجنود الذى أكد على أنه تم عمل بطاقات العضوية لهم دون أى سعى منهم بكشوف صادرة من وزارة الداخلية قطاع الأمن المركزى لأمانات الحزب الوطنى فى المحافظات !!! حتى العضوية تمت سرقتها لحسابهم !! بينما تسرق من الأحزاب الأخرى لإفسادها وإغراقها فى الخلافات والإنشقاقات ..حسبنا الله ونعم الوكيلنرجو من الله ألا يسرقنا الوقت ويضيع منا رمضان بكل ما فيه من خير فقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم " خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له" فلنجعل من شهر رمضان شاحن لبطارية الإيمان فى قلوب كل منا بعد أن أفرغها الإحساس بالظلم والقهر والحرمان طوال العام الماضى ، ولنعلم أن هذا الشهر الكريم هو شهر المجاهدة والتغيير الى الأفضل كما هو شهر الرحمة والمغفرة والكرم والصبر والعتق من النار ..فإن تغيير النفس مقدم على تغيير الواقع ، فلنخرج من رمضان أشد حبا لله وأكثر عبودية له سبحانه فلا نخاف إلا من الله ولا نخشى إلا الله ولا ننحنى إلا لله ولا نحب إلا فى الله ولا نكره إلا لله ، وقتها يموت الحرامى دون أن تلمسه !! فلن يجد وقتها عبيدا له يأتمرون بأمره ويسرقون بإسمه بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر !اللهم انا نسألك لمن كبتوا أمننا وسرقوا بلدنا وأذلوا شعبنا وأفقروا أهلينا ونهبوا أموالنا واعتقلوا شرفاءنا وأطلقوا سارقى وقاتلي أهلينا في مصر الحبيسة اللهم انا نسألك ان ترينا فيهم عجيب قدرتك وشديد بأسك وعاجل نقمتك كما أريتنا فيهم عجيب حلمك يا مولانا الشفيق يا رب البيت العتيق يا سامع الصوت وسابق الفوت وكاسي العظام بعد الموت يا قريبا غير بعيد ويا شاهدا غير غائب يا ودود يا ذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد يا فعال لما يريد نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك وبقدرتك التي قدرت بها علي خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شيء ان تعجل لإخواننا المأسورين من أبناء مصر فرجهم وتحفظ عليهم أهليهم وأموالهم وأعمالهم وان ترينا فيمن ظلمهم يوم عيدهم عاجل باسك وشديد غضبك وقوي انتقامك هم وأعوانهم وأسيادهم اللهم آمين اللهم آمين آمين drhishmat@yahoo.com
إفطار حزب الوسط
محمود سلطان : بتاريخ 21 - 9 - 2007
حفل الإفطار الذي نظمه حزب الوسط يوم الأربعاء الماضي، كان لوحة سياسية وثقافية واجتماعية بديعة، ليس فقط باعتباره فرصة للقاء زملاء وأحبة تقطعت بنا سبل التواصل معهم طوال العام ـ فبعض الجماعات السياسية المصرية تنظم احتفالات مشابهة في هذا الشهر الكريم، ربما تماثلها في الوظيفة الاجتماعية ـ ولكن لأنه ـ أي حفل الوسط ـ يتميز بتعدد وتنوع المدعوين، إذ تجد في القاعة قيادات ورموز المشهد السياسي المصري بكل تناقضاته وتبايناته ، الحادة منها والمعتدلة، حتى تلك التي يختلف معها الحزب في الرؤى و الأجندات والمرجعيات ، أو في "المرجعية النهائية" كما يسميها المفكر الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري.وقد وجدت في هذا العام ـ على سبيل المثال ـ أكثر رموز أمانة السياسات والحزب الوطني تشددا وتطرفا وعداء للقوى الوطنية المصرية ، حتى لكل من يحتفظ لنفسه بمسافة بعيدا من النظام، دون أن ينتقده أو يعاديه!بمعنى آخر كان حفل الصديق العزيز المهندس أبو العلا ماضي صورة أقرب إلى ملامسة تضاريس الواقع السياسي المصري على حقيقته، على نحو يعكس ضميرا يميل إلى "السماحة السياسية" وليس إلى "اللدد في الخصومة"، وهو الضمير الذي لا يزال ينقصه النضج في جل الأحزاب السياسية المصرية الأخرى، بما فيها بعض الكتل التي ترفع شعارات إسلامية.الاحتفال كان ثريا بما يغري على الكتابة، خاصة المداخلة اللطيفة للدكتور عبد الوهاب المسيري، وقد أخذتني الدهشة كل مأخذ وأنا أري هذا الرجل المسن المصاب بسرطان الدم، ويشارك في المظاهرات في عز صيف القاهرة القائظ، يتحدث يوم أمس الأول في الحفل بتفاؤل ربما لا يشعر به شاب في العشرينيات، ورغم عذاباته وآلام السرطان ومحنته في بلده ومرارة التجربة مع السلطة التي خذلته ورفضت علاجه على حساب الدولة.. أمتعنا بكلمة تنسمنا عطرها وعبيرها الجميل، وانتزع من شفاهنا البسمات والضحكات، عندما فاجئنا ـ ولأول مرة ـ بخفة روح وقدرة على المداعبة والتنكيت فاقت كل توقعاتنا.. نسأل الله عز وجل أن يشفيه ويخفف عنه ويرفع عنه ما هو فيه من ابتلاء وبلاء، وكل عام وكل الأصدقاء بحزب الوسط بخيرعلى الهامش:قبيل الإفطار بنصف ساعة، كنت أمام مدخل فندق "ميراميزا " بضاحية الدقي، انتظر دوري في المرور على "بوابة تأمين" الفندق، للمشاركة في الحفل السنوي الـ "حزب الوسط".. كان أمامي الزميل حسين عبد الغني مدير قناة الجزيرة بالقاهرة، وفي صحبته وجه فضائي معروف وخبير استراتيجي" شهير".. الكل استجاب لتعليمات الأمن بالمرور على البوابة، إلا "الباشا" الخبير الاستراتيجي، الذي تجاهل طلب "أمين الشرطة" ودخل الفندق بدون المرور على البوابة باستعلاء وكبرياء غير مقبول بالمرة، رغم ملاحقة الشرطي له و"محايلته" والإلحاح عليه بأدب للمرور عليها.وعندما أصر رجل الأمن أن يلتزم "الباشا" بالتعليمات، صرخ الأخير في وجهه قائلا بعنجهية وبشخط وبصوت عال: فين أكبر مسئول أمني هنا ؟! هاتهولي !ارتبك أمين الشرطة وتراجع عن طلبه، وانسحب إلى البوابة، ودخلت أنا للمرور عبرها، محاولا التخفيف عنه وملاطفته، وقلت له: لا تغضب .. وابتسم وقهقه من قلبك ومن غلبك فأنت تعيش في مصر! sultan@almesryoon.com
سفير مصر في تل أبيب يفطر على مائدة الصهيونية تسيبي ليفني ..حادث عبارة موت جديد بانتظار المعتمرين ...ووزير الخارجية يعترف: الحكومة ليس لديها حل لمشكلة تكدس المعتمرين ..قيادات الوطني لا تعرف شيئا عن توكيل الدعوى التي حكم بموجبها على رؤوساء التحرير
كتب:طارق قاسم : بتاريخ 18 - 9 - 2007
لأننا نعرف أنك عزيزي القارئ مثقل مثلنا ومخنوق مثل كل المصريين فسوف نروح عنك بعض الشيء في مقدمة هذه الإطلالة الجديدة على صحف القاهرة الصادرة الثلاثاء من هذا الأسبوع ونطلعك على مانشيت جريدة روز اليوسف اليومية الذي لطعته على صدر صفحتها الأولى ..لتضحك قليلا أو كثيرا أو تموت كمدا ..الأمر متروك لذوقك واختيارك ..واللهم إني صائم ...قالت روزا اليوسف في مانشيتها :"مبارك للوزراء : تواصلوا مع المواطنين وتعاملوا بشفافية مع مشاكلهم"....بعد هذا المانشيت الساخن من صدر صفحة روزا اليوسف ننتقل الآن للنكد والعكننة مع أحوالنا التي لا تنتهي بشاعتها ونبدأ من الدستور اليومية التي صدرت عددها ليوم الثلاثاء بأنباء كارثة عبارة موت جديدة تخيم في الأفق حيث نقلت الدستور في صفحتها الأولى أنباء التكدس الجديد للمعتمرين بميناء سفاجا بعد اكتشاف مخالفات وعيوب فنية خطيرة في العبارة التي كان مفروضا أن تقلهم إلى السعودية وهي العبارة "جماع 2" ..ونقلت الدستور أنباء عن احتمال تشكيل لجنة فنية جديدة تسمح بإبحار العبارة رغم المخالفات الفنية بها ...وفي سياق متصل وفيما يتعلق بمحنة تكدس المعتمرين ذكرت الدستور أن وزير الخارجية أبو الغيط أرسل ردا لمجلس الشعب يؤكد فيه أن الحكومة لا توجد لديها أية خطط فعالة للتعامل مع هذه الأزمة ..كما أوردت الدستور أيضا في عدد الثلاثاء تقريرا حول القضية التي حكم بموجبها على رؤساء التحرير الأربعة : حمودة وقنديل و الإبراشي وعيسى بالسجن سنة والغرامة 20 ألف جنيه والتي رفعها محام بالحزب الوطني جاء في تقرير الدستور أن قيادات الوطني أعلنت أنها لا تعرف شيئا عن التوكيلات التي قال المحامي أنه رفع القضية بموجبها ..الطريف أن قيادات نافذة بالحزب الوطني أكدت للدستور أنها لا تعرف ما إذا كانت القضية مرفوعة باسم الحزب أم لا ...أما محامي الحزب الوطني أنور رسلان العميد السابق لكلية حقوق القاهرة فقد رفض التعليق على أسئلة الدستور بشأن التوكيلات التي رفعت القضية استنادا لها ..وإلى عدد الثلاثاء من جريدة المصري اليوم التي كشفت عن ارتفاعات جديدة في أسعار الدقيق وهو ما من شأنه تضخيم آثار أزمة الخبز المنتشرة في عدة محافظات ...وأبرزت المصري اليوم أيضا خبرا مستفزا يقول أن السفير المصري في تل أبيب كان أبرز المدعوين على مائدة إفطار نظمتها وزيرة خارجية كيان العدو الصهيوني في يوم الأحد الماضي احتفالا بشهر رمضان ...*مقالات :- لا أحد يقتنع بكلام مبارك حول احترامه للصحافة وتمسكه بحريتها..في هذا السياق كتب فهمي هويدي في الدستور: (لم اقتنع بما قاله الرئيس مبارك بأنه لا تراجع عن حرية الصحافة ، ليس فقط لأن الواقع الماثل بين أيدينا يدل بقوة علي أن التراجع حاصل ، وأننا وقفنا عند بداية منزلق قمع الكتاب وقصف الأقلام ، ولكن أيضا لأن أجواء التراجع مخيمة في أكثر من مجال ، وأن ما يحدث في مهنة الصحافة من تجليات هذه الموجة.إن كلام الرئيس عن الصحافة طيب ومقلق في نفس الوقت. هو طيب لأنه أشاد بحرية الصحافة وعبر عن إيمانه الذي لا يتزعزع بها وحرصه عليها ، ومقلق لأن رؤساء التحرير الأربعة الذين صدر الحكم بحبسهم وتغريمهم لم يفعلوا شيئا أكثر من أنهم صدقوا هذا الكلام ومارسوا حرية الصحافة ، مقلق أيضا لأن الرئيس اعتبر هذه الممارسة تجاوزا من ناحية ، ثم أنه دعا إلى ما أسماه "تنقية الوسط الصحفى من المتجاوزين". ذلك أنه إذا كان قمع رؤساء التحرير الأربعة يعيد إلى أذهاننا ذكريات فصل الصحفيين ، فإن الدعوة إلى تنقية الصف الصحفي من المتجاوزين تعيد إلينا ذكريات زمن "التطهير"، وما أدراك ما هو!إن إرهاصات التراجع ظهرت في الأفق بشكل واضح منذ سنتين تقريبا ، الأمر الذي دعانا إلى التخوف من أن تصل موجته إلى مهنة الصحافة ، التى حققت تطورا نوعيا مهما في هذه الفترة. ولم يعد السؤال منصبا على ما إذا كان التراجع سيشمل الصحف أم لا، وإنما أصبح منصرفا إلى موعد هذا التراجع ، وفى أي ظروف سيتم.أزعم أن فكرة التراجع تبلورت بشكل واضح في شهر يونيو 2005، حين أعلن عن تعديل المادتين 76و77من الدستور، لإتاحة الفرصة لاختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر. من بين عدة مرشحين ، وحين تمت صياغة المادة76على النحو غير البريء الذي يعرفه الجميع. كان ذلك إشارة إلى أن ثمة "طبخة" تعد في الكواليس ، لإطلاق إشارات إيجابية ثم المضي في الاتجاه المعاكس لها . وهو ما تكرر في شهر مارس من العام الحالي حين أدخلت تعديلات جسيمة على الدستور، من شأنها التضييق على الحريات العامة وإطلاق سلطة الأجهزة الأمنية وتقليص دور القضاء في الرقابة على احتجاز الأشخاص والاعتداء على حياتهم الخاصة. وبين التاريخين توالت أحداث عدة ، من قمع القضاة إلى سحق المظاهرات السلمية إلى ملاحقة المدونين وتوسيع حملات الاعتقال ضد الإخوان مع العودة إلى أسلوب مصادرة الأموال. في الاتجاه ذاته رفض تشكيل عشرة أحزاب جديدة ، وتم حل جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان ، وإغلاق مقر دار الخدمات النقابية والعمالية ، ورفض طلب المهندسين لعقد جمعية عمومية لهم. وأخيرا نشر أنه تم استبعاد ثلاثة من قضاة مجلس الدولة ، ونقلهم من الدائرة السابعة بالمجلس لأنهم أصدروا أحكاما لإنصاف المتفوقين من خريجي كليات الحقوق ، وحقهم في الالتحاق بالسلك القضائي . وهي الأحكام التي بدت متعارضة مع توجيهات الأجهزة الأمنية. وليس بعيدا عن الأذهان ما تحدث به القضاة عن اشتراك زملائهم في تزوير الانتخابات لصالح مرشحي الحزب الوطني.)- وحول دور الرئيس مبارك في أزمة الصحفيين الأخيرة كتب إبراهيم منصور في الدستور أيضا : (أعود مرة أخري لما قاله الرئيس حسنى مبارك من انه "لا تراجع عن حرية الصحافة" . وما يردده السادة رؤساء تحرير الصحف الحكومية من أن عهد الرئيس حسنى مبارك لم يشهد قصف قلم أو إغلق صحيفة وهذا أمر غير صحيح ففي عهده تم سجن صحفيين ولا يزال وتم إغلاق جريدة الشعب ).. فإذا كانت هناك نية حقيقية لدى الرئيس .وهنا لن أتكلم عن مستشاريه فهم مستشارون سوء.. وموالسون فهذا أمر بسيط للغاية ، يصدر قرارا جمهوريا بإلغاء مواد الحبس فى قانون العقوبات .. وكلها مواد بالية لا تستخدم فى اي دولة ديمقراطية ولم تعد دول صديقة فى الحوار تستخدمها، فضلا عن إلغاء الحكم الأخير الخاص بحبس أربعة رؤساء تحريرهم الزملاء: عادل حمودة وإبراهيم عيسى ووائل الإبراشى وعبدالحليم قنديل ، وهو الحكم الذي وصفه قانونيون وقضاة بأنه فاسد فى استدلاله وتطبيقه للقانون ، وحتى الإجراءات القانونية وهذاأمر بسيط جدا للرئيس حسنى مبارك لمس بصفته كرئيس جمهورية .. ولكن بصفته رئيسا للحزبالوطني.. فمن العيب أن يصدر حكما يستند على اتهام الحزب الوطني ورموزه فى مجتمع يزعم أن هناك أحزابا سياسية ، إلا إذا كان يعتبر الحزب الوطني الحكم شيئا مقدسا.. ولا يمكن انتقاده هووقياداته التي يتم تعيينها بقرار منه .. فهم ليسوا منتخبين سواء احمد نظيف أو زكريا عزمي وجمال الابن .. وإذا تركوا مناصبهم التنفيذية لن تجد لهم مكانا فى الحزب مثل غيرهم .. ولو ترك الرئيس الحزب .. فلن يكون هناك حزب وطني من الأساس كما فعل الرئيس السادات عند إنشاء الحزب الوطني عام 79، على أنقاض حزب مصر الذي كان يرأسه ممدوح سالم رئيس الوزراء وقتئذ.. فهرول الجميع إلى الحزب الوطني باعتبارهم موظفين حتى وان كانوا وزراء.. ثم تركوا الحزب بمد ذلك أو تركوه .. فالحزب الوطني كأي حزب سياسي معرض للانتقاد بل والهجوم الشديد على قياداته .. بل ومعرض للانهيار والزوال فى حين أن الدولة ستبقى به أو بأحزاب غيره، ولعل السيد جمال مبارك يشرح للسادة أعضاء الحزب ورئيسه ما حدث مع حزبالعمال البريطاني الذي تدرب فيه .. وماذا كان يقال عن تونى بلير.. مش أحمد نظيف أو زكريا عزمي الذي يعمل موظفا بدرجة رئيس الديوان .. بل لعل وجود الدكتور زكريا عزمي فى منصبه حتى الآن مخالف للدستور، رغم أن الرئيس مبارك أصدر قانونا خاصا به للإبقاء عليه بجانبه وحدد فيه مرتبه ومكافآته.فلو الرئيس مبارك صادق فعلا فى حكاية حرية الصحافة التي يتحدث عنها ويؤكد انه لا تراجع عنها، فليطلب سيادته وقف مهزلة الحكم الذي صدر لصالح الحزب الوطني والذي اعتبره القاضي وكأنه الدولة ورمزها.)- وحول المحنة الصحفية هذه الأيام أيضا وضرورة اتحاد الجماعة الصحفية في مواجهة تغول النظام كتب مجدي مهنا في المصري اليوم :(أتفق تماما مع الرأي الذي يقول إن وحدة الجماعة الصحفية هذه الأيام هي أهم ما يجب التعويل عليه في المعركة التي فرضت علي الصحفيين.. بصدور حكم قضائي بحبس أربعة رؤساء تحرير، لأنهم استخدموا حقهم المشروع في التعبير عن الرأي.. وانتقدوا رموز الحزب الوطني.بدون وحدة الجماعة الصحفية نكون قد خسرنا المعركة، قبل أن تبدأ.. ولذلك أحذر من الدخول في معارك جانبية سيحاول البعض جرنا إليها.. ومحاولة البعض إظهار أن الجماعة الصحفية منقسمة علي نفسها، والحقيقة بخلاف ذلك، فالغالبية العظمي من الصحفيين تدين الحبس في قضايا النشر، وقلة ربما لا تزيد علي عشرين أو ثلاثين صحفياً فقط هي التي تؤيد حبس زملائهم من بين ٥٠٠٠ صحفي، وهذه القلة ستعزل نفسها عن الجماعة الصحفية إذا استمرت في محاولاتها زعزعة وشق الصف الصحفي.. والغالبية تؤيد حق الصحفي وحق أي مواطن في التعبير عن رأيه، حتي ولو انتقد رموز الحزب الوطني، علي خلاف ما ذهب الحكم القضائي، الذي فرض حصانة عليهم.وأستطيع أن أقرر أيضا أن الغالبية داخل الجماعة الصحفية لا تقبل التجاوزات وتدينها، وتطلب المحاسبة والمساءلة عليها، وأجزم بأن هذا هو موقف الرأي العام أيضا، فهو ضد الحبس أيا كانت التجاوزات، ومع الصحفيين في معركتهم، وعلي الجماعة الصحفية أن تستثمر وقوف الرأي العام إلي جانبها.. فالمعركة خاصة بحرية الصحافة وهي تهم كل مواطن قبل كل صحفي.ولا أتفق مع الرأي الذي يقول بأن شرط المحاسبة علي التجاوزات الصحفية مرهون بإسقاط عقوبة الحبس في قضايا النشر.. إن من واجب نقابة الصحفيين، ومجلسها، هو القيام بواجبها، وأن تؤدي دورها في منع التجاوزات والمحاسبة عليها، ويجب عدم الربط بين القيام بهذا الدور وبين المطالبة بإسقاط عقوبة الحبس، وتنفيذ وعد الرئيس مبارك بإلغاء تلك العقوبة دون أن يتم تنفيذ هذا الوعد حتي اليوم.وأتفق أيضا مع الرأي الذي يطالب بفتح حوار مع الدولة، فالحوار مطلوب في كل وقت ولا غني عنه.. ونحن نضغط لكي نتحاور في النهاية.. لكنني عندما أتحاور يجب أن يشعر الطرف الآخر الذي أتحاور معه- وهو الدولة- بقوة موقفي وبدعم الجماعة الصحفية والرأي العام لي.. وهذا يحدث من خلال وسائل الاحتجاج الشرعية، ومنها عقد مؤتمر عاجل للصحفيين، تعلن فيه الجماعة الصحفية موقفها بوضوح بحضورها الكبير، تعقبه دعوة الجمعية العمومية غير العادية للانعقاد، لكي تراقب وتحاسب وتصحح أي خطأ يرتكب أو أي خروج علي ما تريده وتتفق عليه الجماعة الصحفية، فالجمعية العمومية هي صاحبة المصلحة،وهي القوة التي يستمد منها أي مفاوض قوته.. وكذلك يجوز في مرحلة لاحقة التهديد بسلاح احتجاب الصحف عن الصدور، والدعوة إلي الاعتصام الاحتجاجي إلي آخر هذه الأساليب المشروعة والديمقراطية، بما فيها استخدام الميكروفون علي سلم النقابة، الذي لا يعجب البعض، وقد لا يعجبني.. لكن أن نجعل منها قضية حياة أو موت فهذه مبالغة وتكريس لفكرة الانقسام.. فالمهم هو مراعاة أدب الحوار في تعاملاتنا مع الغير.لا يوجد تعارض أبدا بين استخدامي كل هذه الأوراق وبين فتح حوار مع الدولة، للوصول إلي حل يمنع أو يقلل التجاوزات الصحفية ويلغي عقوبة الحبس في قضايا النشر.إن عدم استخدامي هذه الأوراق.. يضعف من موقفي التفاوضي ويتحول الحوار بين الصحفيين والدولة إلي الحوار الإسرائيلي- الفلسطيني.. وإذا كنا نحذر من خطورة انقسام الجماعة الصحفية وضرورة الاتفاق علي ما يجمع وحدتهم، والابتعاد عن كل ما يثير الخلافات، فإنني أحذر أيضا من محاولة البعض فرض حل معين، لا يري من خلاله إلا نفسه ومصالحه.. ويرهقنا في مناقشات بيزنطية.واجب الجماعة الصحفية اليوم أن تدرك خطورة الموقف، فهو تهديد للمهنة كلها، وأن تقف خلف النقيب والمجلس.. ففي هذه المعركة، التي فرضت علي الصحفيين، لا صوت يعلو علي صوت «لا للتجاوزات»، ولا للعدوان علي حرية الصحافة.. ولا للحبس في قضايا النشر للصحفي ولأي مواطن.. فحرية الصحافة هي حق للمواطن قبل أن تكون حقا للصحفي.
في اليابان المسؤولون عندهم دم.
مجدى مهنا
عندما فشل رئيس الوزراء «شينزو آبي» في إدارة شؤون البلاد.. وفي وقف سلسلة الفضائح التي تورط فيها عدد من الوزراء وكبار المسؤولين في الحكومة.. وفي تنفيذ خطه الإصلاحي.. وعندما انخفضت شعبيته إلي ٣٠%، لم ينكر هذا الفشل، ولم يقاوم ولم يدع العكس، ولم يقل إن شعبيته زادت، وأنه المسؤول الذي كشف الفساد وقاومه.. بدليل سقوط هذا العدد الكبير من وزراء حكومته.. ولم يقل إنه يستحق وساماً علي هذا الإنجاز الكبير، كما لم يدع بأن الفساد موجود في جميع دول العالم، وتعرفه جميع الحكومات.. وهو ليس مقصوراً علي اليابان فقط، وأن معدله في اليابان أقل من كثير من دول العالم.
ولم يقل «شينزو آبي» شيئاً من ذلك.. بل اعترف بفشله.. وعقد مؤتمراً صحفياً أعلن فيه تقديم استقالته من منصبه.. ودعا الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم إلي البحث عن قيادة جديدة تتولي المسؤولية بعده.. وإنقاذ الحزب من الانهيار، الذي لحق به في الانتخابات الأخيرة.
هذا رئيس وزراء عنده دم.. وعنده حس سياسي كبير.. ويقدر المسؤولية حق قدرها.. لأنه فضل الانزواء والابتعاد عن الأضواء.. وفضل حرق نفسه.. علي أن يحرق دم الشعب الياباني بالجلوس علي قلبه.
لم يحول «شينزو» اتفاقاته وفشله إلي إنجازات وهمية، ولم يدع الصحافة ووسائل الإعلام اليابانية إلي التمجيد به، والتسبيح به.. فليس هو الرئيس الواحد الأحد.. الذي إذا أصابته شائعة.. اهتز لها الاقتصاد الياباني كله وسقطت البورصة.
متي يعترف مسؤول واحد عندنا بأنه فاشل وبأنه كذاب.. وبأنه أخفق في عمله، وبأنه يتحمل المسؤولية عن الفساد في وزارته.. وبعجزه عن الإصلاح؟ متي يعترف مسؤول في الحزب الوطني، بأن الحزب الوطني فشل في إدارة شؤون البلاد.. عبر مسيرة ٣٠ عاماً، وأن يحكم بالقهر والاستبداد وتزوير الانتخابات.. وأنه العقبة أمام أي إصلاح ديمقراطي حقيقي.. وأن قيادات الحزب تكذب عندما تعلن عن رغبتها في تداول السلطة بين القوي السياسية.. وأن يعترف بأن مفهوم تلك القيادات للعمل السياسي والديمقراطي، هو أن يبقي الحزب الوطني في السلطة أبد الدهر.
ومتي تعترف أحزاب المعارضة هي الأخري، بأنها تفتقد الديمقراطية بداخلها.. وأن الكثير منها لا يقل سوءاً عن الحزب الوطني.. وأنها أحزاب ورقية.. بلا قيمة.. وبلا تأثير وعاجزة عن حشد الجماهير معها.. وأن تتحمل المسؤولية عن هذا الفشل.. وليس الحزب الوطني.
نريد أن نسمع، ولو مرة واحدة علي سبيل الخطأ،أن مسؤولاً في الحكومة أو في الحزب الوطني أو في المعارضة قدم استقالته من منصبه.. لأن ضميره لا يسمح له بالاستمرار في موقعه.. بالرغم من الفشل الذي تسبب فيه.
هل الفرق بين مسؤولينا والمسؤولين في اليابان.. أن مسؤولينا ناجحون، وفي اليابان فاشلون.. ولهذا فهم يعترفون بفشلهم.. بينما نحن - كما خبرنا الحكم الصادر ضد الزملاء الأربعة بالحبس سنة - يجب أن نشيد بمسؤولينا وبإنجازاتهم في الحزب الوطني.. وأن نحمد الله أن قبلوا أن يحكمونا.
<< أعتقد أن هذا هو أفضل توقيت لفضح سياسات الحزب الوطني.. وتجريسه وشرشحته في الداخل والخارج، قبل عقد مؤتمره السنوي المقبل.. فهذا الحزب منح كل محام عضواً به.. توكيلاً لحبس الصحفيين والمواطنين علي حد سواء.. لكل من يعترض علي سياسات الحزب أو ينتقد رموزه.
هل هناك فرصة أفضل من ذلك؟ ولا مشكلة في أن يرتفع عدد الصحفيين من أربعة إلي عشرة.. ثم من عشرة إلي عشرين.
