إرهاصـات ميـلاد الجمهوريـة التركيـة الثانيـة
بقلم: فهمـي هـويـــدي
الحدث التركي أكبر وأعمق مما نتصور, والسلفية العلمانية هي أكثر ما يعكر أجواءه رغم أنها تلعب في الوقت الضائع.(1) من يتابع الصحافة التركية هذه الأيام لابد أن يندهش حين يلاحظ أنه وسط التحولات الكبيرة التي تشهدها البلاد, فإن الرأي العام مشغول بحجاب السيدة خير النساء. وهذه السيدة هي زوجة رئيس الجمهورية الذي انتخب في الأسبوع الماضي. ومشكلتها أنها لا تؤدي الصلوات الخمس فحسب, انما الأدهي والأمر أنها محجبة. وعند غلاة العلمانيين فإن التهمة الأولي قد تغتفر, أما الثانية فلا تسامح معها ولا غفران. وبسبب حجاب رأسها ذاك فإنه لم يسمح لها بأن تكمل تعليمها وتلتحق بجامعة أنقرة قبل ربع قرن, فتمسكت به ورضيت أن تبقي في البيت. وفي ذلك الوقت لم تفطن إلي ما فعلته ابنتها حين التحقت بالجامعة أخيرا, إذ تمسكت بحجاب الرأس, ولكنها وضعت فوقه باروكة لكي تستمر في الجامعة.بعدما أصبح عبد الله جول رئيسا للجمهورية تحولت خير النساء إلي قنبلة. إذ اعتبر العلمانيون المتطرفون أن دخول سيدة محجبة إلي القصر الجمهوري إعلان عن تقويض النظام العلماني. ورغم أنهم احتملوا مكرهين وعلي مضض فكرة أن يجلس في مقعد كمال أتاتورك رجل مثل عبد الله جول يؤدي الصلوات الخمس, فإنهم لم يتصوروا مبدأ أن تدخل إلي القصر الجمهوري سيدة محجبة, واعتبروا أن مشاركتها في أي مناسبة رسمية كفر بواح بالعلمانية يتعذر احتماله أو قبوله.بسبب من ذلك فإن حجاب السيدة خير النساء أصبح إحدي أهم قضايا الساعة في تركيا. صحيح أن العسكر الذي يمثلون السلفية العلمانية قاطعوا حفل تنصيب الرئيس عبد الله جول, ورفض رئيس الأركان الجنرال يشار بيوك أنيت تأدية التحية له, لكنهم اعتبروا أن حضور زوجته احتفال عيد النصر, الذي كان أول مناسبة قومية رسمية حلت بعد التنصيب خطا أحمر, فلم يوجهوا إليها الدعوة. وقد أراحهم الرجل وامتص غضبهم حين أعلن أنه لن يصحب زوجته في الحفلات الرسمية, ثم مازحهم قائلا وأنه هو الرئيس, وليست هي, ولا غضاضة في حضوره لأنه ليس محجبا!هذا الكلام لم يوقف اللغط حول الموضوع, وإنما تساءل البعض عن موقف السيدة خير النساء حين تسافر مع زوجها إلي الخارج, وهل ستحضر حفلات الاستقبال التي ستقام للرجل أم لا؟ وتحدث آخرون عن محاولتها ارتداء حجاب يستوحي الموضة ولا يثير غضب العسكر. وقالوا إنها كلفت مصمم أزياء عالميا من أصول تركية يقيم في فيينا عاصمة النمسا منذ عشرين عاما ـ أسمه أتيل كوتوغلو ـ بأن يحل لها مشكلة الحجاب بتصميم يبتكره, ولم تعرف بعد نتيجة ذلك المسعي.(2) المشهد التركي في هذه الزاوية بدا عبثيا وبالغ الدلالة في ذات الوقت. وجه العبث فيه أن العسكر الذين اعتبروا أنفسهم حراس العلمانية, أصبح شاغلهم الأكبر هو الحفاظ علي الرموز والطقوس, من الحجاب إلي مراسم الحفلات الرسمية.أعني أنهم أصبحوا معنيين بالشكل أكثر من المضمون. وكان قادة حزب العدالة من الذكاء بحيث إنهم ركزوا من جانبهم علي الجوهر, وتركوا ساحة الطقوس والرموز للعسكر يصولون فيها ويجولون. وهو ما بدا تبادلا للأدوار في الصورة النمطية الشائعة لدي كثيرين, ممن يأخذون علي أصحاب التوجه الاسلامي عنايتهم بالأشكال, ويتباهون بنزوع العلمانيين إلي الاهتمام بقيم التغيير في المجتمع. في حين أن العكس تماما حاصل في المشهد التركي الراهن. أما دلالة هذا التركيز علي الطقوس والرموز فتتمثل في أن هذه هي المساحة التي بقيت للعسكر, بعدما تقلص دورهم بمضي الوقت. وبعدما نجح قادة حزب العدالة والتنمية في حشد أكبر إجماع شعبي حولهم, الأمر الذي قطع الطريق علي تغول العسكر وأضعف سطوتهم. وهم الذين قاموا بثلاثة انقلابات عسكرية في السابق( علي مدي السنوات1960 و70 و80) وفي الانقلاب الثاني أعدم رئيس الجمهورية عدنان مندريس بسبب ما قيل عن مشاعر دينية لديه, وهم أيضا من أسقط حكومة نجم الدين أربكان في منتصف التسعينيات من خلال انقلاب سلمي. لكنهم هذه المرة لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئا أكثر من معاندة رئيس الجمهورية الجديد علي النحو الذي سبقت الاشارة اليه, وإصدار بيان عشية انتخابه حذر فيه رئيس الأركان من أن أوكار الشر تسعي في خبث وسرية إلي النيل من النظام العلماني.(3) حين يكون ذلك غاية ما يستطيعه العسكر في مواجهة عهد جديد صنفه رئيس الأركان ضمن أركان الشر التي تهدد النظام العلماني, فمعناه أن ثمة عهدا ظهرت إرهاصاته في الأفق, يختلف عن كل العهود التي تعاقبت منذ إقامة الجمهورية قبل ثمانين عاما. وليس ذلك مجرد استنتاج, ولكنه يمثل أحد أهم حقائق المشهد التركي, التي أدركها نفر غير قليل من الباحثين والمعلقين, ممن لم يترددوا في وصف الوضع الراهن بأنه بداية ميلاد للجمهورية التركية الثانية. وهو المعني الذي عبر عنه بصيغة أخري رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان, حين قال إن تركيا أصبحت كطائرة علي مدرج الاقلاع, ولن يقف أمامها شيء. والعبارة يمكن فهمها علي أنها إعلان عن أن تركيا تشهد انطلاقة جديدة لا يستطيع العسكر إيقافها.الكلام عن الجمهورية الثانية ليس وليد اليوم. فقد ذكر الباحث السوري بكر صدقي في دراسة نشرتها صحيفة الحياة اللندنية(28 ـ8) أن الفكرة أطلقت في عام1991, حين كتب أستاذ الاقتصاد البروفيسور محمد ألتان مقالة دعا فيها الي نقد تاريخ الجمهورية القائمة, التي بناها مصطفي كمال أتاتوك في عشرينيات القرن الماضي. ووصفها بأنها دولة الوصاية العسكرية وتغييب سيادة الشعب, الأمر الذي انتهي بإقامة نظام تحكمت فيه الطبقة البيروقراطية العسكرية والمدنية. ولأن البروفيسور ألتان دعا أيضا إلي عودة الجيش إلي ثكناته وإلي محاكمة عن الانقلابات العسكرية في البلد, فإنه قدم إلي المحاكمة وأتهم بالخيانة الوطنية والعمالة للغرب والتآمر لتقسيم البلاد.. إلخ. لكن أفكاره لم تذهب هباء. وإنما كانت بمثابة حجر كبير ألقي في بحيرة النخبة السياسية الراكدة, فأثارت جدلا لايزال مستمرا, وكما وجدت ناقدين ومعارضين, فإنها لقيت آذانا صاغية. وأسست قاعدة من المؤيدين الذين ساندوا الفكرة وطوروها حتي تحولت إلي مشروع للتغيير, توافق مع مشروع حزب العدالة والتنمية وبرنامجه الذي خاض به الانتخابات. من أهم أولئك المؤيدين إضافة الي البروفيسور ألتاناثنان من أبرز الكتاب الأتراك هما جنكيز شاندار واثيين محجوبيان.الآن يتحدث منظرو الجمهورية الثانية بصوت عال, قائلين إن الكمالية حددت أهدافا ستة لمشروعها لم تكن الديمقراطية من بينها. وقد تم تقديس الكمالية وفرضها علي الناس من خلال مواد الدستور المتعاقبة التي صاغها العسكر. وتم تحريم وتخوين وملاحقة أي نقد يوجه اليها. كما حوربت الافكار المختلفة عنها بالتصفيات والملاحقات القضائية والحظر, مما أدي إلي شلل الحياة السياسية وتسطيح الثقافة وإعاقة نمو البلاد. يقول هؤلاء أيضا إن النهوض بالواقع التركي يتطلب الانتقال من النظام التسلطي الراهن إلي النظام الديمقراطي, ومن الاقتصاد الزراعي إلي الانتاجي, وذلك يتطلب نزع وصاية العسكر علي السياسة, وتغيير الدستور بما يتوافق مع المعايير الدولية للديمقراطية وحقوق الانسان, وتمكين دافع الضرائب من مراقبة كيف تنفق الحكومة حصيلتها. وهذه دعوة تستهدف قلب العلاقة القائمة بين المجتمع والسلطة رأسا علي عقب, بحيث يتحول المجتمع إلي سيد وتصبح الدولة في خدمته.(4) في حين ظل العلمانيون المتطرفون يخوضون معركتهم ضد الحجاب, ويتشبثون بميراث الكمالية التي عفا عليه الزمن, فإن فكرة الجمهورية الثانية لتجديد النظام التركي والنهوض به كانت تكبر وتكسب المزيد من الأنصار. وتزامن ذلك مع ظهور حزب العدالة والتنمية بمشروعه الذي كان يصب في نفس الوعاء. وكان من الطبيعي أن يلتقي المشروعان, وأن يعتبر متطرفو الجمهورية الثانية أن حزب العدالة هو القوة السياسية التي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق هدفهم المنشود. ونجح التوافق بين المشروعين لثلاثة أسباب رئيسية هي:* أنهما أصبحا يمثلان استجابة للظرف التاريخي الداعي إلي التغيير في تركيا.* إن الطرفين تعاملا مع بعضهما البعض بغير عقد. فدعاة الجمهورية الثانية ـ وهم علمانيون بإمتياز يصنفون ضمن المعتدلين ـ لم يجدوا غضاضة في التوافق مع الحزب بخلقيته الاسلامية وموقفه المعتدل. وكانت المصلحة الوطنية هي القاسم المشترك الأعظم بينهما. ومن ثم تحلل الطرفان من العقد المسكونة بالخوف والتوجس الشائعة في عالمنا العربي.* أن رموز الطرفين ينتمون إلي جيل الوسط الآتي من خارج دائرة السياسيين المحترفين, الذين تلوثوا بممارسات ودسائس وفساد المرحلة السابقة.تبدي ذلك التوافق بشكل واضح في مسألة ترشيح عبد الله جول لرئاسة الجمهورية. ذلك أنه حين بدا أن رجب طيب اردوغان تردد في مسألة الترشيح وفكر في استبدال آخر به, لتجنب الصدام مع المؤسسة العسكرية, فإن البروفيسور محمد ألتان الأب الروحي لمشروع الجمهورية الثانية, أطلق في تصريحات صحفية حملة تأييد لجول, وقال صراحة إن عدم ترشيحه سيؤدي إلي استقواء العسكر ويشجعهم علي الانقلاب.بعد انتخاب عبد الله جول, عاد الانسجام المفقود بين رئاسة الجمهورية والحكومة, وفقد العسكر حليفهم التقليدي في القصر الجمهوري, الأمر الذي فتح الباب واسعا للتقدم علي طريق تحقيق حلم الجمهورية الثانية. وهو ما لم تقصر فيه الحكومة التي كانت قد وعدت بإدخال تعديلات علي الدستور تضع الأساس لاحداث التغيير المنشود. فشكلت لجنة من الخبراء القانونيين البارزين توشك الآن علي الانتهاء من مهمتها, لطرح التعديل علي الاستفتاء العام في أواخر شهر أكتوبر المقبل.في دراسة للدكتور ابراهيم غانم أستاذ العلوم السياسية وخبير الشئون التركية نشرت بعدد أول سبتمبر من الملف الاستراتيجي الذي يصدره مركز الدراسات بالأهرام, عرض لأبرز معالم الدستور الجديد, تمثلت في أربعة أمور هي:* انتخاب رئيس الجمهورية بالتصويت المباشر بدلا من أن يكون التصويت مقصورا علي أعضاء البرلمان, بحيث تصبح مدة الرئاسة خمس سنوات بدلا من سبع, ولا يعاد انتخاب الرئيس لأكثر من مرة واحدة.* الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث تصبح مقصورة علي تعيين المحافظين والسفراء وبعض الأمور البروتوكولية الأخري.* زيادة أعضاء المحكمة العليا من11 إلي17.* وضع تصرفات الجيش تحت رقابة المؤسسات المدنية وعلي رأسها البرلمان والقضاء.إن في الحدث التركي الكثير مما يمكن الإفادة منه وتعلمه, بشرط أن يتوافر أمران, أولهما ديمقراطية حقيقية تقبل بالاحتكام إلي صناديق الانتخاب, وثانيهما توافق وطني تتخلي فيه التيارات السياسية عن عقدها ومرارتها التقليدية. وفي تجربتنا فإن كل واحد من الشرطين أصعب من الآخر.
حبوب الشجاعة بقلم مجدى مهنا
وسط حصار إعلامي، تم فيه منع الصحفيين ووسائل الإعلام من حضور لقاء جمال مبارك، أمين السياسات بالحزب الوطني، بطلبة الجامعات في مكتبة الإسكندرية أمس الأول «الثلاثاء»، وسمح فيه للتليفزيون المصري فقط بتسجيل وإذاعة لقطات منه، وتوزيع خبر بصيغة واحدة علي الصحف القومية، بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية.
لقاء جمال مبارك طلبة الجامعات، هو نفسه اللقاء السنوي الذي يعقده الرئيس حسني مبارك، بصفته رئيسا للجمهورية، مع طلبة الجامعات في الإسكندرية.. ويدور فيه نقاش بين الرئيس والطلبة حول مختلف الموضوعات والقضايا، ويتم فيه توزيع الأسئلة علي الطلبة بمعرفة وزير التعليم العالي.
في لقاء أمس الأول.. من المؤكد أن مصر كلها تتحدث اليوم عن طبيعة هذا اللقاء، وطرح العديد من التساؤلات.. إجاباتها كلها مفتوحة، ويبدو أن هذا مقصود في حد ذاته.. أي أن المقصود طرح هذه التساؤلات، حتي يتم رصد موقف الرأي العام منها، لإعادة رسم الخطط والتوجيهات والسيناريوهات المقبلة.
مثل هذا اللقاء السنوي بين الرئيس وطلبة الجامعات لا يحدث فجأة إنما له توقيت محدد من كل عام تقريبا، وهو لقاء تنفيذي وليس حزبيا، أي أنه لا يخص الحزب الوطني الحاكم، والرئيس مبارك لا يحضره بصفته رئيسا للحزب الوطني.. إنما بصفته رئيس الجمهورية.
وطبيعي أن نسأل عن الصفة التي حضر بها جمال مبارك أمين السياسات هذا اللقاء.. هل حضره بصفته الحزبية؟ الإجابة هي: لا، لأن اللقاء ليس حزبيا.
وبافتراض أنه لقاء حزبي ـ وهو ليس كذلك ـ فإن الطبيعي أن يحضره أمين عام الحزب الوطني صفوت الشريف، وليس جمال مبارك، ولأن اللقاء تنفيذي وليس حزبيا، وبافتراض أن هناك حائلا يمنع رئيس الجمهورية من حضور هذا اللقاء السنوي مع طلبة الجامعات بالإسكندرية، فإن الطبيعي أن يكلف الرئيس مبارك رئيس الوزراء بحضور اللقاء بالنيابة عنه.. وإذا كان هناك حائل يمنع رئيس الوزراء فإن التكليف سيكون لوزير التعليم العالي.
إذن ليست هناك صفة حزبية أو غير حزبية، يحق لجمال مبارك أن يحضر بها اللقاء.. إلا إذا حضره كمستمع مع الوزراء والضيوف، وليس بصفته رئيس الجمهورية.
وحسب معلوماتي، فإن جمال مبارك يشغل حتي الآن منصب أمين السياسات بالحزب الوطني.. ولا يشغل منصب رئيس الجمهورية، ولا منصب رئيس الوزراء، ولا منصب وزير التعليم العالي.. وبالتالي ليست له صفة في حضور اللقاء.
ومن المنتظر أن لقاء جمال طلبة الجامعات، سوف يجدد الشائعات مرة ثانية حول ملف التوريث وصحة الرئيس.. وبصراحة كده الشعب زهق.. وطلعت روحه من الكذب والتلاعب في هذين الملفين.
أذكر أنني في عام ٢٠٠١، التقيت اللواء هتلر طنطاوي، عندما كان يشغل منصب رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وسألته: بأي صفة يسافر جمال مبارك مع والده في السفريات الرسمية إلي الخارج؟ وبأي صفة يشارك مع الوزراء في تلك اللقاءات الرسمية مع المسؤولين الأجانب؟
وقتها لم يعلق هتلر طنطاوي.. واقترحت عليه أن يحصل جمال مبارك علي أي منصب حزبي، يبرر له وللرأي العام دوره السياسي.. وبعد عدة شهور فكروا له في أمانة السياسات بالحزب الوطني.. لكن لم أكن أتصور أبدا أن يحضر جمال مبارك لقاء طلبة الجامعات السنوي في الإسكندرية بالنيابة عن رئيس الجمهورية.
بقلم مجدى مهنا
أخيرا تناول الدكتور بطرس غالي، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، حبوب الشجاعة.. وأدان التعذيب الذي تعرض له مواطنان مصريان علي أيدي الشرطة الكويتية.. وطالب وزير العدل الكويتي، في اتصال معه، بسرعة الانتهاء من التحقيقات في هذه القضية.
وهو تحرك محمود من الدكتور غالي لا نشكره عليه، لأنه لا شكر علي واجب، ومن واجب ومهمة واختصاص الدكتور غالي، ومجلسه القومي التصدي، لمثل هذه الانتهاكات.. وجاء هذا التحرك علي خلفية مبادرة وزارة الخارجية بإدانة التعذيب الذي تعرض له المصريان في الكويت بعبارات شديدة اللهجة.. وهي لهجة جديدة لا نألفها ولم تعرفها دبلوماسيتنا حماها الله من قبل.. فالمصريون يعذبون ويهانون ويقتلون أحيانا في كل بقاع الأرض.. وتحرك الخارجية كان ضعيفا، ولا يتناسب مع الجرائم التي ترتكب ضد المصريين في الخارج.
المهم أنه تطور جديد في عمل الخارجية المصرية.. ومن الدكتور بطرس غالي.
لكن ما يحيرني هو: هل تحرك الدكتور غالي جاء علي خلفية تحرك السلطات المصرية التي تصادف أنها تحركت هذه المرة.. أم أن تحركه جاء من واقع مسؤوليته وواجبه في التصدي لأي انتهاكات يتعرض لها المصري في الخارج أو الداخل.
إننا نريد أن نسمع صوت الدكتور غالي في قضايا التعذيب، التي يتعرض لها المصريون في الداخل، علي أيدي ضباط الشرطة في الأقسام، وفي داخل السجون.. ونريد أن نسمع منه إدانته الواضحة والصريحة لهذه الممارسات.. ونريد منه أن يجري اتصالات مع وزير الداخلية لمحاسبة رجاله علي هذه التجاوزات والجرائم التي يرتكبها البعض منهم حتي ولو كانوا قلة.. وأن نعرف من الدكتور غالي رأيه في الاعتقالات المستمرة لجماعة الإخوان المسلمين، وهل هي قانوني، وهدفها حماية أمن المجتمع، أم أنها تشكل اعتداء صارخا علي حقوق مواطنين سواء كانوا إخوان مسلمين أم «إخوان كفرة»؟
نريد من الدكتور غالي أن يسارع بالاتصال بالسيد وزير العدل المصري ـ وليس الكويتي ـ لكي يحثه علي تنفيذ أحكام القضاء التي طالبت بالإفراج عن مئات المعتقلين، ولماذا ترفض وزارة الداخلية تنفيذها؟
نريد من الدكتور بطرس غالي أن يأخذ «حبتين شجاعة» لكي يسأل نفسه: هل هو راض عن دوره في رئاسته المجلس القومي لحقوق الإنسان، أم لا؟.. وهل حبوب الشجاعة متوافرة فقط عندما يتعلق الأمر بحدث خارجي، أما في قضايا الداخل فالشجاعة منعدمة تماما؟
** عيب واستهانة بعقل القارئ، وعودة من جديد إلي سياسة التعتيم الإعلامي، أن تنشر «الأهرام» هذا الخبر، بهذه الطريقة في عدد الثلاثاء الماضي في طبعتها الدولية:
«أكد السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية أمس أن ما ذكره السيد وليد جنبلاط رئيس اللقاء الديمقراطي اللبناني، نقلا عن الرئيس مبارك، عند استقبال سيادته له في عام ٢٠٠٥، ليس صحيحا، وأضاف أبوالغيط: لا أعتقد أن الرئيس مبارك بحكمته المعروفة يمكن أن يدلي بالأقوال التي نسبت إليه».
انتهي الخبر.. الذي لم يقل لنا فيه أحمد أبوالغيط ماذا قال وليد جنبلاط، وما الذي نسبه إلي الرئيس مبارك من أقوال!
كما شاركت «الأهرام» في هذا التعتيم، بعدم ذكر ما قاله جنبلاط.
في اليوم نفسه ـ الثلاثاء الماضي ـ عالجت صحيفة «النهار» اللبنانية الخبر بالطريقة الصحيحة.
قالت: «نفي وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط أمس ما صدر عن رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط من أن الرئيس المصري حسني مبارك أبلغه أن الرئيس السوري بشار الأسد سوف يحاسَب علي اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري».