معا لخلع الديكتاتور
عبد الحليم قنديل
قد تكون المشكلة – في جملة – هي أننا نعرف ما لا نريده بالضبط وباليقين وبالتفصيل، بينما لا نعرف ما نريده إلا على وجه الإجمال والعموم.
أما أننا نعرف ما لا نريده، فهذا مما لا نشك فيه، وما لا يشك فيه أحد غيرنا.
نعرف أننا لا نريد هذا النظام بالجملة، فلسنا بصدد مجرد نظام ديكتاتوري استبدّ وعصف، نحن بصدد نظام للانحطاط العام، أو بالدقة: بصدد ركام يسدّ علينا طريق الشمس، ويسدّ على البلد أي طريق معقول للتطور. فمصر – الآن – انتهت لبلدٍ محجوز في الجراج، كل ما كسبته من قوة دفع – عبر قرنين مضيا – تبدد وكأنه لم يكن من أصله، بلد معدوم القيمة – تقريبا – في توازنات الدنيا الفوارة بالحركة من حولنا، بلد أشبه بثقب أسود في تفاعلات التاريخ الذي تكتبه أمم وشعوب نهضت من رماد، بلد فقد استقلاله الوطني الذي تحقق بثورات وانتفاضات عرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول وجمال عبد الناصر، بلد تحول إلى مستعمرة أمريكية باحتلال القرار السياسي والاقتصادي والثقافي، بلد منزوع الدور القيادي في محيطه العربي والإسلامي، بلد منزوع السلاح على جبهة سيناء ومنزوع السيادة على جبهة القاهرة، بلد خاضع بالكلية لإملاءات الاستعمار الأمريكي-الإسرائيلي، بلد في خراب اقتصادي مستعجل، بلد كان ينافس "كوريا الجنوبية" في معدلات التنمية والاختراق التكنولوجي قبل ثلاثة عقود ونصف وأصبح الآن في مكانة "بوركينا فاسو" على مؤشر الفساد الدولي، بلد يجري تحطيم وخلع ركائزه الإنتاجية وقلاعه الكبرى التي بناها بالعرق والدم، بلد يجري تجريف أصوله وشفط ثرواته بعصابات النهب العام، بلد تُدهس آدمية مواطنيه بعصا الكبت العام، بلد غاطس – بأغلبيته العظمى – تحت خط الفقر والبطالة والعنوسة، بلد ممزق الروح تجتاحه مشاعر السخط الاجتماعي والإحساس بالذل القومي، بلد محكوم ببيروقراطية اللصوص حيث لا شرعية ولا قانون ولا حتى مقومات الدولة الحديثة التي عرفتها منذ عصر محمد علي، وحيث تحولت مؤسسات الدولة إلى مجرد أقنعة شفافة تفضح الخواء من ورائها. فقد انتهينا إلى حكم مملوكي برأسمالية المحاسيب، وعاد منطق "الإتاوة" يفرض نفسه واصلا بخطوطه الظاهرة والخفية إلى "بيت السلطان"، وانتهى حكم الحزب الواحد إلى حكم عائلة واحدة، انتهينا إلى ملكية بلا دستور، أو بإعدام الدستور ودوس القانون بالنعال.
هدفنا: سيناريو انتقالي
وإذا كنا نعرف ما لا نريده لأنه واقع، فإننا لا نعرف ما نريده بالقدر نفسه من الوضوح واتساع المعنى.
وأول ما نريده – بالإجمال – هو الإنهاء السلمي لحكم مبارك وعائلته، وهذا هو المعنى الظاهر المباشر لشعار كفاية الأشهر "لا للتمديد.. لا للتوريث".
غير أن رصد ما نريده على هذه الصورة لا يكفي، وإن كان مختلفا إلى حد القطيعة مع تصورات إصلاح ما لا يقبل الإصلاح. فقد تلهّت الحركة الوطنية المصرية لعقود في أوهام الإصلاح بالتدريج، بينما تكرّس للطغيان بالجملة، وانتهى الأمر إلى احتقار شعبي عظيم للسياسة.
ولا يكفي لرد الاعتبار للسياسة أن نصوغ الهدف بوضوح، ولا حتى أن نعرض على الناس رؤانا عن مجتمع العدل والحرية (مثال: وثيقة مصر التي نريد – نحو عقد اجتماعي وسياسي جديد – إصدارات كفاية – أغسطس 2005)، بل قد يلزم قبلها أن نجيب عن السؤال: وماذا بعد نهاية مبارك؟ أي الطرق نسلك بالضبط؟ وهل من سبيل كي لا تقع البلاد في الفوضى أو تنتهي إلى حكم عسكري مجدد يواصل – ويعيد إنتاج – حكم بيروقراطية اللصوص وجماعة البيزنس؟
ونعتقد أن مقترح كفاية عن المرحلة الانتقالية – وقد ظهر مبكرا – قد يصلح جوابا. فخلع الديكتاتور وعائلته لا يعني – بالطبيعة – خلاصا أكيدا من نظام القهر والفقر، إنه فقط مجرد بداية وأول طريق لاستعادة مصر إلى مصر، إنه فقط شرط انتقال من حكم العائلة إلى حكم الشعب.
وقد نجازف بتصور أن تمتد المرحلة الانتقالية لفترة أقصاها سنتين، تترأس البلاد خلالها شخصية عامة تحظى بإجماع وطني، وقد نفضل أن يكون قاضيا أو ذي خلفية قضائية، وأن تدير البلاد خلالها حكومة ائتلاف وطني، تحل محل مؤسسات حكم التزوير والطغيان، تحصر مهامها في تسيير الأعمال وإعداد البلاد للحكم الديمقراطي.
ونتصور أن برنامج حكم الائتلاف الوطني "الانتقالي" قد يصح أن يتضمن – بالأساس – هذه العناصر الجوهرية السبعة:
أولا: إلغاء حالة وقوانين الطوارئ بالجملة، ووقف العمل بتعديلات الانقلاب على الدستور.
ثانيا: إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وإلغاء الأحكام التي صدرت بحق مدنيين من محاكم عسكرية أو استثنائية كمحاكم أمن الدولة، وإجراء مصالحة وطنية شاملة بتعويض المتضررين من الاعتقال العشوائي وجرائم التعذيب.
ثالثا: إلغاء كافة القوانين واللوائح والمراسيم المقيدة للحريات، وإطلاق الحريات العامة بتقرير حقوق تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات واتحادات الطلاب وهيئات التدريس، وحريات الاجتماع والتظاهر والإضراب والاعتصام السلمي بدون قيود إلا ما تعلق منها بحظر التشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية، وصيانة مبدأ المواطنة بلا شبهة تمييز.
رابعا: ضمان الاستقلال الكامل للسلطة القضائية، وتقرير الإدارة القضائية التامة للانتخابات والاستفتاءات بكافة أنواعها وفي جميع مراحلها، وتقرير حق التصويت في الانتخابات والاستفتاءات العامة بالبطاقة الشخصية أو العائلية أو بطاقة الرقم القومي، وإلزام كافة المرشحين لأي هيئة تمثيلية أو تنفيذية بتقديم إقرارات ذمة مالية تنشر في كافة وسائل الإعلام وتقبل الطعن عليها في مدى محدد من عموم المواطنين.
خامسا: تنظيم محاكمات علنية أمام القضاء الطبيعي لعائلة مبارك وكافة المسئولين الذين عملوا تحت إمرته، والذين أصدروا قرارات – أو عهد إليهم بالتنفيذ والمتابعة – بالتصرف في أصول مملوكة للشعب أو للدولة، أو شغلوا مناصب أساسية في الحزب الحاكم ووسائل الإعلام المملوكة للدولة، والذين أصدروا قرارات الاعتقال العشوائي، أو كانت لهم مسئولية مباشرة – أو غير مباشرة – عن جرائم التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، والذين تضخمت ثرواتهم من رجال الدولة أو القطاع العام أو قطاع الأعمال العام والخاص.
سادسا: تنظيم ثلاثة استفتاءات شعبية في قرارات بتجميد أو إلغاء الالتزام بمعاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية، ووقف برنامج الخصخصة ، ورفض المعونة الأمريكية، وحل هيئاتها، وطرد منتسبيها الأجانب من مصر، وحظر التمويل الأجنبي لأي حزب أو هيئة أو منظمة مدنية.
سابعا: فتح أوسع حوار شعبي في وسائل الإعلام العامة – المدارة بهيئة مستقلة – لإعداد دستور جديد يكفل مكتسبات الشعب المصري عبر مراحل نضاله الطويل، ويتضمن كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانتخاب جمعية تأسيسية شعبية تصادق على الدستور الديمقراطي في نهاية الفترة الانتقالية.
تنظيمنا: ائتلاف التغيير
وبالطبع لا يمكن تصور إمكان الوصول "التلقائي" لأهدافنا القريبة، أي الإنهاء السلمي لحكم مبارك وعائلته والتقدم لسيناريو المرحلة الانتقالية الآمن، إذ لا يمكن لأحد – لا نحن أو غيرنا – أن يبلغ أهدافه بدون تنظيم كاف مؤهل يحملنا إلى الغايات.
وربما تكون نقطة البدء بإدراك المطلوب – فيما نتصور – أن كفاية لم تعد "كفاية"، أو بعبارة أخرى أدق فإننا نحتاج الآن إلى كفاية ثانية، كفاية أكبر من كفاية.
كفاية – حين ظهرت – كانت ظاهرة خارقة لحاجز الصوت في البلد. لم تنشأ من فراغ بالطبع، ولا كانت محض كدّ ذهني وعملي لمبادرين، بل نشأت من قلق اجتماعي وسياسي تدافعت مظاهره، نشأت من أزمة اقتصاد "التكييف الهيكلي" لحكم النهب العام، ونشأت من اجتماع السخط الاجتماعي إلى الذل القومي في غزو العراق، وعلى نحو ما بدا في دراما مظاهرة ميدان التحرير في 20 و21 مارس 2003، ونشأت من اختراقات صحافة حرة تحدّت السقف المفروض وكسبت للمصريين حق نقد الرئيس-الفرعون، ونشأت من ميل محسوس في حركة المصريين السياسية إلى "ائتلاف وطني" في لحظات الخطر والحيرة الجامعة. غير أن كفاية لم تكن مجرد صدى لأصوات مفرّقة على السطح أو غائرة في العمق، بل كانت صوتا في ذاتها، كانت "قطيعة" مع ظاهرة ركود طويل استبد بالحركة الوطنية المصرية، كانت صرخة المصريين المحبوسة التي طلعت من حنجرتهم بالذات، كانت "اللا" الأقوى – وبامتياز – منذ انتفاضة 1977.
نعم، ظهرت "كفاية" كمبادرة لكسب الحرية، كإصبع يومئ إلى طريق، كدعوة بأكثر منها حركة، كمظاهرة بأكثر منها مؤامرة، وبدت في تنظيمها التلقائي كأنها بلا تنظيم من أصله، وهذه نقطة امتيازها وضعفها في آن، فلو كانت تنظيما بكشوف عضوية لتحولت إلى حزب يضاف، ولو تحولت إلى هيئة ثابتة لضاعت في حساب المكاسب والخسائر، لكنها بدت كالقدر الذي يلاقي أصحابه، بدا تنظيمها الرمزي – إن شئت – أشبه بريشة في هواء، بدا كأنها تتحرك بالطاقة الشمسية، وليس بطاقتها التنظيمية النووية الذاتية، تصعد بحرارة الظروف، وتأوي إلى سكن كلما حل شتاء أو لاح خريف، اندفعت في عامها الأول (سبتمبر 2004 – سبتمبر 2005) إلى جموح تستحقه بالاسم، وكانت مظاهراتها الأكبر (في 7 سبتمبر 2005 و10 سبتمبر 2005) تخترق قلب القاهرة، ثم بدا مع اغتصاب مبارك الخامس للرئاسة أن قواها قد أُنهكت وغامت روحها، لكنها صعدت مجددا مع هبة القضاة في مايو 2006، ثم ركنت إلى قسط من الراحة واختزان الحلم، غاضت ملامحها وإن لم تختف، وبدا أن شعارها الأصلي "لا للتمديد.. لا للتوريث" تحول إلى لافتة معلقة على جدار، أو إلى بوستر زاهي الألوان – بالأحمر والأصفر – يعصم القلب من التسليم باليأس، بدا النشطاء والنشيطات – الأكثر صلابة – على استعداد للمغامرة – حتى لا نقول المقامرة – بروح كفاية، بدا الميل لتذويب نداء "كفاية" الاستثنائي في حمض كبريتيك العادي والمكرور، بدا الميل لندوات ومؤتمرات واجتماعات "كفاية" مصحوبا بقلة التظاهر والمتظاهرين، بدا الميل لخوض معارك احتجاج جزئي مصحوبا بترك – ربما تعليق – المعركة الكلية، بدا الميل للتقاعد ظاهرا عند كثيرين حتى من المبادرين، بدا الميل لوضع المراقب أو المتابع النشيط لتيار الحوادث غريبا على حركة كانت لها كلمة الخلق.
هل من سبيل لاستعادة ألق كفاية الأول؟ لا يبدو الأمر مجرد قرار، فقد كانت دعوة كفاية على الدوام أكبر من تنظيمها، والدليل: أن دعوة كفاية راحت تؤثر بشدة في مجرى الحوادث حتى مع خفوت الصوت، اختراق حواجز الخوف الذي بادرت إليه كفاية راح يخلق روحا جديدة عفية في البدن المصري الهامد، تحركات القضاة وأساتذة الجامعات وقطاعات من المهنيين أخذت قبسا من روح كفاية، وفي العمق الاجتماعي كان الأثر واصلا رغم عدم وجود خطوط مواصلات سالكة، بدت مصر كأنها تستعيد الروح، أو كأنها تستعيد الإحساس بالألم بعد الغيبوبة الطويلة، وتحول التظاهر والإضراب والإعتصام السلمي – بالعدوى – إلى رياضة شعبية. ومع نهايات 2006 بدا المشهد مختلفا، إضرابات واعتصامات للعمال شارك بها مئات الآلاف، وانتفاضات جريئة بقطاعات من المصريين من أقصى الشرق في العريش إلى أقصى الشمال في البرلس، واحتجاجات بالتظاهر ضد القهر والفقر والظلم الذي استسلم له الناس طويلا وكأنه حكم العادة، وصحافة حرة يتزايد تأثيرها وتأثرها بروح "كفاية" النقدية الجامحة، وبالجملة: زادت مظاهر الحركة على جبهة العمق الاجتماعي، بينما بدت المدافع ساكتة على جبهة السياسة المباشرة، وهو ما يجب أن يلفت النظر. فنجاح "كفاية" كدعوة هو الذي أبان قصورها كحركة، وضاعف الخشية أن تنتهي كذكر النحل كل دوره أن يلقّح الملكة ويموت، وهو ما يعني بالضبط أننا في أشد الاحتياج الآن إلى دورة كفاية جديدة، أو كفاية "ثانية"؛ نحتاج – بالذات – إلى قيادة سياسية لجبهة الغضب الاجتماعي الطافر المطردة، نحتاج إلى كفاية الأكبر من كفاية.
وقد نجازف بتصور تدعونا إليه روح كفاية. فقد كانت كفاية الأولى استثنائية في تألقها لأن ظروف هذا البلد استثنائية في تعثرها. لو كنا في بيئة ديمقراطية لدعونا – ربما – إلى جبهة إنقاذ أو جبهة خلاص وطني تُستدعى لها أحزابها، لكن الأحزاب على ما نعرف، ولظروف وأسباب قد لا يكون المقام مناسبا لشروحها، وثمة تجربة بأحزاب هي تجربة (الجبهة الوطنية من أجل التغيير) وقد آلت إلى ما آلت إليه من انحسار الدور والمعنى، ربما السبب: أن خيال "كفاية" لم يكن هناك بما يكفي. والأهم:أولا: روح كفاية واعتقادها في كسب الحرية بالمقاطعة والعصيان،ثانيا: اتجاهها إلى خط العمل المباشر على جبهة الشارع، ثالثا: روح الائتلاف إلى حد الامتزاج الوطني الغالبة على تكوينها،رابعا: ابتعادها بالعمل عن عناصر تيبست برؤاها ومفاصلها المفكوكة، خامسا: خيالها التنظيمي المرن المفتوح باتساع أسفلت التظاهر، هذه العناصر الخمسة بالذات جوهرية في الدعوة إلى "كفاية الثانية" أو "إئتلاف المصريين من أجل التغيير"، ونتصور أن "ائتلاف التغيير" الذي ندعو إليه قابل للتكوين من خمس موارد بشرية هي كالتالي:
أولا: كفاية ذاتها، وهي النواة الصلبة للائتلاف المقترح.
ثانيا: الأحزاب اللصيقة بحركة كفاية، وهي مدعوة للاحتشاد بكامل عضويتها في "ائتلاف التغيير"، وروابطها وامتداداتها في المجتمع عنصر بالغ الأثر في عملية التنظيم، والأحزاب المقصودة هي "الكرامة" و"منظمة الاشتراكيين الثوريين"، و"الوسط" و"العمل" و"الغد – جناح أيمن نور"، والباب ذاته مفتوح لآخرين بشرط نقاوة الالتزام الوطني والابتعاد عن جماعات التمويل الأجنبي.
ثالثا: الشخصيات الوطنية العامة والقاطعة في انتسابها لأشواق التغيير، وهي طيف واسع غالب في المشهد المصري الآن، وتؤثر بشدة في مزاج رأي عام معارض بعنف آخذ في التكون والاتساع.
رابعا: لجان تنسيق الأحزاب والنقابات بالمحافظات والمدن الكبرى، وتلك تكوينات ظهرت أدوارها المؤثرة في سياق الدعم الوطني لانتفاضة فلسطين والشعب العراقي، ويمتاز أفرادها بضعف التعصب للأحزاب مقابل ميل زائد لعمل وطني جامع، والروح السائدة فيها راديكالية قريبة في العموم من مزاج كفاية، وهذه اللجان تضم – غالبا – ممثلين لجماعة الإخوان في وفاق معقول مع الأحزاب الأخرى.
خامسا: القادة الطبيعيون للإضرابات والاعتصامات وحركات الاحتجاج الاجتماعي المطردة في الشهور الأخيرة.
(ملحوظة: تنظيم "ائتلاف التغيير" شبكي، والتفاصيل عن النظام الأساسي وضربة البداية ربما لا يكون المقام مناسبا للتطرق إليها)
طريقنا: المقاطعة فالعصيان
لا تبدو اللحظة عادية في تاريخ هذا البلد.
فثمة عاصفة تقترب. وقد نجادل في مدى توافر "وضع ثوري" من عدمه، فالظلم واقع، والوعي بالظلم مطرد في قطاعات اجتماعية نامية، لكن تخلّف الشرط الذاتي لحركة التغيير هو المشكلة الكبرى.
ودون الدخول في مجادلات مرهقة، فإن النظام القائم يبدو معلقا من الناحية الاجتماعية، طبقة المصالح الحاكمة مملوكية الطابع دائرة في فلك بيت السلطان، ارتباطها بالاستعمار الأمريكي هو الحبل السُري، وارتباطها بفوائض النهب العام أكثر وضوحا مع ضعف طابعها الإنتاجي. وقواعدها الاجتماعية، ومقدرتها على الرشوة العامة، تضعف، ولنلاحظ ضعف نسب التصويت والمشاركة – إلى حد التلاشي – في استفتاءات النظام وانتخاباته الأخيرة، فثمة انصراف عام عن النظام. صحيح أن بقايا نظام الدعم للسلع الأساسية تتكفل ببعض الهدوء على الجبهة الاجتماعية، لكن موجات الغلاء والتضخم وانهيار الخدمات الأساسية تضعف ما تبقى من ولاء اجتماعي، وتدفع إلى مرئى البصر بظواهر قلق اجتماعي متحفز، وربما لا يتبقى من ركائز النظام راسخا غير جهاز أمن متضخم، وجيش قابل للاستدعاء في لحظة الخطر العاصف.
هذه الصورة العامة تقول – ببساطة – أن تحدي النظام ممكن، خاصة أن برنامج التغيير الانتقالي لا يعني – بمنطوقه – ثورة كاملة الأوصاف، بل هو – إن جاز التعبير – مجرد خطوة ثورية وذات طابع وطني جامع.
المهم – هنا – ألا نخطئ الطريق. فقد تنزلق الأمور ببساطة إلى نهايات أخرى، كأن تنزلق البلد فجأة إلى انفجار اجتماعي تلقائي بتكلفة دموية، أو أن تتدخل عناية الأقدار فجأة بموت حسني مبارك، وفي الأحوال كلها ربما ننتهي إلى حكم جيش بقناع مدني، أو إلى صيغة تركية – تنحسر الآن – وتنطوي على "ديمقراطية الخوذات".
ووظيفة حركة التغيير – فيما نظن – خلق توازن جديد، خلق قيادة مجتمع تستنفر قوة الناس القادرة وحدها على تحدي قوة السلاح، و"ائتلاف التغيير" الذي ندعو إليه هو مجرد نواة أكبر لحركة تغيير بطول وعرض وعمق المجتمع، والشرط الجوهري لتفجير الطاقات الكامنة هو الالتزام بثنائية المقاطعة-العصيان، ولا يبدو ذلك اختيارا بالقرعة بين بدائل أخرى، لأن كل الاختيارات الأخرى انتهت إلى إفلاس. فالتعويل – فقط – على خلق رأي عام معارض أو رافض لا يبدو كافيا، ثم أنه قابل للتبدد والخداع بسطوة احتكار النظام لوسائل الإعلام في غالبها الساحق، والأهم: أننا بصدد حكم معلق منعزل ضعيف الحساسية – إلى حد التناحة – لحكم الرأي العام، ثم أن التعويل على فكرة التدرج بخوض انتخابات، والتغيير التراكمي بالإحلال في بنية السلطات، هذه الفكرة فات أوانها، ولم تكن في الأصل غير سراب ملون، ثم أننا انتهينا – في أي حال – إلى التعطيل التام، فالانتخابات انتهت إلى تعيينات، والإشراف القضائي انتهى – بانقلابات الدستور الأخيرة – إلى إشراف عملي لضباط الشرطة، إذن فقد باتت كل الطرق مغلقة لتغيير سلمي بالتدرج، ولم يبق مفتوحا غير طريق المقاطعة فالعصيان المدني.
والمقاطعة ليست عملا سلبيا كما يشاع، بل المقاطعة هي الفعل الإيجابي في تمامه الآن، وقد قاطعت جماعات المعارضة كلها الاستفتاء الأخير على تعديلات الدستور، وقاطع نوابها – قبل الاستفتاء – جلسات المناقشة والتصويت، ومقاطعة بهذا المعنى تعني مقاطعة نظام وليس مقاطعة إجراء. فالدستور ليس قانونا للمرور، الدستور هو حجر الأساس في أي نظام سياسي، وهو واسطة العقد الضمني للتعايش، الدستور هو قسيمة الزواج، وفك العقد يعني إنهاء العلاقة فالطلاق البائن، والخلاف – إلى حد المقاطعة – بصدد الدستور يعني إسقاط الاعتراف بالنظام، وهذا جوهر ما نعنيه بالمقاطعة، أي أننا لا نعترف بشرعية لنظام انتهى إلى حكم الغابة لا حكم الدستور.
المقاطعة تعني – حكما – عدم شرعية النظام، وتعطي في الآن نفسه شرعية للخروج السلمي عليه بالعصيان، وقد كانت هذه عقيدة كفاية منذ ظهرت، وهي تصح الآن كعقيدة لتنظيم "ائتلاف التغيير" الذي ندعو إليه، والمعنى أنه ليس واردا أن ينضم أو أن يدعى للائتلاف من لا يبدأ بالمقاطعة، فالمقاطعة هي أول درجات العصيان.
وقد لا يصح – بالبداهة – أن نتقدم إلى عصيان مدني شامل بدون توافر وسائله ولحظته المناسبة، وربما علينا أن نتقدم إلى درجات متداخلة من العصيان السياسي القابل للتحول إلى عصيان مدني.
العصيان المدني أمره مفهوم، أما ما نقصده بالعصيان السياسي فيتعلق بنخب السياسة وامتداداتها في النشاط العام، العصيان السياسي يعني – ببساطة – كسر الأوامر والتحكمات والقوانين المنظمة بالكبح للنشاط السياسي. فالمبادرة إلى وقفة احتجاجية أو إلى مظاهرة أو إلى إضراب أو إلى اعتصام سلمي، كلها أنواع من العصيان السياسي، والسبب: أن كل ذلك محظور بنصوص القانون الرسمي، ووجود "كفاية" في ذاته عصيان سياسي، وإقامة حزب أو نقابة أو جمعية بصورة علنية – وبدون إذن رسمي – هو عصيان سياسي، والمطلوب: تعميم العصيان السياسي، فهو الشرط الجوهري لبناء قيادة سياسية تستحق الصفة على جبهة الغضب الاجتماعي.
وقد يصح هنا أن نورد اقتراحات بحملات عصيان – بعضها بدأ بالفعل – يتداخل فيها السياسي والاجتماعي، وفيما يلي بعض العناوين:
· حملة "لا لبيع مصر": وقد بدأت من كفاية قبل شهور، وتحتاج إلى زخم أكبر قد يتوافر بالتقدم إلى بناء "ائتلاف التغيير"، وفكرتها الجوهرية هي انعدام مشروعية التصرفات الاقتصادية لنظام غير شرعي، وإسقاط الاعتراف بعمليات بيع الشركات والأصول والأوضاع المترتبة عليها، وقد يصح أن ندعم الحملة – على نحو ما نص عليه اقتراحها – بإعداد قوائم سوداء للمتورطين في جرائم الفساد والنهب العام، وضم جرائم بيع الهيئات الخدمية – كخصخصة التأمين الصحي – إلى ملف الحملة، ونقل الحملة للشارع وجعلها موضوعا للتظاهر السلمي.
· حملة "ضد التعذيب": ولها مقدمات ظاهرة بمشاركة نشطاء ونشيطات "كفاية" في وقفات احتجاج ضد جرائم التعذيب، والمطلوب: حملة واسعة وممتدة متعددة الوجوه، وقد يصح أن نضم إلى جرائم أقسام الشرطة ملف متخم بقضايا التعويضات عن جرائم التعذيب في المعتقلات، وعن الاعتقال العشوائي لآلاف المفرج عنهم، وعشرات الآلاف من المحتجزين إلى الآن دون محاكمة أو اتهام، ومئات المختفين قسريا، أو الذين استشهدوا في حوادث قتل نظامي خارج القانون، فضحايا الاعتقالات والتعذيب طبقة هائلة العدد في المجتمع المصري الآن.
· حملة "ضد الجباية الحكومية": بالامتناع عن دفع فواتير الخدمات غير المؤداة، وثمة تجربة موحية يقودها أحد قيادات كفاية في الجيزة، توافرت لها خبرات مفيدة في طرق دفع المواطنين للامتناع عن دفع رسوم الزبالة المضافة على فواتير الكهرباء، وهو ما يستحق الالتفات والتنظيم، وتعميم السلوك ذاته بصدد ظواهر الإجحاف والمغالاة في فواتير المياه والكهرباء والتليفونات والغاز الطبيعي، أضف: رسوم الجباية التي تفرضها الوزارات والمحافظات والمحليات.
· مبادرة "الإعلان من طرف واحد": وهدفها انتزاع حق التنظيم العلني بالإخطار وليس بالترخيص، وحق إعلان الأحزاب والنقابات والجمعيات دون إذن مسبق من السلطات. والمطلوب – ببساطة – إعداد وثيقة تستند إلى الوثائق والعهود الدولية لحقوق الإنسان التي وقّعت عليها مصر كدولة، وتؤكد الحق البديهي في حرية التنظيم، وبالتوازي مع إعداد الوثيقة يدعى الراغبين في إعلان أحزاب أو نقابات أو جمعيات لإعداد مقار علنية وتشكيلات قيادية متفق عليها، وتتوج المبادرة بالدعوة لمؤتمر صحفي عالمي يجري فيه الإعلان من طرف واحد مع إلقاء قانون الأحزاب وقانون الجمعيات في أقرب مقلب زبالة.