والفارق بين معالجة «الأهرام»، ومعالجة «النهار» اللبنانية. ليس في حاجة إلي تعليق مني.. كان الأفضل لـ«الأهرام» أن تمتنع عن نشر الخبر.. إذا لم يكن في مقدورها نشره كاملا.
بقلم مجدى مهنا
منذ أيام قررت وزيرة الصحة الكويتية- وليست اليابانية - «معصومة المبارك» تقديم استقالتها من منصبها الوزاري.. بسبب حريق اندلع في أحد المستشفيات يبعد ٤٠ كيلو مترا عن شمال العاصمة.
قالت الوزيرة الكويتية - وليست اليابانية -، في رسالة استقالتها إلي رئيس الوزراء الكويتي، إنها تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الحريق.
لم تقل الوزيرة الكويتية «وأنا مالي»، ولم تطلب التحقيق في معرفة أسباب الحريق ونتائجه، كنوع من التغطية علي الموضوع وإخلاء مسؤوليتها.. بل سارعت الوزيرة الكويتية - التي ليست لها جذور يابانية - بتقديم استقالتها، لأن الحريق أسفر عن وفاة اثنين من المواطنين.
كم وزيراً في مصر يتحلي بالشجاعة، ويستطيع إعلان تحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن عمل مثل هذا؟ وعما يجري داخل وزارته؟.. وكم وزيراً عليه الإسراع بتقديم استقالته، لوقوع تجاوزات صارخة وأزمات وقضايا فساد أكبر بكثير من وفاة مواطنين في حريق في أحد المستشفيات.
قطارات بالكامل احترقت.. ومات العشرات وأصيب المئات، ولم يعلن وزراء النقل المتعاقبون مسؤوليتهم السياسية، والأخلاقية.
وعشرات ومئات المرضي يموتون في المستشفيات، بسبب الإهمال الطبي الشديد، ولم يفكر وزير صحة واحد في تقديم استقالته.
ملايين المصريين أصيبوا بأنواع مختلفة من السرطانات، وحسب تصريح وزير الصحة، الدكتور حاتم الجبلي، فإن ١٣٨ ألف سيدة مصرية تموت سنويا بسبب سرطان الثدي فقط! وكل ذلك بسبب المبيدات المسرطنة والمياه الملوثة.. ولم يفكر وزير صحة أو وزير إسكان في تقديم استقالته، بل عمل بعض وزراء الإسكان علي استغلال منصبهم الوزاري في تكوين ثروة بمئات الملايين من الجنيهات.
والآلاف من المعتقلين في السجون دون جريمة ارتكبوها ودون توجيه اتهام لهم.. بل صدرت للمئات منهم أحكام بالبراءة والإفراج الفوري عنهم.. ومع ذلك فالسيد وزير الداخلية مشغول بمعركة البقاء في منصبه بإقناع نظام الحكم بأنه المدافع عنه.
يضاف إليها ظاهرة تعذيب المواطنين في العديد من أقسام الشرطة، ووفاة البعض منهم علي أيدي الضباط وأمناء الشرطة.. ولم يعلن وزير الداخلية تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن ذلك، كما فعلت الوزيرة الكويتية- وليست اليابانية.
ومنذ عامين احترق قصر ثقافة بني سويف، ومات بداخله العشرات من الصحفيين والنقاد والمبدعين، وقال رئيس قصور الثقافة: «وأنا مالي»، وقال وزير الثقافة: «لقد أخذ الموضوع أكثر من حجمه».
كل وزراء مصر، وكل مسؤوليها من الكبير حتي الوزير، في العشرين سنة الماضية، كان عليهم أن يقدموا استقالتهم، وأن يعلنوا تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الجرائم والفساد، الذي وقع في إطار عملهم الوزاري.. ومع ذلك لم يحدث، ولو مرة واحدة، علي سبيل الخطأ، أن استقال وزير واحد.. وكان مجلس سيد قراره يجدد البيعة والثقة في الوزير، وفي حكومته.
نحن في مصر لا نعرف ثقافة تحمل المسؤولية، فهي لا تعني عندنا المحاسبة والمساءلة، إنما تعني أن المسؤول بريء وغير مسؤول سياسيا وأخلاقيا عما يقع في وزارته.. وهذا هو السر في الفساد، الذي عرفته مصر في العقدين الأخيرين، بصورة غير مسبوقة في تاريخها الحديث.
ويا وزراء مصر، ويا مسؤوليها، تعلموا الشجاعة من «معصومة المبارك»، وهي وزيرة كويتية، ولا تنتمي إلي جذور يابانية.
ببساطةبقلم : ســيد عـلــي
{ لا أمل في هذه المنطقة طالما أن عدد الملاهي أكبر فيها من عدد الجامعات ومراكز البحث.{ بعد ما كان التأمين الصحي خدمة اجتماعية سيصبح مشروعا استثماريا.{ كل مليارات مارينا لم تفلح في انشاء مستشفي واحد للطوارئ يحمي علي الاقل روادها من الحوادث.{ حصل شاب علي96.5% في الثانوية ولم يلتحق بكلية الصيدلة, بينما حصل زميله علي82% ودخلها بفلوسه, ولا عزاء للمجانية والدستور.{ دخلت أمريكا العراق علي المذهب الشيعي نكاية في صدام حسين, وسوف ترحل علي المذهب السني نكاية في ايران.{ الفرق بين شرم الشيخ وكفر الشيخ ان الأولي تقع في آسيا والثانية في افريقيا.{ محدود الدخل هو من ليس من رجال الأعمال أو السمسمرة أو البنوك أو العبارات أو سكان الساحل الشمالي صيفا والغردقة شتاء.{ الشرطة في خدمة الشعب الذي يعينها.{ أرادت السيدة عائشة عبدالهادي حماية العمالة المصرية في الخارج فأبرمت اتفاقات ثنائية بعيدا عن الحس السياسي ووزارة الخارجية فتسببت في طردهم.{ يحسب للدكتور فتحي سرور أنه تعامل بقامة الكرسي الذي يجلس عليه في قضية الانبطاح فأطفأ الحريقة ووأد بؤرة جديدة للتوتر.{ رحل ادريس البصري وزير داخلية المغرب السابق ومعه ذنوب الشعب المغربي في مقبرته, ولكن بقيت مؤسساته الأمنية.{ بسرية تامة تحول ميناء اليخوت الدولي في مارينا إلي قصور سكنية تسمي لسان الوزراء السابقين.{ أفضل نصر هو الذي تحققه بدون معارك حتي لاتعطي خصمك شرف خصومتك.{ أهم دليل علي حيادية شوبير أن جماهير الأهلي تتهمه بمجاملة الزمالك, في حين يتهمه ممدوح عباس بالعكس.. عموما الخاسر الوحيد هو الزمالك بحجب نافذة اعلامية مهمة عن نشاطه.{ لن تكون في مصر كرة قدم شعبية تنافس طالما يحتكر الدوري شركات بلا جمهور.{ من الطبيعي ان تكون فيفي عبده نجمة مسرح الدولة, لأن المسرح يعكس عصره.{ يثبت احمد حلمي أن الكوميديا ليست بالإسفاف أو العري, وأن الفنان يمكن أن ينجح بدون شلة أو زعامة.{ الخاسر الوحيد في قناة الساعة هو الزميل مصطفي بكري, فلم يعد له وجود في الفضائيات بعد أن كان نجمها المفضل يوميا.{ تسعي روتانا بدأب خبيث لاستئصال الفن المصري بالتركيز علي كلاسيكيات بوس الواوا, والامر بالمنكر والنهي عن المعروف.{ كلام وليد جنبلاط لغو لا يعول عليه, فهو الاقطاعي وفي الوقت نفسه رئيس الحزب الاشتراكي.{ أدوات رجال الأعمال الآن الاقتراض من البنوك والعدوان علي النيل وطائرة خاصة وعضوية البرلمان وصحيفة وقناة تليفزيونية.{ في الدول العربية النظر إلي شعر المرأة المسلمة حرام وإلي جسد الأجنبية حلال!
بقلم مجدى مهنا
هذه رسالة خاصة أتوجه بها إلي قارئي الكريم.. وهي تختلف عن كل الرسائل اليومية التي أكتبها له.. ليس في موضوعها وإنما في درجة الإحساس الذي أكتب به.
فلم أشعر بالإهانة والخوف علي بلادي.. كما أشعر عليها اليوم وأنا في الغربة، ويتملكني إحساس بأن مصر اليوم بلا حكومة، وبلا دولة، وبلا نظام.
والسبب في هذا الشعور الذي يتملكني ويكاد يعتصرني، هو الأحداث التي تمر بها بلادي هذه الأيام من فوضي الشائعات، التي لا أول لها من آخر، والتي تكشف عن ضعف الإحساس بالمسؤولية لدي رجال نظام الحكم ومؤسساته، واستهتارهم بأمن الوطن والمواطن.
لقد ملأت الشائعات البلاد طولا وعرضا في الأيام العشرة الماضية عن صحة الرئيس مبارك، قبل زيارته القرية الذكية يوم الخميس قبل الماضي.. ولم تتوقف الشائعات حتي بعد زيارة الرئيس لها، فالرأي العام يريد أن يري الرئيس مبارك أمامه علي شاشة التليفزيون علي مدي الـ٢٤ ساعة في اليوم، لكي يصدق أن الرئيس بصحة جيدة، ويريد أن يتحدث الرئيس معه، حتي يطمئن إلي أن الصوت الذي يصاحب الصورة هو صوت الرئيس.
إلي هذه الدرجة بلغت درجة انعدام الثقة فيما تقوله الحكومة، وما تقوله السلطة ورجالها حول صحة الرئيس، أو حول ملف التوريث، أو حول إنجازات الحكومة أو حول أي شيء يجري في مصر.
من قبل كانت الشائعات تنطلق، ثم تموت بمجرد ظهور الرئيس مبارك، أو نشر خبر صغير عن قيام سيادته بافتتاح بعض المشروعات هنا أو هناك.
في هذه الأيام تنتشر الشائعات والدولة بكل أجهزتها ورجالها عاجزة عن وقف شلال الشائعات.
الشائعات أقوي من تصريحات المسؤولين التي تحاول طمأنة الرأي العام دون جدوي، وأقوي من ظهور الرئيس مبارك بنفسه علي شاشة التليفزيون، ومن إعلان اجتماعه برئيس الوزراء في القرية الذكية.
الشائعات أقوي من الدولة، والدولة بلغت درجة من الضعف لم نعرفه من قبل.
لا أتحدث عن الضعف في مواجهة الخصوم السياسيين، فهي في ذلك قوية وباطشة ومستعدة لاعتقال عشرات الآلاف خلال أيام قليلة، في سبيل أن يبقي النظام.
لكن الدولة ضعيفة ومهزوزة وغير قادرة علي مواجهة الشائعات، لأن الناس فقدوا الثقة تماما في نظام الحكم، ومستعدون لتصديق أي شيء يقال لهم، لأن نظام الحكم لم يعمل حسابا للشعب في أي وقت، والنظام عندما يتحدث اليوم عن الشعب ويتحدث باسمه فالشعب لا يصدقه.
ما أتخوف منه هو المستقبل الغامض لبلادي، الذي أظهرت الشائعات أنه في مهب الريح، ويفتح أبواب المجهول.
أعرف أن الشعب المصري العظيم سوف يتجاوز كل ذلك، وسوف «يبلع» -كما هي عادته- هذه الفوضي في جوفه، فالنظام سوف يختفي والشعب هو الذي سيبقي، وقلقي نابع من أن الشعب هو الذي يدفع الثمن دائما.. وكل ذلك بسبب الرئيس أن مبارك لا يريد - وهو قادر - أن يرسم صورة واضحة لمستقبل الحكم في مصر.
نجح نظام الحكم الحالي في تحطيم إرادة المصريين وفي جعل الشعب يفقد الثقة تماما فيما يقوله رجاله.. وهذا هو السبب في فشل نظام الحكم في السيطرة علي تلك الشائعات وعجزه عن التصدي لها وإيقافها، فالناس وصل بهم درجة انعدام الثقة إلي أنها تتشكك فيما إذا كان الذي يظهر في الصورة أمامهم هو الرئيس مبارك أم لا، وهل هذه الصورة حديثة وحية أم قديمة!
وعندما يصل الأمر إلي هذا الحد، فليس أمام نظام الحكم سوي انتظار لحظة النهاية، وهي اقتربت، بينما الشعب باق .. باق.
عصيان حزبي
بقلم: محمد عبد الحكم دياب
الحدث التركي أكبر وأعمق مما نتصور, والسلفية العلمانية هي أكثر ما يعكر أجواءه رغم أنها تلعب في الوقت الضائع.(1) من يتابع الصحافة التركية هذه الأيام لابد أن يندهش حين يلاحظ أنه وسط التحولات الكبيرة التي تشهدها البلاد, فإن الرأي العام مشغول بحجاب السيدة خير النساء. وهذه السيدة هي زوجة رئيس الجمهورية الذي انتخب في الأسبوع الماضي. ومشكلتها أنها لا تؤدي الصلوات الخمس فحسب, انما الأدهي والأمر أنها محجبة. وعند غلاة العلمانيين فإن التهمة الأولي قد تغتفر, أما الثانية فلا تسامح معها ولا غفران. وبسبب حجاب رأسها ذاك فإنه لم يسمح لها بأن تكمل تعليمها وتلتحق بجامعة أنقرة قبل ربع قرن, فتمسكت به ورضيت أن تبقي في البيت. وفي ذلك الوقت لم تفطن إلي ما فعلته ابنتها حين التحقت بالجامعة أخيرا, إذ تمسكت بحجاب الرأس, ولكنها وضعت فوقه باروكة لكي تستمر في الجامعة.بعدما أصبح عبد الله جول رئيسا للجمهورية تحولت خير النساء إلي قنبلة. إذ اعتبر العلمانيون المتطرفون أن دخول سيدة محجبة إلي القصر الجمهوري إعلان عن تقويض النظام العلماني. ورغم أنهم احتملوا مكرهين وعلي مضض فكرة أن يجلس في مقعد كمال أتاتورك رجل مثل عبد الله جول يؤدي الصلوات الخمس, فإنهم لم يتصوروا مبدأ أن تدخل إلي القصر الجمهوري سيدة محجبة, واعتبروا أن مشاركتها في أي مناسبة رسمية كفر بواح بالعلمانية يتعذر احتماله أو قبوله.بسبب من ذلك فإن حجاب السيدة خير النساء أصبح إحدي أهم قضايا الساعة في تركيا. صحيح أن العسكر الذي يمثلون السلفية العلمانية قاطعوا حفل تنصيب الرئيس عبد الله جول, ورفض رئيس الأركان الجنرال يشار بيوك أنيت تأدية التحية له, لكنهم اعتبروا أن حضور زوجته احتفال عيد النصر, الذي كان أول مناسبة قومية رسمية حلت بعد التنصيب خطا أحمر, فلم يوجهوا إليها الدعوة. وقد أراحهم الرجل وامتص غضبهم حين أعلن أنه لن يصحب زوجته في الحفلات الرسمية, ثم مازحهم قائلا وأنه هو الرئيس, وليست هي, ولا غضاضة في حضوره لأنه ليس محجبا!هذا الكلام لم يوقف اللغط حول الموضوع, وإنما تساءل البعض عن موقف السيدة خير النساء حين تسافر مع زوجها إلي الخارج, وهل ستحضر حفلات الاستقبال التي ستقام للرجل أم لا؟ وتحدث آخرون عن محاولتها ارتداء حجاب يستوحي الموضة ولا يثير غضب العسكر. وقالوا إنها كلفت مصمم أزياء عالميا من أصول تركية يقيم في فيينا عاصمة النمسا منذ عشرين عاما ـ أسمه أتيل كوتوغلو ـ بأن يحل لها مشكلة الحجاب بتصميم يبتكره, ولم تعرف بعد نتيجة ذلك المسعي.(2) المشهد التركي في هذه الزاوية بدا عبثيا وبالغ الدلالة في ذات الوقت. وجه العبث فيه أن العسكر الذين اعتبروا أنفسهم حراس العلمانية, أصبح شاغلهم الأكبر هو الحفاظ علي الرموز والطقوس, من الحجاب إلي مراسم الحفلات الرسمية.أعني أنهم أصبحوا معنيين بالشكل أكثر من المضمون. وكان قادة حزب العدالة من الذكاء بحيث إنهم ركزوا من جانبهم علي الجوهر, وتركوا ساحة الطقوس والرموز للعسكر يصولون فيها ويجولون. وهو ما بدا تبادلا للأدوار في الصورة النمطية الشائعة لدي كثيرين, ممن يأخذون علي أصحاب التوجه الاسلامي عنايتهم بالأشكال, ويتباهون بنزوع العلمانيين إلي الاهتمام بقيم التغيير في المجتمع. في حين أن العكس تماما حاصل في المشهد التركي الراهن. أما دلالة هذا التركيز علي الطقوس والرموز فتتمثل في أن هذه هي المساحة التي بقيت للعسكر, بعدما تقلص دورهم بمضي الوقت. وبعدما نجح قادة حزب العدالة والتنمية في حشد أكبر إجماع شعبي حولهم, الأمر الذي قطع الطريق علي تغول العسكر وأضعف سطوتهم. وهم الذين قاموا بثلاثة انقلابات عسكرية في السابق( علي مدي السنوات1960 و70 و80) وفي الانقلاب الثاني أعدم رئيس الجمهورية عدنان مندريس بسبب ما قيل عن مشاعر دينية لديه, وهم أيضا من أسقط حكومة نجم الدين أربكان في منتصف التسعينيات من خلال انقلاب سلمي. لكنهم هذه المرة لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئا أكثر من معاندة رئيس الجمهورية الجديد علي النحو الذي سبقت الاشارة اليه, وإصدار بيان عشية انتخابه حذر فيه رئيس الأركان من أن أوكار الشر تسعي في خبث وسرية إلي النيل من النظام العلماني.(3) حين يكون ذلك غاية ما يستطيعه العسكر في مواجهة عهد جديد صنفه رئيس الأركان ضمن أركان الشر التي تهدد النظام العلماني, فمعناه أن ثمة عهدا ظهرت إرهاصاته في الأفق, يختلف عن كل العهود التي تعاقبت منذ إقامة الجمهورية قبل ثمانين عاما. وليس ذلك مجرد استنتاج, ولكنه يمثل أحد أهم حقائق المشهد التركي, التي أدركها نفر غير قليل من الباحثين والمعلقين, ممن لم يترددوا في وصف الوضع الراهن بأنه بداية ميلاد للجمهورية التركية الثانية. وهو المعني الذي عبر عنه بصيغة أخري رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان, حين قال إن تركيا أصبحت كطائرة علي مدرج الاقلاع, ولن يقف أمامها شيء. والعبارة يمكن فهمها علي أنها إعلان عن أن تركيا تشهد انطلاقة جديدة لا يستطيع العسكر إيقافها.الكلام عن الجمهورية الثانية ليس وليد اليوم. فقد ذكر الباحث السوري بكر صدقي في دراسة نشرتها صحيفة الحياة اللندنية(28 ـ8) أن الفكرة أطلقت في عام1991, حين كتب أستاذ الاقتصاد البروفيسور محمد ألتان مقالة دعا فيها الي نقد تاريخ الجمهورية القائمة, التي بناها مصطفي كمال أتاتوك في عشرينيات القرن الماضي. ووصفها بأنها دولة الوصاية العسكرية وتغييب سيادة الشعب, الأمر الذي انتهي بإقامة نظام تحكمت فيه الطبقة البيروقراطية العسكرية والمدنية. ولأن البروفيسور ألتان دعا أيضا إلي عودة الجيش إلي ثكناته وإلي محاكمة عن الانقلابات العسكرية في البلد, فإنه قدم إلي المحاكمة وأتهم بالخيانة الوطنية والعمالة للغرب والتآمر لتقسيم البلاد.. إلخ. لكن أفكاره لم تذهب هباء. وإنما كانت بمثابة حجر كبير ألقي في بحيرة النخبة السياسية الراكدة, فأثارت جدلا لايزال مستمرا, وكما وجدت ناقدين ومعارضين, فإنها لقيت آذانا صاغية. وأسست قاعدة من المؤيدين الذين ساندوا الفكرة وطوروها حتي تحولت إلي مشروع للتغيير, توافق مع مشروع حزب العدالة والتنمية وبرنامجه الذي خاض به الانتخابات. من أهم أولئك المؤيدين إضافة الي البروفيسور ألتاناثنان من أبرز الكتاب الأتراك هما جنكيز شاندار واثيين محجوبيان.الآن يتحدث منظرو الجمهورية الثانية بصوت عال, قائلين إن الكمالية حددت أهدافا ستة لمشروعها لم تكن الديمقراطية من بينها. وقد تم تقديس الكمالية وفرضها علي الناس من خلال مواد الدستور المتعاقبة التي صاغها العسكر. وتم تحريم وتخوين وملاحقة أي نقد يوجه اليها. كما حوربت الافكار المختلفة عنها بالتصفيات والملاحقات القضائية والحظر, مما أدي إلي شلل الحياة السياسية وتسطيح الثقافة وإعاقة نمو البلاد. يقول هؤلاء أيضا إن النهوض بالواقع التركي يتطلب الانتقال من النظام التسلطي الراهن إلي النظام الديمقراطي, ومن الاقتصاد الزراعي إلي الانتاجي, وذلك يتطلب نزع وصاية العسكر علي السياسة, وتغيير الدستور بما يتوافق مع المعايير الدولية للديمقراطية وحقوق الانسان, وتمكين دافع الضرائب من مراقبة كيف تنفق الحكومة حصيلتها. وهذه دعوة تستهدف قلب العلاقة القائمة بين المجتمع والسلطة رأسا علي عقب, بحيث يتحول المجتمع إلي سيد وتصبح الدولة في خدمته.(4) في حين ظل العلمانيون المتطرفون يخوضون معركتهم ضد الحجاب, ويتشبثون بميراث الكمالية التي عفا عليه الزمن, فإن فكرة الجمهورية الثانية لتجديد النظام التركي والنهوض به كانت تكبر وتكسب المزيد من الأنصار. وتزامن ذلك مع ظهور حزب العدالة والتنمية بمشروعه الذي كان يصب في نفس الوعاء. وكان من الطبيعي أن يلتقي المشروعان, وأن يعتبر متطرفو الجمهورية الثانية أن حزب العدالة هو القوة السياسية التي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق هدفهم المنشود. ونجح التوافق بين المشروعين لثلاثة أسباب رئيسية هي:* أنهما أصبحا يمثلان استجابة للظرف التاريخي الداعي إلي التغيير في تركيا.* إن الطرفين تعاملا مع بعضهما البعض بغير عقد. فدعاة الجمهورية الثانية ـ وهم علمانيون بإمتياز يصنفون ضمن المعتدلين ـ لم يجدوا غضاضة في التوافق مع الحزب بخلقيته الاسلامية وموقفه المعتدل. وكانت المصلحة الوطنية هي القاسم المشترك الأعظم بينهما. ومن ثم تحلل الطرفان من العقد المسكونة بالخوف والتوجس الشائعة في عالمنا العربي.* أن رموز الطرفين ينتمون إلي جيل الوسط الآتي من خارج دائرة السياسيين المحترفين, الذين تلوثوا بممارسات ودسائس وفساد المرحلة السابقة.تبدي ذلك التوافق بشكل واضح في مسألة ترشيح عبد الله جول لرئاسة الجمهورية. ذلك أنه حين بدا أن رجب طيب اردوغان تردد في مسألة الترشيح وفكر في استبدال آخر به, لتجنب الصدام مع المؤسسة العسكرية, فإن البروفيسور محمد ألتان الأب الروحي لمشروع الجمهورية الثانية, أطلق في تصريحات صحفية حملة تأييد لجول, وقال صراحة إن عدم ترشيحه سيؤدي إلي استقواء العسكر ويشجعهم علي الانقلاب.بعد انتخاب عبد الله جول, عاد الانسجام المفقود بين رئاسة الجمهورية والحكومة, وفقد العسكر حليفهم التقليدي في القصر الجمهوري, الأمر الذي فتح الباب واسعا للتقدم علي طريق تحقيق حلم الجمهورية الثانية. وهو ما لم تقصر فيه الحكومة التي كانت قد وعدت بإدخال تعديلات علي الدستور تضع الأساس لاحداث التغيير المنشود. فشكلت لجنة من الخبراء القانونيين البارزين توشك الآن علي الانتهاء من مهمتها, لطرح التعديل علي الاستفتاء العام في أواخر شهر أكتوبر المقبل.في دراسة للدكتور ابراهيم غانم أستاذ العلوم السياسية وخبير الشئون التركية نشرت بعدد أول سبتمبر من الملف الاستراتيجي الذي يصدره مركز الدراسات بالأهرام, عرض لأبرز معالم الدستور الجديد, تمثلت في أربعة أمور هي:* انتخاب رئيس الجمهورية بالتصويت المباشر بدلا من أن يكون التصويت مقصورا علي أعضاء البرلمان, بحيث تصبح مدة الرئاسة خمس سنوات بدلا من سبع, ولا يعاد انتخاب الرئيس لأكثر من مرة واحدة.* الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث تصبح مقصورة علي تعيين المحافظين والسفراء وبعض الأمور البروتوكولية الأخري.* زيادة أعضاء المحكمة العليا من11 إلي17.* وضع تصرفات الجيش تحت رقابة المؤسسات المدنية وعلي رأسها البرلمان والقضاء.إن في الحدث التركي الكثير مما يمكن الإفادة منه وتعلمه, بشرط أن يتوافر أمران, أولهما ديمقراطية حقيقية تقبل بالاحتكام إلي صناديق الانتخاب, وثانيهما توافق وطني تتخلي فيه التيارات السياسية عن عقدها ومرارتها التقليدية. وفي تجربتنا فإن كل واحد من الشرطين أصعب من الآخر.
حبوب الشجاعة بقلم مجدى مهنا
وسط حصار إعلامي، تم فيه منع الصحفيين ووسائل الإعلام من حضور لقاء جمال مبارك، أمين السياسات بالحزب الوطني، بطلبة الجامعات في مكتبة الإسكندرية أمس الأول «الثلاثاء»، وسمح فيه للتليفزيون المصري فقط بتسجيل وإذاعة لقطات منه، وتوزيع خبر بصيغة واحدة علي الصحف القومية، بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية.
لقاء جمال مبارك طلبة الجامعات، هو نفسه اللقاء السنوي الذي يعقده الرئيس حسني مبارك، بصفته رئيسا للجمهورية، مع طلبة الجامعات في الإسكندرية.. ويدور فيه نقاش بين الرئيس والطلبة حول مختلف الموضوعات والقضايا، ويتم فيه توزيع الأسئلة علي الطلبة بمعرفة وزير التعليم العالي.
في لقاء أمس الأول.. من المؤكد أن مصر كلها تتحدث اليوم عن طبيعة هذا اللقاء، وطرح العديد من التساؤلات.. إجاباتها كلها مفتوحة، ويبدو أن هذا مقصود في حد ذاته.. أي أن المقصود طرح هذه التساؤلات، حتي يتم رصد موقف الرأي العام منها، لإعادة رسم الخطط والتوجيهات والسيناريوهات المقبلة.
مثل هذا اللقاء السنوي بين الرئيس وطلبة الجامعات لا يحدث فجأة إنما له توقيت محدد من كل عام تقريبا، وهو لقاء تنفيذي وليس حزبيا، أي أنه لا يخص الحزب الوطني الحاكم، والرئيس مبارك لا يحضره بصفته رئيسا للحزب الوطني.. إنما بصفته رئيس الجمهورية.
وطبيعي أن نسأل عن الصفة التي حضر بها جمال مبارك أمين السياسات هذا اللقاء.. هل حضره بصفته الحزبية؟ الإجابة هي: لا، لأن اللقاء ليس حزبيا.
وبافتراض أنه لقاء حزبي ـ وهو ليس كذلك ـ فإن الطبيعي أن يحضره أمين عام الحزب الوطني صفوت الشريف، وليس جمال مبارك، ولأن اللقاء تنفيذي وليس حزبيا، وبافتراض أن هناك حائلا يمنع رئيس الجمهورية من حضور هذا اللقاء السنوي مع طلبة الجامعات بالإسكندرية، فإن الطبيعي أن يكلف الرئيس مبارك رئيس الوزراء بحضور اللقاء بالنيابة عنه.. وإذا كان هناك حائل يمنع رئيس الوزراء فإن التكليف سيكون لوزير التعليم العالي.
إذن ليست هناك صفة حزبية أو غير حزبية، يحق لجمال مبارك أن يحضر بها اللقاء.. إلا إذا حضره كمستمع مع الوزراء والضيوف، وليس بصفته رئيس الجمهورية.
وحسب معلوماتي، فإن جمال مبارك يشغل حتي الآن منصب أمين السياسات بالحزب الوطني.. ولا يشغل منصب رئيس الجمهورية، ولا منصب رئيس الوزراء، ولا منصب وزير التعليم العالي.. وبالتالي ليست له صفة في حضور اللقاء.
ومن المنتظر أن لقاء جمال طلبة الجامعات، سوف يجدد الشائعات مرة ثانية حول ملف التوريث وصحة الرئيس.. وبصراحة كده الشعب زهق.. وطلعت روحه من الكذب والتلاعب في هذين الملفين.
أذكر أنني في عام ٢٠٠١، التقيت اللواء هتلر طنطاوي، عندما كان يشغل منصب رئيس هيئة الرقابة الإدارية، وسألته: بأي صفة يسافر جمال مبارك مع والده في السفريات الرسمية إلي الخارج؟ وبأي صفة يشارك مع الوزراء في تلك اللقاءات الرسمية مع المسؤولين الأجانب؟
وقتها لم يعلق هتلر طنطاوي.. واقترحت عليه أن يحصل جمال مبارك علي أي منصب حزبي، يبرر له وللرأي العام دوره السياسي.. وبعد عدة شهور فكروا له في أمانة السياسات بالحزب الوطني.. لكن لم أكن أتصور أبدا أن يحضر جمال مبارك لقاء طلبة الجامعات السنوي في الإسكندرية بالنيابة عن رئيس الجمهورية.
بقلم مجدى مهنا
أخيرا تناول الدكتور بطرس غالي، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، حبوب الشجاعة.. وأدان التعذيب الذي تعرض له مواطنان مصريان علي أيدي الشرطة الكويتية.. وطالب وزير العدل الكويتي، في اتصال معه، بسرعة الانتهاء من التحقيقات في هذه القضية.
وهو تحرك محمود من الدكتور غالي لا نشكره عليه، لأنه لا شكر علي واجب، ومن واجب ومهمة واختصاص الدكتور غالي، ومجلسه القومي التصدي، لمثل هذه الانتهاكات.. وجاء هذا التحرك علي خلفية مبادرة وزارة الخارجية بإدانة التعذيب الذي تعرض له المصريان في الكويت بعبارات شديدة اللهجة.. وهي لهجة جديدة لا نألفها ولم تعرفها دبلوماسيتنا حماها الله من قبل.. فالمصريون يعذبون ويهانون ويقتلون أحيانا في كل بقاع الأرض.. وتحرك الخارجية كان ضعيفا، ولا يتناسب مع الجرائم التي ترتكب ضد المصريين في الخارج.
المهم أنه تطور جديد في عمل الخارجية المصرية.. ومن الدكتور بطرس غالي.
لكن ما يحيرني هو: هل تحرك الدكتور غالي جاء علي خلفية تحرك السلطات المصرية التي تصادف أنها تحركت هذه المرة.. أم أن تحركه جاء من واقع مسؤوليته وواجبه في التصدي لأي انتهاكات يتعرض لها المصري في الخارج أو الداخل.
إننا نريد أن نسمع صوت الدكتور غالي في قضايا التعذيب، التي يتعرض لها المصريون في الداخل، علي أيدي ضباط الشرطة في الأقسام، وفي داخل السجون.. ونريد أن نسمع منه إدانته الواضحة والصريحة لهذه الممارسات.. ونريد منه أن يجري اتصالات مع وزير الداخلية لمحاسبة رجاله علي هذه التجاوزات والجرائم التي يرتكبها البعض منهم حتي ولو كانوا قلة.. وأن نعرف من الدكتور غالي رأيه في الاعتقالات المستمرة لجماعة الإخوان المسلمين، وهل هي قانوني، وهدفها حماية أمن المجتمع، أم أنها تشكل اعتداء صارخا علي حقوق مواطنين سواء كانوا إخوان مسلمين أم «إخوان كفرة»؟
نريد من الدكتور غالي أن يسارع بالاتصال بالسيد وزير العدل المصري ـ وليس الكويتي ـ لكي يحثه علي تنفيذ أحكام القضاء التي طالبت بالإفراج عن مئات المعتقلين، ولماذا ترفض وزارة الداخلية تنفيذها؟
نريد من الدكتور بطرس غالي أن يأخذ «حبتين شجاعة» لكي يسأل نفسه: هل هو راض عن دوره في رئاسته المجلس القومي لحقوق الإنسان، أم لا؟.. وهل حبوب الشجاعة متوافرة فقط عندما يتعلق الأمر بحدث خارجي، أما في قضايا الداخل فالشجاعة منعدمة تماما؟
** عيب واستهانة بعقل القارئ، وعودة من جديد إلي سياسة التعتيم الإعلامي، أن تنشر «الأهرام» هذا الخبر، بهذه الطريقة في عدد الثلاثاء الماضي في طبعتها الدولية:
«أكد السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية أمس أن ما ذكره السيد وليد جنبلاط رئيس اللقاء الديمقراطي اللبناني، نقلا عن الرئيس مبارك، عند استقبال سيادته له في عام ٢٠٠٥، ليس صحيحا، وأضاف أبوالغيط: لا أعتقد أن الرئيس مبارك بحكمته المعروفة يمكن أن يدلي بالأقوال التي نسبت إليه».
انتهي الخبر.. الذي لم يقل لنا فيه أحمد أبوالغيط ماذا قال وليد جنبلاط، وما الذي نسبه إلي الرئيس مبارك من أقوال!
كما شاركت «الأهرام» في هذا التعتيم، بعدم ذكر ما قاله جنبلاط.
في اليوم نفسه ـ الثلاثاء الماضي ـ عالجت صحيفة «النهار» اللبنانية الخبر بالطريقة الصحيحة.
قالت: «نفي وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط أمس ما صدر عن رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط من أن الرئيس المصري حسني مبارك أبلغه أن الرئيس السوري بشار الأسد سوف يحاسَب علي اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري».
والفارق بين معالجة «الأهرام»، ومعالجة «النهار» اللبنانية. ليس في حاجة إلي تعليق مني.. كان الأفضل لـ«الأهرام» أن تمتنع عن نشر الخبر.. إذا لم يكن في مقدورها نشره كاملا.
بقلم مجدى مهنا
منذ أيام قررت وزيرة الصحة الكويتية- وليست اليابانية - «معصومة المبارك» تقديم استقالتها من منصبها الوزاري.. بسبب حريق اندلع في أحد المستشفيات يبعد ٤٠ كيلو مترا عن شمال العاصمة.
قالت الوزيرة الكويتية - وليست اليابانية -، في رسالة استقالتها إلي رئيس الوزراء الكويتي، إنها تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الحريق.
لم تقل الوزيرة الكويتية «وأنا مالي»، ولم تطلب التحقيق في معرفة أسباب الحريق ونتائجه، كنوع من التغطية علي الموضوع وإخلاء مسؤوليتها.. بل سارعت الوزيرة الكويتية - التي ليست لها جذور يابانية - بتقديم استقالتها، لأن الحريق أسفر عن وفاة اثنين من المواطنين.
كم وزيراً في مصر يتحلي بالشجاعة، ويستطيع إعلان تحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن عمل مثل هذا؟ وعما يجري داخل وزارته؟.. وكم وزيراً عليه الإسراع بتقديم استقالته، لوقوع تجاوزات صارخة وأزمات وقضايا فساد أكبر بكثير من وفاة مواطنين في حريق في أحد المستشفيات.
قطارات بالكامل احترقت.. ومات العشرات وأصيب المئات، ولم يعلن وزراء النقل المتعاقبون مسؤوليتهم السياسية، والأخلاقية.
وعشرات ومئات المرضي يموتون في المستشفيات، بسبب الإهمال الطبي الشديد، ولم يفكر وزير صحة واحد في تقديم استقالته.
ملايين المصريين أصيبوا بأنواع مختلفة من السرطانات، وحسب تصريح وزير الصحة، الدكتور حاتم الجبلي، فإن ١٣٨ ألف سيدة مصرية تموت سنويا بسبب سرطان الثدي فقط! وكل ذلك بسبب المبيدات المسرطنة والمياه الملوثة.. ولم يفكر وزير صحة أو وزير إسكان في تقديم استقالته، بل عمل بعض وزراء الإسكان علي استغلال منصبهم الوزاري في تكوين ثروة بمئات الملايين من الجنيهات.
والآلاف من المعتقلين في السجون دون جريمة ارتكبوها ودون توجيه اتهام لهم.. بل صدرت للمئات منهم أحكام بالبراءة والإفراج الفوري عنهم.. ومع ذلك فالسيد وزير الداخلية مشغول بمعركة البقاء في منصبه بإقناع نظام الحكم بأنه المدافع عنه.
يضاف إليها ظاهرة تعذيب المواطنين في العديد من أقسام الشرطة، ووفاة البعض منهم علي أيدي الضباط وأمناء الشرطة.. ولم يعلن وزير الداخلية تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن ذلك، كما فعلت الوزيرة الكويتية- وليست اليابانية.
ومنذ عامين احترق قصر ثقافة بني سويف، ومات بداخله العشرات من الصحفيين والنقاد والمبدعين، وقال رئيس قصور الثقافة: «وأنا مالي»، وقال وزير الثقافة: «لقد أخذ الموضوع أكثر من حجمه».
كل وزراء مصر، وكل مسؤوليها من الكبير حتي الوزير، في العشرين سنة الماضية، كان عليهم أن يقدموا استقالتهم، وأن يعلنوا تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الجرائم والفساد، الذي وقع في إطار عملهم الوزاري.. ومع ذلك لم يحدث، ولو مرة واحدة، علي سبيل الخطأ، أن استقال وزير واحد.. وكان مجلس سيد قراره يجدد البيعة والثقة في الوزير، وفي حكومته.
نحن في مصر لا نعرف ثقافة تحمل المسؤولية، فهي لا تعني عندنا المحاسبة والمساءلة، إنما تعني أن المسؤول بريء وغير مسؤول سياسيا وأخلاقيا عما يقع في وزارته.. وهذا هو السر في الفساد، الذي عرفته مصر في العقدين الأخيرين، بصورة غير مسبوقة في تاريخها الحديث.
ويا وزراء مصر، ويا مسؤوليها، تعلموا الشجاعة من «معصومة المبارك»، وهي وزيرة كويتية، ولا تنتمي إلي جذور يابانية.
ببساطةبقلم : ســيد عـلــي
{ لا أمل في هذه المنطقة طالما أن عدد الملاهي أكبر فيها من عدد الجامعات ومراكز البحث.{ بعد ما كان التأمين الصحي خدمة اجتماعية سيصبح مشروعا استثماريا.{ كل مليارات مارينا لم تفلح في انشاء مستشفي واحد للطوارئ يحمي علي الاقل روادها من الحوادث.{ حصل شاب علي96.5% في الثانوية ولم يلتحق بكلية الصيدلة, بينما حصل زميله علي82% ودخلها بفلوسه, ولا عزاء للمجانية والدستور.{ دخلت أمريكا العراق علي المذهب الشيعي نكاية في صدام حسين, وسوف ترحل علي المذهب السني نكاية في ايران.{ الفرق بين شرم الشيخ وكفر الشيخ ان الأولي تقع في آسيا والثانية في افريقيا.{ محدود الدخل هو من ليس من رجال الأعمال أو السمسمرة أو البنوك أو العبارات أو سكان الساحل الشمالي صيفا والغردقة شتاء.{ الشرطة في خدمة الشعب الذي يعينها.{ أرادت السيدة عائشة عبدالهادي حماية العمالة المصرية في الخارج فأبرمت اتفاقات ثنائية بعيدا عن الحس السياسي ووزارة الخارجية فتسببت في طردهم.{ يحسب للدكتور فتحي سرور أنه تعامل بقامة الكرسي الذي يجلس عليه في قضية الانبطاح فأطفأ الحريقة ووأد بؤرة جديدة للتوتر.{ رحل ادريس البصري وزير داخلية المغرب السابق ومعه ذنوب الشعب المغربي في مقبرته, ولكن بقيت مؤسساته الأمنية.{ بسرية تامة تحول ميناء اليخوت الدولي في مارينا إلي قصور سكنية تسمي لسان الوزراء السابقين.{ أفضل نصر هو الذي تحققه بدون معارك حتي لاتعطي خصمك شرف خصومتك.{ أهم دليل علي حيادية شوبير أن جماهير الأهلي تتهمه بمجاملة الزمالك, في حين يتهمه ممدوح عباس بالعكس.. عموما الخاسر الوحيد هو الزمالك بحجب نافذة اعلامية مهمة عن نشاطه.{ لن تكون في مصر كرة قدم شعبية تنافس طالما يحتكر الدوري شركات بلا جمهور.{ من الطبيعي ان تكون فيفي عبده نجمة مسرح الدولة, لأن المسرح يعكس عصره.{ يثبت احمد حلمي أن الكوميديا ليست بالإسفاف أو العري, وأن الفنان يمكن أن ينجح بدون شلة أو زعامة.{ الخاسر الوحيد في قناة الساعة هو الزميل مصطفي بكري, فلم يعد له وجود في الفضائيات بعد أن كان نجمها المفضل يوميا.{ تسعي روتانا بدأب خبيث لاستئصال الفن المصري بالتركيز علي كلاسيكيات بوس الواوا, والامر بالمنكر والنهي عن المعروف.{ كلام وليد جنبلاط لغو لا يعول عليه, فهو الاقطاعي وفي الوقت نفسه رئيس الحزب الاشتراكي.{ أدوات رجال الأعمال الآن الاقتراض من البنوك والعدوان علي النيل وطائرة خاصة وعضوية البرلمان وصحيفة وقناة تليفزيونية.{ في الدول العربية النظر إلي شعر المرأة المسلمة حرام وإلي جسد الأجنبية حلال!
بقلم مجدى مهنا
هذه رسالة خاصة أتوجه بها إلي قارئي الكريم.. وهي تختلف عن كل الرسائل اليومية التي أكتبها له.. ليس في موضوعها وإنما في درجة الإحساس الذي أكتب به.
فلم أشعر بالإهانة والخوف علي بلادي.. كما أشعر عليها اليوم وأنا في الغربة، ويتملكني إحساس بأن مصر اليوم بلا حكومة، وبلا دولة، وبلا نظام.
والسبب في هذا الشعور الذي يتملكني ويكاد يعتصرني، هو الأحداث التي تمر بها بلادي هذه الأيام من فوضي الشائعات، التي لا أول لها من آخر، والتي تكشف عن ضعف الإحساس بالمسؤولية لدي رجال نظام الحكم ومؤسساته، واستهتارهم بأمن الوطن والمواطن.
لقد ملأت الشائعات البلاد طولا وعرضا في الأيام العشرة الماضية عن صحة الرئيس مبارك، قبل زيارته القرية الذكية يوم الخميس قبل الماضي.. ولم تتوقف الشائعات حتي بعد زيارة الرئيس لها، فالرأي العام يريد أن يري الرئيس مبارك أمامه علي شاشة التليفزيون علي مدي الـ٢٤ ساعة في اليوم، لكي يصدق أن الرئيس بصحة جيدة، ويريد أن يتحدث الرئيس معه، حتي يطمئن إلي أن الصوت الذي يصاحب الصورة هو صوت الرئيس.
إلي هذه الدرجة بلغت درجة انعدام الثقة فيما تقوله الحكومة، وما تقوله السلطة ورجالها حول صحة الرئيس، أو حول ملف التوريث، أو حول إنجازات الحكومة أو حول أي شيء يجري في مصر.
من قبل كانت الشائعات تنطلق، ثم تموت بمجرد ظهور الرئيس مبارك، أو نشر خبر صغير عن قيام سيادته بافتتاح بعض المشروعات هنا أو هناك.
في هذه الأيام تنتشر الشائعات والدولة بكل أجهزتها ورجالها عاجزة عن وقف شلال الشائعات.
الشائعات أقوي من تصريحات المسؤولين التي تحاول طمأنة الرأي العام دون جدوي، وأقوي من ظهور الرئيس مبارك بنفسه علي شاشة التليفزيون، ومن إعلان اجتماعه برئيس الوزراء في القرية الذكية.