· مظاهرة المئة ألف: والمقصود هو الإعداد لمظاهرة كبرى في ميدان التحرير تطالب برحيل مبارك وعائلته، وهذه قفزة بالغة الأهمية في دفع الحوادث للتطور من حالة العصيان السياسي المحدود إلى العصيان المدني الأوسع، تتطلب – فيما نظن – بناء "ائتلاف التغيير" أولا، والتمهيد الواسع بسلاسل مظاهرات متدرجة في زخمها وتوسيع قاعدة الأطراف المشاركة، ودفع قطاعات مؤثرة في الحركة السياسية للتضامن مع "كفاية" واختبار التوقيت المناسب بإيحاءاته وحوادثه.
هذه – فقط – بعض العناوين، وربما يكون لدى آخرين عشرات المبادرات، وفي ذلك – ومثله – فليتنافس المتنافسون.
حكايـة سياسية
بقلم: محمد عيسي الشرقاوي
عودة الفيلسوف وحكمة رفاعة
بين عشية وضحاها, حلقت امرأة جميلة وذكية فوق قمة الشهرة الأدبية.. فقد تجاسرت ونشرت كتابا كان محظورا التطرق إلي الأفكار التي طرحتها في صفحاته.. لكن ماحدث إثر صدور الكتاب كان مثيرا, فقد نفد أكثر من أربعة ملايين نسخة منه ــ وتحلق نحو ستين ألف قاريء حول الكاتبة الصينية يو دان للاحتفاء بها, في حفل توقيع كتابها في العاصمة بكين.والكتاب الذي جرؤت يو دان, أستاذة الثقافة والاعلام في جامعة بكين, علي نشره, عنوانه تأملات في أفكار كونفوشيوس.. ويتناول تعاليم هذا الفيلسوف والمصلح الاجتماعي, الذي كان حيا يرزق منذ نحو ألفين وخمسمائة عام مضت.. وتمكن من طبع المجتمع الصيني بطابع أفكاره الانسانية والسياسية, طوال أكثر من قرنين من الزمن.. لكن الفيلسوف صار مطاردا ومضطهدا منذ اندلاع الثورة الصينية بزعامة ماوتسي تونج عام1949, لأن الاقطاعيين امتطوا صهوة أفكاره, وعاثوا في الصين قهرا وسلبا وفسادا.وكان ما أثلج قلب الكاتبة أن الحزب الشيوعي الحاكم جنح للصمت, الذي يرقي إلي مرتبة الرضا تجاه كتابها.. ويقول الخبراء إن الكتاب صار علامة بارزة علي تيار فكري وثقافي, بل سياسي جديد, يستهدف إحياء الدراسات الوطنية, وصولا إلي محاولة استعادة الزمن الذهبي لفلسفة كونفوشيوس.. وهنا تطرح الكاتبة رأيا جديرا بالتأمل, وتقول إن الفقر في ظل المساواة بين الجميع كان سمة المجتمع الصيني في ظل حقبة ماوتسي تونج.. وتحقق آنذاك نوع من الاستقرار الاجتماعي... بيد أن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تلاحقت إبان الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين, أوجدت فجوة اقتصادية. وصار المجتمع يصطخب بالفقراء والأغنياء الجدد.. وعم القلق, وأضحت السعادة بعيدة المنال.وتلك هي اللحظة الفاصلة التي فطنت إليها الكاتبة, وألهمتها أهمية إحياء أفكار الفيلسوف.. لأن تعاليمه تستهدف تحقيق السعادة للجميع, فهو يعلي من شأن الحياة البسيطة والصداقة وكل ما من شأنه أن يجعل الانسان راضيا ومطمئنا.. بل انه يرسي كذلك مبدأ الحكم الرشيد من خلال تأكيد قيمة الفضيلة وجعلها نبراسا يضئ دروب الحكومات..حسنا.. ويبقي السؤال المهم: لماذا مر الكتاب مر الكرام, ولم تعترض السلطات عليه؟.. لأنه يلقي هوي الحزب الشيوعي الحاكم.. نعم هذا صحيح.. ويفسر الخبراء أن السلطات تؤرقها الرأسمالية الجامحة, واقترانها بانهيار القيم التقليدية.. وتخشي أن يملأ الفراغ الروحي في الصين فكر أجنبي خطير.. ومن ثم يأتي الاعتصام بالفيلسوف الذي تمتد جذور أفكاره النابضة بالحياة حتي الآن في المجتمع.. ومن ثم, فإن هذه الأفكار هي التعويذة السياسية للزواج السعيد المنشود بين النظام الصيني الراهن وبين إغراءات الرخاء الرأسمالي!وتقول الكاتبة إن إحياء أفكار الفيلسوف لايعني الانغلاق وعدم التفاعل الخلاق مع ثقافة العالم.. قول جميل يذكرنا بالقران السعيد بين الأصالة والمعاصرة الذي حرضنا عليه جدنا العظيم رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه المهم: تخليص الإبريز في تلخيص باريز الذي نشره عام1832 إثر عودته الميمونة من رحلته الفرنسية.. لكننا لم نطل التأمل في حكمة رفاعة.. ياليتنا نفعل قبل فوات الأوان.. وشكرا للجميلة يو دان التي تثير هذه الأشجان.
التحقيق مع ضباط قسم شرطة محرم بك بالإسكندرية في وقائع تعذيب مواطن ..1250 موظف بشركة عمر أفندي يخرجون للمعاش المبكر ...الحكومة ترفض سداد 239 مليون جنيه من قيمة التأمين الصحي على الأطفال ....
خاص-المصريون : بتاريخ 21 - 9 - 2007
مع آخر الأسبوع الماضي جائت صحافة القاهرة هادئة مليئة بالأحاديث التقليدية حول الجرح المفتوح حاليا جراء العدوان الجديد على حرية الصحافة ..ونستهل جولتنا في صحف القاهرة الصادرة آخر الاسبوع الماضى بفقرات من مقال محمد القدوسي في العدد الاسبوعي لجريدة المصري اليوم: (الصحف هي سبب الخط من قدر الحزب الوطني بتوجيه إهانتها إلى "رموزه" ـ ولا فخر ـ وليس السبب أن الحزب ضم ـ ويضم ـ بين صفوفه عددا من المتهمين بارتكاب اخطر الجرائم، كالقتل غرقا وحرقا، والتجارة فى الدمالملوث ، والتجارة فى الأسمدة والمبيدات الملوثة، والأغذية الفاسدة ، وتلقى العمولات والرشاوى فى وقائع فساد إداري وسياسي جرمها القضاء، وعرفها القاصى والداني. أيضا فإن الإشارة إلى الشائعة المتعلقة بصحة الرئيس كان السبب فى الإضرار باقتصاد البلاد، وليس التضخم الذي ارتفع فى شهر واحد بنسبة 8.5% كما قالت وكالة "رويتر"، وهى وكالة عريقة لا يمكن اتهام محرريها بأنهم مبتدئون أو يجهلون آداب المهنة ، ومع ذلك فقد بثت تقريرا موسعا حول الشائعة. مع غيرها من كبريات وكالات الأنباء فى العالم . وهو تقرير تحدث عن رؤية المصريين للمستقبل لو صحت الشائعة (يعنى ناقش حالة افتراضية غير موجودة ) ولم يقل احد أن "رويتر" تختلق الوقائع ، ولا أنها تروج للشائعة بسوء نية ببساطة لأنها أشارت إلى وجود الشائعة ـ ووجودها حقيقة ـ أن كان محتواها ليس حقيقيا . ولم تختلقها، وهو نفس ما فعلته الصحف المصرية فى معالجتها للشائعة ، إذ لم يدع احد أنها حقيقة ، وفى المقابل لم يدع أحد أنها غير موجودة.مع هذا فإن الحزب الوطني، ورموزه ، والمدافعين عنهم ، يقولون لم ن تناول الشائعة هو الذي أضر باقتصاد البلاد، لا التلاعب العلني بأسعار العقارات (اكبر سوق فى مصر وأكثر الأسواق تأثيرا) ولا الارتفاع العالمي . الذي لم تحسن الحكومة التعامل معه فى أسعار القمح ، ولا انهيار الثقة فى تصريحاتالمسئولين التي أكدت أن بنك القاهرة مثلا لن يباع ، ثم أتضح أنها تصريحات "هزؤ وفشنك"!والصحف ـ سيادتك ـ كما صوابعك مش زى بعضها، فهناك صحف "مارقة" وهي ـ ولله الحمد ـ قلة ، لكنها صحف توشك أن تقضى على هامش الديمقراطية وتخرق سقف الحرية التي نتمتع بها . والتي أشرت إلى حدود النشر الآمن فى ظلها أما الأكثرية فهي صحف ملتزمة ، تعتبر "السادة المسئولين"هم المصدر الوحيد للأخبار، وتحل مشكلة التعارض بل التناقض بين تصريحات هؤلاء السادة بتقديم تصريحات المسئول الأعلى شأنا، وهو ليس بالضرورة الأعلى درجة ، لكنه باختصار المسئول اللي أيده طايلة". هذه الصحف الملتزمة تشارك ـ أحيانا ـ فى صراعات الأجنحة بين السادة المسئولين بعضهم البعض ، لكنها تتوقف فور حسم الصراع ، ونراها ـ بشياكة ـ تهنئ الفائدة حتى وان كان هو الطرف الذي وقفت ضده والذي قالت عنه "ما قال مالك فى الخمر"، تطبيقا لقاعدة "اللي اتقال أمبارح نقول غيره النهاردة" ، وإقتداء ببيت شعر قال فيه زهير بن أبى سلمي :_هجوت زهيرا ثم إني مدحته ومازالت الأشراف تهجى وتمدحفهم أي أصحاب السيادة والمعالي والسمو والعلو والارتفاع أشراف ، والصحفدورها أن تهجو وتمدح ملتزمة بالنطاق الأمن للهجاء والمدح ، أما حكاية "تداول المعلومات"، التي هي لب الحرية ومخ الديمقراطية ، فلم يأت وقتها بعد، أيضا فان فكرة "الخطأ المهني الجائز" الذي يعفى مرتكبه من العقاب فكرة واردة فى كل المهن ، إلا فى الصحافة . إذ يجوز أن يموت المريض أثناء الجراحة مادام الطبيب "عمل اللي عليه"، ولا يحاكم الطبيب بتهمة "القتل" الخطأ ولا العمد، أن الملاكم الذي يقتل منافسه على الحلبة لا يعتبر قاتلا، بل أن هناك "هامش خسائر" مسموح به أثناء التدريبات العسكرية ، يعنى يمكن أن يموت عدد من الجنود أو الطلاب أثناء التدريب ولا يعتبر المدرب قاتلا، كل هذا جائز ومفهوم، لكن الصحفي والصحفي وحده ليس من حقه أن يذكر معلومة غير صحيحة ، حتى وان كان حقه فى تدقيق المعلومة محاصرا، وكانت المعلومة غير الصحيحة منتشرة انتشار النار فى الهشيم ، وكان ذكره لها فىدائرة الشك أو صيغة "التمريض" كما يقول الفقهاء وكان مستعدا لتصحيحها فور ورود ما يفيد التصحيح . الصحفي وحده محروم فى جمهوريات الموز.. والبرتقال أيضا .. من حق "الخطأ المهني" إذ لا فرق فى هذه الجمهوريات بين الصحفي والمسلواتي، ولا بينه وبين "المنادى" الذي تقتصر مهمته على قرعطبلته ، والسير فى الأسواق لإعلام "الحرافيش" بأوامر السلطان ومماليكه ، وكلنا سيادتك تحت أمر السلطان ومماليكه!.)وفي جريدة المصري اليوم اليومية المستقلة تصدر عدد الخميس خبر التحقيقات التي تجريها نيابة الإسكندرية مع ضباط شرطة متهمين بهتك عرض مواطن وتعذيبه داخل قسم شرطة محرم بك ...وقائع تعذيب المواطن الجديد تم تصويرها باستخدام هاتف محمول وقد كشفت تحقيقات النيابة عن العثور على كرابيج وعصي غليظة تستخدم لتعذيب المتهمين ...ومن المصري اليوم أيضا نطالع خبرا حول خروج 1250 موظفا بشركة عمر أفندي للمعاش المبكر ...وإلى جريدة الوفد في عدد يوم الخميس حيث نطالع خبرا يقول أن الحكومة رفضت سداد مبلغ 239.3 مليون جنية هو قيمة مصروفات تشغيل نظام التأمين الصحي على الأطفال منذ العام 1997 ...- وفي جريدة المصري اليوم عدد الخميس كتب الخبير الاستراتيجي د. عمرو الشوبكي حول قراءته للبرنامج الذي طرحته جماعة الإخوان لحزبها المزمع ...نقرأ: (بعد فترة طويلة من الجدل والانتظار ظهر برنامج جماعة الإخوان المسلمين في صورته النهائية، وأرسل إلي حوالي ٥٠ مفكرًا وكاتبًا وباحثًا، بعد أن اعتمده مكتب الإرشاد، ليحافظ الإخوان علي تقاليد غابت عن كثير من القوي السياسية، تتمثل في التواصل مع جانب من النخبة، والحرص علي التحرك بشكل مؤسسي ومنظم، في ظل حالة الفوضي والعشوائية التي تكتنف كل شيء في مصر، بدءًا من مرور شهر رمضان الكريم، وانتهاء بكل الكيانات والتنظيمات السياسية.وربما يساعد طرح هذا البرنامج علي استعادة بعض تقاليد الحوار داخل النخبة المصرية، خاصة بعد الثرثرة التي دارت حول قيام الجماعة بدعوة بعض الخبراء لكتابة أجزاء من برنامجه، وهو أمر يعكس عدم فهم لطبيعة عمل الجماعة، التي قد تنفتح علي كتاب وسياسيين من خارجها، وفق شروطها وقواعدها هي، فتتحاور معهم وتستمتع إليهم وربما تأخذ ببعض نصائحهم، لكن حين يتعلق الأمر بكتابة برنامج أو بيان يخرج عليه اسم الجماعة، هنا لا مكان لأحد من خارجها في صياغته، أو حتي مجرد الاطلاع عليه.ولذا فإن تجربة طرح "القراءة الأولي لبرنامج الإخوان" للمناقشة، ستمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار مرة أخري إلي "مساحة الوسط"، التي اعتادت أن تجتهد وفق ما يمليه عليها ضميرها وقناعتها، وتثري الساحة السياسية بحوار وجدل يناقش الأفكار والرؤي والاجتهادات بعيدا عن الإشاعات، أو التسطيح والاستسهال، أو تنفيذ الإملاءات الأمنية، فكل هذا سيبقي معنا في العهد الحالي، وسيبقي جانب منه في ظل الديمقراطية، ولكن الأساس هو في الحفاظ علي «عافية الوسط» أوالـ"Main stream"، فهو الذي يمكنه أن يحيي أو يستعيد تقاليد الجدل العام، حتي لو بقي معه تجمعات الهامش. ورغم تقديري وشكري للجماعة علي القيام بهذه الخطوة، ولمساهمتها في استعاده جدل الأفكار والرؤي في مصر، فإن هذا البرنامج كان صادما لي ولكثيرين ممن حصلوا عليه، واختلفوا مع الجماعة ولم يعادوها، ويمكن اعتباره هو الأسوأ في تاريخ الجماعة مقارنة حتي ببرامجها الانتخابية المختلفة، خاصة ما قدمته في انتخابات ٢٠٠٥.والمؤكد أن أي قارئ من خارج الجماعة لهذا البرنامج، سيكتشف فورًا، أن هناك أكثر من يد أو بالأحري أكثر من رؤية قد صاغته، وأن بصمة التيار الديني / الدعوي كانت العليا، وفرضت فهمها لأمور الدنيا والدين معا. وإذا قارنا هذا البرنامج بالنسخ الأولي التي تسرب بعضها إلي الصحف، ونشرت إحداها المصري اليوم، أو تلك التي عرضها موقع إسلام أون لاين، سنجد أن لغتها السياسية كانت أكثر وضوحًا من النسخة الأخيرة التي بين أيدينا، وبدا «التيار السياسي» داخل الجماعة، وكأنه صاغ النسخة الأولي، وأن التيار الدعوي المسيطر أضاف فقرات دينية، كثير منها في غير محلها علي نسخة البرنامج الأصلي، بصورة بدت في بعض الأحيان وكأنها عملية قص ولصق، حتي يكون لكلمة الإسلام والفقه الإسلامي حضور ولو في غير موضعها، ولمعالجة قضايا جزئية ومتغيرة لا يجب أن يكون للمقدس فيها مكان.ومن هنا كان من المتوقع أن نري تحليلاً نظريا عميقًا في مقدمة البرنامج، أو في بابه الأول الذي جاء تحت عنوان «مبادئ وتوجهات الحزب»، حول طبيعة المساهمة التي يمكن أن يضيفها حزب سياسي ذو مرجعية إسلامية إلي الحياة السياسية المصرية والعربية، ولكنه للأسف جاء باهتا ويكرر عموميات لا تمثل أي إضافة لا فكرية ولا سياسية، فحين تقول: إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع كما جاء في الدستور، أو إن الشوري هي جوهر الديمقراطية ،أو إن الإصلاح السياسي والدستوري هو نقطه الانطلاق الأولي، والمواطن هدف التنمية الأول، فهل في هذا أي جديد، وهل هذا مكانه الأسس والمنطلقات؟؟.ولأن البرنامج انشغل بوضع الديني في غير محله وأقحمه في قضايا جزئية وتفصيلية لا يجب أن يدخل فيها، فغاب حين كان يجب استدعاؤه بمعناه الفلسفي والنظري، وتحديدًا في المقدمة وفي الباب الأول، ولم يبذل أي جهد من أجل الاستفادة من اجتهادات مفكرين إسلاميين كبار: مثل يوسف القرضاوي وطارق البشري وفهمي هويدي وسليم العوا في توضيح دلالة أن يكون هناك حزب ذو مرجعية إسلامية، وما الإضافة أو نقاط التمايز التي ستفرقه عن الأحزاب الأخري ذات المرجعية غير الإسلامية.)- ومن الوفد نقرأ لجمال بدوي الذي كتب مقررا أن الهجوم على الحزب الوطني لا يعكر السلم العام ..لأن ما يعكر السلم العام حقا هو أشياء أخرى لا يحاكم المسئولون عنها ...نقرأ : (إن الهجوم علي الحزب الوطني الحاكم: لا يكدر السلم العام، كما جاء في حيثيات الحكم بالسجن علي رؤساء تحرير الصحف المستقلة، ولو تريث القاضي لعلم أن نقد الحزب الحاكم من مسببات الارتياح العام لدي الجماهير التي تنكر علي هذا الحزب احتكاره للحكم بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وتسخيره للسلطة كي تهييء له الانفراد بالحكم، وتبقي مصر محكومة بالحزب الواحد علي غرار ما كان قائما في الدول الشيوعية والفاشية والنازية، وقد ضاعت كلها في دوامة التاريخ، ولم يبق سوي مصر التي يحكمها الحزب الواحد»!!«ولو أنصف القاضي لبحث عن مكدرات السلم في كثير من مظاهر الظلم والمعاناة والأوجاع التي تنخر في عظام الشعب، وسيجدها ماثلة للعيان عند أبواب المخابز حيث يتقاتل الفقراء من أجل اقتناص بضعة أرغفة يقتات منها مع أولاده، وسيجد مكدرات السلم عند أسوار المستشفيات حيث يتكدس الفقراء بحثا عن العلاج والدواء، وفي انتظار فرصة للجلوس أمام اجهزة علاج الفشل الكلوي، والوباء الكبدي، والسرطانات من كل نوع »!!«.أليست خنقة المرور من مسببات تكدير الأمن العام؟ هل يشعرالحزب الحاكم بما تعانيه الجماهير من أجل الوصول إلي المدارس وأماكن العمل وشراء لوازم الافطار والسحور؟ لقد استحكمت أزمة المرور منذ بداية رمضان حتي عجز الموظفون عن الذهاب إلي عملهم، وتعطلت مصالح الجماهير، وتوقفت بعض المدارس عن مهمتها، وصار الخروج إلي الشارع مغامرة قد تكلف المواطن حياته، وصارت كارثة المرور مدعاة للسخط والنقمة والاشتباك في مشاجرات لسانية، واشتباكات دموية. واعتنق كثير من المصريين شعار: من يخرج من داره.. يقل مقداره.. وآثروا الاحتفاظ بأقدارهم داخل البيوت »!!«.لا يتكدر السلم بسبب مقالات قاسية تنتقد رموز الحزب الحاكم، ولكن يتكدر إذا فشل الحزب وحكومته في تخفيف المعاناة عن الشعب، واذا تركت الأزمات تتفاقم إلي نقطة التشبع، وعندئذ ينقطع حبل الصبر، ويختل الأمن، وتحدث الفوضي.. وإذا كان فلاسفة الحزب الحاكم يستبعدون حدوث الفوضي اعتمادا علي مخزون المصريين من الصبر، واستنادا علي أن المصريين يختلفون عن الفرنسيين والروس: فإن هؤلاء الفلاسفة واهمون.. فالمصريون بشر ولهم طاقة وقدرة محسوبة علي الاحتمال.. فإذا زادت الاوجاع والعلل علي درجة الاحتمال، ينفجر القدر.. ونعوذ بالله من كل انفجار يدفع بمصر إلي الهاوية »)
إبراهيم عيسى : أحكام سجن الصحفيين طبقا للتليفون وليس للقانون ... اتهام ضباط الشرطة في الفيوم بقتل ضحية جديدة..عادل حمودة :أحمد عز وراء مذبحة الصحافة الحالية..نقيب المحامين يرفض قيد 60 محاميا من المعتقلين السابقين
كتب:طارق قاسم : بتاريخ 22 - 9 - 2007
ها هو أسبوع جديد من عمر القاهرة المحترقة يبدأ تحت مظلة حميمة من روحانيات شهر رمضان ال...فضيل..وبطبيعة الحال وحسبما يقضي منطق الأشياء في أزهى عصور الحرية فقد جاءة صحف مصر مع أول أيام الأسبوع الجديد مرتدية عباءة سميكة من شارات الحداد الصحفية على مذبحة الصحافة الجديدة المتمثلة في الحكم بسجن أربع صحفيين دفعة واحدة والتحقيق مع رئيس تحرير جريدة الدستور إبراهيم عيسى بتهمة نشر شائعات مرض مبارك التي أدت لفوضى وبلبلة وارتباك وهروب الاستثمارات من البورصة بحسب القضية...زخم هذا الملف الساخن واحتشاده يجعل من العسير نسبيا الإمساك بنقطة صالحة لبداية تقريرنا اليوم والذي سوف نبدأه من المعالجة الصحفية لهذا الملف مع بداية الأسبوع الجديد ..لكن ربما تكون البداية الأكثر ملائمة ما دمنا نتحدث في ملف هو خير نذير على الخطر المحدق بضمير مصر من مقال الكاتب الصحفي أبو العباس محمد من عدد السبت لجريدة الوفد اليومية أبو العباس قفز على كل ما يجري من شجب وإدانات ومؤتمرات وهتافات تدين مذبحة الصحافة إلى تقرير أن كل ما يجري لم يثمر إنقاذا حقيقيا للصحافة المصرية ما دام ضميرها ما زال ساكتا على أكبر جريمة ضد صحافة مصر في تاريخها ... وهي جريمة إغلاق جريدة الشعب التي مثلت مع حزب العمل الذي كانت تصدر عنه عنوانا لمرحلة كاملة من مراحل المعارضة المصرية ..إلى هنا انتهي مضمون مقال أبو العباس محمد ..لكننا نضيف أن الشعب وحزب العمل كانا عنوانا لمرحلة من تاريخ مصر السياسي والصحفي مفعمة بالمعارضة الحقيقية ذات المشروع الجاد ..لهذا لم يطق النظام صبرا أو صمتا حيال الشعب وحزب العمل ...وفي سياق ملف الانتفاضة الصحفية الأخيرة ضد عدوان جديد على الصحافة يجب الإشارة إلى أن الصفة الأساسية لمعالجة هذا الملف في مختلف صحف القاهرة كانت هي الإحالة التاريخية ..والاستدلال بنماذج لكتاب سطروا في الصحف عبر تاريخ مصر المعاصر ما سيقوا به للزنازين ..وأيضا نماذج لأحكام قضائية عادلة أنصفت صحفيين مارسوا حقهم في انتقاد السلطة ...في هذا العدد كتب إبراهيم عيسى في عدد السبت من الدستور اليومية : (أنا عارف طبعا أن هذا بلد ليس كل ما يتمناه فيه الكاتب يكتبه . وليس كل ما يكتبه فيه الكاتب يجد أحدا ينشره ، لكن مش لدرجة السجن يا ضلالية ، فالذي يلفت نظري صدور أحكام طبقا للتليفون وليس للقانون ، أحكام سياسية وليست أحكاما قضائية ، أحكام تتعامل مع القانون باعتباره آلة للعزف وليس قانونا للمحاكم ( ..) ويروج لهذا القانون سيئ السمعة ويدافع عنه رجال طبول النفاق وأبواق الحكومات الذين يجلسون فى أبعد مكان عن المساس بشعرة من رؤوسهم حين يكتبون وحين يسفكون سمعة وكرامة معارضيهم.ولكي نعرف أننا لم نعد أحرارا كما كنا، بل نمضى إلى حضيض حضاري (ومازلنانحفر) فإن العصر أو العهد البائد الذي يحكون عنه كان الصحفي حرا من قبضةالسجن وابتزاز الحكومة له ، ففي عام 1924 نقضت محكمة النقض حكما بمعاقبة صحفي فى تهمة إهانة مجلس النواب والشيوخ لنشره مقالة نسب فيها إلى زعيم الأغلبية انه يعبد الحكومة ولا يحب الوطن ، وانه جائع منحط وظيفته التهام الوطن ، وانه محب للمال ومن السهل استرضاؤه ، وانه غير حريص على خدمة الأمة .. ونسب إلى رئيس مجلس النواب أنه جاهل لا يدرى عمله .. وحصل الصحفي المتهم على البراءة. أما الحكم الذي ما زال ماثلا فى أذهان الجميع كما يسرد تقرير نشرته منظمة حماية الصحفيين عن مصر - فهو الحكم الصادر من محكمة جنايات مصر فى يناير 1925 ببراءة د . محمد حسين هيكل من تهمة السب والقذف فى حق زعيم الأمة سعد باشا زغلول وكان آنذاك رئيسا للوزراء.. لقد حصل د. هيكل على البراءة رغم اتهامه لسعد باشا بالخيانة والعمالة للإنجليز والاتفاق سرا على ما فيه التنازل عن كثير من حقوق مصر.. وقال الحكم فى أسبابه إن أهم ما جاء فى تلك المقالة هو "بسبب ملاينة رئيس الوزراء للإنجليز والاتفاق معهم"، ولا ترى المحكمة فى تلك العبارة ما يمكن اعتباره ماسا بكرامة دولة رئيس الحكومة باعتباره من رجال السياسة المعرضة أعمالهم - بحكم طبيعة وظيفتهم للنقد السياسي.