الشائعات أقوي من الدولة، والدولة بلغت درجة من الضعف لم نعرفه من قبل.
لا أتحدث عن الضعف في مواجهة الخصوم السياسيين، فهي في ذلك قوية وباطشة ومستعدة لاعتقال عشرات الآلاف خلال أيام قليلة، في سبيل أن يبقي النظام.
لكن الدولة ضعيفة ومهزوزة وغير قادرة علي مواجهة الشائعات، لأن الناس فقدوا الثقة تماما في نظام الحكم، ومستعدون لتصديق أي شيء يقال لهم، لأن نظام الحكم لم يعمل حسابا للشعب في أي وقت، والنظام عندما يتحدث اليوم عن الشعب ويتحدث باسمه فالشعب لا يصدقه.
ما أتخوف منه هو المستقبل الغامض لبلادي، الذي أظهرت الشائعات أنه في مهب الريح، ويفتح أبواب المجهول.
أعرف أن الشعب المصري العظيم سوف يتجاوز كل ذلك، وسوف «يبلع» -كما هي عادته- هذه الفوضي في جوفه، فالنظام سوف يختفي والشعب هو الذي سيبقي، وقلقي نابع من أن الشعب هو الذي يدفع الثمن دائما.. وكل ذلك بسبب الرئيس أن مبارك لا يريد - وهو قادر - أن يرسم صورة واضحة لمستقبل الحكم في مصر.
نجح نظام الحكم الحالي في تحطيم إرادة المصريين وفي جعل الشعب يفقد الثقة تماما فيما يقوله رجاله.. وهذا هو السبب في فشل نظام الحكم في السيطرة علي تلك الشائعات وعجزه عن التصدي لها وإيقافها، فالناس وصل بهم درجة انعدام الثقة إلي أنها تتشكك فيما إذا كان الذي يظهر في الصورة أمامهم هو الرئيس مبارك أم لا، وهل هذه الصورة حديثة وحية أم قديمة!
وعندما يصل الأمر إلي هذا الحد، فليس أمام نظام الحكم سوي انتظار لحظة النهاية، وهي اقتربت، بينما الشعب باق .. باق.
عصيان حزبي
بقلم: محمد عبد الحكم دياب
مصر الرسمية تجند مواردها وتحشد إمكانياتها وترصد أموالها من أجل إنجاح المؤتمر التاسع للحزب الحاكم، بعد أكثر قليلا من شهرين. وهذا وحده يكشف زيف دعاوي التعددية الحزبية. فأين هذا الحزب الذي تتاح له كل هذه الإمكانيات؟ علي الرغم أن بمصر 24 حزبا مرخصا، غير عدد آخر، غير قليل، ينتظر الحصول علي الإذن الحكومي. وأشهرهم حزب الكرامة العربية وحزب الوسط الإسلامي. ومن يوفر الموارد والإمكانيات والأموال حكومة ينسبها الحزب إلي نفسه. ومهمتها الأولي بيع مصر والتضييق علي باقي الأحزاب والمصادرة عليها، بطرق وأساليب شتي. وإذا ما صدّق حزبٌ الزيفَ الشائع وأراد أن يمارس معارضة جادة، يحارَب ويحاصَر ويلاحَق، ونموذج حزب العمل الإسلامي هو الأوضح في هذا المجال، أما إذا كان هناك من تصور أن تغيير المادة 76 يتيح له فرصة منافسة الرئيس ، فالمثل هو أيمن نور وحزبه. ها هم يقتلونه ببطء في السجن بعد أن ألغوا حزبه وسحبوا الاعتراف الحكومي به. شلت أيدي القوي الوطنية ومؤسسات الرأي العام، ومنظمات حقوق الإنسان، وغير الإنسان، وأضحت غير قادرة علي إنقاذ نور من الموت المحقق. والمثل الثاني، لكن بدرجة أقل، يمكن التعرف عليه من خلال ما جري لحزب الوفد. فزعيمه السابق نعمان جمعة صدق الزعم بأن الانتخابات الرئاسية، تقوم علي التنافس والتعدد. وكان ماكان من اقتتال، استخدمت فيه القنابل والأسلحة النارية، وانشق الحزب، وتعرض للتلاشي. فلم يبق منه إلا صحيفة ومقر وبعض أنصار.رهانات ليست في محلها، ومن يتعامل مع حكم ملّك الدولة لعائلة، عليه أن يتوقع أن ما حدث يحدث، ويعلم أن العائلة المالكة لا تسمح إلا بما تقدمه وتأمر به. وأقصاه تعددية زائفة. جعلت من الأحزاب كيانات ملحقة بها. وقد هالني وأنا أتابع انتخابات الرئاسة في 2005 ما صرح به زعماء أحزاب ، في الهواء وعلي صفحات الصحف. يعللون وجودهم برغبتهم في تقوية الحزب الحاكم!!. فكاهة من نوع رخيص. أحالت الحزب المعارض إلي قوة مضافة للخصم، سحبا من رصيد الذات، إذا كان بقي لها رصيد. وذلك ساعد في فهم لغز ضعف الأحزاب المصرية، وهو أنها قبلت العمل في بلاط العائلة ، وخدمة من يمسك بالعصا ويلوح بالجزرة، كأساس لبناء منظومة فساد سياسي وأخلاقي لا نظير لها. تردت بالوعي العام والخاص حتي قبل الزعيم الحزبي بمستوي من التسول والتهافت غير مسبوق. ولو تأمل الزعيم الحزبي قليلا لتأكد له أن الحزب الحاكم ليس حزبا، بل كيانا وظيفته المصادرة علي العمل الحزبي والسياسي، وتشويه معناه. ولذا يصعب وضعه تحت أي تصنيف، وهو لا يتعدي مستوي إدارة حكومية تابعة لرئيس الدولة. وإذا ضربنا المثل بالحزب الرأسمالي. بعيدا عن شبهة الانحياز الأيديولوجي، نجده يركز علي تزكية المبادرة الفردية، وقد قتلتها العائلة . ويعتمد المشروع الخاص لتحقيق التراكم اللازم للتقدم. وهو ما تم اختزاله في مشروع عائلي مهمته نقل الثروة الوطنية وأصولها إلي الأجانب والمحتلين السابقين. والحزب الرأسمالي يضع مطالب واحتياجات المجتمع، بكل فئاته وقواه وطبقاته، نصب عينيه. يوفر الخدمات ويرفع مستوي المعيشة. يحقق الأمان المادي والمكانة اللائقة، ويرفع القيمة الإنسانية والاجتماعية والسياسية للمواطن، وصولا إلي الرفاهية. وحزب العائلة يمارس عكس كل هذا تماما.سياسة الحزب الرأسمالي الداخلية تعمل علي تدليل مواطنيها، لتحصل علي ثقتهم وأصواتهم، لكنها تعي أن المخططات الخارجية لدولتها تحتاج إلي ظهير يسندها، وجبهة داخلية تؤَمّنها. لتهيمن وتعتدي وتغزو وتحتل وتبيد وتدمر، وتتيح لها الفرصة بهذا التدليل. ولولا هذا النزوع العدواني ما انحصر بريقه بالحدود السياسية للدول الرأسمالية، ولكانت الديمقراطية التي يدعو إليها قد اقترنت بالاستقلال الوطني، والتعاون الإقليمي، والعلاقات الدولية المتكافئة. وهذا ما جعل الوضع خارج حدود الغرب، كما نراه ونتابعه، مختلفا، لا يستثني منه إلا بلد كالهند، ومنطقتنا هي الشاهد الأعظم علي هذا التناقض، الذي يحول بين الديمقراطية الغربية وقابلية الاقتداء، خارج حدودها. وعدم قدرة حزب العائلة الحاكم علي استيعاب هذه المعادلة المختلة، نقله من مقام التابع إلي وضع العميل، حين بدأ وجوده بخدمة المصالح الغربية.كان ذلك علي المستوي النظري أما الوضع الميداني فإنه يهدد وجود الحزب والعائلة معا. فاختيار التوقيت ليس في صالحهما، وتفسير ذلك مؤجل حتي إشعار آخر. والضغط القوي للتعجيل بعملية التسلم من الأب إلي الإبن يكشف قصورا ذاتيا حادا، وتدنيا في الخبرة السياسية والميدانية بالغا. وعلي الرغم من انتقال الحكم الفعلي إلي الإبن منذ زمن، نجد أن التصرفات المصاحبة للاستعجال، أشعرت الأب بالخطر. ليس من الغاضبين والساخطين والثائرين ضده وضد عائلته ، إنما من أهله وصلبه. وشعر أن رئيس الوزارة، أحمد نظيف، إلي جانبه، في وقت اشتدت فيه حاجته إلي الأمان، عن طريق ضمان استمرار ولاء جهاز الدولة. ووجدت بقايا الحرس القديم في ذلك فرصتها الأخيرة للبقاء علي قيد الحياة السياسية. وحين اندلعت الحرب الأهلية في الرواق العائلي . اندلعت بين جبهة الأب ونظيف وبقايا الحرس القديم، وجبهة الإبن وأمانة السياسات، ووالدته سيدة القصر . عبرت عن نفسها في حملة ضارية ضد رئيس الوزراء. أدارتها سيدة القصر بما لها من نفوذ بالغ علي أجهزة الأمن والإعلام والثقافة والصحافة. لم تهدأ الحرب إلا بعد أن تركت تصدعات عميقة وشروخا غائرة، في جدران الرواق العائلي . فانقسم قسمين. أحدهما مع الإبقاء علي رئيس الوزراء، وآخر اختار رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة بديلا عنه.والمشهد خارج الرواق العائلي لا يبعث، علي الارتياح. فالسهام، التي شحذت لحسم الانتخابات الجارية داخل الحزب، ارتدت إلي نحور مطلقيها. فقيادات الحزب في الصعيد تشق عصا الطاعة، وتعلن العصيان، بدءا من قرية سيدة القصر ، في المنيا. وامتد الصدي إلي الوجه البحري والدلتا، ومن المنوفية مسقط رأس الأب الحائر. وانهالت الاستقالات الجماعية، وهي الأولي في تاريخ حكم العائلة . ووصل عددها إلي 500 استقالة حتي كتابة هذه السطور. ركزت كلها علي أسلوب التعامل وطرق الإقصاء، ومستوي البطش، وجهد أمين التنظيم في شراء الحزب بالمال والحوافز العينية لأتباع أمانة السياسات.هذا بعض ما جناه حسني مبارك علي نفسه ولنفسه، أضحي رهينة لدي الابن، ومحاصرا من سيدة القصر ، وكرة يتقاذفها رجال الأعمال، وإذا ما استدعي بقايا الحرس القديم، وعقد هدنة بين المتحاربين فقد لا ينجح. فأحمد عز يدعي السيطرة علي 60% من القيادات، مثله محمد دحلان الفلسطيني. إنه دحلان المصري، لا يملك السلاح إلا أنه يملك المال الطائل، الذي أثبت لديه أنه أمضي من أسلحة الدمار الشامل. والدحلانيون لا يقبلون بهدنة، فالهدنة تعني الهزيمة لـ الأقوياء . بجانب هناك عقدة خاصة بأمين التنظيم، اسمها زكريا عزمي. غير المرغوب فيه من جناح جمال مبارك. والتخلص منه ليس سهلا، وقد يزيد الحرب اشتعالا. ورحيله لن يكون كرحيل والي أو الشاذلي. فعزمي مؤتمن علي أسرار الأب. وعينه التي تري، وأذنه التي تسمع، ويده التي تبطش. وهو بعبع مختص بترويع أعضاء مجلسي الشعب والشوري، وقاهر الوزراء والمسؤولين. وأعلنت سيدة القصر أن مكان عزمي أصبح شاغرا، وطلبت وزير الإعلام أنس الفقي ليشغله. ومع ذلك فإن الاستغناء عنه قد يهدم المعبد علي من فيه. وصدم الأب الذي لم يكن يتوقع إنقلاب ابنه علي عمو زكريا . فقد كان في مقام ولي الأمر، والراعي، والمربي، والحامي. بعد أن وفيّ وكفيّ، ونفذ ما كلف به لتأهيل الابن للسيطرة، وتسويقه لجهاز الدولة، ومنظومة الأمن، والحرس الجمهوري. حتي أنه تخلي عن يوسف والي، أقرب الوزراء إلي قلب مبارك، لأن الابن امتعض منه، في أول اجتماع يحضره للأمانة، بعد تعيينه عضوا بها ومستشارا اقتصاديا لوالده، بدرجة وزير. والقصة نشرناها في حينها. هل من الممكن أن يقبل الأب بالفقي بديلا لعزمي؟ ويعلم أن ولاءه ليس له، وإذا قبل فهو قبول المرغم.من المتوقع ألا يمرر المؤتمر جدول الأعمال المطلوب منه؟ ويتركز حول تصفية بقايا الحرس القديم وامتداداته في الحزب والدولة. بشعار يقول بانتخابات تقضي علي التزكية والتربيطات ، وهما شيئان منسوبان للحرس القديم، بمن فيهم حسني مبارك نفسه!! والمشكلة فيما هو قادم، بعد أن تلاقت رغبة الأم مع مطلب الإبن، واتفاقهما علي إزاحة الأب وإحالته إلي الاستيداع، ويترك رئاسة الحزب لابنه. قطعا للطريق نهائيا علي بقايا الحرس القديم، وعلي زكريا عزمي بالذات، فالعلاقة وصلت معه إلي طريق اللاعودة، ومن أجل أن يبقي عز من الضروري اختفاء عزمي. وهل هذا ممكن؟. ومعني تَرْك الأب رئاسة الحزب هو فك الارتباط القائم بين الحزب والدولة. فيختل الميزان، وأول الضحايا هو مخطط التوريث . وجهاز الدولة موال بشكل آلي لرئيسه الأعلي. ولأن المؤهل الوحيد لجمال مبارك هو أنه ابن هذا الرئيس الأعلي، أي رئيس الدولة، وليس رئيس الحزب، فهل يبقي له وزن إذا ما وصل إلي رئاسة الحزب بدون الاستيلاء علي سلطة الدولة؟ وهل خروج ما يشاع عن تدهور صحة الأب، من داخل الرواق العائلي ، يمهد للاختفاء الكبير؟ بدعوي العجز لاعتلال الصحة، والخوف من الوفاة المفاجئة!!. تداعيات لم يكن يتوقعها أحد. حولت أمل استمرار العائلة ذاتها إلي سراب، وحلم التوريث إلي كابوس، وتم نسف المؤتمر قبل انعقاده. وإجهاض العملية الانتخابية، بتحرك سريع من الأب ألغتها فعليا . بإعلانه أول أمس أن قرارا جمهوريا لا حزبيا سيصدر بتعيين (لا انتخاب) أمناء الحزب في المحافظات، نهاية الشهر الجاري، في محاولة لإيقاف التداعيات وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فقد أكدت له أجهزة الأمن أن الانتخابات كانت لإزاحته بانقلاب عائلي ديمقراطي . ومن ذا الذي يدفع ثمن التسرع والهرولة نحو القمة الملغومة والملعونة، وإذا عقد المؤتمر، ولم يؤجل أو يلغ، فقد يكون مؤتمر الغياب الكبير، ولننتظر لنري
.
قلق علي مصر و خوف من المجهول
قلق علي مصر و خوف من المجهول
بقلم: د. حسن نافعة
ترددت خلال الأيام الأخيرة شائعات حول تدهور صحة الرئيس مبارك. وأثناء تواجدي بالقاهرة منذ حوالي عشرة أيام اتصل بي عدد من شباب الصحفيين لفت نظري انشغال أغلبهم بذات الموضوع.وبينما بدا بعضهم متشككا في صحة وعفوية تلك الشائعات وراح يتساءل عما عسي أن تكون عليه دوافع وأهداف الجهات المحرضة عليها، بدا بعضهم الآخر أكثر ميلا لتصديقها وراح يستفسر عما يمكن أن تكون عليه السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن يتخذه مسار الأحداث في مرحلة ما بعد مبارك. وعندما لاحظوا عدم حماسي للخوض في هذا الموضوع وراح بعضهم يلح في معرفة الأسباب، قدمت لهم ثلاثة مبررات لهذا العزوف:الأول: عدم توافر معلومات موثقة يمكن الاستناد إليها لنفي أو تأكيد صحة تلك الشائعات.والثاني: عدم الميل بطبعي للتعليق علي شائعات. وثالثا: حساسية الموضوع الفائقة واعتقادي أن استمرار الخوض فيه يثير المزيد من البلبلة ويسهم في تثبيت افتراضات لا وجود لأدني دليل علي صحتها.غير أن الشائعات حول ذات الموضوع ما لبثت أن راحت تتضخم بسرعة مثل كرة ثلج متدحرجة من فوق قمة جبل شاهق، لدرجة أن صحفيين آخرين قاموا بالاتصال بي في عمان وقالوا إنهم سمعوا من يردد أن الرئيس دخل في حالة غيبوبة وموات إكلينيكي وأصبح من الصعب إبقاؤه علي قيد الحياة دون أجهزة تنفس صناعي.وبعد ظهر يوم الخميس الماضي فوجئت بأحد أقاربي ممن لا علاقة لهم بالسياسة مطلقا يتصل بي تليفونيا من القاهرة ويسألني في جزع عن صحة ما يتردد في مصر الآن وينتشر كالنار في الهشيم. هنا بدأ قلق غامض يتسرب إلي أعماقي ويتحول رويدا رويدا إلي انزعاج حقيقي.وحين استمعت وأنا في طريق العودة إلي منزلي مساء اليوم نفسه إلي زميلي وصديقي الدكتور علي الدين هلال، مسؤول الإعلام في أمانة الحزب الوطني، يرد في الإذاعة البريطانية علي أسئلة حول ذات الموضوع نافيا بقوة صحة ما تردد من إشاعات، ومؤكدا علي أن الرئيس بصحة جيدة ويمارس عمله بصورة طبيعية وأن أجندته مزدحمة بمواعيد رسمية في الأسبوع القادم، أدركت أن الأمر خرج عن نطاق السيطرة ولم يعد محصورا في نطاق شائعات يتداولها الناس همسا وتحول إلي قضية تثير اهتمام الجميع وإلي مادة خبرية تتداولها وسائل الإعلام المختلفة.كان يفترض، حين تحرك الإعلام المصري وبث زيارة الرئيس مبارك للقرية الذكية، أن تتبدد تلك الشائعات كافة وتنتهي مرة واحدة وإلي الأبد. غير أن التشكيك طال الإعلام المصري نفسه حيث ادعي البعض أن الزيارة قديمة وأن البث لم يكن علي الهواء مباشرة، ليتجلي هنا إصرار عنيد علي تحدي الأجهزة الرسمية كافة والتشكيك في صحة ما تقول، وهو ما يعكس فجوة في المصداقية يندر أن نجد لها مثيلا في النظم السياسية الأخري، وهو أمر لافت للنظر بشدة ويستدعي أن نتوقف بالتأمل عند دلالاته العميقة والتي يمكن إجمال أهمها علي النحو التالي:أولا: وجود شعور دفين بالقلق علي ما قد يحدث في مصر بعد رحيل الرئيس مبارك، أمد الله في عمره. وفي تقديري أن هذا الشعور لم يعد مقصورا علي النخبة السياسية، مثلما كان الحال حتي وقت قصير، وإنما اتسع ليشمل في الوقت الحاضر عموم المصريين علي اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم.فمهما كانت التحفظات علي سياسات الرئيس مبارك والتي اتسع نطاقها كثيرا في السنوات الأخيرة، فإن ذلك لم ينف أبدا وجود إحساس عام لدي عموم المصريين بأن غياب مبارك في الوقت الراهن لن يفسح الطريق بالضرورة، خصوصا في ظل استمرار البنية الراهنة للنظام، أمام تطور نحو الأفضل. فالأرجح أن غيابه قد يفتح الباب واسعا أمام صراع علي السلطة لا يعلم إلا الله متي وكيف ينتهي، وربما يؤدي إلي انفجار وشيك، خصوصا إذا ما انتصر جناح التوريث.ثانيا: وجود حالة مرضية عامة تتجلي أعراضها في هياج سياسي ونفسي قابل للتضخيم وينزع بطبيعته نحو المبالغة. ولأنه عرف عن الرئيس مبارك فيما مضي انضباطه وحبه الشديد للعمل، وقدرته علي البقاء في مكتبه ساعات طويلة، وحرصه البالغ علي مباشرة صلاحياته بنفسه والاهتمام بكل التفاصيل، مع ميل غريزي للعزوف عن تفويض أي من صلاحياته لآخرين، إلا في أضيق الحدود وعند الضرورة القصوي، فقد كان من الطبيعي أن يتسرب إلي النفوس شعور عميق بالقلق علي مستقبل البلاد راح يتضاعف تدريجيا مع تدهور حالة الرئيس الصحية والتي تجلت من خلال عدد من المؤشرات منها:١- وقوع الرئيس مغشيا عليه أثناء إلقائه خطابا في مجلس الشعب كانت كاميرات التليفزيون المحلية والعالمية تنقله علي الهواء مباشرة.٢- قيامه بإجراء عملية جراحية في ألمانيا وتكرر سفره للخارج في زيارات معلنة ـ وغير معلنة ـ تردد أن هدفها كان إجراء فحوصات طبية.٣- ميله منذ سنوات لقضاء معظم أوقاته في مدينة شرم الشيخ أو في منتجعات أخري خارج العاصمة، مع الاكتفاء مؤخرا بدور هو إلي البروتوكولية أقرب منه إلي دور رأس السلطة التنفيذية.٤- عزوفه مؤخرا عن القيام بأنشطة محددة كان يبدو فيما مضي حريصا عليها إلي درجة الولع، مثل لقائه السنوي بالمثقفين في معرض الكتاب وبالطلاب في جامعة الإسكندرية. ولأن النظام المصري معتم بطبيعته ولا ينطوي علي ما يكفي من الشفافية للتعرف علي حقيقة مرض الرئيس، فقد كان من الطبيعي أن تؤدي هذه المؤشرات إلي ظهور بيئة صالحة للشائعات.ثالثا: التغلغل التدريجي لشعور عام بالقلق علي مستقبل مصر وبالخوف من المجهول في ظل:١- رفض الرئيس مبارك تعيين نائب له.٢- وجود حالة من الاستقطاب السياسي الحاد بين الحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين، مع عدم اطمئنان الشعب إلي انفراد أي منهما بالحكم، وبالتالي بروز حالة من الفراغ السياسي تدفع بالدولة نحو المجهول.٣- إدخال تعديلات دستورية مشوهة قطعت الطريق أمام أي إمكانية للقيام بعملية إصلاح سياسي حقيقي ومتدرج بالطرق السلمية.٤- تزايد دور مبارك الابن في الحياة السياسية المصرية بالتوازي مع تراجع دور مبارك الأب وعلي نحو بدا معه الابن وكأنه الرئيس الفعلي لمصر وليس مجرد رئيسها المحتمل.ربما يكون البعض قد وجد في قيام جمال بلقاء الطلاب في جامعة الاسكندرية وغياب الأب عنه أوضح دليل علي دخول مصر مرحلة جديدة لا سند لها في قانون أو دستور.وليس من المستبعد أن تكون أطراف سياسية نافذة في بنية النظام نفسه هي التي ساهمت في إطلاق شائعة موت الرئيس حين بدأت بدورها تحس بعد لقاء الاسكندرية بالقلق علي مصر وبالخوف من المصير المجهول الذي ينتظرها.أما الدافع وراء ذلك فلا يخرج عن كونه واحدا من احتمالين، الأول: إطلاق بالون اختبار لقياس ردود الفعل المحتملة لما قد يحدث في المستقبل، الثاني: لفت انتباه جناح التوريث في الحزب الوطني إلي حجم المشاعر المعادية لهذا السيناريو عند المصريين إذا ما حدثت حالة فراغ سياسي فجائي.أتمني، مخلصا، للرئيس مبارك دوام الصحة وطول العمر. لكن ذلك لا يحول دون مطالبته بالتفكير فيما قد يحدث في مصر إذا ما حلت مشيئة الله سبحانه وتعالي فجأة وفي أي لحظة. ففي ظل الأوضاع السياسية والدستورية الراهنة يستحيل علي أي شخص آخر سوي مرشح الحزب الحاكم تولي منصب رئيس الدولة. ولن يكون أمام الحزب الوطني في هذه الحالة سوي واحد من بديلين لشغل منصب رئيس الدولة.الأول: ترشيح جمال مبارك لشغل المنصب، وفي هذه الحالة لن يصدق أحد أبدا داخل مصر أو خارجها أن العملية التي أتت بالابن رئيسا لخلافة والده تحظي بأي قدر من الشرعية أو المصداقية.والأرجح أن يتحول المنصب الخطير عندئذ إلي عبء علي صاحبه وعلي مصركلها وليس وسيلة للنهضة والإصلاح، بصرف النظر عن كفاءة شاغره أو إخلاصه ووطنيته.الثاني: ترشيح الحزب الحاكم شخصا آخر غير جمال، وفي هذه الحالة لن يكون للتعديلات الدستورية التي تمت أي معني.لذا نأمل من الرئيس مبارك أن يتأمل ما جري ويشرع علي الفور في اتخاذ إجراءات تسمح بتخفيف حدة الاحتقان القائم، وفي تقديري أن تفادي وقوع الانفجار القادم يتطلب من الرئيس:١- تعيين نائب له يحظي باحترام وتأييد أوسع قطاعات ممكنة من النخبة.٢- البدء فورا في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتعديل المادتين ٧٦ و٧٧ من الدستور للسماح بتوسيع نطاق الترشيح لمنصب الرئاسة وقصره علي فترة ولاية قابلة للتجديد مرة واحدة. أما بقاء الحال فبات من المحال.
لماذا هاجم الاسرائيليون ليبرتى؟
الذكرى الأربعون لحرب 1967 تثير ذكريات مريرة لدى الضابط السابق بالبحرية الأمريكية جاري بروميت.كان بروميت في الـ21 من العمر يخدم على متن السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي قبالة السواحل المصرية في 8 يونيو حزيران عام 1967 عندما تعرضت سفينته لقصف جوي وبحري دون سابق إنذار.وأسفر الهجوم الذي استغرق 40 دقيقة عن مقتل 40 على الأقل وإصابة 170 آخرين وإلحاق أضرار جسيمة بالسفينة.وكان هذا الهجوم من جانب أقرب حلفاء الولايات المتحدة.. إسرائيل التي قالت إنها كانت تستهدف السفينة الحربية المصرية القصير، ولكنها أخطأتها وهاجمت ليبرتي.وانتهت العديد من التحقيقات الأمريكية والاسرائيلية إلى أن الحادث كان محض مصادفة.ولكن الأمر بالنسبة لبروميت، وغيره من المؤمنين بنظرية المؤامرة، فان السلطات الأمريكية متورطة في عملية تعتيم على ما قامت به إسرائيل.ومن جانبه، قال بروميت " اليوم يضايقني الموضوع بدرجة أكبر من ساعة وقوعه، حيث أنني أصبحت أعرف الكثير من الحقائق، لقد قيل للشعب الأمريكي الكثير من الأكاذيب، وهو لا يعرف حقيقة ما حدث".جدللقد كان الهجوم على ليبرتي أخطر حادث في تاريخ العلاقات الأمريكية الاسرائيلية، وقد اثار الكثير من الجدل.ويقول مؤيدو إسرائيل إن الحادث مجرد أداة استخدمها منتقدو إسرائيل لمهاجمتها، في حين يقول المعارضون إن الهجوم جريمة حرب لم يتم إلقاء الضوء عليها.ووفقا لإسرائيل فان ما وقع "حادث مأساوي" ناجم عن نيران صديقة وسط ضباب الحرب. وتقول إسرائيل إنها اعتقدت أن السفينة تقصف القوات الاسرائيلية التي تقاتل في سيناء، وإن طياريها لم يروا أي علم أمريكي، في حين يقول الناجون إنه كانت هناك ثلاثة أعلام أمريكية على ظهر السفينة.وأضاف تقرير للجنة تحقيق مستقلة صدر في عام 2003 ثقلا لآراء المشككين، حيث قال "إن الهجوم على السفينة ليبرتي هو الحادث البحري الخطير الوحيد الذي لم يجر فيه الكونجرس تحقيقا عميقا".ومن أشهر النظريات حول أسباب هجوم إسرائيل على سفينة الاستطلاع ليبرتي، وكانت كلفتها 40 مليون دولار، هو أنها رصدت المذبحة التي قامت بها إسرائيل ضد الأسرى المصريين.وقد نفت إسرائيل بشدة قيامها بقتل أسرى مصريين، وقالت إن القتلى كانوا 250 مسلحا فلسطينيا لقوا حتفهم في القتال.وتقول نظرية أخرى، إن السيفنة علمت بخطة إسرائيل لغزو سوريا فكان لزاما تدميرها."نظرية الصدام الأمريكي"وهناك نظرية أخرى، طرحها الصحفي بيتر هونام عام 2003 في كتابه "العملية سيانيد".ويزعم هونام إن عناصر سرية داخل الحكومتين الأمريكية والاسرائيلية قررت قصف السفينة وإلقاء اللوم على مصر وحلفائها السوفيت لتبرير رد فعل كاسح يضمن النصر لاسرائيل.وقال هونام "إن الهجوم على ليبرتي كان معدا سلفا قبل تنفيذه بعام على الأقل". ويضيف قائلا "لقد تم إرسال ليبرتي إلى مكان خطير للغاية كي تكون عرضة للهجوم".وتابع قائلا "كان الهدف إغراق السفينة وقتل كل من كان على متنها، ولكن لأنها ظلت طافية فقد تم إحباط الخطة التي تقرر دفنها في غياهب السرية.أمر رئاسيولم تزل التحقيقات الأمريكية والاسرائيلية المتتالية حول القضية الشكوك التي أحاطت بالحادث.ويقول المحامي المتقاعد بالبحرية الأمريكية الكابتن وارد بوستن إن النتائج التي توصلت إليها المحكمة التي كانت تنظر الموضوع قد تغيرت فيما بعد. وزعم أن رئيس المحكمة الأدميرال إيزاك كد أبلغه أن الرئيس الأمريكي حينئذ ليندون جونسون ووزير الدفاع روبرت ماكنيمارا طلبا إليه أن ينتهي التحقيق إلى أن الهجوم ناجم عن التباس في هوية السفينة.ولكن العديد من الأكاديميين والمؤلفين يرفضون هذه الآراء.يقول جاي كريستول، القاضي الفيدرالي ومؤلف كتاب حادث ليبرتي "إن سلسلة من التخبطات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل هي التي اسفرت عن هذا الحادث المأساوي ولا شئ أكثر من ذلك".وتابع قائلا "إن كل التقارير الرسمية انتهت إلى نفس النتيجة".وأضاف قائلا "من سوء الحظ، هناك من هم على الجانب الآخر في النزاع العربي الاسرائيلي وهم يعتقدون أن الحادث مدخل لمهاجمة العلاقات القوية بين إسرائيل والولايات المتحدة ومازالوا يحالون".لا دليلويتفق المؤرخ البارز مايكل أورين ، وهو من مركز بحوث شالم في القدس، مع هذا الرأي.ويقول "هناك الآلاف من الوثائق المتعلقة بالسفينة ليبرتي، ولا يوجد دليل واحد يؤدي أي من نظريات المؤامرة هذه".وتابع قائلا "بالنسبة لنظرية الجولان، فانه يسهل دحضها بسبب موقع ليبرتي التي كانت قبالة سواحل مصر وليس إسرائيل ولم تكن أجهزة تنصتها بالقوة الكافية لاستراق السمع إلى الاتصالات في تل أبيب".وأضاف قائلا "ثم ان الاسرائيليين أبلغوا الأمريكيين سلفا بنواياهم الاستيلاء على الجولان وقد وافقت واشنطن على ذلك".ومضى يقول "وفيما يتعلق بالمذبحة ضد الأسرى المصريين لا يوجد دليل على ذلك، ولماذا يحاول الاسرائيليون التعتيم على مذبحة بارتكاب أخرى".وقال إن الهجوم على ليبرتي مازال يثير الجدل "ففيه كل مواصفات الفضيحة الاستخباراتية، فهي تشمل عمليات تجسس وتشمل الإسرائيليين الذين كانوا دوما محور نظريات المؤامرة".
لماذا هاجم الاسرائيليون ليبرتى؟
الذكرى الأربعون لحرب 1967 تثير ذكريات مريرة لدى الضابط السابق بالبحرية الأمريكية جاري بروميت.كان بروميت في الـ21 من العمر يخدم على متن السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي قبالة السواحل المصرية في 8 يونيو حزيران عام 1967 عندما تعرضت سفينته لقصف جوي وبحري دون سابق إنذار.وأسفر الهجوم الذي استغرق 40 دقيقة عن مقتل 40 على الأقل وإصابة 170 آخرين وإلحاق أضرار جسيمة بالسفينة.وكان هذا الهجوم من جانب أقرب حلفاء الولايات المتحدة.. إسرائيل التي قالت إنها كانت تستهدف السفينة الحربية المصرية القصير، ولكنها أخطأتها وهاجمت ليبرتي.وانتهت العديد من التحقيقات الأمريكية والاسرائيلية إلى أن الحادث كان محض مصادفة.ولكن الأمر بالنسبة لبروميت، وغيره من المؤمنين بنظرية المؤامرة، فان السلطات الأمريكية متورطة في عملية تعتيم على ما قامت به إسرائيل.ومن جانبه، قال بروميت " اليوم يضايقني الموضوع بدرجة أكبر من ساعة وقوعه، حيث أنني أصبحت أعرف الكثير من الحقائق، لقد قيل للشعب الأمريكي الكثير من الأكاذيب، وهو لا يعرف حقيقة ما حدث".جدللقد كان الهجوم على ليبرتي أخطر حادث في تاريخ العلاقات الأمريكية الاسرائيلية، وقد اثار الكثير من الجدل.ويقول مؤيدو إسرائيل إن الحادث مجرد أداة استخدمها منتقدو إسرائيل لمهاجمتها، في حين يقول المعارضون إن الهجوم جريمة حرب لم يتم إلقاء الضوء عليها.ووفقا لإسرائيل فان ما وقع "حادث مأساوي" ناجم عن نيران صديقة وسط ضباب الحرب. وتقول إسرائيل إنها اعتقدت أن السفينة تقصف القوات الاسرائيلية التي تقاتل في سيناء، وإن طياريها لم يروا أي علم أمريكي، في حين يقول الناجون إنه كانت هناك ثلاثة أعلام أمريكية على ظهر السفينة.وأضاف تقرير للجنة تحقيق مستقلة صدر في عام 2003 ثقلا لآراء المشككين، حيث قال "إن الهجوم على السفينة ليبرتي هو الحادث البحري الخطير الوحيد الذي لم يجر فيه الكونجرس تحقيقا عميقا".ومن أشهر النظريات حول أسباب هجوم إسرائيل على سفينة الاستطلاع ليبرتي، وكانت كلفتها 40 مليون دولار، هو أنها رصدت المذبحة التي قامت بها إسرائيل ضد الأسرى المصريين.وقد نفت إسرائيل بشدة قيامها بقتل أسرى مصريين، وقالت إن القتلى كانوا 250 مسلحا فلسطينيا لقوا حتفهم في القتال.وتقول نظرية أخرى، إن السيفنة علمت بخطة إسرائيل لغزو سوريا فكان لزاما تدميرها."نظرية الصدام الأمريكي"وهناك نظرية أخرى، طرحها الصحفي بيتر هونام عام 2003 في كتابه "العملية سيانيد".ويزعم هونام إن عناصر سرية داخل الحكومتين الأمريكية والاسرائيلية قررت قصف السفينة وإلقاء اللوم على مصر وحلفائها السوفيت لتبرير رد فعل كاسح يضمن النصر لاسرائيل.وقال هونام "إن الهجوم على ليبرتي كان معدا سلفا قبل تنفيذه بعام على الأقل". ويضيف قائلا "لقد تم إرسال ليبرتي إلى مكان خطير للغاية كي تكون عرضة للهجوم".وتابع قائلا "كان الهدف إغراق السفينة وقتل كل من كان على متنها، ولكن لأنها ظلت طافية فقد تم إحباط الخطة التي تقرر دفنها في غياهب السرية.أمر رئاسيولم تزل التحقيقات الأمريكية والاسرائيلية المتتالية حول القضية الشكوك التي أحاطت بالحادث.ويقول المحامي المتقاعد بالبحرية الأمريكية الكابتن وارد بوستن إن النتائج التي توصلت إليها المحكمة التي كانت تنظر الموضوع قد تغيرت فيما بعد. وزعم أن رئيس المحكمة الأدميرال إيزاك كد أبلغه أن الرئيس الأمريكي حينئذ ليندون جونسون ووزير الدفاع روبرت ماكنيمارا طلبا إليه أن ينتهي التحقيق إلى أن الهجوم ناجم عن التباس في هوية السفينة.ولكن العديد من الأكاديميين والمؤلفين يرفضون هذه الآراء.يقول جاي كريستول، القاضي الفيدرالي ومؤلف كتاب حادث ليبرتي "إن سلسلة من التخبطات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل هي التي اسفرت عن هذا الحادث المأساوي ولا شئ أكثر من ذلك".وتابع قائلا "إن كل التقارير الرسمية انتهت إلى نفس النتيجة".وأضاف قائلا "من سوء الحظ، هناك من هم على الجانب الآخر في النزاع العربي الاسرائيلي وهم يعتقدون أن الحادث مدخل لمهاجمة العلاقات القوية بين إسرائيل والولايات المتحدة ومازالوا يحالون".لا دليلويتفق المؤرخ البارز مايكل أورين ، وهو من مركز بحوث شالم في القدس، مع هذا الرأي.ويقول "هناك الآلاف من الوثائق المتعلقة بالسفينة ليبرتي، ولا يوجد دليل واحد يؤدي أي من نظريات المؤامرة هذه".وتابع قائلا "بالنسبة لنظرية الجولان، فانه يسهل دحضها بسبب موقع ليبرتي التي كانت قبالة سواحل مصر وليس إسرائيل ولم تكن أجهزة تنصتها بالقوة الكافية لاستراق السمع إلى الاتصالات في تل أبيب".وأضاف قائلا "ثم ان الاسرائيليين أبلغوا الأمريكيين سلفا بنواياهم الاستيلاء على الجولان وقد وافقت واشنطن على ذلك".ومضى يقول "وفيما يتعلق بالمذبحة ضد الأسرى المصريين لا يوجد دليل على ذلك، ولماذا يحاول الاسرائيليون التعتيم على مذبحة بارتكاب أخرى".وقال إن الهجوم على ليبرتي مازال يثير الجدل "ففيه كل مواصفات الفضيحة الاستخباراتية، فهي تشمل عمليات تجسس وتشمل الإسرائيليين الذين كانوا دوما محور نظريات المؤامرة".
07-06-13
بين الأمل واليأس
بقلم: د. يحيى الجمل
عبارة بعينها تكاد تتردد في كل التعليقات التي أتلقاها علي ما أكتب: هل مازال لديك أمل أم أنك تنفخ في قربة مقطوعة؟حالة الإحباط واليأس العام من كل رغبة حقيقية في الإصلاح هي التي تسيطر علي عقلية ومشاعر الغالبية من الشعب المصري، سواء في ذلك المثقفون وأنصاف المثقفين وعامة الناس.وأحسب أن الزمرة الحاكمة في مصر ترحب بهذا الإحساس بالقنوط واليأس وفقدان الأمل، لأن هذا يترتب عليه فقدان الرغبة في المقاومة والسعي نحو الإصلاح وهمود الهمم والركون إلي السلبية واللامبالاة وتركهم يتصرفون بلا رقيب ولا حسيب ويملكون زمام السلطة وزمام الثروة ويفعلون بالبلاد والعباد ما يشاؤون.ومن أجل ذلك فإن التمسك ببعض الأمل وبعض الرغبة في المقاومة والسعي نحو قدر من الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي يصبح واجب عين أو فرض عين علي كل مصري يفكر في أمر هذا البلد ويريد إنقاذه من الوهدة التي تردي إليها.لقد سمعت واحداً من الرجال المختصين الذين يعرفون كثيراً من الحقائق والذين يحرصون علي صدق كل كلمة يقولونها أن ما أصاب الاقتصاد المصري في السنوات الثماني الأخيرة هو كارثة حقيقية بكل المعايير ومصدره في هذا الحكم هو التقارير الرسمية من البنك المركزي المصري ومن المؤسسات المالية الدولية وما ينشر من أرقام مفزعة عن حجم الدين الخارجي والداخلي.وفي هذه السنوات الثماني انهارت البنية الأساسية التي كانت الإنجاز الأساسي لنظام الرئيس مبارك في أول عهده، وأصبح الحصول علي «جيركن» ماء من الآمال الكبيرة لكثير من أهل مصر، وأصبحنا نسمع عن القري بل المحافظات العطشي ونسمع عن الذين يشربون من مياه اختلطت بمياه الصرف الصحي.وأظن أنه لا يلتقي عدد من المصريين علي أي مستوي من المستويات إلا وكان حديثهم متشابهاً أو متقارباً.البلد رايح علي فين؟ إيه اللي بيحصل؟ لحد إمتي؟والكآبة هي المظلة التي تظلل الكل والشعور باليأس والقنوط والاستسلام هو الغالب.وينفض السامر والكل يتساءل وما العمل.. ولا أحد يجد جواباً شافياً.أليست هذه هي الصورة التي نقابلها كلما التقينا مع نظرائنا وأصدقائنا ومعارفنا، وأليس هذا هو محور أحاديث الجميع ومنهم بعض المسؤولين وبعض الحاكمين الذين مازال لديهم قدر من الإحساس بالمسؤولية وقدر من الخوف علي مصر التي هانت علي الكثرة من أبنائها حتي إنهم لا يفكرون إلا في كيفية الفرار والهروب من السفينة قبل أن... ... ... والعياذ بالله.هذه هي الصورة التي انتهت إليها أحوال مصر في هذه الأيام العجاف.ولكن هل يعني هذا أن نستسلم لليأس وأن نترك الأمور تجري علي هذا النحو الذي يهدد بوقوع كارثة إذا استمر؟هناك إجابتان، إجابة مستسلمة مذعنة، وإجابة أخري مؤملة مقاومة.أما الإجابة المستسلمة المذعنة والتي يريدها ويحرص عليها ويغذيها أهل الحكم بمظنة أنها تطيل في أمد بقائهم فهي التي تقول لا أمل في شيء، لندع الأمر كله للحاكمين ولحزبهم وأمانة سياساته وحكومته ونوابه وقبل هذا وبعده لجهازه الأمني الشديد البأس والمراس يفعلون بمصر ما يشاؤون فقد أصبحت مصر في نظرهم «عزبة» يملكونها ويتصرفون في أمرها ومصيرها علي نحو ما يريدون.وتقديري أن هذا المسلك اليائس والبائس ليس في صالح أحد قط، لا الحاكمين ولا المحكومين.هذا المسلك سينتهي إلي انفجار لن يبقي ولن يذر، وأمارات هذا الانفجار واضحة لا تخفي علي عين بصيرة، هذا الاحتقان القائم بين كل فريق والدولة وبين كل أحد وأحد وهذه التوترات والاحتجاجات التي لم تنقطع يوماً واحداً طوال العام الذي انقضي والتي هي غريبة علي شعب مصر تماماً، هذه التوترات والإضرابات والاعتصامات والمصادمات، وهذه الممارسات القمعية الوحشية التي يمارسها جهاز الأمن في كل مناسبة ومن غير مناسبة -كما حدث أخيراً وبلا مبرر مع أحد المحامين في محافظة القليوبية- هذه الظواهر كلها تتجمع وتلتقي مع بعضها وتجعل -إذا تركت هكذا- يوم الانفجار المدمر غير بعيد.هذا هو اليأس وهذه هي محصلته.وأما الإجابة المؤملة الصامدة فهي التي تدعو إلي بعث روح الصلابة والمقاومة والنضال في الشعب المصري من أجل إنقاذ مصر من هذا المصير الكارثي الذي ينتظرها إذا عمدنا إلي اليأس واللامبالاة وترك الأمور تجري كما يريد لها الحزب الحاكم في مصر.لابد من بعث روح الأمل والعمل والإقدام والتصدي، وكل مفردة من هذه المفردات لها معناها المقصود، الأمل هو الذي يجعل للحياة معني ذلك أنه لا معني للحياة مع اليأس كما قال مصطفي كامل منذ قرن كامل من الزمان، وعندما يوجد الأمل في النفوس أو في بعض النفوس علي الأقل، فإنه سيدفع البعض إلي العمل، والعمل علي المستوي الفردي لا جدوي منه، لابد من العمل الجماعي، ومن هنا فإن بعث الحيوية في المجتمع المدني بكل تصنيفاته من جمعيات ومؤسسات ونقابات وأحزاب وتوجيه بوصلة هذه المنظمات جميعاً نحو الصالح العام ونحو إنقاذ مصر من الكارثة هو الأمر الذي يجب أن نتجه إليه جميعاً.لا يكفي أن يشجع بعض منا البعض الآخر لأنهم بدأوا التحرك في هذا الاتجاه، لا يكفي التشجيع ويجب أن يحل محله المشاركة. إن مصر تحتاج إلي جهد كل المخلصين من أبنائها، وعلي كل المخلصين من أبنائها أن يضعوا أيديهم في أيدي البعض. ما أكثر ما أسمع كلمات التشجيع والرضا والثناء في كل مكان أذهب إليه وفي كل مجتمع أحل فيه، ولا شك أن هذا يسعدني ولكن هذا غير كاف، إننا نحتاج إلي أن نعمل جميعاً كالبنيان المرصوص.نعمل من أجل ماذا؟أولاً: نعمل جميعاً وكأننا نشكل كتيبة التنوير المتقدمةالتي تطهر العقل المصري من الخوف والخزعبلات والخرافات وتقديس الحاكم الفرعون، والتي تبشر بالعقل الناقد الواعي المبدع المستنير عن طريق تعليم يعيد صقل العقد وينأي عن حشو الذاكرة، ورحم الله شيوخنا إذ قالوا المعقول قبل المنقول.ثانياً: نعمل جميعاً من أجل إرساء قيم الديمقراطية، والديمقراطية لم تعد حديثاً بغير معني، الديمقراطية حددتها تجارب البشرية علي مدي قرون هي مشاركة الناس علي أوسع نطاق في السلطة بحيث يكون المحكومون هم الحاكمون كما قال «جان جاك روسو» وغيره كثيرون: الانفصال بين الحاكم والمحكوم هو جوهر النظم الاستبدادية، والاتصال بين الحاكم والمحكوم هو مقدمة النظم الديمقراطية.ولذلك فإن الديمقراطية تقوم علي حكم الأغلبية وعلي حق الأقلية في أن تعارض وتبشر برأيها لتصبح أغلبية، وهكذا يتم تداول السلطة التي بغيرها أيضاً لا تقوم ديمقراطية.وسيادة القانون فوق إرادات الأفراد جميعاً حاكمين قبل المحكومين هي ركن أساسي في النظام الديمقراطي، وتوزيع السلطة وعدم تركيزها هو أيضاً من أركان الديمقراطية ومن هنا قيل إنه في النظام الديمقراطي توجه سلطة تشريعية منتخبة من الشعب انتخاباً عاماً مباشراً حراً وهناك سلطة تنفيذية، لابد أن تحظي بثقة السلطة التشريعية وسلطة قضائية قائمة بذاتها مستقلة عن السلطتين الأخريين وتخضع بدورها لحكم الدستور والقانون وتقوم هي بحماية الدستور والقانون.هذا هو النظام الديمقراطي كما أنضجته قرون متصلة منذ أيام الإغريق وحتي قيام الثورة الفرنسية وإلي الآن.ثالثاً: يجب أن نبشر جميعاً وأيدينا في أيدي بعض أن التقدم والتحضر يقوم علي الأساسين السابقين، الإيمان بالعقل المبدع الناقد، الإيمان بالمنهج العلمي في الحياة، الإيمان بالبحث العلمي والديمقراطية بما تعنيه من حقوق للإنسان وتداول للسلطة وسيادة حكم القانون.علينا جميعاً أن نقنع شعبنا بكل الوسائل أن هذا هو الطريق ولا طريق غيره إذا كنا نريد أن يكون لنا مكان بين الأمم والشعوب، وإذا كنا نريد لشعبنا أن يعيش كريماً عزيزاً علي أرضه وبعيداً عن أرضه أيضاً.هذا هو الطريق، هذا هو الأمل، وهذا هو العمل، وهذه هي الحياة الحرة الكريمة.