وفى عام 1926 نقضت المحكمة العليا حكما كان قد قضى فيه بإدانة صحفي، وقررت براءته من تهمة إهانة رئيس الوزراء حيث وصف الصحفي رئيس الوزراء آنذاك بأن نسب إليه الجهل وقصر النظر والبعد عن الفطنة ، ونسب إلى أعضاء مجلس النواب الانحطاط والدناءة فى أخلاقهم والطمع والجشع، واعتبرت المحكمة كلام الصحفي نوعا من النقد المباح وقالت إنه وإن كان قد استعمل فى النقد شيئا كثيرا من الشدة من قوارص الكلم ، إلا أنها جاءت من باب المبالغة والرغبة فى التشهير بالفعل ذاته كما هي خطة المتهم فى كتاباته المستفادة من عباراته البالغة وقد قضت محكم جنايات مصر فى نوفمبر 1947 ببراءة صحفي من تهمة سب وقذفرئيس الوزراء، وكان قد وصف رئيس لوزراء آنذاك بأنه ذو ماض أثيم وأنهمفرط فى حقوق مواطنيه متآمر مع الإنجليز، مزيف لإرادة الشعب ، وأنه محامي (مستر اتلى) و (مستر بيجن ) قالت المحكمة إن هذه الألفاظ لا يقصد بها السب بل هي نقد برأيه – لموقف خصم سياسي إزاء سياسة البلاد ومصلحتها العليا التي توجب أن تدلى في المسائل التي تمس كيان الجماهير، وأن كان الكاتب لا يحاسب على وجهة نظره وتقديره لموقف غيره من الرجال لعموميين ما دام هذا النقد للمصلحةلعامة ولم يقصد منه مجرد النقد وفى يونيو 1948 قضت محكمة النقد ببراءة صحفيعلى أساس أن ما كتبه من قبيل النقد المباح ولا عقاب عليه.)أما جريدة الفجر الأسبوعية المستقلة ففي نفس السياق أعادت نشر نص مقال رئيس تحريرها عادل حمودة "حكومة حرامية" الذي استحق في نظر الحزب الوطني بموجبه رفع دعوة قضائية انتهت بالحكم بسجنه ضمن زملائه الثلاثة الآخرين ...والفجر أوردت في عددها لهذا الأسبوع ملفا حوى تاريخ بعض مشاهير الكتاب والصحفيين المصريين مع السجن ...ومنهم محمد حسنين هيكل ومحمد التابعي وإحسان عبد القدوس والمفكر الفذ الراحل عباس العقاد ...وما زلنا مع جرح الصحافة النازف ...ومن عدد السبت الجريدة المصري اليوم اليومية المستقلة نقرأ للحقوقي البارز بهي الدين حسن أجزاء من مقال يحلل فيه ظاهرة حرب النظام الساعية لنسف الحراك السياسي الذي شهدته مصر خلال السنوات القليلة الأخيرة ...نقرأ: (في بيانها الأخير للرأي العام، اعتبرت نقابة الصحفيين أن الأحكام بالسجن التي صدرت بالجملة لأربعة رؤساء تحرير، هي بمثابة «إعلان حرب علي حرية التعبير»، وهو تعبير بليغ يعبر عن مدي الشعور بالخطر، غير أن واقع الحال يدلنا علي أن «الحرب» تجري بالفعل منذ أكثر من عام ونصف العام، وأن نطاقها أوسع، وأن الحكم الأخير ليس مجرد إعلان بالحرب، بل إحدي جولاتها، فقد سبقتها جولة جري خلالها إغلاق منظمتين لحقوق الإنسان، وفي جولة ثانية جري قمع حركة القضاة، وفي جولة ثالثة جري سحق حركة التظاهر، و... و... أما إعلان الحرب فربما تشكل التعدلات الدستورية التجسيد الفعلي له».تشكل التعديلات الدستورية التي جري اعتمادها من خلال الاستفتاء العام في ٢٦ مارس ٢٠٠٧، ذروة الهجوم المضاد السياسي والأمني والإعلامي والتشريعي علي الحراك السياسي المحدود الذي جري في مصر خلال عامي ٢٠٠٤- ٢٠٠٥، بعد أن اضطر النظام الحاكم، حينذاك، للتراجع المؤقت عن الرفض العنيد للقيام بإصلاح سياسي، وذلك تحت الضغوط الأمريكية والأوروبية المطالبة بالإصلاح في إطار استراتيجيتهم لمكافحة الإرهاب. لم ينطو ذلك التراجع المؤقت علي تقديم أي تنازلات ذات طابع مؤسسي أو تشريعي، واقتصر علي القيام بمناورة سياسة واسعة النطاق، تستهدف بالأساس تليين الضغوط الدولية وتخفيفها.تفرعت المناورة السياسية في ثلاثة مسارات:المسار الأول: الإيحاء بأن النظام قد استوعب الرسالة وقرر الشروع بالفعل في الإصلاح، تمثل ذلك في المبادرة بتعديل المادة ٧٦ من الدستور، وتنظيم مؤتمر الإسكندرية للإصلاح، والسماح له بإصدار وثيقة جيدة، مع التلويح بأن النظام سيتبناها داخليا، وإقليميا أمام القمة العربية. قد نجحت هذه المناورة بالفعل في تخفيف الضغوط الخارجية، وفي شق صفوف بعض المطالبين في الداخل بالإصلاح السياسي، وتخفيف حدة حماس واندفاع البعض الآخر، وبالتالي تخفيف الضغط المحلي، الذي هو محدود أصلاً، برغم أنه لم يحدث تغييرًا جوهريا في عملية اختيار/ انتخاب رئيس الجمهورية، التي أخذت شكل الانتخاب، ولكنها في الجوهر احتفظت بطابع الاستفتاء، مثلها في ذلك مثل دول عربية أخري تطبق هذا النمط منذ عدة سنوات كتونس واليمن.المسار الثاني: هو استمرار القمع الأمني ولكن بشكل محسوب، بحيث لم يتم التصدي العنيف لكل مظاهر التحرك الجماعي السلمي، إلا في مناسبات سياسية ذات مغزي، مثل مناسبة الاستفتاء علي المبادرة بتعديل المادة ٧٦، أو مناسبة إعلان الرئيس مبارك اعتزامه ترشيح نفسه لفترة خامسة لرئاسة الجمهورية. كما كان القمع الأمني الفائق في مناسبات معينة، بمثابة اختبار عملي أيضًا لمدي تماسك موقف المجتمع الدولي من قضية الإصلاح في مصر، وقد لوحظ أن القرار الأمني في اليوم التالي لهذه المناسبات - بمواصلة القمع العنيف أو الامتناع عنه أو تخفيفه- يرتبط بشكل ملموس لا لبس فيه بطبيعة رد الفعل الأمريكي والأوروبي علي السلوك الأمني في اليوم السابق.لمسار الثالث هو استخدام فزّاعة الإسلاميين، لشق صفوف المطالبين بالإصلاح في الداخل والخارج. وقد بدا ذلك أكثر سطوعًا في أعقاب الانتخابات البرلمانية التي جرت في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام ٢٠٠٥. ومع تصاعد حصيلة الإخوان المسلمين من المقاعد البرلمانية في المرحلة الأولي، والجولة الأولي من المرحلة الثانية، وبداية تعمق الشعور بالقلق لدي بعض المطالبين بالإصلاح في الداخل والخارج، بدأت القبضة الأمنية تمارس دورها دون حساب، حتي بلغت ذروتها في المرحلة الثالثة، دون احتجاج جدي من المجتمع الدولي.إذا كان عام ٢٠٠٥ هو عام المناورة واحتواء الخصوم وشق صفوفهم في الداخل والخارج، فإن عام ٢٠٠٦ كان عام القمع المكشوف بامتياز، لإخماد صوت الحراك السياسي، بعد أن تم تحييد المجتمع الدولي، و«التحرير الوطني» للحراك السياسي الداخلي من المؤثرات الخارجية.بدأ ذلك العام مبكرًا، فقد بدأ في ديسمبر ٢٠٠٥، بمهزلة الجولة الثانية من المرحلة الأخيرة من الانتخابات البرلمانية، وإعلان النائب العام حفظ التحقيق في وقائع التحرش الجنسي بالنساء المعارضات لاستفتاء ٢٥ مايو ٢٠٠٥، وبدء تحريك الدعاوي القضائية ضد رموز القضاة المطالبين بالإصلاح، والحكم علي أيمن نور بالسجن. وأخيرًا المذبحة البشعة للاجئين السودانيين في قلب أحد أهم ميادين القاهرة الكبري، والتي كانت في جوهرها رسالة للمصريين، حملتها دماء وجثث السودانيين، بأن زمن التسامح الأمني مع الحراك السلمي قد ولي.. وقد كان، فلم يسمح خلال عام ٢٠٠٦ بأي تحرك جماعي في الشارع،بل جري استخدام قانون الطوارئ - لأول مرة منذ إعلان حالة الطوارئ قبل ربع قرن - بشكل جماعي ضد مئات المتظاهرين الذين جري القبض عليهم لمجرد تضامنهم مع نادي القضاة والقضاة المنددين بتزوير الانتخابات العامة.. خلال هذا العام مارست القبضة الأمنية دورها «متحررة» من أي قيد دولي، فقبل أن يبدأ هذا العام كان الإخوان المسلمون في مصر قد حصدوا ٢٠% من مقاعد البرلمان، وفي الشهر التالي حصد أشقاؤهم في «حماس» الأغلبية في فلسطين، وشكلوا الحكومة، لتتوقف المطالب الدولية بالإصلاح، التي كانت قد بدأت فعلياً في التراجع تدريجياً منذ منتصف ٢٠٠٥.عام ٢٠٠٧ هو عام القمع بالدستور، بعد أن تم تعبيد الطريق دولياً وسياسياً وأمنياً، أي «تحرير» مصر من الاهتمام الدولي بالإصلاح، و«تحرير» الشارع المصري من الحراك السياسي، ولكن قبل أن ينتهي ذلك العام، ستكون حملة الهجوم التشريعي قد بدأت وستتواصل خلال عام ٢٠٠٨، والتي تستهدف ترجمة عدد من أسوأ التعديلات الدستورية إلي تشريعات جديدة وتعديلات علي قوانين سارية، علي رأسها بالطبع قانون مكافحة الإرهاب)ونغادر ملف مذبحة الصحافة الأخيرة وننتقل لإطلالة عامة على موضوعات صحف القاهرة الصادرة السبت وهي بطبيعة الحال لا تخلو من ارتباط بعيد أو قريب بمذبحة الصحافة ....ففي جريدة الفجر كتب عادل حمودة حول الطفل المعجزة احمد عز ..ونفوذه المتنامى بسرعة وتأثير تدميري منقطع النظير ....وفي مقاله أشاره حمودة لوجود علاقة بين أحمد عز ومذبحة الصحافة الأخيرة ..نقرأ: (يحظى أحمد عز ملك الحديد فى مصر بنصيب الأسد فى نقد الصحف المستقلة لرموز الحزب الوطني الحكم الذي يتولى فيه منصبا مهما ومؤثرا .. منصب أمين التنظيم . . لكن .. رغم ذلك لم نجد اسمه ضمن رموز الحزب الذين شملتهمعريضة الدعوى التي رفعها محام على رؤساء التحرير الأربعة وانتهت بحكم بحبسهم سنة وغرامة عشرين ألف جنيه بخلاف التعويض المدني. . أن اختفاء اسم أحمد عز من القضية على خطورة موقعه الحزبي أمر يلفت النظر ويدعو للدهشة ويثير الاستغراب .. وخاصة أن هناك شخصا برز اسمه فى عريضة الدعوى رغم أنه لا يتمتع بنفس النفوذ الحزبي الذي يتمتع به أحمد عز هو أحمدنظيف .. فهو كما ذكرت حيثيات الحكم عضو فى المكتب السياسي للحزب.هل نسى المحامي رافع الدعوى أن أحمد عز هو أمين التنظيم المسئول عنه ؟ . هل لا يقرأ المحامى ما تنشره الصحف المستقلة عنه ؟.. أم لا يعتبر النقد الذي يوجه إليه لا يرقى إلى مستوى القضية ؟. أم أن أحمد عز نفسه هو الذي رفضالزج باسمه فى القضية وفضل أن يحرك الأمور من وراء الستار كما تعودنا منه دائما ؟.لا أحد يتصور أن يقوم محام وعضو فى الحزب الوطني برفع مثل هذه القضيةدون استشارة أمين التنظيم أو دون أن يعلم بها وألا كان الحزب مفككا . متسيبا .. يمشى كل فرد فيه فى طريق .. ويتصرف على هواه.لابد أن أحمد عز كان على علم بالقضية قبل رفعها..لقد تعود أحمد عز على أن يلعب بذكاء فى تصفية خصومه ومن يقفون فى طريقه ويضايقونه دون أن يشعر به احد . . تعود أن يترك غيره يطلق الرصاص عليهم ليكون بعيدا عن الاتهامات والشبهات .. فى عمليات تبدو نظيفة وان لا تخلو من رائحته .. وربما كان أول من يمشى فى جنازتهم .. وأول من يبكى بحرقة على قبورهم. )ومن المصري اليوم نطالع واقعة جديدة لقتل مواطن متهم فيها ضباط شرطة ..هذه المرة الواقعة شهدها قسم شرطة بمحافظة الفيبوم والضحية مواطن اسمه "محمد جمعة حسن الدهشوري" الذي قبض عليه أبطال الشرطة وعذبوه بالكرابيج والضرب بالأحذية مما سبب له تهتكا في جميع أعضائه الداخلية تقريبا كالكبد والطحال وغيرها ...ومات المسكين وبينما الاتهامات تطال رجال شرطة مبارك بالمسئولية وراء قتل الأبرياء تحت أحذية التعذيب طالعتنا المصري اليوم بخبر حول قيام مبارك بتوزيع عقود شقق ل 800 أسرة والشقة من هذه الشقق ياللطرافة مساحتها لا تتجاوز 63 مترا ...وفي المصري اليوم أيضا خبر حول قيام الدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد المسجون بتقديم بلاغها ضد مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك السابق المحبوس في نفس السجن بتهمة التعدي على رئيس مجلس الدولة ...نور اتهم مرتضى بتهديده بالقتل وسبه وقذفه في مستشفى السجن ...كما أوردت المصري اليوم خبرا يقول أن نقيب المحامين سامح عاشور رفض قيد 60 محاميا إسلاميا كانوا معتقلين ضمن معتقلي الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وأفرج عنهم مؤخرا ..عاشور رفض هؤلاء تحت زعم أنهم كانوا مسجونيين في قضايا جنائية مخلة بالشرف ...وننتقل لجريدة الوفد التي أوردت تقريرا حول تجاهل كادر المعلمين الخاص الذي طبقته الحكومة مؤخرا لأكثر من 70 ألف معلم يعملون بنظام التعاقد ..
فقدان ما تبقى من ريادة
محمود سلطان : بتاريخ 23 - 9 - 2007
عندما تتخلى الدولة عن القيام بدورها، فمن الطبيعي أن تظهر جماعات سياسات وقوى اجتماعية للقيام بهذا الدور الذي تخلت عنه .نظرية " التمدد في الفراغ" ليست ظاهرة "فيزيائية"، بل إنها تنسحب على آليات وأدوات الحراك السياسي والطبقي والاجتماعي والحضاري أيضا.في زلزال أكتوبر من عام 1992 تخلت الدولة عن دورها ، فتركت فراغا هائلا تمددت فيه جماعة الإخوان المسلمين ، ولو أن هذا التمدد تم بهدوء ولم يصاحبه خطاب "إخواني" إثاري وزاعق ، لكان إخوان مصر اليوم أفضل حالا مما هم عليه الآن .واعتقد أن جزءا من "شرعية" حزب العدالة والتنمية في تركيا ، كان ثمرة "التمدد في الفراغ" الذي خلفته الحكومات التركية العلمانية التي تعاقبت على الحكم في تركيا، عندما تخلت عن دورها في محاربة الفساد الذي استشرى بشكل غير مسبوق، ولم تتبن "أجندة اجتماعية" متماسة مع معاناة الناس اليومية.وعندما تخلى الأزهر عن دوره، طواعية أو كرها، ترك فراغا كبيرا تمدد فيه الدعاة غير الرسميين ، ممن يطلق عليهم اليوم "دعاة الفضائيات" ، وعندما تخلت الدولة عن الدفاع عن الدين، تركت فراغا تمددت فيه جماعات العنف والتكفير، باعتبارها "البديل" عن الدولة في الذود عن الدين.وعندما تخلت مصر عن "الريادة الإعلامية" فقدت "شرعيتها" الريادية، وتركت فراغا إعلاميا تمدد فيه إعلام دول عربية أخرى، وبات نقطة جذب لا تقاوم وأكثر تأثيرا على صناعة وصوغ الرأي العام وتوجيهه ، بل يمكننا القول إن الحراك السياسي النسبي الذي شهدته مصر بين عامي 2004 و 2006، كان جزءا منه ثمرة التأثير الفضائي العربي غير المصري. وهذا العام فقدت مصر ما تبقى لها من "ريادة" على صعيد الدراما التلفزيونية، عندما تمسك التلفزيون المصري بالعيش في جلباب تلفزيون "هيئة الإرشاد" و"الإتحاد الاشتراكي" "وثقافة الفرفشة" ، ووضع رأسه في الرمال غير عابئ بأن حوله عواصم عربية تملك فضائيات يمكن أن تتمدد لتملأ الفراغ الذي تخلى عنه في إطار إنتاج المسلسلات السياسية، وتناول قضايا جريئة مثل اختراق القوى المالية الطفيلية لدوائر صناعة القرار السياسي والتشريعي ، وما خلفه ذلك من تفشي الفساد بكل أنواعه ، وتأصيل سياسة الاضطهاد والقمع الطبقي في أسوأ صوره على الإطلاق .في رمضان هذا العام، نسى الناس أن في مصر حاجة اسمها تلفزيون، وباتوا أكثر تعلقا بالفضائيات العربية الأخرى، التي تتناول الحياة السياسية المصرية بشكل أكثر جرأة وحرفية وبممثلين مصريين، ما يعني أن العيب ليس في العنصر المصري وكفاءته وحرفيته، ولكن في "العقل السياسي" الرسمي المصري الذي لا يزال يفرض وصايته علينا ، باعتبار أنه هو الوحيد الذي "يعرف كل حاجة" ، فيما هو يعيش خارج التاريخ بعد أن فقد إحساسه بالجغرافيا.
عبث بتاريخ الوطن
جمال سلطان : بتاريخ 23 - 9 - 2007
من أهم مظاهر نضج الأمم والمجتمعات احترامها للتاريخ ولماضيها ، والتحوط من شرك إخضاع التاريخ والماضي لصراعات الحاضر السياسية أو أهواء المنتصرين أو حتى مرارة المنهزمين ، أقول هذا الكلام بمناسبة استسهال البعض تغيير أسماء الأحياء والشوارع والمنشآت القديمة التي سميت بأسماء من أنشأوها أو بنيت في عهدهم أو حتى الأسماء ذات الحضور التاريخي والإنساني البارز ، لأن هذه مراهقة سياسية أو حضارية لا تليق بأمة ناضجة وشعوب متحضرة ، أريد أن يشرح لي أحد سببا واحدا منطقيا أو عقلانيا لتغيير اسم "ميدان الحجاز" في القاهرة إلى "ميدان الحسين بن طلال" ، ورغم أن أحدا حتى الآن إذا ذكر الميدان قال "ميدان الحجاز" ، فمن هو العبقري الذي رأى تغيير اسمه بهذه الفجاجة والاستسهال والاستهبال ، وأرجو أن يكون واضحا أن هذا الكلام لا شأن له بتقييم الملك الراحل رحمه الله ، ولكن المسألة في المبدأ ذاته بغض النظر عن الاسم ، كما أنه أيا كان التقييم والتقدير لاسم الملك الراحل فإن إيحاءات وظلال اسم "الحجاز" أعلى بكثير من أي اسم آخر ، نظرا لارتباطها بالمشاعر المقدسة في الإسلام في مكة والمدينة ، حتى أن كثيرا من العوام في مصر للآن إذا ذكروا مقصدهم للحج أو العمرة ذكروا اسم "الحجاز" ، فكيف فكر "عاقل" في أن يمحو هذا الاسم من ميدانه لكي يطلق عليه اسم رئيس أو ملك أو أمير ، أيا كان ، ثم إن منطقة مصر الجديدة بالقاهرة فيها الكثير من الأسماء الأخرى مثل "ميدان تريومف" وميدان "سانت كاترين" وغيرهما ، ربما كان حضورهما الشعبي والتاريخي في الوجدان العام أقل نوعا ما ، فلماذا لم يفكر إلا في "الحجاز" ، المسألة أشمل من ذلك ، لأن الكثير من معالم القاهرة والمدن الكبرى تمت الإغارة عليها في نصف القرن الأخير بصورة مدهشة ، فهناك أسماء ميادين وشوارع باسم : محمد علي ، والملك فؤاد ، وأسماء أمراء وسلاطين وشخصيات تاريخية عديدة ، تم محوها من أماكنها التاريخية لكي يطلق عليها أسماء أخرى ، لزعماء أو حتى موظفين كبار في العهود الحديثة ، والغريب أن هذا الأمر كان يحدث مع الأسماء والتراث المتصل بالعروبة أو الإسلام ، في حين أن الأسماء المتصلة بتاريخ أوربي : إغريقي أو روماني أو حديث ، لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها بشيئ ، ولعل الاسكندرية نموذج واضح في هذا الشأن ، فهناك تجد أسماء ميادين : استانلي ، وسان استيفانو ، وكامب شيزار، ونحو ذلك لم يقترب منهم "عباقرة" الإغارة على التاريخ ، ولعل بقاء هذه الأسماء هناك كان السبب الأساس في حماية الأسماء التاريخية لميادين المشائخ والعلماء والأولياء أمثال الشيخ محمد الشاطبي وسيدي بشر وسيدي جابر وغيرهما ، لا أفهم كيف لا يوجد قانون أو لوائح تحمي تاريخ الجغرافيا المصرية من هذا العبث ولعب "الموظفين" والمهاويس ، إن بقاء الأسماء التاريخية للأماكن والشوارع والميادين يضفي بهاءا كبيرا عليها ، بل إن جزءا كبيرا من وعي المواطن ببلده وحنينه إليها مرتبط بأسماء الشوارع والميادين والأماكن التي نشأ فيها أو استشعر عمقها في تاريخ وطنه واستحضر ظلالها في وجدانه وهو يتجول فيها بتنوعها وتعددها وسحر التاريخ فيها ، أرجو أن يكون هناك رأي عام في مصر واع لخطورة هذا العبث ، وضرورة إبعاد هذا الجانب التراثي والإنساني عن صراعاتنا التاريخية وتمزقاتنا السياسية وتقديراتنا المتباينة للتاريخ ، أرجو ذلك .gamal@almesryoon.com
التاريخ وأبوابه !
جمال سلطان : بتاريخ 22 - 9 - 2007
الحكم الذي صدر بحبس أربعة من رؤساء تحرير الصحف المصرية سوف يدخل الرئيس مبارك التاريخ من أوسع أبوابه ، ولكن السؤال الأهم هو : هل يقبل الرئيس مبارك أن يدخل التاريخ من هذا الباب ؟ ، أشك في ذلك ، هل يمكن تصور أن الرئيس مبارك سيقبل أن يسجل التاريخ اسمه بأنه الحاكم المصري الوحيد الذي سجن في عهده أربعة من رؤساء تحرير الصحف بسبب آراء نشروها ضد نظام حكمه ؟ ، أيضا : أشك في ذلك ، ومن ثم فأنا على يقين من أن هذا الحكم الذي أصدره القاضي الشاب سوف يصبح أثرا بعد عين ، وكله بالقانون طبعا ، لأن أحدا في أعلى هرم السلطة لا يمكنه أن يتحمل التبعات الأخلاقية والسياسية لمثل هذا الموقف ، والحقيقة أن الحكاية من مطلعها كانت عبثا في عبث ، ولو كانت هناك وقفات جادة من البداية وسلطة ما زالت بعافيتها وحيويتها لما نظرت الشكوى من بابه ، ولما وصل الحال إلى هذا الإحراج الكبير للرئيس مبارك ونظام حكمه ، الواقع الذي يحاول بعض "كتاب" السلطة مداراته الآن أن الحكم ورطة حقيقية للسلطة ، ربما لم يقدروا أن تكون على هذا القدر من الخطورة ، ربما تصور البعض أو حاول أن يصورها للقيادة السياسية بأنها يمكن أن تكون "كارت إنذار" للصحافة المتمردة ، ففوجئوا بأنها أصبحت ورطة ، ورغم أن السلطات حشدت كل أقلامها الرسمية ، حيث كانت افتتاحيات جميع الصحف القومية على مدار الأيام الماضية كلها مخصصة للدفاع عن الحكم والهجوم على الصحف المستقلة بدعوى أنها تتجاهل حقوق المجتمع ، رغم أن الكلام والحكم لا صلة له بالمجتمع وإنما بالسلطة ، وبالرئيس مبارك شخصيا ، ولكنه الإحساس بالعار والحرج من أن توضع الأزمة في سياقها الصحيح والواضح والمهين لأي سلطة سياسية أمام الرأي العام المحلي والدولي ، وللأمانة فإن افتتاحيات الصحف القومية خلال هذه الأزمة جعلتنا نتفهم : لماذا كانت السلطة تمد عاما بعد عام لرؤساء التحرير السابقين ولا تريد التخلي عنهم ، لأنه ثبت بالفعل أنه لم يكن لهم بديل حقيقي من بين أولياء السلطة ، وإن كانت المؤسسات القومية مترعة بالكفاءات الكبيرة والنادرة ، والتي تتوهج وتبرز إذا أتيحت لها فرصة العمل في مناخ أفضل خارج مصر أو في صحيفة مستقلة ، والغالبية منهم يموتون كمدا "وقرفا" مما يشاهدون الآن وحتى من قبل ، فالكتابات مسفة إلى حد كبير ، والتحريض على الصحافة ذاتها وزملائهم الصحفيين يفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة والذكاء المهني ، ويدهشك أن التصريحات الرسمية لرموز السلطة في هذه القضية أكثر تحفظا وتحوطا ووقارا من الهجوم الكاسح لكتاب الحكومة المتحمسين لذبح زملائهم والتنكيل بهم ، يعني الحكومة أعقل من كتابها ، مع الأسف ، ويحاولون خلط الأمور وممارسة الدجل والمغالطة بالحديث عن أن الصحفيين ليس على رأسهم ريشة للحماية من القانون ، رغم أن الريشة إن وجدت لا تتعلق بالصحفي نفسه وإنما بالمهنة وطبيعتها الخطرة ومتاعبها اليومية ، لأن الصحافة في النهاية خبر ورأي يهدفان لتنوير المجتمع وحماية حقوقه في مواجهة جبروت السلطة وإمكاناتها الجبارة ، وبدون شك فإن نشر أي خبر أو رأي "ينكد" على السلطة سيكون غير مرضي عنه ويمكن أن تعتبره تكديرا للسلم العام وإهانة لرموز الدولة وغير ذلك من التعبيرات الفخمة الضخمة والفضفاضة التي تصلح لإدانة أي أحد في أي وقت وبدون أي سبب ، ولو استمرت محاكمات الصحفيين "المتمردين" على نفس طريقة حكم رؤساء التحرير الأربعة الأخير ، فلن يبقى صحفي شريف خارج السجن ، ولن ينشر على الناس في الصحف إلا الأخبار التي يمليها علينا السادة الوزراء ، وكذلك مقالات الرأي المعتمدة من مكتب الصحافة التابع لجهاز مباحث أمن الدولة .
إهانة الحزب الوطني !
جمال سلطان : بتاريخ 14 - 9 - 2007
لم أصدق عيني وأنا أقرأ حيثيات الحكم الذي أصدره القاضي شريف إسماعيل يوم الخميس الماضي ضد أربعة من رؤساء تحرير الصحف المستقلة ، حيث قضى بسجنهم وتغريمهم بتهمة إهانة الحزب الوطني الحاكم ورموزه ، الحكم مذهل في طبيعته وفي حماسة القاضي وهو يدافع عن الحزب الحاكم وينزه قياداته عن الانحراف أو الفساد أو الاستبداد ، بل ويعتبر أن اتهامهم بذلك هو أكاذيب وافتراءات ، وهو دفاع حماسي لم يصدر حتى عن قيادات الحزب الحاكم أنفسهم ، ولو صدر من أحد منهم على هذا النحو لكان مثار استغراب الناس ، فكيف وهو يصدر على لسان قاضي في حكم ومنصة قضاء ، هل يمكن تصور منصات القضاء كطرف في خصومة سياسية بين الأحزاب أو القوى السياسية ، بحيث تدافع عن حزب ضد أحزاب أخرى أو تسبغ الحصانة والقدسية على قيادات حزب من انتقادات المواطنين أو الرموز السياسية الأخرى فضلا عن النقد السياسي المنشور عبر الصحف التي تمثل سلطة رابعة في الدولة ، وقفت طويلا أمام قول القاضي شريف إسماعيل أن "المتهمين" (سلطوا أقلامهم الجائرة وأخبارهم الكاذبة علي الحزب الذي تتشكل منه الحكومة فراحوا يرمونه للمجتمع بأخبار كاذبة وعبارات قاسية وتشويه أضر ويضر بمصلحة البلاد مستخدمين رموز الحزب أدوات للحط من شأنهم وتحقيرهم ليس داخل البلاد وإنما خارجها غير عابئين بتأثير خطورة تلك الأخبار التي من شأنها أن تؤثر علي مصداقية الحزب والحكومة ومركزها في المجتمع) مضيفا أن ما نشروه (كان بهدف الحط والتحقير والتقليل من شأن الحزب الحاكم ورموزه ورئيسه ورئيس مجلس الوزراء عضو المكتب السياسي بالحزب أو الأمين العام المساعد وأمين السياسات وغيره) وأضاف (أن الصحف نشرت عبارات تتهم الحزب الحاكم "خلافا للحقيقة وبالكذب بأنه حزب يحكم مصر بالحديد والنار ويذبح الشعب ويتسم بالإهمال والقمع والاستبداد) ، وهذا الكلام لا صلة له بالتقاضي ، وإنما هو جدل سياسي عادي جدا بين القاضي وبين الصحفيين ، وكان يمكنه أن يضمنه في مقال له ينشره في أي صحيفة من هذه الصحف إعمالا للرأي والرأي الآخر ، فهو من حقه أن يرى الحزب الوطني حزب العدالة والتنوير والحزب الذي أشاع العدل والرخاء في ربوع البلاد حسب مفهوم دفاعه المجيد ، ولكن هذا رأيه الخاص به كمواطن ، ومن حقي أنا أو غيري أن أرى عكس رأيه ، وأن هذا الحزب هو سبب خراب البلاد وهو الذي في عهده انتشر الظلم على أوسع نطاق سجلته منصات القضاء ذاتها والمنظمات الحقوقية الرسمية والمستقلة والمحلية والدولية ، وأنه الحزب الذي انتشر في عهده الفساد بصورة غير مسبوقة ، وساحات المحاكم ذاتها خير شاهد وعنابر السجون التي احتضنت بعضا رموز الحزب وقياداته التي يدافع عنها القاضي ، فعلى أي أساس يريد الأستاذ شريف إسماعيل أن يفرض رأيه السياسي وولاءه للحزب الحاكم على غيره من المواطنين ، ما هو وجه التقاضي هنا بالضبط ، لقد قال الأستاذ شريف إسماعيل عندما أراد أن يثبت حق أصحاب الدعوى في رفعها بأنه (لما كان الحزب السياسي هو جماعة منظمة ويقوم علي مبادئ وأهداف مشتركة ولكل مصري الحق في الانتماء لأي حزب سياسي.. ويضع الحزب شروط تلك العضوية للانضمام له.. ومن ثم فإن كل ما يتعلق بالحزب فمن الطبيعي أن يتعلق بأعضائه) ، وهنا مجموعة من المتناقضات الغريبة ، إذ كيف اعتبر أن الانضمام للحزب حق لأي مصري بينما انتقاد الحزب محرم على أي مصري ، في أي فلسفة ديمقراطية قرأ هذا المعنى الشاذ ، ثم بأي منطق أو معقولية يكون كل ما يتعلق بالحزب يتعلق بكل عضو فيه ، بمعنى إذا قلت أن المدرسة الفلانية أو الوزارة الفلانية مثلا أو الحزب الفلاني به فساد وانحراف ، فهو يعني أن كل موظف صغير أو كبير فيه هو بالتأكيد وبالاسم فاسد ومنحرف ، من يمكنه تصور هذا المنطق ، ما حدث يوم الخميس كارثة حقيقية ، والقضاء هو آخر حصون هذه البلاد ، وبدون شك فإن محاولة توريط العدالة في مثل هذا "العبث" سيؤدي إلى تعريض قوام مصر للانهيار ، يا أيها الظلاميون ، ابتعدوا عن ساحة العدالة ، واتقوا الله في مصر : الدولة والشعب .gamal@almesryoon.com
عندما يجمع الصحفيون علي أن الحكم الصادر بحبس الزملاء الأربعة، رؤساء التحرير، بأنه عدوان علي حرية الصحافة، ويهدد هذه الحرية ويضربها في مقتل.. وعندما يطالب المجلس القومي لحقوق الإنسان بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر، وتنقية التشريعات التي تخالف ذلك.. وعندما تجمع هيئات المجتمع المدني والأحزاب السياسية علي الرأي نفسه، ثم عندما تصدر المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير البيانات الاحتجاجية، وتري أن هذا الحكم ربما يكون مقدمة لعدوان واسع علي حرية الصحافة في مصر.
عندما يتحدث الجميع في الداخل والخارج عن ذلك، ثم يقول صفوت الشريف، رئيس مجلس الشوري، ورئيس المجلس الأعلي للصحافة، إنه لا علاقة للحكم بحرية الصحافة.. فماذا يعني ذلك؟
يعني أن رئيس مجلس الشوري يريد قطع الحوار بين الدولة وبين الصحفيين، أو أنه يتحدث باسم الدولة في هذا الشأن، فإذا كان رأي الدولة أن الحكم ليست له علاقة بحرية الصحافة، ولا يشكل عدوانا عليها، إذن فعلي أي شئ سيدور الحوار؟
الحوار يبدأ عندما يسلم رئيس مجلس الشوري، وتسلم الدولة معه، بأن هذا الحكم يهدد حرية الصحافة.. فالحوار ـ إذا بدأ ـ لا يمكن أن يبدأ من النقطة التي كان عليها الوضع قبل صدور الوعد الرئاسي بإلغاء الحبس في قضايا النشر منذ حوالي عامين، وقد جاء إعلان هذا الوعد الرئاسي علي لسان صفوت الشريف نفسه، وأمام جموع الصحفيين في جمعيتهم العمومية، وشكرنا جميعا الرئيس مبارك علي وعده.. فكيف يقول الآن رئيس مجلس الشوري إن حبس الصحفيين ليس له علاقة بحرية الصحافة.
بداية غير موفقة من صفوت الشريف، وتصرف يضعه في صف أعداء حرية الصحافة، مع أنه الحريص دائما علي الظهور في صف المؤيدين لها والمدافعين عنها.
إن رؤية الجماعة الصحفية تنطلق من ضرورة تنفيذ الوعد الرئاسي بإلغاء الحبس.. وفي الوقت نفسه اتخاذ الإجراءات التي تمنع وقوع التجاوزات، وإذا وقعت تتم المحاسبة عليها، وهناك الكثير من الاقتراحات والأفكار والحلول الكفيلة بضبط الإيقاع الصحفي.
إن بديل قطع الحوار هو دفع الطرف الآخر، الذي هو الصحفيون، إلي التصعيد، وإلي اتخاذ ما يراه من خطوات مشروعة، من أجل الدفاع عن حرية الصحافة، التي هي حق للصحفي ولكل مواطن، بما فيها فضح رموز الحزب الوطني وكشفهم وتعريتهم.. لأن الهدف سيكون حماية فساد هذه الرموز، وتمرير سياسات وسيناريوهات بالقوة والبلطجة، وفي غياب لحرية الصحافة.. لكنني علي يقين بأن حرية الصحافة سوف تنتصر في النهاية.
* استغاثة: خرجت من منزلي في المعادي في التاسعة صباحا.. ووصلت إلي مدخل مدينة ٦ أكتوبر في الواحدة ظهرا.. أي خلال ٤ ساعات كاملة، ثم تم حجزي مع الآلاف علي مداخل المدينة التي تم إغلاقها جميعا.. بسبب زيارة الرئيس مبارك للمدينة.. هل هذا يرضي ربنا؟
أيوه يرضي ربنا.. ولا عايزني أتحبس؟!
مجدى مهنا
التشنج السياسي في مصر
جمال سلطان : بتاريخ 24 - 9 - 2007
أصدر مجلس رؤساء محاكم الاستئناف بيانا يطالب فيه المواطنين بالتوقف عن التعليق على الأحكام القضائية ، خاصة بعد الجدل الأخير المثير المتعلق بالحكم بسجن أربعة من رؤساء تحرير الصحف بتهمة إهانة الحزب الوطني الحاكم ورموزه ، وأنا لا أعرف لماذا هذا المجلس رغم أن أنه ليس طرفا في القضية ، ولماذا لم يصدر البيان المجلس الأعلى للقضاء مثلا ، لكن على كل حال أعتقد أن المجلس سيكون محتاجا إلى بيان جديد بعد تداعيات الحكم الجديد بحبس رئيس تحرير الوفد الزميل أنور الهواري واثنين من الزملاء في الصحيفة الحزبية الأبرز ، وبذلك يزداد عدد رؤساء تحرير الصحف الذين صدرت أحكام بسجنهم في عهد الرئيس مبارك إلى خمسة خلال شهر واحد ، وهذه بالتأكيد دفعة أولى ، لأن الحيثيات المعلنة في الحالات السابقة يمكن بسهولة شديدة تعديتها إلى مئات الحالات الأخرى ، وفي تصوري أن هذا البيان أو غيره لن يوقف قلق الناس وغضب أصحاب القلم من تلك الهجمة العاتية على حرية الصحافة وعلى حملة الأقلام ، مهما تدثرت بالقضاء وأحكامه أو بالقوانين ، لأنه من المستحيل أن تقنع أحدا أو مؤسسة محليا أو دوليا ، بأن هذه الحملة هي مجرد أحكام قضائية عادية ، مثل اثنين تشاجرا على طابور عيش ، وأعتقد أنه من المهم جدا أن يكون لمجلس القضاء الأعلى دور أكثر عملية وإيجابية في احتواء هذا المشهد الكئيب ، تحديدا لا أعرف الآليات التي يمكن بها ذلك ، ولكني واثق من أن للمجلس آلياته التي يمكن أن يوقف بها العبث بالقانون وبالقضاء أيا كان مصدره فضلا عن أهمية هذا الموقف لتنزيه مجلس القضاء الأعلى نفسه من أي شبهة ، كما أن المجلس يستطيع أن يمنع منصات القضاء من أن تتحول إلى منابر للدعوة إلى الحزب الحاكم أو إنشاد قصائد التمجيد فيه وفي قياداته ورموزه ، المشهد الذي تعيشه مصر الآن ليس مشكلة قضائية ، بأي شكل من الأشكال ، ومن يحاول أن يضعها في هذا الإطار فهو يضلل الرأي العام ، والعدوان على القضاء والقضاة يتم بشكل منهجي من مؤسسات الدولة الأخرى ذاتها على مدار عدة سنوات ، والعالم كله يتفرج على حلقات وفصول هذا العدوان بدءا من سحل القضاة الشرفاء في الشوارع إلى محاصرتهم بمن فيهم شيوخ محكمة النقض بالمدرعات والأمن المركزي في الشوارع وفي دار القضاء العالي إلى محاكمتهم تأديبيا تمهيدا لفصلهم بعد عجز الحزب الحاكم عن ترويضهم وتحويلهم إلى غطاء للفساد والتزوير ، وأعتقد أن المجلس الأعلى للقضاء نفسه كان طرفا في بعض هذه الخصومات ، والمساجلات العلنية بين قيادات القضاة في ناديهم المعبر عن إرادتهم وبين المجلس الأعلى أشهر من أن نعيد التذكير بها ، كما أن ما يسمى بمجلس رؤساء محاكم الاستئناف قد خاض في هذا الصراع السياسي أبان الأزمة الشهيرة بين نادي القضاة والحزب الحاكم وانتصر لموقف الحزب الحاكم ، فالأمر المؤكد لدى الكافة أن الذي أهان القضاء هو الحزب الحاكم نفسه وليس الصحفيين ، والذي حاول أن يسيس القضاء والقضاة هو الحزب الحاكم وليس الصحفيين ، والذي أساء إلى هيبة القضاء والقضاة وحاول الإقلال من جلال قدرهم في نفوس الناس هو الحزب الوطني الحاكم وليس الصحفيين ، وبالتالي فإن الخروج من هذه الأزمة لن يتم ـ ولا يمكن أن يتم ـ عن طريق إجراءات أو محاكمات أو ردع سلطوي أو قانوني أو غيره ، حتى لو سجنوا آلاف الصحفيين ، بل ربما كانت هذه الإجراءات مما يفاقم الأمور أكثر ويقرب البلاد ومؤسساتها رويدا إلى حال الفوضى والانفلات ، وهذا ما لا يتمناه أحد لهذا الوطن ، مصر تعيش الآن حالة من التشنج السياسي غير مسبوقة في عصر مبارك ، سواء على صعيد الأفراد أو المؤسسات ، ومن الواضح أن رموزا نافذة في الحزب والسلطة تعيش أجواء من التوتر الشديد والقلق ، رغم أن شيئا معلنا لا يفسر هذا كله ولا يبرره ، ولكن ربما يكون في غير المعلن عنه تفسير لكل هذا التشنج .
بطبيعة الحال خيمت أخبار مذبحة الصحافة وأحداث الإسكندرية الطائفية الأخيرة وإضراب عمال غزل المحلة الجديد على صحف القاهرة الصادرة الاثنين ...ونفتتح جولتنا الصحفية من عدد الاثنين لجريدة الدستور اليومية التي صدرت عددها بأخبار إضراب 24 ألف عامل في غزل المحلة وهو الإضراب الضخم الثاني والذي علته هتافات العمال " عاوزين حكومة حرة ..العيشة بقت مرة" ..العمال يطالبون بحقهم في الأرباح والتي بلغت 150 يوما وربط الحوافز بالأجر الأساسي وزيادة بدل الغذاء بما يتوافق مع الغلاء الفاحش للأسعار وأكد العمال أن الشركة حققت أكثر من "210" ملايين جنيها أرباحا ...الموضوع الآخر الذي شارك إضراب عمال غزل المحلة صدارة عدد الاثنين من الدستور اليومية هو تغطية أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة بالإسكندرية والتي نشبت بحسب ما أجمعت صحف مصر عندما شاهد عدد من الشباب المسلمين شابا مسيحيا يصحب فتاة مسلمة ويدخل بها إحدة العمارات الغريب أن الدستور نقلت ما حدث ملتزمة بالواية القبطية التي رواها أقباط المنطقة الذين زعموا أن المسلمين كانوا يهرولون ويقولون الحق المسيحيين بيضربوا المسلمين فيتجمع شباب المنطقة المسلمون الأشد غرابة في الأمر أن الأقباط في سيدي بشر بالإسكندرية حيث وقعت الأحداث الأخيرة ..أصبحوا يروجون لمزاعم بحسب ما أوردت الدستور بأن الشيوخ السلفيين هم الذين أشعلوا الأحداث زاعمين أن هؤلاء المشايخ يحاجمون المسيحيين في خطبهم وفي شرائط الكاسيت ويبقى أن نشير للدستور في عنوان الخبر قالت أن الموضوع مجرد خناقة كبرت بسبب معاكسة البنات ...وقبل أن نغادر الدستور نقرأ منها لفهمي هويدي الذي كتب منتقدا المعالجة التي قامت بها الصحف القومية لأحداث الإسكندرية الأخيرة ..وهي معالجة بحسب هويدي تفتقد للمهنية وتتجاهل تماما البعد الطائفي في الموضوع ...نقرأ: (كان واضحا من طريقة النشر أن الصحف القومية الثلاث توافقت على تجاهل البعد الطائفي في الموضوع والتكتم عليه وسواء كان ذلك بناء على تعليمات أو نصائح من وزارة الإعلام أو أنه مجرد اجتهاد من جانب المسئولين عن الصحف الثلاث ، فالشاهد أن معالجة الموضوع فى تلك الصحف كانت سياسية ولم تكن مهنية ،إن شئت فقل أن تلك المعالجة المبتسرة أسقطت من حسابها حق القارئ فى المعرفة ، الأمر الذي يسلط الضوء على وجه مسكوت عليه فى الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي الذي نطلق علمه القومي،وهو أن الاعتبارات السياسية تطغي على المتطلبات المهنية دائما فى ذلك الخطاب ، وهو ما يفقد الثقة فيما تبثه تلك المنابر من أخبار، وهو أيضا ما يوفر مناخا مواتيا لرواج الشائعات ، التي تحولت إلى عنوان كبير على جدران مصر طيلة الأسابيع الأخيرة الملاحظة جديرة بالتسجيل فى ذاتها، لأننا لو صدقنا ما ذكرته الصحف القومية واعتبرنا ما جرى فى الإسكندرية مجرد شغب ، لما اكترث احد منابالموضوع ، ولا اعتبرناه من قبيل الحوادث التي تتكرر كل يوم بين المواطنين - خصوصا فى أيام الصيام - ولكن الحقيقة حين ذكرت فإنها نبهتنا إلى خطورة الاحتقان الطائفي الحاصل فى الإسكندرية ، الذي سمح لحادث صغير بأن يشعل حريقا كبيرا فى حي شعبي كالعصافرة ، ويؤدى إلى سقوط جرحى وتحطيم واجهات لبعض المحلات وإتلاف بعض السيارات ، وهو ما يعنى أن نشر الخبر فى الصحف القومية كان بمثابة قرص مخدر غيب الحقيقة ، فى حين أن الصحف الأخرى أعطته حجمه الطبيعي باعتباره قرصا منبها وجرس إنذار،يحذر من مدى التوتر الحاصل فى الإسكندرية بين المسلمين والأقباط ، الذي له جذور وسوابقه ، كما انه يلفت النظر إلى أن المسكنات التي تم تناولها فى الحالات السابقة المماثلة ، لم تزل المرارات ، ولكنها أدت إلى تخزينها، من ثم فإن خطورة ما حدث تكمن فى أنه جاء كاشفا عن أننا ينبغي أن نبذل جهدا مكثفاومخلصا لتفريغ شحنة الحساسية والغضب لدى الطرفين ، بما يؤدى إلى تصفية النفوس وتأسيس قواعد قوية للعيش المشترك.فى الوقت ذاته ، فإن الملاحظة جديرة بالتسجيل ، نظرا للسياق الذي وقعت فيه أحداث الإسكندرية ، ذلك أن قيادات الصحف القومية ما برحت تعطينا دروسا خلال الأسابيع الأخيرة فى مسئولية الكلمة ، وأخلاقيات المهنة وميثاق الشرف الصحفي ، وفى هذا الاختبار المتواضع نجد أنهم سقطوا جميعا فى كل هذه المواد، فلا هم عالجوا الحدث بمسئولية ، ولا التزموا بأخلاقيات المهنة أو ميثاق الشرف الصحفي.)وننتقل لجريدة الكرامة الأسبوعية التي لم يكتب رئيس تحريرها حمدين صباحي مقاله الأسبوعي وإنما تركه مساحة سوداء احتجاجا على المشنقة المنصوبة حاليا لحرية الصحافة ...والحقيقية أن أبرز ما جاء في عدد هذا الأسبوع من الكرامة ملفان أحدهما حول اللائحة الطلابية الجديدة الذي فصلتها لجنة سياسات الحزب الوطني لطرد طلاب الإخوان من النشاط الطلابي وموضوع آخر أكثر أهمية كتبه عماد الصابر يتهم فيه مجموعة جمال مبارك بالوقوف وراء اغتصاب حرية الصحافة ...ونصح الصابر في مقاله قائلا :"فتش عن الوريث"...ومن مقال الصابر نقرأ: (المستفيد إذن ربما يكون هذه الطبقة الجديدة وهذه الطبقة هي القشرة الخارجيةالمحيطة بالمستفيد الأول من الساتر "الترابي" صعب الاختراق الذي تريد الحكومة وضعه، يبتعد أولو التطاول على الزعامات عن الموعود بوراثة العرش ، وألا خرجت الثعابين من هذا الساتر ـ يا ساتر ـ فلدغته عاما وربما 3 أعوام بحسب التوصيف السمي المبلغ تليفونيا .. أو المملى عن طريق وسيط !!، حيث باتت الزعامات .. بالحزب الحاكم محصنة بحكم قاض برج فى الإشادة بها وتحصينها، وهو جمع 0بصيغة المفرد، وفرد لستارة الحماية للفرد المراد تحصينه من ألسنة الأشرار من الصحفيين ، الذين طالما تساءلوا عن الصفةالتي يتحرك بها بين الجموع السياسية ، وحتى الطلابية وص موضوع لطلب إحالة تقدم به النائب الدكتور جمال زهران ، تساءل فيه عن الصفة التي حضر من خلالها ابن الرئيس، للقاء الطلابي بجامعة الإسكندرية بديلا عن والده متعه المولى بوافر الصحة ؟ فهؤلاء أقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما زار الفتى الموعود واشنطن نهاية العام الماضي، تحدثوا يومها عن صك الغفران و"الجرين كارد" الذي حصل عليه من هناك ، ومن بعدها بانت البشائر، وبالطبع لم يسكت أصحاب اللسان الطويل عن انتقاد عملية التوريث رفضها كلية ، واعتبار التعديلات الدستورية لأخيرة ، مجرد رسم للخطوط العريضة نحو قرار الوضع الجديد الممهد لجلوس الموعودعلى كرسي أبيه ، من خلال الحيلولة دون وصول غيره ولو كان الرئيس نظيف، الوزير الأول بحسب توصيف الشمال الأفريقي، الذي يتولى الأمر حال الغياب المؤقت للرئيس ويمنع من الاستمرار فيه حال الغياب النهائي لا قدر الله!! وهو ما بدا واضحا على كتابات الصحفيين الأشرار، الذين رأوا أن تصدرنظيف والوريث لأخبار الصحف ، فترة انتشار الشائعة إياها ، هو الذي دعم القول بوجود تنافس بينهما ، كما دعم أيضا القول بأن الشائعة لم تكن سوى نيران صديقة ، أرادت جس النبض الشعبي حال الغياب المفاجئ للرئيس لا قدر الله!وهنا يبرز هتاف "فتش عن الوريث" ونحن هنا لا نجزم بمسئوليته عن ترويج الشائعة ، لكنه كان المستفيد الأول من المردود القضائي والسياسي، بصرف النظر عن صلته بها ، بل إن هناك من ذهب إلى أن الشائعة لم تكن سوى فخ محكم تم صنعه باقتدار، لاصطياد الصحافة وتكميم الأفواه الثرثارة بحسبزعامات الحزب الحاكم ، فكانت كلمة السر هي تصريحات السيدة الأولى فى شرم الشيخ ، ومطالبتها بمحاسبة الذين وقفوا خلف الشائعة ، باعتبار الصحافة هي المتهم الأول ، برغم أن مدققا واحدا كان يستطيع أن يعلم أن هذه المتهمة ، كانت آخر من تصدى للحديث عما يجرى على شبكة المعلومات الدولية ، أولا .. ثم على بعض وكالات الأنباء، ثم كان عليها أن تنقل نبض الشارع المصري، هي المتهم وبه أكثر من 3 ملايين مصري شاب وكهل يدخل يوميا على هذهالشبكة ، ليستمع ويرى ويقرأ ، ويكفي هذا العدد لجعل الشائعة تصل ليس إلى القمر فحسب بل إلي المريخ لولا سوء المواصلات !!الفخ .. هو ما يحلو للبعض أن يسمى الأحداث التي تواكبت مع إطلاق الشائعة،وهؤلاء يستندون إلى أن إحالة رئيس تحرير الدستور إلى التحقيق ثم إلى المحاكمة الحكم عليه ضمن رؤساء التحرير الأربعة الذين تصور صانعو الفخ أنهم الأكثر صداعا ، واحتكاكا بالموعود الزعيم المنتظر،وعلى طريقة اضرب المربوط يخاف السايب ، تم التعامل معهم ، فمنهم من رفض بالتصريح أن يكون هو الخليفة فى الكرسي والوطن، ومنهم من كان يحمله المسئولية عن كثير من بلاوي الحزب الوطني وعلى رأسهم انهيار البورصة بداية العام الماضي، ومنهم أيضا من وصفه بقلة الخبرة ، خاصة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بعد سقوط مرشحيه، ونجاح المستقلين الذين ينتمون للحرس القديم.)محطتنا التالية في عرض اليوم لصحف القاهرة هي جريدة المصري اليوم المستقلة والتي تحدثت في عددها ليوم الاثنين حول الآثار السلبية لزيارة الرئيس مبارك لمدينة 6 أكتوبر لتسليم "20"شقة في أحد المشروعات الجديدة مساحة الشقة 63 مترا فقط ....زيارة مبارك أوقفت حال مليون إنسان في 6 أكتوبر بسبب إجراءات الأمن الاستثنائية حيث هبط الرئيس بطائرة مروحية ..كان من أكثر المتضررين القنوات الفضائية في مدينة الإنتاج الإعلامي في 6 أكتوبر حيث تم التشويش على إرسالها كما تم منع الميذعيين والمخرجين والمعدين من دخول المدينة ..واضطرت قناة الساعة الفضائية لإلغاء برنامجها الصباحي "صباح الكل" ...وطالعتنا المصري اليوم أيضا بخبر حول تضارب موعد حفلي الإفطار الذين تقيمهما الطائفتان الأرثوذكسية والكاثوليكية وتدعوان فيهما كبار المسئولين ..ففي هذا العام جاء موعدا الإفطارين في نفس التوقيت وهو ما سبب حرجا بالغا للمسئولين المدعوين ...ونختم جولتنا من المصري اليوم بخبر حول كلمة المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية في حفل الإفطار الذي أقامه النادي ...وجه الخضيري رسالة لمبارك خلال كلمته قال فيها موجها كلامه لمبارك أن حول الرئيس بطانة سوء تتوضأ بدم القضاة لتصلي ركعتين تقربا إليه ...
ابن تيمية والتكفير
د. محمد عمارة : بتاريخ 24 - 9 - 2007
"الناس أعداء لما يجهلون".. دائما أتذكر هذه الحكمة كلما قرأت لأحد من الجاهلين بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية "661-728هـ 1263-1328" اتهامه لهذا الإمام المجدد بأنه المسئول عن شيوع نزعة "التكفير" في فكرنا الإسلامي الحديث والمعاصر ولو أن أحدا من هؤلاء الذين يتهمون ابن تيمية بهذه التهمة الظالمة قرأ تراث هذا الإمام المجدد لما اتهمه بهذه التهمة ..بل لو أن أحدا من الذين يسارعون إلى تكفير من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قرأ وفقه ما كتبه ابن تيمية في هذا المقام لما شاعت آفة التكفير وفتنته على النحو الذي نشكو منه هذه الأيام ...لقد كتب ابن تيمية في رفض المسارعة إلى التكفير كلاما نفيسا عرض فيه لمذهبه ولمذهب أئمة أهل السنة والجماعة قال فيه :" والذي نختاره ألا نكفر أحدا من أهل القبلة والدليل عليه أن نقول :إن المسائل التي اختلف أهل القبلة فيها مثل : أن الله تعالى هل هو عالم بالعلم أو بالذات ؟ وأنه تعالى هل هو موجد لأفعال العباد أم لا ؟ وأنه هو متحيز ؟ وهل هو في مكان وجهة؟ وهل هو مرئي أم لا ؟ لا تخلو "هذه المسائل" إما أن تتوقف صحة الدين على معرفة الحق فيها أو لا تتوقف والأول باطل إذا لو كانت معرفة هذه الأصول من الدين لكان الواجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بهذه المسائل ويبحث عن كيفية اعتقادهم فيها فلما لم يطالبهم بهذه المسائل بل ما جرى حديث عن هذه المسائل في زمانه عليه السلام ولا في زمان الصحابة والتابعين رضي الله عنهم علمنا أنه لا يتوقف صحة الإسلام على معرفة هذه الأصول وإذا كان كذلك لم يكن الخطأ في هذه المسائل قادحا في حقيقة الإسلام وذلك يقتضي الامتناع عن تكفير أهل القبلة .."وبعد أن أثبت ابن تيمية بالمنطق العقلي أن المسائل التي اختلف فيها المسلمون لا تمس حقيقة الإسلام ...ومن ثم فلا تكفير لفرقاء الخلاف فيها ..تحدث عن أن الكفر حكم شرعي تتلقى عن صاحب الشريعة ...والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرا في الشرع كما أنه ليس كل ما كان صوابا في العقل تجب في الشرع معرفته ...وإنما الكفر يكون بتكذيب الرسول فيما أخبر به أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه.."هكذا قطع ابن تيمية بأن التكفير حكم شرعي لابد فيه من نص ..ولا يصح أن يكون ثمرة للاجتهادات ..ثم أضاف ما يقطع بأن هذا هو مذهب أئمة أهل السنة والجماعة ...فقال :" وقد نقل عن الشافعي "150-204هـ 767-820مـ" رضي الله تعالى عنه أنه قال : لا أرد شهادة أهل الأهواء إلا "الخطابية" "من غلاة الشيعة" فإنهم يعتقدون حل الكذب أما أبو حنيفة "80-150هـ 699 – 767" رضي الله تعالى عنه فقد روى عنه أنه لم يكفر أحدا من أهل القبلة ".هكذا أعلن ابن تيمية في كتابه "بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول" رفضه تكفير أحد من الذين يشهدون أن لا إله إلا اله وأن محمدا رسول الله ..لأن مسائل الخلاف التي اختلف فيها المسلمون لا يتوقف عليها الإيمان بأصول الاعتقاد وأركان الإسلام التي جاءت بها النصوص قطعية الدلالة والثبوت ولأن الكفر حكم شرعي لابد فيه من نص محكم أو قياس على النص المحكم ولا يجوز أن يكون كلا مباحا من الاجتهادات العقلية فضلا عن الأهواء ...كما أعلن هذا الإمام المجدد أن هذا الموقف الذي اختاره هو موقف أئمة أهل السنة والجماعة عليهم رضوان الله ..