ليــس بكـــرة القـــــدم تتحـــــدد مصــــائر الأمـم!
ليــس بكـــرة القـــــدم تتحـــــدد مصــــائر الأمـم!
بقلم: صلاح الدين حافظ
من مهازل الأيام الحاضرة, أن تتخذ نتيجة مباراة في كرة القدم, مبررا لتهديد علاقات تاريخية بين دولتين, هما مصر والسودان, كثيرا وصفت بأنها علاقات أزلية, لأنها علاقات توائم, ربط بينهما حبل سري واحد, هو نهر النيل شريان الحياة لكليهما, فوق إرادتهما أصلا..ولقد أتت مباراة كرة القدم بين أكبر ناديين في البلدين, وأكثرها شعبية, هما الأهلي المصري والهلال السوداني, لتفتح ملفا شائكا بين البلدين, وتثير أشجانا قديمة, ترسبت في الوجدان الشعبي, مثلما ترسخت في دهاليز البيروقراطيات الحاكمة فيهما عبر العقود, وخصوصا منذ استقلال السودان عن مصر في منتصف خمسينيات القرن الماضي, وتحديدا في يناير1956.. مباراة في كرة القدم, انتهي شوطها الأول بفوز الأهلي وانتهي شوطها الثاني بفوز الهلال, وكان من المفترض أن تمضي الأمور عادية في ظل تبادل الفوز والهزيمة, لكن المذهل أن تدفع اشتباكات انفعالية بين اللاعبين, إلي الخوض في صميم العلاقات المصرية ـ السودانية, لتنبش في أعماقها, وتستعيد ذكريات الماضي البعيد, فتتداول ألفاظ وعبارات من نوع الثأر التاريخي والموت والمقابر وهزيمة الاستعمار والنظرة الاستعلائية, وكسر أنوف المستكبرين, إلي غير ذلك من عبارات, لا تنكأ جراحا قديمة فقط, ولكن تعبر أيضا عن ضيق ورفض لما آلت إليه العلاقات الأزلية من تدهور, حتي علي المستوي الشعبي!بداية أنا من أشد المؤمنين بحتمية العلاقات الأزلية هذه, وبضرورة حمايتها من عبث العابثين المحليين والخارجيين, وبضرورة تنميتها, ولكن وفق أسس راسخة تقوم علي المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة, بين دولتين تتجاوران في الحدود, وتتقاسمان المياه سر الحياة, وتتشاركان في تاريخ طويل مشترك منذ آلاف السنين, عبر حضارات فرعونية ونوبية وسودانية قديمة..ومن الملاحظ اليوم, أن هذه العلاقات تبدو من الناحية الرسمية والإعلامية, علي مايرام, نراه عند الحد الأدني, لكنها تتعرض بين فترة وأخري لهزات قوية تكشف عن أن أساس البناء المشترك, ليس عند حده الأقصي من القوة والصلابة, الأمر الذي ينعكس مباشرة علي الأحاسيس والمشاعر الشعبية والعواطف الانفعالية, كما حدث في ملابسات مباراة الأهلي والهلال في أم درمان قبل أسابيع, وتطايرت فيها الشعارات الساخنة من رءوس ملتهبة هناك, انعكست علي رءوس ملتهبة هنا!والأمر يحتاج إلي كثير من المصارحة والمكاشفة, فثمة اعتقاد راسخ لدي يري أن هذه العلاقات المصرية ـ السودانية, التي يجب أن تكون نموذجية بين شعبين هما الأقرب جوارا وصهرا ونسبا وحياة مشتركة, ليست علي ما نحب ونرجو, بل يسودها برود غير مبرر, وربما جفاء غير معلن, لأسباب عديدة, برغم إدراكي أن هناك من سيخرج غدا في القاهرة والخرطوم, مؤكدا عكس ذلك, منتقدا الذين يدعون البرود والجفاء, نافيا أي توتر رسمي أو شعبي, برغم ما حدث في ملابسات مباراة كرة القدم مثلا...***حسنا... أدعي أن الميراث التاريخي لايزال يلقي بظلاله الداكنة, منذ أن غزا الجيش المصري السودان في القرن التاسع عشر, سواء باسم مصر الخديوية, أو باسم الخلافة العثمانية, ومنذ أن تقاسمت مصر وبريطانيا السيطرة وتقسيم النفوذ هناك, وصولا لثورة يوليو1952, التي اتخذت قرارا تاريخيا بمنح السودان استقلاله, وهو قرار إن كان أسعد السودانيين, فقد أغضب مصريين كثيرين, ممن كانوا يؤمنون بأن مصر والسودان بلد واحد أو حتة واحده, أولئك الذين اتهموا عبدالناصر بالتخلي عن توءم الروح, تحت الضغط البريطاني الاستعماري, المدفوع بتيارات انفصالية سودانية!!وليس من عبث الأقدار, ولكن من سوء الإدارة وفشل السياسة, أن تظل العلاقات الثنائية بين دولتين مستقلتين, مصر والسودان, حبيسة نظرية سودانية تقول إن مصر مازالت تعامل السودان وفق نظرة خديوية, أي استعمارية, بينما تقابلها نظرية مصرية أخري, يقول طرف منها حسنا تخلصنا من عبء ثقيل, ويتحسر طرف ثان علي خطيئة تخلي ثورة يوليو عن السودان بالموافقة علي استقلاله, بينما طرف ثالث يلجأ إلي اللامبالاة بكل ما يجري في جنوب الوادي..عبث الأقدار الحقيقي, يكمن في كيف انتقلت العلاقات من النظرة الخديوية, إلي النظرة اللامبالية, دون نضج حقيقي يجعل من هذه العلاقات نموذجا فريدا بين شقي الروح وتوءم المصير.. هنا يكمن الفشل التاريخي, الذي يجعل هذه العلاقات عرضة للبرود أو الجمود أو التوتر!ويجب أن نعترف بأن البلدين يواجهان الآن مشكلات مصيرية, تحتم تعاونهما, فالسودان يعاني آثار الحروب الأهلية العرقية والمذهبية, ومن ثم فهو يواجه التقسيم الفعلي, الذي نراه قد أصبح واقعا, فالجنوب بعد الحروب يجري نحو الانفصال, والغرب دارفور في ظل ما هو حادث يتطلع للانفصال, وربما يحدث ذلك في الشرق أيضا, ليبقي القلب وحيدا محاصرا ومعزولا, ولا مخرج له إلا مصر شمالا..ومصر هي الأخري تعاني مشكلات عديدة, يطل رأسها واضحا الآن, وينام جسدها في الخفاء, لكنه قادم, حيث تحيطها الحروب والصراعات الدامية من كل اتجاه, لكن التخريب في داخلها يعبث بصميم وحدتها الوطنية, تطلعا للتقسيم أيضا, ما بين دويلة للمسلمين, وثانية للمسيحيين, وثالثة للنوبيين, ورابعة للسيناويين, فإذا أضفنا لكل ذلك ضيق المساحة مع ضيق الرزق والموارد, فإن التطلع للسودان يظل هو المخرج, ليس فقط بحكم تدفق ماء النيل عبره, ولكن لأسباب استراتيجية أخري كثيرة يعرفها العامة والخاصة..هنا نقول إنه من الخطأ القاتل, أن يظل الهاجس الأمني بمفهومه الضيق, مع الهاجس المائي, يسيطران علي بعض صناع السياسة المصرية تجاه السودان, فالأمر أوسع وأهم, ولعل حصر العلاقات في هذا المنظور الأمني والمائي وحده, قد قيد الاستراتيجيات المصرية تجاه السودان, بقدر ما شجع القوي الإقليمية والتدخلات الأجنبية, علي السعي الدائم لتوتير العلاقات المصرية ـ السودانية للفصل بينهما من ناحية, ولتمرير المخططات الغربية لتقسيم السودان, ولاستغلال ثرواته الطبيعية والمعدنية, خصوصا النفط الواعد من ناحية أخري, وهو أمر صادف هوي بعض التيارات والقوي السياسية السودانية, فمالت إلي الغرب وتعمدت الابتعاد عن مصر, بل كراهيتها!***ولقد انعكس ذلك كله, القصور المصري والتباعد السوداني, أي الإهمال المتبادل, علي المخططات الأخيرة لتحديد مستقبل السودان, ما بين الوحدة والانفصال, فقد وضح تهميش الدور المصري, بل الدور العربي كله, خلال محادثات إنهاء الصراع المسلح في جنوب السودان, وصولا لاتفاقية نفاشا الشهيرة في2005, مثلما وضح فيما بعد في اتفاقية أبوجا الخاصة بمشكلة دارفور2006 والمحادثات الجارية حول المشكلة حتي الآن.ومقابل ذلك, جري تفعيل وتقوية دول الجوار خصوصا إثيوبيا وكينيا وأوغندا وكذلك نيجيريا, إضافة إلي امتلاك الاتحاد الإفريقي زمام القيادة, في غيبة حقيقية للجامعة العربية, اللهم إلا حضور حفلات التوقيع, ولم يكن ذلك ليتم إلا بموافقة حقيقية علي الأقل من جانب الطرف الأصيل وهو السودان, تعبيرا عن تجاهل الدور المصري والعربي, أو عن اهمالهما السابق للشأن السوداني!وإن دل ذلك كله علي شئ فهو يدل علي عدم سلامة وصحة العلاقات خصوصا بين مصر والسودان, وتجاهلهما المشترك لطبيعة العلاقات الاستراتيجية, وهي العلاقات التي يصفها المأثور الشعبي بالأزلية, فكيف تكون أزلية والمصائر تحدد في ملاعب خارجية, وبأقدام وأفكار وأفعال أجنبية!الآن... مصر والسودان, تواجهان تحديات المستقبل العصيبة, ولا مفر أمامهما سوي إعادة صياغة علاقاتهما الأزلية وفق نظرة ورؤية استراتيجية جديدة, تتخلص من موروثات الماضي, وتتطلع إلي المستقبل بما فيه من مصالح مشتركة ومنافع متبادلة..* مصر في حاجة قصوي للسودان منفذها إلي قلب إفريقيا, ومصدر مائها وريها روح الحياة, تفضله موحدا, ولكن اذا ما جري خط التقسيم, فإن صعوبات قاسية ستواجهها استراتيجيا وأمنيا ومائيا وبشريا...* والسودان في حاجة إلي مصر غدا أكثر من أمس واليوم, خصوصا إذا تم تقسيمه وتحقق مخطط الانفصال المرسوم, جنوبا وغربا وشرقا, ليظل القلب محاصرا لا مخرج له إلا مصر شمالا...هذا هو التحدي... كيف تستعيد التوائم لحمة الجسد والعقل والروح, بمنطق المصالح المشتركة, وليس بلهيب العواطف والمشاعر الساخنة, والإهمال والإهمال المتبادل, الذي لم يفرز إلا الخيبة والحسرة!وهنا ننادي بدور جديد للقوي الشعبية والتيارات السياسية والفكرية العاقلة, لتبادر بإعادة النظر في الأمر, وبوضع تصور جديد لعلاقات مشتركة سوية ومتكافئة, مادامت حكوماتنا فشلت في ذلك وأسلمت القياد للآخرين.
من مهازل الأيام الحاضرة, أن تتخذ نتيجة مباراة في كرة القدم, مبررا لتهديد علاقات تاريخية بين دولتين, هما مصر والسودان, كثيرا وصفت بأنها علاقات أزلية, لأنها علاقات توائم, ربط بينهما حبل سري واحد, هو نهر النيل شريان الحياة لكليهما, فوق إرادتهما أصلا..ولقد أتت مباراة كرة القدم بين أكبر ناديين في البلدين, وأكثرها شعبية, هما الأهلي المصري والهلال السوداني, لتفتح ملفا شائكا بين البلدين, وتثير أشجانا قديمة, ترسبت في الوجدان الشعبي, مثلما ترسخت في دهاليز البيروقراطيات الحاكمة فيهما عبر العقود, وخصوصا منذ استقلال السودان عن مصر في منتصف خمسينيات القرن الماضي, وتحديدا في يناير1956.. مباراة في كرة القدم, انتهي شوطها الأول بفوز الأهلي وانتهي شوطها الثاني بفوز الهلال, وكان من المفترض أن تمضي الأمور عادية في ظل تبادل الفوز والهزيمة, لكن المذهل أن تدفع اشتباكات انفعالية بين اللاعبين, إلي الخوض في صميم العلاقات المصرية ـ السودانية, لتنبش في أعماقها, وتستعيد ذكريات الماضي البعيد, فتتداول ألفاظ وعبارات من نوع الثأر التاريخي والموت والمقابر وهزيمة الاستعمار والنظرة الاستعلائية, وكسر أنوف المستكبرين, إلي غير ذلك من عبارات, لا تنكأ جراحا قديمة فقط, ولكن تعبر أيضا عن ضيق ورفض لما آلت إليه العلاقات الأزلية من تدهور, حتي علي المستوي الشعبي!بداية أنا من أشد المؤمنين بحتمية العلاقات الأزلية هذه, وبضرورة حمايتها من عبث العابثين المحليين والخارجيين, وبضرورة تنميتها, ولكن وفق أسس راسخة تقوم علي المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة, بين دولتين تتجاوران في الحدود, وتتقاسمان المياه سر الحياة, وتتشاركان في تاريخ طويل مشترك منذ آلاف السنين, عبر حضارات فرعونية ونوبية وسودانية قديمة..ومن الملاحظ اليوم, أن هذه العلاقات تبدو من الناحية الرسمية والإعلامية, علي مايرام, نراه عند الحد الأدني, لكنها تتعرض بين فترة وأخري لهزات قوية تكشف عن أن أساس البناء المشترك, ليس عند حده الأقصي من القوة والصلابة, الأمر الذي ينعكس مباشرة علي الأحاسيس والمشاعر الشعبية والعواطف الانفعالية, كما حدث في ملابسات مباراة الأهلي والهلال في أم درمان قبل أسابيع, وتطايرت فيها الشعارات الساخنة من رءوس ملتهبة هناك, انعكست علي رءوس ملتهبة هنا!والأمر يحتاج إلي كثير من المصارحة والمكاشفة, فثمة اعتقاد راسخ لدي يري أن هذه العلاقات المصرية ـ السودانية, التي يجب أن تكون نموذجية بين شعبين هما الأقرب جوارا وصهرا ونسبا وحياة مشتركة, ليست علي ما نحب ونرجو, بل يسودها برود غير مبرر, وربما جفاء غير معلن, لأسباب عديدة, برغم إدراكي أن هناك من سيخرج غدا في القاهرة والخرطوم, مؤكدا عكس ذلك, منتقدا الذين يدعون البرود والجفاء, نافيا أي توتر رسمي أو شعبي, برغم ما حدث في ملابسات مباراة كرة القدم مثلا...***حسنا... أدعي أن الميراث التاريخي لايزال يلقي بظلاله الداكنة, منذ أن غزا الجيش المصري السودان في القرن التاسع عشر, سواء باسم مصر الخديوية, أو باسم الخلافة العثمانية, ومنذ أن تقاسمت مصر وبريطانيا السيطرة وتقسيم النفوذ هناك, وصولا لثورة يوليو1952, التي اتخذت قرارا تاريخيا بمنح السودان استقلاله, وهو قرار إن كان أسعد السودانيين, فقد أغضب مصريين كثيرين, ممن كانوا يؤمنون بأن مصر والسودان بلد واحد أو حتة واحده, أولئك الذين اتهموا عبدالناصر بالتخلي عن توءم الروح, تحت الضغط البريطاني الاستعماري, المدفوع بتيارات انفصالية سودانية!!وليس من عبث الأقدار, ولكن من سوء الإدارة وفشل السياسة, أن تظل العلاقات الثنائية بين دولتين مستقلتين, مصر والسودان, حبيسة نظرية سودانية تقول إن مصر مازالت تعامل السودان وفق نظرة خديوية, أي استعمارية, بينما تقابلها نظرية مصرية أخري, يقول طرف منها حسنا تخلصنا من عبء ثقيل, ويتحسر طرف ثان علي خطيئة تخلي ثورة يوليو عن السودان بالموافقة علي استقلاله, بينما طرف ثالث يلجأ إلي اللامبالاة بكل ما يجري في جنوب الوادي..عبث الأقدار الحقيقي, يكمن في كيف انتقلت العلاقات من النظرة الخديوية, إلي النظرة اللامبالية, دون نضج حقيقي يجعل من هذه العلاقات نموذجا فريدا بين شقي الروح وتوءم المصير.. هنا يكمن الفشل التاريخي, الذي يجعل هذه العلاقات عرضة للبرود أو الجمود أو التوتر!ويجب أن نعترف بأن البلدين يواجهان الآن مشكلات مصيرية, تحتم تعاونهما, فالسودان يعاني آثار الحروب الأهلية العرقية والمذهبية, ومن ثم فهو يواجه التقسيم الفعلي, الذي نراه قد أصبح واقعا, فالجنوب بعد الحروب يجري نحو الانفصال, والغرب دارفور في ظل ما هو حادث يتطلع للانفصال, وربما يحدث ذلك في الشرق أيضا, ليبقي القلب وحيدا محاصرا ومعزولا, ولا مخرج له إلا مصر شمالا..ومصر هي الأخري تعاني مشكلات عديدة, يطل رأسها واضحا الآن, وينام جسدها في الخفاء, لكنه قادم, حيث تحيطها الحروب والصراعات الدامية من كل اتجاه, لكن التخريب في داخلها يعبث بصميم وحدتها الوطنية, تطلعا للتقسيم أيضا, ما بين دويلة للمسلمين, وثانية للمسيحيين, وثالثة للنوبيين, ورابعة للسيناويين, فإذا أضفنا لكل ذلك ضيق المساحة مع ضيق الرزق والموارد, فإن التطلع للسودان يظل هو المخرج, ليس فقط بحكم تدفق ماء النيل عبره, ولكن لأسباب استراتيجية أخري كثيرة يعرفها العامة والخاصة..هنا نقول إنه من الخطأ القاتل, أن يظل الهاجس الأمني بمفهومه الضيق, مع الهاجس المائي, يسيطران علي بعض صناع السياسة المصرية تجاه السودان, فالأمر أوسع وأهم, ولعل حصر العلاقات في هذا المنظور الأمني والمائي وحده, قد قيد الاستراتيجيات المصرية تجاه السودان, بقدر ما شجع القوي الإقليمية والتدخلات الأجنبية, علي السعي الدائم لتوتير العلاقات المصرية ـ السودانية للفصل بينهما من ناحية, ولتمرير المخططات الغربية لتقسيم السودان, ولاستغلال ثرواته الطبيعية والمعدنية, خصوصا النفط الواعد من ناحية أخري, وهو أمر صادف هوي بعض التيارات والقوي السياسية السودانية, فمالت إلي الغرب وتعمدت الابتعاد عن مصر, بل كراهيتها!***ولقد انعكس ذلك كله, القصور المصري والتباعد السوداني, أي الإهمال المتبادل, علي المخططات الأخيرة لتحديد مستقبل السودان, ما بين الوحدة والانفصال, فقد وضح تهميش الدور المصري, بل الدور العربي كله, خلال محادثات إنهاء الصراع المسلح في جنوب السودان, وصولا لاتفاقية نفاشا الشهيرة في2005, مثلما وضح فيما بعد في اتفاقية أبوجا الخاصة بمشكلة دارفور2006 والمحادثات الجارية حول المشكلة حتي الآن.ومقابل ذلك, جري تفعيل وتقوية دول الجوار خصوصا إثيوبيا وكينيا وأوغندا وكذلك نيجيريا, إضافة إلي امتلاك الاتحاد الإفريقي زمام القيادة, في غيبة حقيقية للجامعة العربية, اللهم إلا حضور حفلات التوقيع, ولم يكن ذلك ليتم إلا بموافقة حقيقية علي الأقل من جانب الطرف الأصيل وهو السودان, تعبيرا عن تجاهل الدور المصري والعربي, أو عن اهمالهما السابق للشأن السوداني!وإن دل ذلك كله علي شئ فهو يدل علي عدم سلامة وصحة العلاقات خصوصا بين مصر والسودان, وتجاهلهما المشترك لطبيعة العلاقات الاستراتيجية, وهي العلاقات التي يصفها المأثور الشعبي بالأزلية, فكيف تكون أزلية والمصائر تحدد في ملاعب خارجية, وبأقدام وأفكار وأفعال أجنبية!الآن... مصر والسودان, تواجهان تحديات المستقبل العصيبة, ولا مفر أمامهما سوي إعادة صياغة علاقاتهما الأزلية وفق نظرة ورؤية استراتيجية جديدة, تتخلص من موروثات الماضي, وتتطلع إلي المستقبل بما فيه من مصالح مشتركة ومنافع متبادلة..* مصر في حاجة قصوي للسودان منفذها إلي قلب إفريقيا, ومصدر مائها وريها روح الحياة, تفضله موحدا, ولكن اذا ما جري خط التقسيم, فإن صعوبات قاسية ستواجهها استراتيجيا وأمنيا ومائيا وبشريا...* والسودان في حاجة إلي مصر غدا أكثر من أمس واليوم, خصوصا إذا تم تقسيمه وتحقق مخطط الانفصال المرسوم, جنوبا وغربا وشرقا, ليظل القلب محاصرا لا مخرج له إلا مصر شمالا...هذا هو التحدي... كيف تستعيد التوائم لحمة الجسد والعقل والروح, بمنطق المصالح المشتركة, وليس بلهيب العواطف والمشاعر الساخنة, والإهمال والإهمال المتبادل, الذي لم يفرز إلا الخيبة والحسرة!وهنا ننادي بدور جديد للقوي الشعبية والتيارات السياسية والفكرية العاقلة, لتبادر بإعادة النظر في الأمر, وبوضع تصور جديد لعلاقات مشتركة سوية ومتكافئة, مادامت حكوماتنا فشلت في ذلك وأسلمت القياد للآخرين.