عـلي أبـــــواب القـارعـــــةبقلم: فهمـي هـويـــدي
الكلام الذي يتردد هذه الأيام حول توجيه ضربة عسكرية لإيران جاد وليس هزلا, وهو إذا ما بلغ مبلغه وتحول إلي فعل فإنها ستكون القارعة.(1) لم يعد السؤال هل ستقوم الحرب أم لا؟ لكنه أصبح منصبا علي الأسئلة متي وكيف ومن؟ آية ذلك أن صحيفة واشنطن بوست نشرت في9/16 الحالي مقالا عن الحرب المقبلة ضد إيران, كتبه القائد السابق لقوات الناتو الجنرال ويسلي كلارك, عرض فيه مقترحاته بخصوص ضمانات تحقيق المعركة لأهدافها, مقدرا أنها ستبدأ بقصف مختلف المواقع الإيرانية يستمر ثلاثة أسابيع, وقد تزامن نشر المقال مع التصريحات التي أطلقها وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير وقال فيها: إن إيران اذا لم توقف تخصيب اليورانيوم فيجب أن تستعد للاحتمال الأسوأ الذي لم يكن سوي الحرب.والحدثان تتابعا في أجواء تصعيد أمريكي وأوروبي محموم, تبني تشديد عقوبات مجلس الأمن علي إيران لإجبارها علي وقف مشروعها النووي, وتلويح في التصريحات الأمريكية بأن صبر الغرب أوشك علي النفاد, وهو الكلام الذي فاح من رائحته التلويح بالحرب, التي سارعت موسكو وبكين بالتحذير من الانزلاق نحوها.يثير الانتباه في هذا الصدد أن أخبارا تسربت من واشنطن وتل أبيب في أواخر العام الماضي, مشيرة إلي أن الضربة العسكرية لإيران ستوجه في خريف عام2007, فقد نقل موقع يديعوت أحرونوت الإلكتروني في2006/10/12 تصريحات للقائد السابق لسلاح الجو الأمريكي اللفتانت جنرال توماس ماكنري قال فيها: إن واشنطن قد تضطر للقيام بعمل عسكري لإيقاف البرنامج النووي في خريف عام2007, وقال: إن في إيران1500 هدف يتوجب القضاء عليها بتدميرها خلال ما بين24 و36 ساعة, وإن من شأن ذلك عرقلة البرنامج لمدة خمس سنوات.أيضا في11/7 من العام الماضي ذكرت صحيفة معاريف المسائية أن الحكومة الإسرائيلية تلقت تقارير من واشنطن تفيد بأن الإدارة الأمريكية قررت توجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني في أواخر عام2007. وأضافت أن هذه العملية ستتم ضمن خطة أمريكية شاملة للخروج من العراق, وأن الولايات المتحدة تتجه لسحب قواتها عشية توجيه الضربة لتقليص عدد الأهداف الأمريكية التي يمكن لإيران ضربها ردا علي مهاجمة منشآتها النووية.(2) الاهتمام أشد بهذه الضربة في إسرائيل, فقد ذكرت صحيفة هاآرتس في2006/8/27 أن رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي( آنذاك) دان حالوتس أصدر قرارا بتعيين الجنرال إليعازر شكيدي قائد سلاح الجو ليكون مديرا لهيئة أركان القوات الإسرائيلية في مواجهة إيران, وتم تكليفه بالإشراف علي عملية التنسيق بين الجيش وأجهزة المخابرات في الحرب المحتملة, وتعيين الجنرال شكيدي في هذا الموقع دال علي أن المعركة ضد إيران ستكون جوية بالدرجة الأولي.بالتوازي مع ذلك ذكرت قناة التلفزة العاشرة الإسرائيلية أن أولمرت عقد اجتماعات حول الموضوع مع ثلاثة من رؤساء الوزارات السابقين هم: بنيامين نيتانياهو وإيهود باراك, وشمعون بيريز( الذي أصبح لاحقا رئيسا للجمهورية), ونقلت عن المصادر الإسرائيلية أن بيريز عقد أيضا اجتماعا سريا مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني للتشاور حول سبل التنسيق بين تل أبيب وواشنطن في التعامل مع المشروع النووي الإيراني.وفي شهر نوفمبر من العام الماضي حفلت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالحديث عن نتائج الزيارة التي قام بها لواشنطن رئيس الوزراء إيهود أولمرت, التي اجتمع خلالها مع الرئيس بوش, وحسبما أفادت القناة الأولي في التليفزيون الإسرائيلي( في2006/11/14) فإن أولمرت بحث مع بوش بدائل إجهاض المشروع النووي الإيراني, التي كان من بينها أن تقوم إسرائيل بالمهمة إذا ترددت واشنطن في ذلك لأي سبب يتعلق بوضعها في العراق وفي المنطقة.في اليوم التالي مباشرة(11/15) نقلت الصحف الإسرائيلية عن السفير الإسرائيلي في واشنطن( آنذاك) داني أيالون, الذي يحضر اجتماعات المسئولين الإسرائيليين مع نظرائهم الأمريكيين قوله: إن الرئيس بوش لن يتردد في استخدام القوة ضد إيران لوقف برنامجها النووي, إذا ما فشلت الوسائل الأخري.(3) في الدراسة التي أثارت ضجة كبري في الولايات المتحدة في العام الماضي, لأنها سلطت الضوء علي تأثير اللوبي الإسرائيلي علي السياسة الخارجية الأمريكية تحدث عالما السياسة ستيفن والت من جامعة هارفارد, وجون شيمرمن عن موقف اللوبي من إيران, وذكرا أن إسرائيل هي من وضعت إيران في بؤرة التركيز الأمريكي, واستشهدا في ذلك بتصريح أدلي به بنيامين إليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي قبل شهر من غزو العراق قال فيه: إن العراق مشكلة حقا, ولكن يجب أن يتفهم الجميع أن إيران هي أشد خطرا من الجميع.قالا أيضا: إن طموح إيران النووي لا يشكل تهديدا حقيقيا للولايات المتحدة, وإن واشنطن إذا كانت قد استطاعت أن تتعايش مع اتحاد سوفيتي نووي وصين نووية( وهند وباكستان), وحتي كوريا الشمالية, فهي تستطيع أن تتعايش مع إيران نووية, لكن الأمر يختلف بالنسبة لإسرائيل, التي تعتبر أن إيران النووية بمثابة تهديد وجودي لها, ولولا الدور التحريضي الذي يقوم به اللوبي الصهيوني في واشنطن لاختلف الموقف الأمريكي منها.أعاد الباحثان الكبيران إلي الأذهان وقائع الضغط العلني علي الإدارة الأمريكية, الذي مارسه شارون في شهر نوفمبر عام2002, ودعا فيه واشنطن إلي ضرورة التصدي لإيران, التي وصفها في حوار نشرته صحيفة التايمز اللندنية بأنها مركز الإرهاب العالمي, وقال صراحة: إن علي إدارة بوش أن تضع يدا من حديد علي إيران في اليوم التالي لاحتلالها العراق, وفي أواخر أبريل2003 ذكرت هاآرتس أن السفير الإسرائيلي في واشنطن بات ينادي بتغيير نظام الحكم في طهران, وأن الإطاحة بصدام حسين ليست كافية, وإنما يتعين علي القوات الأمريكية أن تمارس دورها التحريري بحيث تتحرك لصد الخطر الإيراني.وأضاف الباحثان أن المحافظين الجدد لم يضيعوا وقتا لإعداد الوقائع والحجج المؤيدة لفكرة تغيير نظام الحكم في إيران. ففي6 مايو من العام ذاته(2003) شارك المعهد الأمريكي ـ الإسرائيلي في دعم مؤتمر ليوم طويل حول إيران مع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية المساندة لإسرائيل, وبطبيعة الحال فإن أغلب المتحدثين دعوا إلي ضرورة العمل علي إسقاط نظام طهران, وفي الاتجاه نفسه ظهر سيل من التعليقات الصحفية التي تبنت الموقف نفسه, كان من بينها ما كتبه وليم كريستول في صحيفة ويكلي ستاندرد في5/12 قال فيه: إن تحرير العراق هو المعركة الأولي في تحديد مستقبل الشرق الأوسط, لكن المعركة الأكبر والأهم هي مع إيران.قال الباحثان أيضا: إن إدارة بوش بضغط من اللوبي الإسرائيلي ظلت تعمل ليل نهار لإغلاق الملف النووي الإيراني, ولأنها لم تنجح في ذلك فإن اللوبي واصل ضغوطه محذرا من خطورة إيران النووية, ومن استرضاء نظام إرهابي في طهران, وملمحا إلي أن سكوت الإدارة الأمريكية قد يضطر إسرائيل لاتخاذ إجراءات وقائية لصد الخطر الإيراني.(4) الكلام كثير حول الخطط الأمريكية لضرب إيران التي كشف جوانب منها سيمون هيرش في تقريره الذي نشرته مجلة نيويوركر في شهر أبريل من العام الماضي, لكن المعلومات شحيحة والأسئلة كثيرة فيما يخص الشق الآخر المهم المتمثل في الرد الإيراني, مع ذلك فثمة إجماع بين الباحثين والمحللين علي أن إيران ليست العراق, وأنها تملك قوة عسكرية تمكنها من الرد, سواء علي الطرف المحرض( إسرائيل) أو الفاعل( الولايات المتحدة) أيا كان دور كل منهما في العملية, وهي لن توقع الهزيمة بأي منهما, لكنها قادرة علي أن توجه إليهما ضربات موجعة.يوفر لنا تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن عن ميزان القوي لعام2006, بعضا من المعلومات عن قدرات إيران العسكرية, فيتحدث عن أنها تنتج ما يقرب من ألفي نوع من الأسلحة الدفاعية, من الذخيرة إلي الطائرات, ومن القوارب المجهزة بالصواريخ إلي الأقمار الصناعية, وهي تصدر معدات عسكرية إلي أكثر من ثلاثين دولة بينها سبع دول أوروبية.ذكر التقرير أيضا أنه في عصر الشاه قامت ثلاث شركات أمريكية ببناء صناعات تجميعية في إيران تشمل المروحيات, والطائرات, والصواريخ الموجهة لاسلكيا, والدبابات, والمكونات الإلكترونية, وقد جري توسيع هذه القاعدة الصناعية خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية, بحيث أصبحت إيران تملك الآن ترسانة من القذائف والصواريخ يتراوح مداها بين45 و2000كم. كما أن لديها19 مركزا تعمل في الأنشطة الجوية الفضائية, وتستخدم أكثر من مائة ألف مهندس. وضرب التقرير مثلا بمجمع في محافظة لورستان قادر علي إنتاج ثمانين ألف إطار للطائرات من مختلف النماذج, الأمر الذي يجعل إيران الدولة الأولي في الشرق الأوسط والسابعة في العالم التي تمتلك هذه التكنولوجيا.أما البنية التحتية الصناعية الخاصة بالمروحيات فهي تدعم أسطول الطائرات المروحية الذي يعتبر الثالث في العالم, وتنتج مؤسسة القدس لصناعة الطيران مجموعة كبيرة من الطائرات دون طيار لأغراض الاستكشاف والقتال, كذلك قامت إيران بتطوير ترسانة الصواريخ الموجهة للسفن, ولبناء الغواصات والزوارق السريعة المجهزة بالصواريخ التي تتميز بسهولة المناورة.إذا حلت لحظة الجنون ووجهت الضربة العسكرية فإن ذلك سوف يستدعي عدة أسئلة من قبيل: ما هي الأهداف التي ستوجه إليها إيران ردها؟ وهل ستكون إسرائيل من بينها؟ وما موقف الـ160 ألف جندي أمريكي الموجودين في العراق؟ وإلي أي حد ستتأثر دول الخليج عمرانيا وبيئيا بالحريق الكبير؟ وما هو موقف ملايين الشيعة خارج إيران في هذه الحالة؟ وماذا سيكون صدي الضربة في العالمين العربي والإسلامي؟ذكرت مجلة نيوزويك في عددها الأخير(9/25) أن صمت الدول العربية علي الغارة الإسرائيلية التي ضربت سوريا قبل أسبوعين استقبل بحفاوة ملحوظة في واشنطن وتل أبيب, لأنهم اعتبروه مؤشرا علي أن قصف إيران لن يحرك شيئا في العالم العربي, وهو استنتاج مغلوط, ليس فقط لأن صمت الحكومات لا يعني بالضرورة استكانة الشعوب وتخاذلها, لكن أيضا لان رسالة الضربة العسكرية المفترضة مختلفة. إذ إن تدمير القدرة العسكرية لإيران يراد به أن تظل إسرائيل صاحبة اليد الطولي في المنطقة, القادرة علي تركيع الجميع وإذلالهم, ونحن منهم, وهي رسالة ينبغي ألا نخطئ في قراءتها, لأننا معنيون ولسنا متفرجين, ومن يقول بغير ذلك يخدع نفسه ويخدعنا.
صحوة روسيا(7)خطوات إلي عالم جديدبقلم :د.أنور عبد الملك
صاحبي يواصل التساؤل ساهما: لماذا التركيز علي روسيا الآن؟ وهل نسينا أن التحدي التاريخي لمكانة دولة الهيمنة الأحادية هو الذي يأتيها من الصين؟ وانت تعلم ان الهوة شاسعة بين طاقات وإمكانات كل من الصين وروسيا, خاصة أن روسيا لم تبدأ صحوتها علي أيدي الرئيس بوتين إلا منذ ثماني سنوات بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وما تلاه من سلب ونهب ثرواتها ونشر الفساد عمدا في أركان المجتمع؟..مرة أخري, صاحبي يصيب الهدف دون مواربة, حاولت ان أشرح قدر ما أعلم, نعم: الهوة ساحقة بين الدولتين الصينية والروسية من جميع النواحي اللهم إلا في مجال الطاقة. نعم, روسيا مازالت جريحة, تستعيد أنفاسها وتخطو بإصرار علي عدة محاور, تفرض علي الأنداد والأصدقاء مزيجا من الرهبة والدهشة المتفائلة. نعم, الطريق طويل, خاصة ان انخفاض معدلات السكان يستمر, يهدد قدرات الدولة علي استعمال طاقاتها.من أين إذن شعور الأنداد والأصدقاء علي السواء بأن صحوة روسيا لها صدي خاص, إذ تبعث من جديد الأحلام والأشباح؟ ولعل الإجابة تبدأ من شعور رجل الشارع. صاحبي يقاطعني: طيب يا أخي, أنا رجل شارع أقول لك: عندما تفكك الاتحاد السوفيتي, انتهي نظام الثنائية كما تقولون, ولكن الذي انتهي في نظري هو وجود القوة الوحيدة التي كانت تواجه الغرب, ثم أصبحنا أيتاما إذ انطلقت هجمات الهيمنة باسم العولمة كما تعلم, لماذا إذن تندهش؟ ان عودة روسيا الي الساحة العالمية بعد طول تغيب تعيد الأمل بأنه ربما سوف يعود النظام العالمي الي شيء من الاعتدال, أم ماذا؟صاحبي يلف ويدور, لان الموضوع أكثر تعقيدا مما يبدو لأول وهلة, لاشك أن صعود الصين السلمي الجبار هو الذي يمثل أهم ظاهرة علي الساحة العالمية منذ ربع قرن, وقد أجمع الناس علي أنه أهم عوامل الجديد في صياغة العالم الجديد, ولكن الصين تحرص علي أن تحمي قاعدة انطلاقها الجبار من مختلف التهديدات, ومن هنا نراها تطالب وتتمسك وتؤكد تميزها عن سياسيات دولة الهيمنة في جميع المجالات, مع الحرص علي تأكيد أنه لامجال للتحدي, دعنا من المواجهة.وفي مقابل ذلك, تضطر روسيا لأن تحفر من جديد معالم تمايزها, وهو التمايز الذي يدخلها في منافسة تقرب من الصراع مع الولايات المتحدة في قلب دائرة الغرب المتقدم, وهذا بالضبط ما نشهده في استعمال احتياطي الغاز والبترول الهائل لديها من ناحية, وكذا امكانات قطاع الصناعات الحربية علي المستويين التقليدي والتكنولوجي بالغ التقدم, جنبا الي جنب مع اجهاض سياسات الغرب في مجلس الأمن, وذلك خاصة برفضها تجديد العقوبات علي ايران وكذا فصل كوسوفا عن دولة الصرب الأم.مجرد أمثلة في قطاعات مختلفة تشير إلي ان عودة روسيا تتخذ شكل احراج الولايات المتحدة الي حد التحدي, مادام ان هذه العودة هي في الواقع إعادة احتلال ساحات من الوجود والتأثير تم اقتحامها بالتحييد أو التدمير بعد1991. ومن هنا جاء شعور رجل الشارع, وكذا خبراء الغرب وبعض زملائهم في القارات الثلاث ـ والشرق خاصة ـ بأن صحوة روسيا قد تفتح ثغرة يمكن للقوي الجديدة ان تتدفق من خلالها, عسي ان تستطيع تغيير أوضاع التبعية ـ الثقيلة ـ المرفوضة في الكثير من الأحيان. صاحبي يقاطعني, وكأنه يشاركني الفكر:رجل الشارع يا أخي يرجوك ان تتبسط وان تتكرم وتشرح له لماذا تركيز الغرب علي روسيا هذه الأيام؟صاحبي, مرة أخري يقودني الي أرض الواقع. ـ1ـ مجلة ايكونومست تحاول الإجابة بشكل مركز:معدلات شعبية بوتين عالية للغاية, قليل من يلتفت الي المعارضة الليبرالية المحدودة, ذلك ان الكثير من الروسيين يشعرون بأنهم أحسن من ذي قبل, نظرا لاستمرار نمو الناتج القومي بنسبة7% منذ توليه, وان كان هناك كثيرون مازالوا في قلق, والحق ان الكثيرين يلتقون في ساحة إعادة تأكيد عظمة روسيا, وكذا في اعتقادهم العميق ان الغرب هو عدو روسيا الطبيعي.عندما تولي بوتين الرئاسة كان الناتج القومي هو العاشر في الترتيب العالمي بينما بلغت الاحتياطات8,5 بليون دولار. أما اليوم فقد تقدم الاقتصاد الروسي الي المرتبة الثامنة وبلغ الاحتياطي407,5 بليون دولار(2007/8/15)إن فاعلية هذه الدولة الجديدة, وكذا شعبيتها, يثير قلق دول الغرب الكبري, وكذا يقدم نمطا غير مألوف لجهاز الدولة الوطنية المستقلة لساحة الدول الوسطي الصاعدة.ـ2 ـ ثم هناك الموقف من إيران. الواضح أن الرئاسة الأمريكية تستعد لعملية حربية تستهدف أعماق إيران. ومن الواضح كذلك أن روسيا ومعها الصين وعدد من الدول الأعضاء غير الدائمة, تعارض في مجلس الأمن, تصر علي استمرار التفاوض. وقد بدأ الخبراء يدركون ماتجنيه روسيا من موقفها هذا في ايران. بل ويذهب بعضهم إلي أنه حتي لو وقعت هذه الحرب التدميرية فإن روسيا سوف يكون لها النصيب الأكبر في إعادة بناء آثار الدمار.ـ3 ـ الي أن يأتي ملف الاتجاه إلي الشرق, أي إلي آسيا في المقام الأول. تراكم الخطوات غير المعهودة يؤكد أن روسيا عازمة علي التأثير في العمق علي التوازنات الاستراتيجية في آسيا والمحيط الهادي في المستقبل القريب.هناك أولا قرار إعادة تحديث الأسطول الروسي للمحيط الهادي وكذا كوكبة القوات الروسية في هذه المنطقة. ثم يأتي موضوع تزويد دول آسيا بأنظمة التسلح المتقدمة, وقد بلغت مجموع هذه التعاقدات229,1 بليون دولار بين1998 و2005 أي37% من المبيعات الكلية, بينما بلغت مبيعات الولايات المتحدة نحو ربع المبيعات إلي آسيا.بيت القصيد لعله يكمن في الجمع بين اعادة بناء قوة دولة روسيا من ناحية واتجاهها إلي آسيا من ناحية آخري.قال صاحبي:رحلة الانتقال من التبعية والتهميش الي القوة والنهضة ممكن إذن. لابد أن لها محطات ؟ تري أية محطة نقصدها ؟
الغارة الإسرائيلية الأخيرة علي سوريابقلم : أمين هويدي
حدثت الغارة في أوائل سبتمبر2007 باختراق الطائرات الإسرائيلية للحدود السورية ولم يكن هذا العدوان الأول من نوعه فقد سبقته اختراقات أخري...غارة إسرائيل علي عين الصاحب في عمق سوريا في2003/10/15, والتحليق فوق القصر الجمهوري في اللاذقية في يونيو2006, ثم الغارة الأخيرة في أوائل سبتمبر2007. وأغلب ظني ان غارة سبتمبر هذه قد لاتكون الأخيرة إذا استمرت سوريا علي سياستها التقليدية في مواجهة العدوان.. التنديد بحدوثه من اللجوء الي مجلس الأمن ثم انتظار العدوان الجديد!! لغة لا تفهمها إسرائيل لأنها مجرد كلام ـ كلام وهي تخاطبنا بلغة قتال ـ قتال والكلام وحده لا يجدي والقتال وحده لا ينفع... وبذلك فسوريا والعرب واسرائيل متكلمون بلغات مختلفة يتعذر معها التفاهم المتبادل.. لا أقصد اننا نتكلم العربية وهم لا يفهمونها وأنهم يتكلمون العبرية ونحن لا نفهمها.. أقصد لغة الصراع التي هي كلا ـ كلام ـ قتال ـ قتال.. فالأمر كله يتلخص في القدرة علي امتصاص الضربة الأولي علاوة علي القدرة علي توجيه الضربة الثانية أي القدرة علي رد الفعل, أي القدرة علي العقاب التي إن توافرت وعرفها العدو لا يمكن أن يقوم بعدوانه لانه في هذه الحالة يعيد إجراء حساباته ويخرج بأن خسائره من عدوانه أكثر من مكاسبه, وهنا لايقدم علي عدوانه, ولذلك فإن استمر الصراع علي طريقة الحوار الحالية فإنه لن يتوقف لعدم وجود الفهم المتبادل, الصواريخ تفهم لغة بعضها لأنها عجزت ـ كما نلمس ـ عن تفهم لغة الكلام. إذا استمر الحوار علي هذا المنوال فسوف يكون تبادل الرسائل مجرد لغو لايصل إلي حسم, إلي متي يستمر ذلك؟ كيف يمكن مواجهة الردع الإسرائيلي؟ لا حيلة لنا إلا بتوافر الردع المضاد, فهنا يتفهم كل طرف موقف الآخر تماما, ولكن كيف يتحقق ذلك؟ الجواب ليس عندكم أو عندنا فهو عند أصحاب القرار هنا وهناك.قامت اسرائيل باختراقها الأخير بطائرات إف15.. قالت المصادر السرية انها واجهتها بصواريخ أرض ـ جو أجبرتها علي الفرار, ونفت اسرائيل المواجهة أصلا بينما ذكرت مصادر أخري أن المواجهة تمت فعلا ولكن كانت الصواريخ السورية عاجزة عن مواجهة الطائرات الإسرائيلية؟ أين هي الحقيقة؟ باختصار شديد لا أملكها.. ولكني أتساءل اذا تمكنت اسرائيل من اختراق الحدود السورية لماذا لا تقوم سوريا باختراق الحدود الاسرائيلية؟ولكن لماذا قامت اسرائيل بهذا الاختراق الأخير, وهنا اختلفت الآراء أيضا.. المصادر الإسرائيلية ذكرت انها كانت تستكشف ما يدور علي الجانب الآخر من التل, خاصة بعد إذاعة بعض الأخبار عن وصول بعض الأسلحة الحديثة إلي سوريا, وكذلك معرفة تطور الأبحاث السورية لبعض الصواريخ التي تصدرها إلي إيران وحزب الله, علاوة علي معرفة مدي تطور القدرة السورية للرد علي أي هجوم يقع عليها في المستقبل. أما المصادر الأمريكية فقد ساعدت كعادتها في العدوان منذ ذكرت ان الطائرات الإسرائيلية قامت بضرب بعض المنشآت السورية التي تعمل في مجال تطوير القدرة النووية التي تركز عليها سوريا بمساعدة كوريا الشمالية التي هربت بعض آلاتها التي تستخدمها إلي سوريا, والولايات المتحدة تعمل في هذا المجال بموجب التصريح الرئاسي الذي أصدره الرئيس رونالد ريجان من البيت الأبيض يوم1981/7/16 والخاص بمنع الانتشار النووي لدي دول اضافية كواجب رئيسي من واجبات السياسة الخارجية الأمريكية, مما يعني قبول احتكار إسرائيل للقدرة النووية الإقليمية مع منع انتشار ذلك إلي دول أخري, وليس مصادفة أن يصدر هذا التصريح الرئاسي من البيت الأبيض في1981/7/16 وقيام إسرائيل بضربالمفاعل الذري العراقي أوزيراك في1981/6/7 وتوجيه مناحم بيجن رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت رسالته الشهيرة إلي دول المنطقة والتي يقول فيها وبكل صراحة إنه سيضرب أي جهد نووي في المنطقة ويدمره.هذا التصريح الرئاسي الأمريكي يفسر الموقف الأمريكي من إيران حاليا حتي لايحدث( تزاحم نووي) مع وكيلها الإقليمي اسرائيل التي تقوم بتأمين مصالحها في المنطقة بالوكالة.الدروس كثيرة التي يمكن لمن يهمهم الأمر استخراجها من هذه الغارة, فخير لنا أن نتعلم من التجارب التي تمر بنا حتي نحقق السلامة ونتجنب الندامة. والسلام في المنطقة ـ أقصد السلام الحقيقي ـ له جناحان: توازن القوي وتوازن المصالح وتحقيق توازن القوي بين الأطراف المتصارعة يجبرها علي تجنب استخدام القوة في حل تناقضاتها عن طريق تحقيق الأغراض الغامضة باستخدام الارادات الناقصة, فالأمن المتبادل يدعم الاستقرار المنشود لان الأمن المطلق لأي الاطراف معناه عدم الأمن للأطراف الأخري وامتلاك القوة ليس عملا شريرا في كل نواحيه بل هو لازم لمواجهة الأعمال الشريرة والأهم في استخدام القوة هو إعمال الإرادة لاستخدامها ان لزم الأمر ذلك, فاختراق الحدود علي سبيل المثال بواسطة الطائرات أو الأفراد عمل شرير لابد ان يواجه باستخدام القوة دون تردد بعد إجراء الاستعدادات والدراسات, ففي حالتنا هذه يجب ان نسأل أنفسنا ليل نهار: لماذا نجح العدو في اختراق حدودنا؟ما هي السلبيات لنتلافاها وما هي الإيجابيات لنعززها؟ والعدوان يلزمه العقاب, فكيف نحقق ذلك لمواجهة الأشقياء؟ ولماذا لانخترق حدوده كما يخترق حدودنا؟ ولماذا لا نجبره علي اللجوء الي مجلس الأمن ليلمس عجزه كما نلمسه, استخدام القوة في الدبلوماسية أمر حتمي وإلا تصبح الدبلوماسية كطفل رضيع بلا أسنان..شيء مقلق إذا وجد بيننا ولد شقي لارادع له إلا امتلاك القوة, فهي التي تحقق توازن المصالح عن طريق توافر توازن القوي وتوافر الردع لأن الردع الممنوح لا قيمة له والضمانات الدولية لاتكفي بل لابد وان يكون الردع ذاتيا, والضمانات من صنعنا وتحت أيدينا ولا نعني ابدا ان امتلاك القوة لايحقق الأمن أو الردع بل امتلاك الإرادة علي استخدامها في الوقت المناسب هو الفيصل في إدارة الصراع.
البطاطس المسرطنة هدية لأهالي أسيوط في رمضان ..موسم القبض على طلاب الإخوان في الجامعات بتهمة استقبال زملائهم الجدد ...ونواب يتساءلون : هل تتساقط الملابس الداخلية للمواطنين في أقسام الشرطة سهوا أم بفعل فاعل ..
خاص-المصريون : بتاريخ 25 - 9 - 2007
إطلالة جديدة على صحف القاهرة الصادرة الثلاثاء نبدأها من العدد الجديد لجريدة الدستور اليومية والتي تحدثت حول انتشار كميات كبيرة من البطاطس المسرطنة بمحافظة أسيوط لم تستطع تصريحات وزارة الصحة النافية أن تخفيها ..تحدثت الدستور أيضا عن موسم دراسي جديد مشحون بالتحقيق مع طلاب الإخوان المسلمين بعدة جهات على رأسها جامعة القاهرة التي وصل عدد طلاب الإخوان المحالين للتحقيق فيها إلى 43 طالبا وطالبة ...التحقيق مع طلاب الإخوان جاء تحت ذرائع وتهم سخيفة ساذجة أبرزها استقبال الطلاب الجدد وتوزيع الهدايا وكروت التهنئة والجداول عليهم ...ونختتم إطلالتنا على جريدة الدستور بخبر حول سؤال برلماني وجهه د. حمدي حسن المتحدث باسم كتلة نواب الإخوان في مجلس الشعب لرئيس الوزراء ووزير الداخلية يتساءل حسن عما إذا كانت ملابس المواطنين الداخلية تتساقط في أقسام الشرطة بفعل فاعل أم أنها تسقط سهوا ...سؤال د. حسن جاء تعقيبا على تعديل أقوال أحد ضحايا التعذيب في قسم شرطة وجاء في الأقوال المعدلة أن ملابس المواطن الداخلية سقطت صهوا ...وإلى عدد الثلاثاء من جريدة المصري اليوم التي اهتمت بالحديث حول إضراب عمال غزل المحلة الذين أمهلوا الحكومة 48 ساعة لتحقيق مطالبهم في حين هدد 3 آلاف عامل بغزل شبين بالإضراب احتجاجا على سياسات الجانب الهندي الذي اشترى أغلب الشركة ...كما أبرزت المصري اليوم تصاعد من الغضب الصحفي بسبب الحكم بحبس أنور الهواري رئيس تحرير الوفد واثنين من صحفيي الجريدة سنتان مع الشغل ...أما جريدة الوفد اليومية صاحبة المصيبة فقد أفردت مساحة واسعة لردود أفعال الوسط الصحفي والسياسي إزاء هذا الحكم الجديد بسجن رئيس تحرير جريدة *مقالات :- حول وعود الرئيس مبارك لصيانة حرية الصحافة التي غالبا ما تثبت أنها شكليات لا أكثر كتب د. عمار علي حسن في المصري اليوم : (كلما وقعت الصحافة في أزمة مع السلطة تبرق في ذاكرتي عبارة سمعتها ذات صباح وأنا أقطع أولي خطواتي علي درب صاحبة الجلالة، خرجت هكذا من فم أحد كبار الصحفيين، وتناهت إلي كل مسامع الحشد الكبير الذي كانت تزخر به النقابة، وهي تخوض معركة حامية لإسقاط القانون رقم ٩٣ لسنة ١٩٩٥، شحذ الرجل حنجرته القوية، وصرخ في الجموع الملتهبة حماسا، وقال: "الرئيس حكم بين السلطات، ولن يرضيه أبدا ما يفعله ترزية القوانين من أجل إعدام حرية الصحافة".وانتقل هذا الكلام إلي دائرة الفعل، وذهب مجلس النقابة لمقابلة الرئيس، الذي كان قد استبق اللجوء إليه بعبارة لا تزال حاضرة مفادها: "إذا لم يخطئ الصحفيون فالقانون سينام من نفسه"، وانتهي اللقاء بوعد جديد، أفضي إلي معركة أخري من الأخذ والرد والمناقشات والمداولات وصراع الإرادات مع المجموعة التي سنت القانون وفصلته علي مقاس السلطة. ورغم أن كل صحفي في مصر كان يعلم وقتها أن الإيعاز بهذا القانون واتجاه مساره ودرجات العقوبات التي انطوي عليها ما كان لها أن تنشأ من دون علم الرئيس، ولا أن تتم من وراء ظهره، ولا تري النور من غير موافقته، إلا أن كبار الصحفيين خاضوا النقاش في ظل تصور افتراضي يقوم علي أن "الرئيس محايد". وانفض الجمع الذي توافد كثيفا علي النقابة في تلك الأيام الحسوم، وكل فرد فيه يشعر بالفخر لانتصار الصحفيين علي ترزية القوانين، ولو مؤقتا. وكان بالفعل ظفرا لكنه غير نهائي، فقد عاد أعداء حرية الصحافة ليدسوا قوانين جديدة ودخل الصحفيون في معركة مكتومة، طالت هذه المرة، واستغرقت سنين عددا، وتناقلت بين النقابة والمجلس الأعلي للصحافة ومجلسي الشعب والشوري في حركة لم تهدأ، تأسست علي وعد رئاسي جديد، حين اتصل الرئيس مبارك هاتفيا بنقيب الصحفيين الأستاذ جلال عارف في مطلع ٢٠٠٤ وأبلغه وعدا قاطعا بإلغاء الحبس في قضايا النشر.يومها قلت للنقيب، وكتبت هذا في مقال، إن النظام يتعرض لضغوط أمريكية شديدة من أجل الإصلاح، والرئيس سيذهب بعد أسابيع إلي واشنطن، ويريد أن يستخدم وعده لك كورقة سياسية، يلقيها في وجه الإدارة الأمريكية فتطمئن ولو قليلا أن هناك اتجاها إلي الإصلاح، ليس من أجل عيون المصريين، ولكن بما يحقق مصالح واشنطن التي ربطت- بعد ١١ سبتمبر- بين الاستبداد والإرهاب، ثم عادت وعدلت عن هذا الربط، فتوقف كلام الرئيس عند حدود "الوعد الشفهي"، وحين عاد الصحفيون إلي التفاوض مع الجهات والمؤسسات المعنية بإصدار التشريعات والقوانين، لم يجدوا صدي كبيرا لوعد الرئيس.اليوم وبعد صدور حكم بحبس أربعة من رؤساء تحرير الصحف في قضية مسيسة من أساسها إلي رأسها، يتحدث بعض كبار الصحفيين وصغارهم عن ضرورة تذكير الرئيس بوعده، واللجوء إليه لوقف هذا الحكم، ثم البحث الجاد في إلغاء كل القوانين السالبة للحريات العامة. ومرة ثانية يغض هؤلاء الطرف عن الحقيقة التي تقول إن الرئيس ليس بعيدا عن كل ما يجري، فقضية محاكمة إبراهيم عيسي لم تتحرك إلا عندما قالت قرينة الرئيس في حوارها مع قناة العربية إن الصحفي الذي روج شائعة مرض الرئيس لا بد أن يحاسب، وقضية عيسي والأساتذة وائل الإبراشي وعبد الحليم قنديل وعادل حمودة انطوي منطوق حكمها وأسبابه علي ما تسمي "الإساءة إلي رئيس الحزب الوطني، السيد رئيس الجمهورية".ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتحدث بعضنا عن ضرورة ألا نخسر جناحًا من السلطة يناصر حرية الصحافة، ويبدو البعض الآخر أكثر صراحة فيسمي هذا الجناح "الحرس الجديد" أو "أصحاب الفكر الجديد"، وينسي هؤلاء أن كل الشواهد تدل علي أن الجديد امتداد كامل للقديم، بل أسوأ منه في كثير من الجوانب، وأن الإصلاحيين الحقيقيين المؤمنين بالحريات العامة والديمقراطية داخل النظام ليس لهم دور كبير في صناعة القرار واتخاذه، إنما هم مجرد مسامير صغيرة في ترس صدئ لآلة ضخمة، أو وردة يزين بها النظام بزته الخشنة، وهم أنفسهم يشكون دوما من تهميشهم وتجنيبهم وعدم الإصغاء إليهم أو تمكينهم من الضروريات.)- في سياق مواز كتب جمال بدوي في الوفد حول الحرب التي يشنها الحزب الوطني على حرية الصحفاة ...نقرأ: (إذن هي الحرب.. وهي حرب منظمة ومدبرة في سراديب الحزب الوطني لخنق الصحافة، والتنكيل برموزها وإيداعهم السجون. لم تجف دماء رؤساء التحرير الأربعة، ولم تخمد أصداء الحكم عليهم بالسجن، حتي جاء الدور علي جريدة »الوفد«، وفوجئنا بأحد عشر كوكبا من كواكب المحامين بالحزب الحاكم يستصدرون حكمًا بسجن رئيس التحرير ومعه اثنان من أبناء الجريدة فضلا عن الغرامات والتعويضات والكفالات (!!).ما هي الجريمة التي ارتكبتها جريدة الوفد؟ هل ارتكبت سبا أو قذفا أو عدوانا علي تلك الكواكب السيارة في فلك الحزب الوطني؟ هل طعنت في اشخاصهم وذمتهم أو مست أعراضهم أو سمعتهم من بعيد أو قريب؟ لم يحدث شيء من ذلك، وكل ما حدث أن الجريدة نشرت وقائع خطاب ألقاه وزير العدل أمام اللجنة التشريعية بمجلس الشوري متضمنا انتقادات إلي بعض قضاة المحاكم الابتدائية، وفي اليوم التالي نشرت الجريدة ردًا من المستشار اسامة عطاوية مساعد الوزير، والمشرف الفني علي مكتبه. ولم تحرم الجريدة الوزير من حقه في الرد وتوضيح ما عسي أن يكون قد علق من سوء فهم لدي القارئ، وبذلك تكون الجريدة قد التزمت بآداب وتقاليد النشر، وحق القارئ في الاحاطة بكل جوانب القضية المطروحة.لم تمس الجريدة صرح القضاء، ولم تتعرض لرجال القضاء، ومع ذلك فوجئنا بهذا النفر من كواكب الحزب الوطني يهرعون إلي المحاكم، ويقحمون أنفسهم بدعوي انتسابهم إلي »القضاء الواقف« وأن من حقهم الدفاع عن »القضاء الجالس«.لأن ما نشر قد سبب لهم اضرارًا تضعهم في مستنقع الخطر، ومن ثم يستحقون عليها تعويضًا!!)
"يا عم بيع .. ما هي متباعة" ـ جمال أسعد عبد الملاك
جمال أسعد عبد الملاك : بتاريخ 25 - 9 - 2007
في مسرحية "يمامة بيضاء" بطولة الفنان علي الحجار والفنانة هدى عمار ، اتحفنا الشاعر جمال بخيت ـ ضمن أغاني المسرحية ـ بتلك الأغنية الرائعة التي تجاوبت معها الجماهير لما تمثله من تصوير رائع للواقع المعاش .وتقول بعض كلمات الأغنية : "يا عم بيع .. ما هي متباعة .. وحياتنا عملوها بضاعة .. باعوا الكتاب والكلية .. باعوا الخيال والحرية.. باعوا سيرتنا الهلالية .. باعو الدوا والشجاعة .. باعوا هوانا ومصانعنا .. حتى قمرنا اللي جامعنا .. خطفوه ولاد البياعة" .. فهل فعلا تباع مصر وبهذا المستوى ؟ .من الطبيعي أن البيع ـ وخاصة فيما يخص ممتلكات الإنسان ـ كان يعتبر عارا وشنارا في التراث المصري القديم وحتى الآن ، ولذا نرى تلك القصة الشعبية المأثورة التي تعاير كل من يبيع أرضه ، وهي قصة عواد الذي باع أرضه ، وهذا يعني أن الإنسان الذي يبيع هو ذلك الإنسان الفاسد أخلاقيا والمنحرف اجتماعيا والشاذ سلوكيا ، والذي لا يقدر قيمة العمل وبذل العرق ، فهو يبيع ما يملك بدلا من شراء ما يستطيع ليضيفه لما يملك ، لأن قيمة الإنسان تحدد بكم العمل والإنتاج الذي يبذله والذي يواجه به مستلزمات الحياة ، والأهم هو ذلك الفائض التراكمي الذي يكون من خلاله ثروة تضاف إلى ثروته ، مما يجعله شخصا مالكا وثريا وينعم برغد العيش وهناء البال ، وما الدولة إلا ذلك الشخص ، سواء كان منتجا أو خاملا أو بائعا لفشله أو مشتريا لنجاحه .ولما كانت حكومتنا المنتجة والرائعة تعلم ذلك التراث الشعبي المصري المأثور وما له من أهمية بحكم أنه يقبع في الضمير الجمعي المصري ، فلا شك أنها تعلم مدى العار الذي سيلحقها عندما تعلن عن بيع أية ممتلكات ، خاصة أن ممتلكات الحكومة ـ أية حكومة ـ ليست ملكية خاصة لها ولا هي تركة ورثتها عن أجدادها كأفراد ، وإنما هي ملكية الشعب المصري منذ التاريخ وإلى الأبد ، ومن هذا المنطلق تم تعويض واستبدال كلمة "بيع" بكلمة "خصخصة" .والحق أن هذا ليس بجديد في هذا المجال فقط ، فكثير من تعبيرات الحكومة لا يقصد به المعنى الحقيقي له ، وإنما يقصد به نقيض المعنى على طول الخط ، فتحريك الأسعار يعني زيادة الأسعار ، والسلام يعني التطبيع مع العدو الإسرائيلي ، ولا مساس بالدعم يعني إلغاء الدعم ، ولا مساومة في مجانية التعليم والعلاج تعني المزيد من المدارس والجامعات الخاصة التي تمنح المؤهلات العليا للطبقات القادرة ماديا .. وقس على ذلك أيضا عدم إنشاء مستشفيات أو وحدات صحية جديدة ، ولا مانع من إلغاء التأمين الصحي بالكامل . وتعبير "الخصخصة" تعبير تم استيراده من الخارج ، بل وتم فرضه من المؤسسات الدولية مثل "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" ، وهو تعبير يدخل في إطار منظومة تأهيل الاقتصاد للانتقال إلى المنظومة الرأسمالية التي تسمى بسياسة السوق ، فضلا عن أنه يعني تحويل الملكية من ملكية عامة إلى خاصة ، والملكية العامة ـ أو ما كان يسمى بالقطاع العام ـ هي بقايا ذلك النظام الذي كان يسمى بالنظام الاشتراكي "أعوذ بالله" ، وبالتالي يجب استبدال ذلك "القطاع العام" بـ "القطاع الخاص" ، أي تحويل الملكية الجماعية للشعب إلى ملكية خاصة فردية .والغريب أن هذا لا يتم بصريح العبارة ، ولكن من خلال تعبيرات أقل ما توصف به أنها كاذبة ومضللة ، فمثلا يقال إن الخصخصة تعني بيع المؤسسات الخاسرة ، بينما ثبت باليقين أن البيع يتم لشركات ومصانع تحقق أرباحا تضاف للدخل القومي ، أو يقال مثلا إن الخصخصة هدفها إعادة تطوير تلك المصانع ، دون أن نعلم لمصلحة من يتم هذا التطوير ؟ لصالح الملكية العامة والدولة والدخل القومي أم لصالح المشتري ، سواء كان مصريا أو ـ وهذا هو الأهم والأخطر ـ أجنبيا يحول أرباحه وكل ما يريد للخارج .والسؤال هنا : هل مصر وسوقها واقتصادها أصبح لخدمة الأجانب والخارج أم لخدمة المصري ، وخاصة الفقير والمعدم حسب ما يعلن من سياسة للحكومة لا علاقة لها بأي واقع ؟! مما لا شك فيه أن عملية بيع بنك الإسكندرية للبنك الإيطالي تعني بداية الطريق لتسليم الاقتصاد المصري "على المفتاح" للخارج ، فبيع مصنع يعني بيع أصول للمشترى من خلال نقل الملكية له ، بينما في حالة البنوك فإن رأسمال البنك هو حصيلة ودائع المصريين في هذا البنك ، فكيف أسلم الأجنبي ودائع وأموال المصريين لكي يتاجر بها ويحولها للخارج ؟ من الذي يقول ذلك ؟ وهل مبرر البيع يمكن أن يكون خسارة البنك نتيجة للقروض التي منحت لكبار العملاء بدون ضمانات وعن طريق أوامر مباشرة من الكبار ، وكأن أموال المودعين هي أموال أبائهم وأجدادهم ؟! ومن المسئول عن ذلك ؟ والأهم هل يكون العلاج هو بيع البنك وتسليم اقتصادنا للأجنبي بدلا من محاسبة المتورطين واستدعاء القروض ؟ وهل هناك علاقة بين ذلك وما يسمى بعلاج الاقتصاد المصري من عثرته ؟ وهل العلاج يتم بالتخلص من المريض نفسه ؟ وهل سياسة البيع هذه ـ ولا نقول الآن الخصخصة ـ هي سياسة الحكومة أم سياسة مفروضة عليها ؟ ولصالح من ؟ وإلى أين المصير بعد بيع الشركة الثالثة للمحمول وما جاء من رد بعد بيع الساحل الشمالي وبيع الأراضي بالمزاد للأجانب ، والذي ترتب عليه رفع أسعار الأراضي في قرى مصر ونجوعها إلى أرقام فلكية لا يقدر المصري على تخيلها حتى . وهل لهذه الأسباب قام عاطف عبيد بتقييم أصول مصر من نيل وأهرامات وقناة سويس وسد عالي ، بمعنى هل كل هذا سيكون في خطة البيع القادمة ، وخاصة بعد بيع ما هو أقل الآن؟ والأهم هل يمكن لميزانية دولة أن تعتمد في المقام الأول على بيع أصولها رغم أنها ملك الشعب الذي لم يؤخذ رأيه لسد عجز الموازنة ؟! وهل يمكن أن يكون هذا بديلا عن الإنتاج والتنمية الحقيقية لسد هذا العجز ؟والمثير أنه رغم سياسة البيع التي تتبعها الحكومة فإن المشاكل تتفاقم والحياة تستحيل على أغلبية الشعب ، والقلة هي التي تستفيد مما يحدث ، فالبطالة وصعوبة التعليم واستحالة العلاج والسكن ـ الذي أصبح حلم الأحلام ـ والهجرة غير الشرعية التي تتحول إلى موت جماعي في البحر المتوسط .. كل هذه المشاكل ـ وغيرها ـ دفعت البعض إلى أن يبيع أولاده أو يقدم على الانتحار .. فهل أمام كل تلك الكوارث يكون الحل هو بيع مصر ؟لا شك أن سياسة البيع وسياسة السوق لا يمكن أن تؤتي ثمارها بدون أرضية اقتصادية وسياسية تساعد على التحول إلى تلك السياسة .. والأهم ـ سواء كانت سياسة السوق أو غيرها ـ هو أين مكان المواطن غير القادر في ضوء تلك السياسة ؟ أرجو ألا تصل الحكومة لبيع المواطنين .. ووقتها لن تجد من يشتري .. فماذا سيبيعون آنذاك ؟! .
منصات القضاء منابر للحزب الوطني !
جمال سلطان : بتاريخ 25 - 9 - 2007
أيام المواجهات الملتهبة بين جموع القضاة الشرفاء في ناديهم وبين الحزب الحاكم وقيادات السلطة التنفيذية في أعقاب تقارير تزوير الانتخابات ، وضح بجلاء أن الحكومة اخترقت ساحة القضاء وأن هناك أصواتا وإن كانت قليلة بين القضاة تفرغوا للدفاع عن الحكومة والهجوم على زملائهم القضاة وإهانتهم وتجريحهم علنا في صحف الحكومة ، وبعضهم كان يدافع عن الرئيس مبارك والحزب الحاكم أكثر من قيادات الحزب نفسه ، مما كشف عن ولاء سياسي صريح من بعض القضاة للحزب الحاكم ، وبالتالي فعندما يأتي قاضي شاب أو أكثر الآن ثم يقدم لنا خطبة عصماء في مديح الرئيس مبارك أو الحزب الحاكم ويقول بأن هذا حكم قضائي لا يجوز التعقيب عليه ، فإنه بكل تأكيد يمزح أو يريد استغفالنا ، سبق واطلع كثيرون على حيثيات حكم حبس رؤساء التحرير الأربعة وما فيه من قصائد مدح للحزب الحاكم وتنزيه لقياداته ورموزه بصورة فجة للغاية ، وبالأمس جاءت حيثيات حكم حبس الزميل أنور الهواري على نفس الشاكلة فهي تتحدث عن إنجازات الرئيس مبارك بتبتل وخشوع مذهلين ، وكيف أنه في عهده أصبحت حرية الصحافة مفخرة لكل مصري ، وكلام من هذا القبيل ، وهو استفزاز حقيقي للناس ، يا أخي قل هذا الكلام لأصدقائك وجلسائك في النادي النهري أو في قعدات السمر ، ولكن عيب أن يضمن هذا الغزل السياسي في أحكام قضائية ، هذه إهانة لمنصة القضاء ، ففي عهد حرية الصحافة أغلقت أكثر من صحيفة بقرارات إدارية متسترة بالقانون من أبرزها صحيفة الشعب والتي رفض الحزب الحاكم والرئيس مبارك بإصرار عودتها مرة أخرى رغم أكثر من اثني عشر حكما قضائيا يوجبون عودتها وفي عهد حرية الصحافة سجن الكثير من الصحفيين وحكم على آخرين بالسجن وأوقفوه "بالمزاج" ، والعهد الذي تتغزل فيه هو الوحيد في تاريخ مصر الحديث الذي حكم فيه بالسجن على تسعة من رؤساء تحرير الصحف المصرية ، والعهد الذي تتغزل فيه هو الذي جرأ على صدور مثل هذا الحكم ، لقد حاول القاضي (مدحت فواكه) أن يقحم نفسه فيما لا يعنيه ولا يحسنه عندما قرر أنه رفض الاعتراض بأن الصحيفة نشرت تكذيبا للتصريحات التي تحاكم بسببها ، وهي تصريحات وزير العدل في البرلمان مما يبرئ ساحتها ويؤكد احترامها للقانون وميثاق الشرف الصحفي ، بقوله : إن الصحيفة لم تنشر تكذيبا أو نفيا وإنما النفي نشره المستشار عطاويه ، وأنا أقترح على نقابة الصحفيين أن تدعوه لحضور دورة تدريبية في أصول المهنة ، لأن النفي لا يعني أن يكتب رئيس تحرير الصحيفة بنفسه تكذيب الخبر ، فليست هذه وظيفته لأنه ربما كانت قناعته بأن الخبر صحيح ، ولكن يكفيه أن ينشر توضيحا أو نفيا على لسان من طاله الخبر ، وهو ما فعله المستشار عطاويه باسم وزير العدل ، وهو أمر مدهش أن يجهل القاضي هذه القاعدة ، فهل تصور مثلا أن المستشار عطاوية تكلم بهذا النفي في جلسة دردشة مع بعض أصدقائه في مقهى ، أم أن الصحيفة ذاتها ، وبشكل أخلاقي ملتزم ، هي التي نشرت كلامه على الرأي العام عملا بميثاق الشرف الصحفي والأعراف الصحفية بشكل عام ، ثم ما هي حكاية أن يخرج أي شخص لكي يرفع قضية ضد صحفي يطالب بحبسه بمبررات سخيفة ومتماجنة بأنه سبب ضررا له بانتقاده للمسؤول الفلاني أو إهانة الوزير العلاني ، رغم أن المسؤول نفسه لم يشكو ولم يحرك القضية ، وهل يمكن لي أنا ـ بنفس القاعدة ـ أن أرفع دعوى ضد القاضي (مدحت فواكه) وأطالب بحسبه وإلزامه بدفع تعويض مليون جنيه لأنه سبب لي ضررا معنويا بتحقير الجماعة الصحفية التي أنتمي إليها اعتباطيا وإهانته قيادات صحفية نعتز بها واستغلال منصة القضاء للترويج لحزب سياسي مناقض لقناعاتي الوطنية .gamal@almesryoon.com
فهمي هويدي
المرتزقة: الوجه البشع في العراق «المحرر»
إذا صح أن العراق أصبح أحد المراكز الأساسية لنشاط تنظيم القاعدة، فالأصح أنه أصبح أيضاً أهم مناطق جذب مليشيات المرتزقة، علماً بأن الأولين يفدون إلى العراق أملا في الحصول على الشهادة، أما الآخرون فإنهم أصبحوا يتقاطرون عليه تراودهم أحلام الثراء العريض. ورغم أن الطرفين أصبحا من أبرز معالم الكارثة التي حلت بالعراق بعد غزوه، إلا أن الأضواء مسلطة على ممارسات القاعدة، في حين أن ثمة تعتيماً شديداً على ما تفعله مليشيات المرتزقة. ولولا الأزمة التي ظهرت على السطح مؤخراً بسبب قتل بعض عناصر المرتزقة لأحد عشر مدنياً عراقياً دفعة واحدة، لظل الملف مسكوتاً عنه، ولاستمرت الجرائم البشعة التي يرتكبها أولئك المرتزقة خارج دائرة الضوء والاهتمام.
في الأسبوع الماضي وقعت الحكومة في حرج لأن بعض المرتزقة الذين يتبعون شركة «بلاك ووتر»، ويتولون حراسة الدبلوماسيين الأمريكيين، أطلقوا النار على 11 مواطناً عراقياً وقتلوهم جميعاً، لمجرد الاشتباه بهم أثناء حراستهم لموكب واحد من أولئك الدبلوماسيين، بينما كان يمر بالقرب من ساحة النسور غربي بغداد. كان الحادث صادماً وفجاً للغاية، لأن عملية القتل تمت باستهانة شديدة، حيث عومل العراقيون في هذه الواقعة وكأنهم مجموعة من الحشرات لا بد من التخلص منها ليمر موكبه دون معوقات. وكما نشر على لسان احد العراقيين الذين شاهدوا الحادث، فلو أن هؤلاء كانوا خرافاً أو كلاباً ضالة اعترضت الطريق لما أطلق عليهم الرصاص وأبيدوا بالصورة التي تمت. ولكن لأن حياة العراقيين في نظر هذه المليشيات أرخص من أي شيء، فإن المرتزقة لم يترددوا في إطلاق النار عليهم وقتلهم بدم بارد لمجرد إفساح الطريق لموكب الدبلوماسي الأمريكي.