..***** خير الكلام: يقول البارودي:فهل من فتي في الدهر يجمع بيننافليس كلانا عن أخيه بمستغني
الصحف تحمل سفير أمريكا مسئولية شائعات مرض مبارك ...وعمدة قرية الطفل قتيل شرطة المنصورة يهدد باعتقال شقيق القتيل ..وباشوات أمن الدولة يشهدون أنهم يستقون معلوماتهم عن الإخوان من الإعلام ..غضب في صحف المعارضة بسبب التحقيق مع ابراهيم عيسى
خاص-المصريون : بتاريخ 4 - 9 - 2007
مع انطلاقة ثلاثاء جديد في عمر مصر الغير محروسة خرجت صحف القاهرة المستقلة والمعارضة حاملة قدرا كبيرا من الامتعاض بشأن خبر استدعاء نيابة أمن الدولة لإبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور للتحقيق معه بتهمة نشر أقاويل حول مرض الرئيس مبارك ...وفي سياق موازما زالت أخبار الأقاويل المنتشرة حول مرض مبارك تخيم على الحصف المصرية التي اجتمعت على نسب مسئولية نشر هذه الشائعات للسفير الأمريكي "دوني" ....ومن أبرز الصحف التي تحدثت عن الأدوار المشبوهة للسفير الأمريكي في القاهرة جريدة الجيل الأسبوعية والتي رشحت "دوني" لأن يكون هو رئيس الوزراء القادم لمصر ...وبعيدا عن قصة مرض الرئيس ومدى مصادقيتها أو كذبها ..نطالع من جريدة المصري اليوم خبرا حول تهديد عمدة قرية "شها" بالدقهلية والتي شهدت مقتل الطفل "محمد" 12 سنة على يد ضباط ومباحث قسم المنصورة باعتقال الشقيق الأكبر للطفل القتيل إذا لم ترضخ الأسرة وتسحب اتهاماتها للشرطة بقتل ابنها.. المصري اليوم أيضا فجرت فظائع جديدة ضمن ملف تعذيب المصريين في الدول العربية الشقيقة ففي الكويت قام ضابط شرطة بتحطيم عظام شاب مصري منذ 3 شهور مما استدعى علاجه جراحيا بوضع أكثر من 18 شريحة بلاتينية في عظامه وكشفت المصري اليوم أيضا عن احتجاز شاب مصري آخر في سجن بالكويت منذ تسعة شهور ومن المصري اليوم أيضا نطالع خبراء حول شهادة ضباط أمن الدولة في قضية خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان ورفاقه ضباط أمن الدولة أقروا أنهم يستقون معلوماتهم عن جماعة الإخوان من وسائل الإعلام فقط وأنهم لا يعرفون شيئا عن التهم الموجهة لقيادات الجماعة والتي يحاكمون بموجبها حاليا ....أما جريدة الدستور اليومية فقد نقلت في عددها اليوم تصريحا غريبا لعلي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي قال فيه أنه لا وجود لما يعرف بمشكلة العنوسة بين الفتيات في مصر لأنه لا يوجد سن محدد للزواج ...أما جريدة الوفد فقد صدرت عددها ليوم الثلاثاء بصورة للرئيس مبارك ضمن تقرير عن نشاطه لنفي شائعات مرضه وذلك في قصر رأس التين بالإسكندرية حيث استقبل عدة ضيوف من بينهم عاهل الأردن وتوني بلير ...*مقالات :- حول شائعات مرض الرئيس كتب محمد مصطفى شردي في جريدة الوفد : (لو لم تكن الظروف مهيئة لما انتشرت شائعات مرض الرئيس. فهناك بلبلة في المجتمع وقلق وتوتر وارتباط مباشر بين الناس وصانع القرار الأوحد في مصر. وكل الصفوف التي تقع في الوسط بما فيها الحزب الوطني لا تهم المواطن من قريب أو بعيد. فمشكلة الخبز يحلها الرئيس وتطوير المواصلات بتوجيهات الرئيس وزيادة المرتبات بقرار الرئيس وخطة الحكومة هي اقتراحات الرئيس ووعوده. لذلك فان الناس علي يقين بأن الرئيس هو كل شيء واننا في مصر بلا مؤسسات.وعندما انتشرت الشائعة الأخيرة تلقفتها تلك الأرض الخصبة وطورتها وزادت عليها وعدلت وتناقلتها من قرية إلي أخري ومن مدينة إلي كفر ونجع. ومحاولات تحليل الشائعة ودراستها أمر جيد. ولكن كل ما أخشاه أن نتيجة هذا التحليل معروفة ومعلنة مسبقًا.. سيقولون ان الشبهات تحوم نحو جماعة معينة وصحيفة معينة. وسينسون أهم عوامل انتشار أي شائعة وهو »الثقة« التي يفتقدها الشعب في الحزب الحاكم والحكومة والنظام. فلو كانت هناك ثقة لما انتشرت الشائعة حتي لو كتبت في ألف صحيفة. لقد بلغ الأمر أن البعض شكك في تحركات الرئيس الأسبوع الماضي وأكدوا أنها مسجلة مسبقًا!!.وربما كان اكثر ما يدهش هو الاتهامات التي اطلقت ضد بعض الجهات علي انها محركه الشائعة سواء من داخل الحزب الوطني أو خارجه. و»نظرية المؤامرة« هنا لا تنطبق علي هذه الشائعة إلا إذا كان هناك من يريدها أن تنطبق وأن تطبق. وهذا استغلال للموقف تمامًا مثل الذي يطلق الشائعة إذا كان هناك »جهة« ما وراءها. ووسط اللعب السياسي ستضيع الحقائق وستستمر حالة البلبة في المجتمع.إذا كان النظام يريد دراسة وعلاج الموقف فليبدأ أولا بإزالة اسباب القلق وليبن جسرًا من الثقة مع الشعب بدلا من ان يمسك القضية من نهايتها ويتعامل معها علي اساس انها حادث سرقة ويصرخ امسك حرامي، لأن ذلك لو حدث فسندخل عصر الشائعات ولفترة طويلة مقبلة.)- وحول الملفات السرية الغامضة في السياسة المصرية كتب مجدي مهنا في المصري اليوم :( في كواليس السياسة المصرية ملفات وأسرار مجهولة وستظل مجهولة، وكتب عليها أن تموت مع وفاة أصحابها، لأن أصحابها قرروا الإبقاء عليها سراً.. حتي يحافظوا علي أرواحهم ولا يعرضوا أنفسهم لسوء، وإلا فالبلكونة في شرفات لندن جاهزة.. وقد كتبت وكتب غيري في هذه القضية، التي يبدو أننا ننفخ في قربة مقطوعة فيها، أو أننا نصل إلي حائط صد عندما نتصدي لها ونقرر الكتابة فيها من وقت لآخر.هناك عقد غير مكتوب بين المسؤول- خاصة إذا كان في منصب كبير وحساس- وبين السلطة بالتزام الصمت، وعدم فتح فمه بالكلام عن فترة توليه السلطة.. ولذلك لم يكتب الكثير من الساسة مذكراتهم أو ذكرياتهم.. وظلت أسرار عملهم بداخلهم لا يبوحون بها لأحد ولا حتي لأقرب المقربين إليهم، والبعض منهم قد تراوده فكرة الكتابة.. ثم يتراجع عنها ويؤثر السلامة، ويعيش حياته أو ما تبقي منها وكأنه ميت.وقد تناقلت إلي مسامعي هذه الرواية العجيبة- التي لا أطلب من بطلها أن يكشف طلاسمها ويفك شفرتها- من أحد شهود العيان عليها، والتي لا أشك لحظة في صدقها، فقد سافر المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة، قبل فترة قصيرة من تركه منصبه الرسمي كوزير للدفاع، إلي سويسرا.. وفوجئ السفير المصري في جنيف وقتها باتصال من مكتب المشير أبوغزالة يخبره فيه بوصول المشير المفاجئ إلي جنيف.. وأن سيادته لا يحمل معه تأشيرة لدخول البلاد.. وأنه يطلب منه التصرف مع السلطات السويسرية للسماح له بالدخول.وأعلنت حالة الطوارئ القصوي في السفارة المصرية.. وذهب السفير مع بعض رجاله إلي المطار في استقبال المشير أبوغزالة، بعد أن حصلوا علي إذن من السلطات السويسرية، وفي المطار شكرهم المشير أبوغزالة وطلب منهم العودة، ورفض أن يركب سيارة السفارة، أو يعرف أحد مكانه في سويسرا، واستقل «تاكسي» ليذهب به إلي أحد الفنادق، وعندما سأله السفير: كيف ومتي نتصل بكم؟ أجاب المشير أبوغزالة أنا الذي سوف أقرر متي أتصل بكم.سيت أن أقول إن المشير أبوغزالة كان يحمل معه حقيبة يد واحدة، وكان مرتدياً القميص والبنطلون، وليس معه حقائب أو ملابس أخري.وحاول المسؤولون عن أمن السفارة أن يعرفوا أي معلومة عن مكان المشير.. فالحدث غير عادي.. أن يعلموا بقدوم المشير أبوغزالة إلي سويسرا قبل ساعات من وصوله، ثم لا يسمح لهم بالاتصال به، ولا يعرفون أين يقيم.. ثم حاولوا عن طريق ابنة شقيقة المشير، الدبلوماسية في السفارة المصرية في جنيف «سوزان»، أن يعرفوا أي معلومة عن مكان خالها، لكنها لم تكن تعلم شيئا هي الأخري.هذه القصة لا أشك لحظة في صحتها وهي تطرح آلاف.. آلاف علامات الاستفهام، التي لا يملك أحد الإجابة عنها سوي المشير أبوغزالة وعدة أشخاص آخرين، يعدون علي أصابع اليد الواحدة.أبسط التساؤلات: لماذا السفر المفاجئ إلي سويسرا؟ ولماذا لم يخبر المشير أبوغزالة أعضاء السفارة المصرية بقدومه إلا قبلها بساعات قليلة، وكأنه كان يريد أن يعرف أحد الخبر بوقت كاف.. ولماذا يسافر بدون تأشيرة دخول الأراضي السويسرية.. ولماذا السفر بالقميص والبنطلون.. ولماذا لم يحمل معه سوي حقيبة يد واحدة.. وماذا كان في داخل الحقيبة.. ولماذا أراد المشير الاختفاء عن عيون رجال السفارة المصرية.. وماذا فعل خلال الـ٤٨ ساعة التي بقي فيها في سويسرا؟لا أحلم بمعرفة إجابة هذه التساؤلات.. ولا أطمع في أن أسمع بقية الرواية من المشير محمد عبدالحليم أبوغزالة.. إنما أردت فقط من سردها أن أقول إنها واحدة من عشرات ومئات الأسرار والملفات التي ستبقي سراً.. فلا أصحابها يرغبون في إزاحتها عن صدورهم وإبراء ذمتهم.. ولا السلطة ستوافق لهم علي الخروج علي العقد غير المكتوب بينهما.)
متدينون .. حاضرون غائبون!!
أسامة حمود
ظاهرة التدين من الظواهر الكبيرة التي تجتاح عالم اليوم، ومع إيجابياتها في بعض الجوانب، إلا أن لها سلبيات لا يغفل عنها عاقل ممن يتابعون حركة الفكر الإنساني.
فلا شك أن هناك مناظر لا تسر الناظرين، فحيثما وليت وجهك، فلسوف ترى قسوة بادية على الوجوه، وغطرسة وعنفا ظاهرا في المعاملات، وغلوا يمارس باسم التقوى، وخرافات تسعى هنا وهناك باسم العلم.
إن هناك فرقا بين الوجود والحضور، فالحركات الإسلامية - في أغلبها - موجودة لكنها غير حاضرة، فالوجود هو حضور الجسد والشكل فحسب، كوجود العشرات في مسجد واحد، لا يجمعهم إلا تقارب الأجساد، أما الحضور فهو الإرادة العازمة والفعالية، والقدرة على التغيّر والتغييـر.
تدين بلا فاعلية
إن موجات الشباب ممن يقرؤون القرآن تملأ الجامعات والمساجد وعربات المترو، وكذلك فتيات بعدد الحصى يغطين الوجوه ويحتشدن في المساجد، فإذا بحثت عن دور فعال وحضور واع، فلن تجد لذلك أثرا إلا ما ندر، لقد غرقوا في الطقوس، ودخلوا في غيبوبة عجيبة، جعلتهم لا يعرفون شيئا عن أساليب نصرة دينهم ولا قيمهم، وينظرون إلى مشكلاتهم ومصائب أمتهم بعيون ناعسة، لأنهم لا ينظرون إلا تحت أقدامهم، وما تحت أقدامهم إلا ما علمتَ! بعض الخلافات الفقهية التي لا تقدم ولا تؤخر، وعلاقات تقاطع وصراع وتوترات، بدلا من النضج والحوار والتعاون.
إن الطقوس بلا فاعلية تبديد للطاقات، أو تفريغ للشحنات، أو عمل واجتهاد فيما لا محصول له، إنها طلقات فارغة تحدث دويا ولا تصيب هدفا، والدليل أن مجتمعاتنا لم تتقدم خطوة في طريق النهضة، فجانب الإنسانيات من منحدر لآخر، والعلم في أدنى مراتبه، والجانب التطبيقي - سواء في النواحي الإنسانية أو المادية - لا وجود له في حياتنا، فكما أن العلم المادي في حاجة إلى تطبيق، ليأخذ معنى التكنولوجيا، فالتكنولوجيا تعني القدرة على التطبيق، كذلك العلم الديني في حاجة إلى تطبيق - أي تكنولوجيا في مجال الإنسانيات - أعني حسن تنزيل العلم على الواقع والتخلّق به.
إنك تستطيع جمع العلوم الإسلامية في جهاز حاسوب واحد، لكن من ذا الذي يفهم ويتدبر، ويعي ويوازن، ويطبق ويربي؟!.
إن نقل هذه المعاني من بطون الكتب إلى أفئدة الناس؛ لتختلط بدمائهم وتطوّع سلوكهم، لهو من أهم أعمال مفكري ودعاة اليوم، فنحن لا ينقصنا نُسك ولا عدد، فالمصلون يملئون المساجد، والعُمّـار يسدون الآفاق، لكن أين النتيجة؟ أين المُخرجات؟
هناك في علم التربية ما يسمى بـ "نموذج المدخلات والمُخرجات"، فالطالب يدخل المدرسة صفحة بيضاء لا يدري شيئا، ثم يتخرج من الجامعة إنسانا ذا علم وذا صلاح، ونستطيع تعميم ذلك على عباداتنا، فالصلاة نتيجتها – مخرجاتها - بُعد عن الفحشاء والمنكر، والصيام يثمر التقوى، فإذا وجدنا صلاة بغير أخلاق، وصياما بغير تهذيب، فهنا مدخلات بلا مُخرجات، وهنا الخطأ الذي يجب أن يعالج ويُمحى.
هروب من المجتمع
وبداهة فإني لا أحمّل هؤلاء الفتيان وهاتيك الفتيات جريرة هذا الوضع المزري، فهم أناس حُرموا من التربية السوية، حرموا من تعلم مهارات التفكير العليا والتدريب عليها، في البيت والمدرسة على سواء، فلا إشباع للعقل، ولا إشباع للوجدان، ولا حتى للجسد والمهارات، والنتيجة شباب يتمتع بأزمات نفسية عنيفة، فيتجه بعنف، ويحب بعنف، ويكره بعنف.
فما الحل؟ الحل هو هروب جماعي نحو شيء ما، وهنا يقرر علم النفس مبدأ التعويض، وهو حيلة دفاعية لاشعورية يلجأ إليها الإنسان حينما يفعل سلوكا يعوض فيه شعوره بفقدان شيء ما، سواء كان عقليا أو نفسيا أو ماديا.
والتعويض محاولة لاشعورية تهدف للارتقاء إلى المستوى الذي وضعه الإنسان لنفسه، أو الذي فُرض عليه من علاقته بالآخرين، وقد يهدف الإنسان منه إلى تغطية الشعور بعدم الإشباع من العطف والاحترام، أو تحقيق مكاسب ذاتية مثل لفت الانتباه أو إثارة الآخرين، أو ربما لكي يعزز موقعه في المجتمع الذي يعيش فيه، وبذلك يكون التعويض آلية نفسية يستعملها الشخص لإخفاء صفات غير مرغوب فيها، عن طريق الظهور بصفات جديده ومرغوب فيها، يرفع بها نقصَه.
وقد يكون هذا الشيء الذي يتجه له الإنسان حقيقيا أو وهميا، ولا شك أن الحركات الإسلامية تحمل لافتات زاهية، وتؤدي بعض الأعمال المعجَب.
لكن هذا وحده لا يكفي، فبعض المتدينيين إذا صف قدميه في موقع ما، اتخذ بعض الشكليات وأهمل كثيرا من الباطن المهم، يعني قد يسرك منظره وعبادته، لكن عند التعامل معه تجد خشونة لم تهذَّب، وكبرياء لا يُطامَن.
وأكثر الحركات استقطابا لهؤلاء الشباب إما حركات عنف وكراهية للمجتمع، أو حركات الفقه الظاهري والانسحاب المبرر، وهي حركات تنسى حاجات المجتمع وسُنة التدافع، وفي الوقت ذاته تغالي في الثانويات، وتتبنى الآراء الفقهية المتشددة، حتى أمست الجدليات الفقهية عندهم عقائد لا تُحل!.
ومن هنا فقد أمسى الشباب ضحية، ضحية دعاة جعلوا من الكراهية والعنف عقيدة، أو من المظهر الشعائري والخلاف الفقهي كل شيء، مع إهمال تام لتصحيح المعارف والحضور الاجتماعي.
إن المظهر الشعائري - من صلاة وصيام ومندوبات - يرمز إلى أشكال الحب والطاعة، لكنه إذا كان دون فاعلية مجتمعية إصلاحية فإنه يعد حبا هروبيا ناقصا، وطاعة مبتورة مجزأة، ومن ثم فهذا المظهر لا يكفي لكي أكون مسلما إيجابيا حاضرا.
إن قوة الأمم تقاس بخصوبة أفرادها وفعاليتهم، قال تعالى في أقوام نسوا سنن الإصلاح ومدافعة الباطل الصائل: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ) [التوبة: 19].
قال صاحب تفسير المنار - بعد أن ساق عددا من الروايات فى سبب نزول هذه الآيات - : والمعتمد في هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده، وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها فى المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجابه من أعمال البر الهينة المستلذة، وبين الإِيمان والجهاد بالمال والنفس وهى أشق العبادات البدنية والمالية.
وميزان الله هو الميزان وتقديره هو التقدير، فلابد إذا - لو أرادوا الهروب إلى الأفضل - من التفاعل مع مشكلات المجتمع، ومعرفة قضية التدافع، وهذا يتطلب بداهة غذاء فكريا ووجدانيا متوازنا، نستطيع عن طريقه معرفة النواميس التي تحكم منظومة التغيير والإصلاح، والتدرب على ممارساتها.
لا لخرق نواميس الإصلاح
قوانين الإصلاح التي وضعها الله لعمارة الأرض، لا تحابي ولا تتوقف، فقانون التغيير الذاتي، وقانون التدافع، وقانون معاقبة المفسدين والمستغفلين كذلك، كلها نواميس لا تجامل ولا تحيف.
فإذا تأملنا الغذاء الفكري والوجداني الذي يُقدم للمتدينين الأغرار، فلسوف نجد عجبا، فالمرأة يجب أقصاؤها عن المجتمع داخل زوايا معتمة، إنها متهَمة في كل موطن، وهذا عكس ما جاء في صدر الإسلام الأول.
كذا الاهتمام بقضايا فكرية ضعيفة أو ثانوية، والاحتباس في قوقعة الجزئيات، وهي قضايا تشوه العقول لكثرة الإلحاح عليها بلا محصول، كتقضية أعمار الشباب حول مسائل فقهية صغيرة وخلافية، والمعلوم عند علماء الأمة أنه لا إنكار في المختلف فيه.
إن المشاكل الملحة على عقولهم - والتي تشكل الغذاء الأوحد لهم - تتمثل في بعض الآراء الفقهية البعيدة عن إجماع أئمة الفقه والتفسير، وما يصاحب ذلك من حماس وتشنج، أما مشكلات الفقر والتخلف والعنوسة، وإشكالية الاستبداد وفساد التعليم وتلوث المياه، فلا علاقة لنا بكل هذا!.
إن الأمور الفقهية التي تشغل بال الكثيرين لا ترقى لمرتبة الدعوة إليها، لأن "الأمر المختلَف فيه لا يُدعى إليه"، هذا ما قررته قواعد الفقه الإسلامي، كما جاء في الأشباه والنظائر للإمام السيوطي، لكن البعض عنده ولع بالمسائل الخلافية الصغيرة، لأنها مسائل تتمدد في الذهنية غير الواعية لتصبح كل شيء.
لقد أمست "الفكرة المركزية" عندهم - والتي أصبحت محور حركتهم - فكرة محصورة في بعض الأحكام الفقهية، حتى بنوا عليها عقود النجاة، وأصول الحب والبغض، بل وأحكام الولاء والبراء.
والنتيجة أننا نصطدم بنواميس الإصلاح الإلهية، لأننا نقدم خبرات غير مربية، فمثل هذه الخبرات المكبلة للتفكير - وإن صنفت في قوائم التراث العلمي - هي خبرات غير مربية، وهي معيقة لنمو خبرات أخرى، لأنها تنتج نقصا بالحساسية والاستجابة، أو هي خبرات مخدرة غير حافزة، أو خبرات مجزأة غير مترابطة.
كل هذا يكرس خطاب الانسحاب من المجتمع وعدم الحضور فيه، لتبقى الساحة خالية للماديين اللادينيين، بل للمستعمرين الطامعين.
إن الفصل بين مظاهر العبادة الفردية والاجتماعية والحضارية، خرق لنواميس الإصلاح، وهذا يؤدي إلى تعطيل فاعلية كل منها، ويحيلها إلى مجرد حركات وممارسات خاوية لا روح فيها، ولا أثر لها، وهذا ما تؤكد عليه أكثر المواقف التي نراها في الممارسات اليومية، ممارسات شباب خارج إحداثيات التاريخ، لأنه شباب موجود وغائب في الوقت نفسه!.
تصحيح المعارف أول العلاج
هذا الغش الثقافي أدى إلى إنتاج جيل مربّىَ تربية اعتمادية أشبه بتربية الأطفال، فهو دائما مكبل التفكير، يشك في قدراته، ومن ثم ينتظر المعجزة، أو ينتظر فعل من هو أكبر منه، فلا وجود له في ميدان الإعلام، ولا ميدان العلم والكشوف، ولا حتى ميدان المال والأعمال، لكنه يكتفي بالقول، أنجو بنفسي أولا! والمسكين لا يعلم أن رسالته مع المجتمع - الذي هو منعزل عنه - وليست رسالته محصورة في بعض النسك الفردي من المظهر الشعائري، أو رفض هذا المجتمع الجاهلي! أو إعلان الحرب عليه.
إنها أزمة حقيقية يجب أن تكون محل تمحيص ودراسة من المفكرين والتربويين، ليضعوا منظومة فكرية إصلاحية ذات أهداف ووسائل واضحة، فقد يقضي الشاب عمره في أمور سلبية ويتشبع بثقافة مشوهة، ظنا منه أنه يؤدي رسالة، وهو لا يعلم أن هذا انسحاب وهروب من المسئولية المطلوبة منه، بل وتشويه للإسلام البريء.
وأول العلاج تصحيح المعارف، ووضع كل شيء في مرتبته ومحله، وهذا يتطلب تحرير العقل، وإطلاق الطاقات، والبحث في كل مجال، وعدم التسليم بآراء الآخرين، مع الحضور الاجتماعي الحضاري الفاعل، فهناك طرائق متعددة لخدمة الإسلام وإنعاش أمته.
إننا نعيش أزمة غش ثقافي غير مسبوقة، وطوفان هروب جماعي مخوف العواقب، غش وهروب لهما استحقاقات إلهية خطيرة وفق قوانين الله التي تُمهل ولا تهمل، فإذا غفل الناس عن قانون الله، فلا يغفل عنهم قانون الله.
كاتب ومستشار تربوي مصري.
لم يخطئ من يقول: إن مصر لا توجد بها حقيقة واحدة واضحة.. لدينا أنصاف حقائق وأرباع وأخماس وأسداس حقائق فقط.
كل شيء مختلفون حوله: الأرقام والبيانات والتصريحات والدراسات والشائعات هي التي توحدنا فقط هذه الأيام.
آخر المعارك الفشنك التي شغلنا بها الرأي العام في الفترة الأخيرة.. قبل موجة الشائعات عن مرض الرئيس مبارك وحتي بعدها.. ضياع الحقيقة وغياب المعلومات وتضاربها حول ما يسمي المبيدات المسرطنة التي استوردتها وزارة الزراعة في عهد وزير الزراعة الأسبق يوسف والي.
فريق يدافع عن يوسف والي ويؤكد علي لسان خبراء أن مصر لم تدخلها مبيدات مسطرنة وأن القضية كلها من أولها وحتي آخرها مفبركة، وأن الدكتور يوسف والي بريء من هذا الاتهام الظالم وأنه في جميع قراراته كان حريصاً علي صحة الإنسان المصري وسلامة الغذاء والمبيدات المستخدمة، والتأكد من مطابقتها المواصفات العالمية.
وفريق آخر في الصحافة يؤيد موقف وزير الزراعة السابق المهندس أحمد الليثي، ويتهم الوزير السابق عليه يوسف والي بإدخال مبيدات مسطرنة إلي البلاد، وأن الليثي هو الذي وقف في مواجهة مافيا الفساد واستيراد المبيدات المسرطنة بالتواطؤ مع كبار موظفي وزارة الزراعة، وفي مقدمتهم د. يوسف عبدالرحمن.
وفريق ثالث يلتزم الصمت ويقف علي الحياد يقوده وزير الزراعة الحالي أمين أباظة وهو أحد تجار الأسمدة ومن العاملين في هذاالمجال لا يريد أن يدلي برأي في القضية.. ولا أن يحسم موقفه منها.. مع هذا الفريق أو ذاك.
ثم هناك الرأي العام حائر بين الفرقاء والفرق الثلاث.. لا يعرف أين هي الحقيقة؟ ولا يعرف هل دخل البلاد فعلاً مبيدات مسرطنة أم لا؟
وحتي كلمة مبيدات مسرطنة، هناك من يشكك فيها.. وهناك خلاف حولها من الناحية العلمية.. فوزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي ينفي أن يكون هناك شيء اسمه المبيدات المسرطنة.. وهناك من يؤكد وجودها.. وأن خطرها علي صحة الإنسان أمر مؤكد وثابت علمياً.
كيف للرأي العام أن يصل إلي الحقيقة وسط هذا التضارب في المواقف والبيانات والمعلومات؟
إن قضية المبيدات المسرطنة تحولت للأسف إلي معركة صحفية وإلي معركة سياسية علي حساب صحة الإنسان المصري.. وعلي حساب الاقتراب أو الابتعاد عن الحقيقة.. وابتعدت المعركة عن الحقائق العلمية وعن المعلومات الموثقة.
إن الاختلاف في الرأي وتباين وجهات النظر شيء صحي ومطلوب.. إذا ساعد الرأي العام علي الوصول إلي الحقيقة. في المبيدات أو في غيرها من القضايا التي نشغل بها الرأي العام.. لكن الخلاف والاختلاف في الآراء في مصر، تحول إلي شيء غير صحي ويؤدي إلي غياب الحقائق.. أحياناً عن عمد وسوء قصد ، وفي أحيان أخري عن جهل.. ونحن في الجهل بسم الله ما شاء الله.
* الشفافية.. تعني بالنسبة لبعض المسؤولين هي «تحريك الشفايف» ليس أكثر.. وليس أقل.
باتفاق 80 منظمة إسلامية حول العالم
القاهرة.. إعلان أول ميثاق للأسرة في الإسلام
صبحي مجاهد
غلاف الميثاق الذي يتكون من 440 صفحة
أعلنت اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل إحدى المنظمات الأعضاء بالمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة الذي يضم 80 منظمة إسلامية عن أول ميثاق للأسرة من وجهة نظر إسلامية أسمته "ميثاق الأسرة في الإسلام".
وأكدت المهندسة كاميليا حلمي رئيس اللجنة خلال الإعلان عن هذا الميثاق -ضمن فعاليات اجتماع الهيئة التأسيسية التاسع عشر للمجلس الإسلامي الأربعاء 6-9-2007 بالقاهرة- أن هذا الميثاق تم إعداده خلال السبع سنوات الماضية من أجل أن يكون دليلا ومرجعا للمجتمعات الإسلامية ومنظماتها الأهلية ولحكوماتنا.. وردا على مواثيق الغزو وأيدلوجياته التي تحاول اجتياح حصن الأسرة.
وأشارت إلى أن الميثاق تم إعداده بدعم من البنك الإسلامي للتنمية وبجهود العلماء التطوعية، ليكون أول ميثاق إسلامي يتناول حقوق وواجبات كل فرد من أفراد الأسرة مستمدة من الشريعة الإسلامية، في ظل ما تتعرض له مجتمعاتنا الإسلامية من موجة عادية تستهدف الأسرة بانتهاك منظومة قيمها التي حددتها الشريعة الغراء.
وأضافت أن ميثاق الأسرة في الإسلام الذي يعد أول ميثاق إسلامي يتناول حقوق وواجبات كل فرد من أفراد الأسرة، وأن اللجنة تتقدم به إلى الرأي العام الإسلامي؛ للاستعانة به عند إصدار التشريعات الخاصة بالأسرة، وكذلك عرضه على المنظمات الدولية للتصدي لما يخالف قيمنا.
فكر شيطاني
من جهته أوضح الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي أهمية هذا الميثاق قائلا: "نحن أمام فكر شيطاني بكل ما في هذه الكلمة من معان دقيقة يطل علينا ليجتاح عالمنا وعالمنا الإسلامي على وجه الخصوص، كان بدايته في مؤتمر السكان عام 1994، والذي دعا الحكومات والمؤسسات المختلفة وحتى الدينية منها إلى تغيير هياكل الأسرة لتكون قائمة ليس على زواج فقط وإنما على أي لقاء بين رجل وامرأة".
واستطرد أن ما يجعل هذا الميثاق مهما هو ضرورة مواجهة الأفكار التي نجح أعداء الإسلام في تأصيلها كدعوة تحريم الزواج المبكر، واعتبار النشاط الجنسي حقا من حقوق الجسد، وأكد أن هذا كله فكر شيطاني حقيقي يظهر أبشع وجوه الحضارة الغربية التي تريد بالعولمة اجتياح منظومة القيم التي اتفقت عليها كل الديانات السماوية.
ولفت إلى أن هذا الميثاق جاء الآن ليواجه الحملة الشرسة التي تجتاح الأسرة وهي اللبنة الأولى للأمة، حيث إن الأسرة هي الأمة المصغرة فإذا ضاعت الأسرة نكون كالأمم التي تعاني من الانقطاع ومن مشاكل عديدة أهمها العزوف عن الزواج، وخوف المجتمع من الانقراض نتيجة لهذا.
واعتبر الدكتور عمارة أن هذا الميثاق موقف منهجي أمام الفكر الشيطاني، وقال: "لا داعي أن نقف عند الولولة والصراخ أمام تلك الحملات التي تستهدف قيمنا، حيث لا بد أن نقدم البديل، وعليه فاللجنة التي أشرفت على ميثاق الأسرة في الإسلام اتخذت موقفا إيجابيا لتقديم البديل ليكون هناك دستور للأسرة".
ولفت إلى أنه لا يعتبر هذا الميثاق للأسرة المسلمة فقط وإنما لجميع الأسر، وقال: "آن لنا أن نعلنها صريحة أن الوحدة الوطنية في دولنا تستلزم وحدة القانون ووحدة المدرسة ووحدة المحكمة، خاصة أن إخواننا المسيحيين في بلادنا ليس لديهم قانون أحوال شخصية متميزة ومرجعهم باعترافهم بأن أحكامهم في الأحوال الشخصية مأخوذة من الفقه الشافعي، وعليه فلا بد أن يكون هذا الميثاق مرجعا للأسرة المسلمة ولكل أسرة تريد أن تلتزم بقيم الديانات السماوية التي لا خلاف عليها".
وطالب بضرورة أن تتم ترجمة هذا الميثاق، إلا أنه رشح أن تتم ترجمته أولا للغات الشرقية الإسلامية ليتم تحصين الأسرة المسلمة الشرقية ثم يترجم للغات الغربية، وقال: "لا يهمنا بالدرجة الأولى الغرب، فعلينا أن نحصن أمتنا أولا ثم نقدمه لمن يشاء أن يهتدي، أتمنى أن يكون هناك اهتمام إعلامي بهذا الميثاق، كما أتمنى على صفحات الفكر الديني أن تنشر هذا الميثاق مسلسلا حتى لا يكون في نطاق محدود ويحمله الإعلام لنطاق أوسع".
محتويات الميثاق
من جانبه عرض د.عبد اللطيف محمد عامر أستاذ الشريعة بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق وعميد كلية الشريعة بجامعة إسلام آباد سابقا محتويات الميثاق، لكنه أوضح بداية أن ميثاق الأسرة يصدر في الظروف الحالية كاشفا وليس منشئا؛ لأنه لا يكشف عن مبادئ جديدة وإنما يجدد الصلة بالمبادئ القديمة الحديثة الثابتة من نصوص قطعية من كتاب الله وسنة رسول الله ولكنه يصدر في هذه الآونة ليواجه فكرا غريبا غربيا عن مفهوم الأسرة فهو ليس بديلا عن المواثيق الغربية وإنما مواجه لها.
وأضاف أن هذا الميثاق يتكون من 164 مادة موزعة في 5 أبواب ومذكرة تفصيلية لها حيث يتناول الفصل الأول مبادئ وقيما ومفاهيم عامة ويعالج تكريم الله للإنسان وتفضيله على كثير من خلقه، وإعداد هذا الإنسان لحمل رسالة الله ونشرها، والتساوي في أصل الخلقة، وتنوع الخصائص العامة، كما يتناول تكامل الزوجين الذكر والأنثى مع اعتبار الخصوصيات لكل منهما في الدين، وتوزيع المسئوليات وتبادل الأدوار بناء على هذه الخصوصيات قيام البناء الفكري الاجتماعي للبناء الأسري والزواج، وبيان المفهوم الشامل لمعنى الأسرة.
وأوضح أن الباب الثاني يتناول مسئولية الأمة عن تكوين الأسرة وحمايتها ويتحدث عن مسئولية الأمة عن تشجيع الشباب لتيسير سبيله وحل مشكلاته، وتحديد المسئولية في تحديد مقاصد الشارع في قيام الزواج وبقائه وحماية الأسرة من الانهيار، واستيفاء عقد الزواج بشروطه، والعناية بالإشهاد على الزواج والإشهار، وهو ما يعني محاربة الأشكال غير مشروعة للزواج والتصدي للتصوير الخاطئ الذي يجعل علاقة الرجل بالمرأة علاقة صراع، والتخير للنطف لأن العرق دساس وتضيق الطلاق، ومراعاة الأعراف والتقاليد المتفقة مع مبادئ الإسلام، ودعوة الأهل إلى التدخل بين الزوجين في حالة الشقاق وإقرار الحقوق وتحديد الواجبات بين كل من الزوجين.
أما الباب الثالث فيعرض لنشوء العلاقة بين الرجل والمرأة منذ بدايتها للخطبة حتى الموت، فيتناول الخطبة والآثار المترتبة عليها، والآثار المترتبة عن العدول عن الخطبة، وعقد الزواج وتحديد الزواج الناجح، وضوابط العلاقة بين الزوجين في فهم المقصود بالمساواة وتحديد مسئولية كل من الزوجين، وضوابط الخلاف بين الزوجين في الاعتراف في الوقوع في هذا الخلاف، ودور الأهل في تضييق شقته أو القضاء عليه، وبيان أسلوب التعامل بين الزوجين.
بينما يتناول الرابع حقوق وواجبات الطفل في الإسلام وأوضح الدكتور عبد اللطيف أن هذا الباب أتى ليعرض العناية بالطفل منذ بدأ تكوين الأسرة، وتوضيح أن الطفل مطلب إنساني طالبت به الشريعة عندما أكدت على طلب الذرية لحفظ الجنس البشري.
وأشار إلى أن هذا الباب يشير أيضا إلى أن العناية تبدأ منذ اختيار وعاء النطفة وهي الأم، كما يتناول الحريات والحقوق الإنسانية العامة للطفل منها التعليم المتوازن للطفل، ومراعاة المصالح الأفضل للطفل بأن تتخذ مؤسسات المجتمع لتدبير هذه المصالح وحمايتها.
وأوضح أن الباب الخامس يتحدث عن الانتقال من الأسرة الصغرى إلى الأسرة الكبرى ويعرض لمعنى التكامل الاجتماعي ومكانته في الإسلامي ويوضح أن التكافل الإسلامي يشمل دوائر متماثلة حتى يشمل المجتمع كاملة، كما يتعرض لفضيلة صلة الرحم وتنوعها بين الفرضية والوجوب والندب تبعا لنوع القرابة، كما يتناول المواريث في الإسلام.
وأشار إلى أن الميثاق ينتهي كله بذكر أحكام عامة في الوصية وأحكام عامة في الوقف وأساس مشروعيته وشروطه، كما يؤكد في هذا على الوقف الأهلي الذي يؤدي إلى توثيق روابط الأسرة في الوقف، مؤكدا أن هذا كله من أجل بناء الأسرة تحت مظلة الإسلام الطيبة.
تدريسه بالجامعات
الدكتور أحمد المهدي عضو هيئة إعداد الميثاق لفت في كلمته عن الميثاق إلى أنه جاء في الوقت المناسب التي تحاول فيه الإمبراطوريات الكبرى أن تقود العالم باسم العولمة التي هي في أبلغ الأحوال أمركة وهي في حقيقتها "أسرلة" يراد منها أن تنصرف الأمم عن جوهر ثقافتها وصميم علاقتها لتكون في ركاب تلك الدول ثقافيا.
وأكد أن صدور هذا الميثاق سيعد سلاحا من أسلحة الممانعة والمقاومة التي ينبغي أن نتمسك بها لكي نتمكن دائما من ترسيخ ثقافتنا العربية والإسلامية ونطور هذه الثقافة من خلال الثقافة نفسها وليس من خلال ما يملى علينا من دعاة العولمة من داخل وخارج البلاد العربية والإسلامية الذين غرتهم الثقافة الغربية، فيحاولون أن يتحدثوا على الوجه الذي يرضي الثقافة الغربية ومن لديه المال الذي يوزعه على هؤلاء الناس باسم تجديد الخطاب الديني والثقافة ومحاولة اختراق الأجهزة التعليمية والإعلام في البلاد العربية.
وشدد على أن هذا الميثاق موجه لنا وليس للآخرين ليعيد ثقافتنا ويحدد العلاقات، ويمكن أن يكون دليلا لطلاب الدراسات الإسلامية في كل الجامعات العربية كما ينبغي أن تهتم وسائل الإعلام العربية بإذاعة هذا الفكر.
أما الدكتور بدر عبد الرازق الأمين العام المساعد بالمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة فقد أكد أن اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل رفعت الحرج عن المنظمات الإسلامية في أن بلورت ميثاقا يحمي الأسرة من خلال رؤية إسلامية واضحة ومتكاملة تحمي الأسرة على مختلف أشكالها من الضياع.
وطالب بأهمية أن تكون هناك مواثيق أخرى من وجهة نظر إسلامية في مجالات الحوار وحقوق الإنسان وفي الإعلام، وفي التأصيل الفكري، باعتبار أن مثل هذه المواثيق تقفز بالعمل الإسلامي للأمام.
يذكر أن هيئة الإعداد للميثاق تضمنت الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس مجلس الإفتاء الأوروبي الدكتور على جمعة مفتي مصر، والدكتور أحمد العسال نائب رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان، والدكتور أحمد المهدي عبد الحليم الأستاذ المتفرغ بكلية التربية جامعتي الأزهر وحلوان، والدكتور جمال الدين عطية مستشار مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والدكتور صلاح عبد المتعال أستاذ علم الاجتماع ومستشار البحوث الاجتماعية والجنائية، والدكتور عبد الرحمن النقيب أستاذ أصول التربية بجامعة المنصورة، والدكتور عبد اللطيف عامر أستاذ الشريعة بكلية الحقوق بجامعة الزقازيق، والدكتور فتحي لاشين المستشار بوزارة العدل، والدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور محمد كمال إمام أستاذ القانون المقارن بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، والدكتورة مكارم الديري أستاذ مساعد الأدب والنقد بجامعة الأزهر، فيما تكونت لجنة الصياغة من كل من الدكاترة فتحي لاشين، وجمال الدين عطية، وعبد اللطيف عامر، بالإضافة إلى عدد من العلماء الذين شاركوا