حين ذاع الخبر وجد رئيس الحكومة نفسه في مأزق، دفعه إلى التصريح بأنه تقرر إنهاء عقد شركة بلاك ووتر التي يفترض أنها شركة أمريكية تعمل في مجال الخدمات الأمنية. وأعلن رسمياً أنه طلب من رجالها مغادرة البلاد حتى إشعار آخر. لكنه لم يكن بمقدوره أن ينفذ شيئاً مما تحدث عنه، لأن الشركة في موقف أقوى منه، وهي التي جاءت بناء على اتفاق مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، ومن مهامها حراسة الدبلوماسيين الأمريكيين والمنطقة الخضراء. لذلك فإنه لم يكد يمر يومان حتى قيل إن عناصر الشركة عادوا لمزاولة مهامهم في بغداد، ولتغطية هذا التراجع قيل إن الحكومة تدرس وضع ضوابط لعمل المرتزقة في البلاد.
ورغم أن الأزمة هدأت تقريباً، إلا أن حادث قتل الأحد عشر عراقياً استدعى إلى دائرة الضوء ملف شركة بلاك ووتر، والشركات المماثلة الأخرى، خصوصاً أن بعض المعلومات المثيرة تكشفت أثناء الغضب الذي أعلنه رئيس الوزراء العراقي. فقد تبين مثلاً أن شركة بلاك ووتر تعمل في العراق بلا عقد يمكن للحكومة إلغاءه. وتبين أيضاً أن هذه الشركات جميعاً لها حصانة تحول دون محاسبتها أمام القضاء العراقي، وأن أول حاكم مدني أمريكي للعراق «بول بريمر» أصدر قراراً بهذا المعنى في عام 2003. تبين أيضاً أن الشركة وهي تعمل في العراق المستباح استوردت كماً هائلاً من الأسلحة التي شملت أجهزة للرؤية الليلية والمدرعات، وباعتها في السوق السوداء. وأن رجالها لم يكتفوا بدورهم في الحراسة، ولكنهم اشتركوا في عمليات النهب والسلب، وكونوا عصابات للجريمة المنظمة، وهي الأمور التي تكشفت أثناء التحقيقات التي تجريها السلطات الأمريكية، ليس غيرة على دماء العراقيين وأعراضهم وأموالهم بطبيعة الحال، وإنما للتثبت من مدى التزام الشركة ببنود العقد الموقع مع البنتاغون.
لم يكن ما جرى في ساحة النسور البغدادية هو الحادث الأول من نوعه، الذي قامت فيه عناصر بلاك ووتر بقتل مدنيين عراقيين أبرياء من دون مبرر، ولكنه كان الحادث السادس كما ذكرت بعض الصحف العراقية المعارضة للاحتلال. وهي الصحف التي فتحت بهذه المناسبة ملف جيوش المرتزقة التي أصبحت ترتع في أنحاء البلاد وأطلقت يدها في البلد حيث استباحت كل شيء. وفي ظل الحصانة فإنها ظلت دائماً فوق القانون وفوق أي حساب. (حين فتح الملف ظهرت معالم تلك الصفحة البشعة في سجل الاحتلال. وعرفنا أن مليشيات المرتزقة تقاطرت على العراق من كل صوب بعد الغزو، تحت عنوان مستتر هو «شركات الخدمات الأمنية». ويقدر عددها الآن بحوالي 50 شركة تضم 40 ألف مقاتل، يتقاضى الواحد منهم في اليوم الواحد ما بين ألف وألفين من الدولارات، الأمر الذي يكلف الخزانة العراقية ملايين الدولارات. (العقد الذي أبرمه بول بريمر في عام 2003 مع شركة بلاك ووتر لحماية الدبلوماسيين الأمريكيين كانت قيمته مائة مليون دولار).
هذه الشركات لا تعمل بعيداً عن وزارة الدفاع الأمريكية والمخابرات المركزية، وإنما تكلف بمهام من قبلهما، ليس فقط لتأمين المصالح، ولكن أيضاً للقيام بكافة الأعمال القذرة التي تحرمها الاتفاقيات الدولية أو يحاسب عليها القانون الأمريكي. إلى جانب هذا وذاك فهي تجسد مفهوم خصخصة الحروب. إذ لا بد من أن تخوض الجيوش حروباً خارج حدودها، يموت فيها جنود غير راغبين في الموت، وربما رافضون للخدمة العسكرية أساساً، فإن بعض مهام هذه الجيوش توكل بمقتضى عقود إلى شركات المرتزقة التي تضم مغامرين لا يبالون بالموت في سبيل الثراء الذي يوعدون به لقاء قيامهم بتلك المهام.
الفكرة ليست جديدة، ونشاط المرتزقة تجاوز حدود العراق، ذلك أن للمرتزقة تاريخا طويلا، حتى ينقل الباحث العراقي حسن عبيد عيسى عن بعض المراجع أن أول استخدام للمرتزقة حدث في العام 1288 قبل الميلاد في معركة قادش التي جرت على ضفة نهر العاصي في سورية بين المصريين، يقودهم رمسيس الثاني، والحيثيين بقيادة موتاللو، إذ تضمن الجيش المصري آنذاك جنوداً مستأجرين من الإغريق، من تلك الفئة التي تقاتل مقابل أجور في سبيل قضية لا تعنيها. ويذكر الباحث في دراسة له نشرتها مجلة «المستقبل العربي» (عدد يونيو 2006) أن بلاد الإغريق كانت المصدر الأساسي للمرتزقة في الأزمنة القديمة.
بعد الإغريق دخل الرومان الى الحلبة وورث البيزنطيون تقاليد الرومان في هذا الصدد، كما يذكر الفايكونت مونتجوري في كتابه «الحرب عبر التاريخ». وظلت الاستعانة بالمرتزقة جزءاً من تقاليد الفعاليات الأوروبية، حتى أن الحروب الصليبية كانت في بعض أوجهها مطلباً ارتزاقياً، ويسجل التاريخ أن الحملة الصليبية الثانية وما بعدها اعتمدت بالدرجة الأولى على الرهبان والمرتزقة. وأدركت الكنيسة الكاثوليكية منذ ذلك الحين أهمية تلك الفئة من الناس، لأن الرهبان لم يكونوا مدربين على حمل السلاح، ومن ثم لم يكونوا مستعدين لتحقيق طموحات الكنيسة وتطلعاتها. حتى إرهاصات عصر النهضة ـ أضاف الباحث ـ اضطلع السويسريون بالمهمة التي كان يقوم بها الإغريق. وكان للبريطانيين فرقهم الارتزاقية، وأنعشت الحروب الدينية في أوروبا تجار الارتزاق، وبخاصة في فرنسا، حيث كان البروتستانت هناك يستوردون مرتزقة من ألمانيا وانجلترا لقتال مواطنيهم الفرنسيين الكاثوليك، نظراً للنقص في أعدادهم.
وكانت لبريطانيا تقاليدها في الاستعانة بالمرتزقة، حيث يذكر أن الملك إدوارد تمكن بواسطة جيش من المرتزقة من احتلال اسكتلندا وإيرلندا وويلز، في أواخر القرن الثالث عشر، وجعلها نواة للإمبراطورية. وفي الحرب العراقية البريطانية عام 1941، استقدم الإنجليز مرتزقة من منظمة إرغون الصهيونية كانوا موجودين في فلسطين المحتلة. وتولى الجنرال غلوب باشا رئيس الأركان الأردني وقتذاك تسهيل مرورهم نحو العراق بسرية تامة. ولم تسلم فرنسا من الوباء، حيث لجأت في اجتياحها للجزائر عام 1831 بفرقة ضخمة من المرتزقة أطلق عليها اسم «الفرقة الأجنبية». ولم يكن غريباً والأمر كذلك أن تستعين الولايات المتحدة والمخابرات المركزية بالمرتزقة في فيتنام وأنغولا وأن تستخدمهم في القيام ببعض الانقلابات وكثير من الاضطرابات والقلاقل في أنحاء عديدة من القارة الأفريقية، فضلاً عن أمريكا اللاتينية. ومما يذكره الباحث في هذا السياق أن إسرائيل دخلت على الخط في أعقاب حرب عام 1973، بعدما أعلن الرئيس السادات آنذاك أنها «آخر الحروب». فاتجه نفر من قادتها العسكريين للعمل كمرتزقة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وعمل بعضهم في المناطق الكردية بالعراق. ومن أشهر هؤلاء الجنرال رحبعام زئيفي الذي افتضح أمره في الإكوادور، وعاد الى بلاده ليصبح لاحقاً وزيراً للسياحة، ثم يقتل على أيدي رجال المقاومة الفلسطينية.
تطورت المهنة بمضي الوقت. وأصبح للارتزاق شركات للتجنيد تتولى الاستجابة لطلبات الراغبين. ومن أبرز الذين سلكوا هذا الطريق ضابط بريطاني سيئ السمعة ومطرود من فرقة المظليين اسمه جون بانكس، الذي أسس في عام 1975 المنظمة العالمية لخدمات الأمن. وفي الفترة ذاتها ظهر المرتزق العالمي بوب دينار الذي أسس شركة مماثلة نشرت إعلاناً في الصحف يقول «شركة ما وراء البحار للأمن والحماية تبحث عن كوادر ذات خبرة وصحة جيدة وتهدف إلى تكوين جيش طلائعي».
العراق بعد الغزو أصبح قبلة المرتزقة، ويذكر أن أول شركة تأسست لتوفير المرتزقة لمن يريد، صاحبها اسمه جان فيليب لاتوني الذي كان جندياً في البحرية الفرنسية، ثم خدم كمرتزق في ساحل العاج وزائير وجزر القمر وكوسوفو، وبسبب الفوضى التي عمت البلاد التي تزامنت مع غياب الأمن، فإن سوق الحماية الخاصة اعتماداً على المرتزقة وجدت رواجاً كبيراً، ولم يغب الأمر عن الشركات الأمريكية التي دخلت الى الساحة بقوة مؤيدة من البنتاغون والمخابرات المركزية، حتى أصبحت تلك الشركات هي التي تتولى تقريبا كل ما يتعلق بالأمن الداخلي، من تأمين النفط الى حراسة الشخصيات العامة والدبلوماسيين الأجانب.
لم يخل الأمر من اشتباك بين جماعات المقاومة العراقية وبين العاملين الأجانب في تلك الشركات، فقد هوجمت قواتهم في مرات عديدة بواسطة المقاومين. وتم خطف بعضهم وتصفيتهم. ويذكر أن من أوائل المخطوفين أربعة من الأمريكيين العاملين في شركة «بلاك ووتر» تم أسرهم في الفلوجة، وقتلوا وسحلت جثثهم وعلقت فوق جسر المدينة قبل أن تضرم فيها النيران، وردت بلاك ووتر على هذه العمليات بالانتقام من أهالي الفلوجة وتحويل حياتهم جحيماً لعدة أيام. ولم تسلم البلدة من تكرار الاعتداءات الوحشية عليها بعد ذلك.
اللافت في العراق مليء بالتفاصيل المثيرة المسكوت عنها، ذلك أن جيوش المرتزقة جاءت لتقتل وتحصل في مقابل ذلك على أكبر قدر من الأموال. فلم تقصر لا في القتل ولا في النهب والسلب، وظلت طول الوقت محمية بالحصانة وبالغطاء الأمريكي ومستفيدة من عجز الحكومات العراقية التي تولت السلطة بعد «التحرير»(!).
كيمياء الأرواح
حسن البنا
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (الزمر: من الآية 23).. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾ (الحشر).. ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (الرعد: من الآية 31).
قرأتُ هذه الآيات الكريمة فسبحتُ في أخيلةٍ علويةٍ، وتداعت المعاني بعضها إثر بعض؛ للكشف عن أثر هذا القرآن العظيم في النفوس والأرواح، لا بل في الجمادات ومختلف أنواع العوالم والكائنات.
قال أسيد بن الحضير: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده؛ إذْ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تُصيبه، فلمَّا أخبره رفع رأسه إلى السماء فإذا هو بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها، فلمَّا أصبح حدَّث النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: "أتدري ما ذاك"؟ قال: لا. قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك، لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم" (صحيح الإمام مسلم- كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب نزول السكينة لقراءة القرآن 1/548 رقم 796).
ولقد سمعتْ الجن آياتِ هذا القرآن الكريم فلم تتمالك نفسها أن قالت: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)﴾ (الجن)، وسمع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- رجلاً يقرأ سورة الطور فغُشي عليه وحُمل مريضًا إلى بيته وأخذ الناس يعودونه شهرًا؛ تأثرًا بما سمع (ذكره ابن رجب الحنبلي في كتاب التخويف من النار 1/30 دمشق 1399هـ الأولى).
وجاء عتبة بن ربيعة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يفاوضه في أمر رسالته ويعرِض عليه المال والجاه والملك والسلطان ليدعها؛ فأجابه الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- بقول الله تبارك وتعالى: ﴿حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)﴾ (فصلت) إلى أن وصل إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ(13)﴾ (فصلت)، فرجع عتبة إلى قومه ترجف بوادره، حتى قال قائلهم: لقد رجع إليكم أبو الوليد بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به، ثم أقبل عليهم يقول: "والله، لقد سمعتُ كلامًا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر".. (انظر: السيرة النبوية لابن هشام 3/132، وذكره أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب الاعتقاد 1/267، وتفسير القرطبي 15/339).
وهكذا يفعل القرآن فعل السحر الحلال في الملائكة المقربين والجن- وهي الجن- والمؤمنين والكافرين، فيؤثر في كلِّ موجودٍ، ويظل هكذا معجزةَ الوجود وآية الخلود.
وهل تغيَّرت الأمة العربية في أنفسها وأوضاعها ومسالكها وطباعها بغير هذا القرآن الذي قادها إلى ما لم تكن تعرف، وجمعها على ما لم تألف حتى صارت آيةً بين الأمم ومعجزةً بين الشعوب.
ولقد ألمَّ الرافعي- رحمه الله- بهذا المعنى إلمامةً كريمةً، صاغها قلمه الملهم في هذه الكلمات: "وأنت إذا تدبَّرت هذه القوة الروحية في آداب القرآن الكريم، واعتبرتها بمأتاها في الطباع ومساغها إلى النفوس، واشتمالها على سنن الفطرة الإنسانية، فإنك تتبين من جملتها تفصيل تلك المعجزة الاجتماعية التي نهض بها أولئك العرب، فنفضوا رمال الصحراء على أشعة الشمس في هذا الشرق كله، فحيثما استقرت منها ذرة رفع وراءها عربي، وليس من دليلٍ في التاريخ على أن هذه الأرض شهدت من خلق الله جيلاً اجتماعيًّا كذلك الجيل الأول في صدر الإسلام حين كان القرآن غضًّا طريًّا، وكانت الفطرة الدينية مواتية، وكانت النفوس مستجيبة على أنه جيلٌ نَاقَضَ طباعه، وخَالَفَ عاداته، وخَرَجَ مما ألف، وخلق على الكبر خلقًا جديدًا.
ومع ذلك فإن الفلسفة كلها والتجارب جميعًا والعلوم قاطبةً لم تنشئ جيلاً من الناس ولا جماعةً من الجيل ولا فئةً من الجماعة كالذي أخرجته آداب القرآن وأخلاقه من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في علوِّ النفس، وصفاء الطبع، ورقة الجانب، وبسط الجناح، ورجاحة اليقين، وتمكين الإيمان إلى سلامة القلب، وانفساح الصدر، ونقاء الدخلة، وانطواء الضمير على أطهر ما عسى أن يكون في الإنسان من طهارة الخلق، ثم العفة في مذاهب الفضيلة من حسن العصمة، وشدة الأمانة، وإقامة العدل، والذلة للحق، وهلم إلى أن نستوفي الباب كله، وهذا على كثرةِ عديدهم، وترادف تلك الآداب فيهم وتظاهرها على جميعهم واستقامتهم لها بأنفسهم، وإنما يكون مثل الرجل الواحد منهم في الدهر الطويل وفي الجيل بعد الجيل، وإنه على ذلك ليكون في الأرض في درّة الفلك، بل يحمل هذه الأرض مثال السماء؛ لأنه في نفسه مثال الملك" (ا. ﻫـ).
"أما بعد"، فيا أيها المسلمون الصائمون القائمون..
ألا إنَّ هذا القرآن بين أيديكم كما كان بين أيديهم، تسمعون إليه كما كانوا يستمعون، وتقرءونه كما كانوا يقرءون، لم ينقص منه حرف، ولم تضع منه آية، ولم تتبدل فيه كلمة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)﴾ (الحجر).. فما باله لم يفعل بكم ما فعل بهم، ولم يُغيِّر منكم ما غيَّر من أخلاقهم وأوضاعهم وطباعهم؟!
ذلك لأنهم تلقَّوه مؤمنين، وقرأوه متدبرين، واستمعوا إليه طائعين، وأقبلوا عليه منفذين، وأسلموه زمام النفوس والأرواح، وهو كيمياؤه التي لا تستعصي على فعلها العناصر، ولا يقف أمام فعلها جاحد أو مكابر، فأنشأهم قومًا آخرين، وجعلهم حجته على العالمين.
وتستطيعون أن تكونوا كذلك إذا آمنتم بالقرآن إيمانهم، ونهجتم به في أنفسكم وأوضاعكم نهجهم؛ فحللتم حلاله وحرمتم حرامه، وأنفذتم أحكامه وتدبَّرتم آياته، وسرتم بتوجيهاته، وكان هواكم تبعًا لما جاء به.. فهل أنتم فاعلون؟!
----------------
* إعداد: إسماعيل التركي- مدير البصائر للبحوث والدراسات.
* جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (75)، السنة الأولى، 2 رمضان 1365ﻫ/ 30 يوليو 1946م، ص (3).
الفساد واستعادة الأموال المنهوبة!بقلم : صلاح الدين حافظ
عندي حساسية شديدة من البنك الدولي, كلما ذكر اسمه أتحسس مسدسي, وتتدفق الدماء في شراييني ثائرة غاضبة.والحساسية ليست مصطنعة, لكنها ناجمة عن تجارب البنك السوداء, خصوصا مع الشعوب الفقيرة والدول الصغيرة النامية فعبر أكثر من ثلاثين عاما علي الأقل, مارس البنك الدولي, وهو الذراع الطويلة للدول الرأسمالية الكبري, وصايته وقدم توصياته لنا ولأمثالنا, انطلاقا من فكرة أساسية هي تطويع اقتصاد الدول الصغيرة والفقيرة لصالح اقتصاد الدول الصناعية الرأسمالية الكبري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.وهذا التطويع استدعي فرض روشتة شبه ثابتة علينا قوامها الخصخصة واقتصاد السوق وإعادة الهيكلة وبيع أصول الدولة, بما في ذلك البنوك الوطنية والصناعات الاستراتيجية والمواني والمطارات والطرق, وفي النهاية رفع يد الدولة تماما عن النشاط الاقتصادي, بحجة الاندماج في الاقتصاد الدولي.وهذه روشتة سياسية أكثر منها اقتصادية, لم تثمر حتي الآن عن تخفيف الاحتقانات الاجتماعية, بل ما حدث هو العكس مرة أخري حتي الآن علي الأقل, برغم مضي السنوات وانقضاء العقود.ما أصابنا من وصايا البنك الدولي ورفيقه صندوق النقد الدولي, ومن توصيات الدول الرأسمالية الكبري, هو المزيد من الفقر, بل هو الإفقار المتزايد وهو البطالة والجوع والاحتقان الاقتصادي الاجتماعي, المولد للغضب والتمرد والتطرف.. بل الحاضن الرسمي لتحالف الاستبداد والفساد!لكن البنك الدولي, محتميا بمظلة الأمم المتحدة, حاول الاسبوع الماضي, تحسين سمعته وتلميع صورته السيئة لدي أمثالنا, حين أطلق مبادرة جديدة وجريئة, لاستعادة الأموال المنهوبة من الدول الفقيرة, والتي سرقها الحكام الفاسدون والمهربون, وأودعوها في بنوك الدول الصناعية الغربية, لتكون خصما من ثروة الفقراء, ورصيدا متزايدا للأغنياء, وتكون للنهابين سندا آمنا في ملاذ آمن, عند اخراجهم من السلطة, أوهروبهم أيهما أسرع!تجاه هذه المبادرة لم أستطع إلا أن اغمد مسدسي وابتسم في وجه خطوة البنك الدولي, وأوافق علي قول رئيسه الأمريكي روبرت زوليك لايجب أن يكون هناك أي ملاذ آمن لمن يسرقون الفقراء, ولا يجب أن يفلت الحكام الفاسدون من حكم القانون.حسنا هذه بداية جيدة لمبادرة دولية نادرة, نرجو ألا توظف سياسيا لصالح السياسات الكونية, وألا تتراجع غدا أو بعد غد, وفق بوصلة هذه السياسات وخصوصا الأمريكية, كما تراجعت وتغيرت المبادرات الأمريكية للاصلاح الديمقراطي اياها!بداية نذكر أن الأمم المتحدة اعتمدت المعاهدة الدولية لمكافحة الفساد, ودخلت حيز التطبيق منذ ديسمبر2005, وقد سبق أن كتبنا عنها وعن المسئولية الدولية لمكافحة الفساد المستشري خصوصا في دولنا الفقيرة, المتحالف بالضرورة مع الاستبداد, وبهما معا تقهر إرادة الشعوب وتكبت حرياتها وتسرق أموالها وتهرب لتودع في بنوك الملاذات الآمنة في الغرب السعيد ليزداد اقتصاده ازدهارا وسعادة!ولذلك فإن لنا مصلحة مباشرة وحيوية في مساندة معاهدة مكافحة الفساد, ومبادرة استعادة الأموال المنهوبة من ثرواتنا, مثلما لنا مصلحة في تقويض السند المالي الذي يستغله الاستبداد لمزيد من التوحش.يقول تقرير البنك الدولي علي لسان رئيسه, إن الفساد في الدول الافريقية مثلا, يلتهم سنويا نحو25 في المائة, أي ربع الناتج المحلي الاجمالي, بما يساوي148 مليار دولار, بينها عشرون إلي أربعين مليارا رشاوي للحكام والمسئولين, ويضيف التقرير إن ما بين تريليون دولار إلي1.6 تريليون دولار يتم تهريبها عبر خارج الحدود سنويا من نشاطات مالية وتجارية غير مشروعة.ولنا أن نتصور لو بقيت هذه الأموال لتستثمر في صالح أصحابها من الشعوب الفقيرة المنهوبة, لما عانت من الفقر والمجاعات والأوبئة والتطرف والصراعات والحروب والهجرات غير الشرعية طلبا لحياة أفضل, مثلما لنا أن نتفهم لماذا لا يحدث النهب المنظم والسرقة غير المنظمة للثروات, إلا في الدول التي علي شاكلتنا, بينما لايحدث هذا بالحجم الهائل في الدول الغربية.. والاجابة أن في الغرب, وخصوصا في الدول الديمقراطية, هناك حرية رأي وصحافة, وهناك آليات للمحاسبة والمساءلة والمراقبة لتصرفات الحكام والمسئولين, وهي أمور نفتقر اليها وفق القواعد السليمة!ولعل ذلك يعود أساسا إلي غياب مبدأ الشفافية والمصارحة والمكاشفة, خصوصا فيما يتعلق بمصادر الثروة الوطنية, سواء كانت طبيعية مثل النفط, أو انتاجية مثل الصناعة والزراعة, وكذلك غموض الأرقام الحقيقية للميزانيات والانفاق وبنوده, وخصوصا في التعاملات الخارجية والنفقات الأمنية والصفقات الكبري, التي تتم أحيانا بين رؤوس كبيرة, لكي توقعها الأيدي الصغيرة, وفيما بين هذه وتلك تجري العمولات التي تودع في بنوك الملاذات الآمنة.وفي غياب الشفافية والمصارحة, والمساءلة والمحاسبة, بمعني غياب نظم ديمقراطية حقيقية, تبرز نتيجتان, الأولي تتمثل في توحش تحالف الفساد والاستبداد مسنودا بقوة المال وسلطة الحكم, ومدعوما بجماعات المصالح ومراكز الضغط مثل رجال الأعمال الراغبين في الكسب السريع وتهريب أرباحهم إلي بنوك الملاذات الآمنة أسوة بكبرائهم.أما النتيجة الثانية فتتمثل في تراجع الاقتصاد الوطني والشرعي, لصالح ازدهار الاقتصاد الأسود, الذي يعرفه الخبراء بأنه اقتصاد العمولات والصفقات السرية, وتجارة الأسلحة والمخدرات وغسل الأموال والدعارة والتهريب وتجارة البشر ونهب الديون من البنوك, وهو اقتصاد هائل لايستطيع أحد ولا حتي البنك الدولي, تقدير حجم أمواله ولا رصد حركتها وسرعة انتقالها, لكن المؤكد أنها في معظمها تبيت آخر المطاف, بعد الغسل والتنظيف, في بنوك الملاذات الآمنة بالغرب!ومن الغرب الذي ينعم بفوائض ثرواتنا وأرصدة أموالنا المنهوبة علي أيدي تحالف الفساد والاستبداد, صدر في يوليو2007 التقرير السنوي للشفافية, عن مؤسسة الشفافية الدولي, ليفضح حجم الفساد والثروات المنهوبة, من أفواه شعوبنا الفقيرة ويكفي أن نعرف موقع بعض بلادنا العربية من ترتيب جدول الفساد ومقياس الشفافية في دول العالم كله خلال عام2006.!يقول التقرير الدولي, إن دولة الامارات العربية تظهر في الترتيب كأول دولة عربية برقم31, ثم قطر32 والبحرين36 والاردن40, وتونس51 ومصر70 والسعودية70, وسوريا93, والمغرب79, والجزائر84, وليبيا105, واليمن111, والسودان156 والعراق160, علما بأن آخر دولة في هذا المقياس الدولي هي هايتي بترتيب163, بينما احتلت فنلندا المركز الأول مع ايسلندا ونيوزيلندا في الشفافية ومحاربة الفساد.ماذا يعني هذا كله؟يعني أن غياب الديمقراطية وآلياتها في المحاسبة والشفافية والمصارحة والمساءلة, قد تركت شعوبنا أسيرة لتحالف الفقر والقهر, تحالف الفساد والاستبداد, بينما تسربت الثروات الوطنية عينيا وماليا, الي بنوك الغرب تستثمر فيه آمنة, ولاتستثمر في أرضها ازدراء لشعوبها الفقيرة المقهورة.ويعني أن مبادرة البنك الدولي الجديدة, الهادفة لاستعادة الأموال المنهوبة, واعادتها إلي أصحابها الشرعيين من ملاذاتها الآمنة بالغرب, مبادرة مشجعة مبشرة بالأمل, لو استمرت جادة مستقيمة متحررة من ضغوط الحكومات الغربية, ومن ضغوط الحكام المستبدين مهربي ثروات شعوبهم.ويعني أن تاريخ الكفاح الوطني للشعوب المقهورة المسلوبة المنهوبة, لن ينسي مبادراتها الأولي في استعادة ثرواتها وأموالها المنهوبة وخصوصا مبادرة محمد مصدق بتأميم بترول ايران في بداية خمسينات القرن الماضي, ومبادرة جمال عبدالناصر في تأميم قناة السويس عام1956, وأخيرا مبادرة روبرت موجابي في تأميم المزارع الهائلة في زامبيا واستعادتها من أيدي المستعمرين الأوروبيين وتمليكها للفقراء.لقد هاجمت الدوائر الغربية وعملاؤها المحليون, هذه المبادرات الوطنية الهادفة لوقف نهب الثروات الوطنية, لكنها عادت اليوم تتحدث عن أساليب أخري لاستعادة الأموال المسروقة والمنهوبة من الشعوب, فهل أفاق ضميرها من غفوته الاستغلالية الطويلة, أم أنها تستخدم الحكاية كلها, كما تعتقد لإرهاب وإفزاع الحكام الجدد, المتهمين بالفساد والاستبداد, حتي ينضووا تحت جناحها ووفق شروطها إلي الأبد.. ودون حتي تململ في أي لحظة!إنها كذلك...** خير الكلام: قال تعالي: إن الله لا يصلح عمل المفسدين..
Wednesday, September 26, 2007
بالوظة
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment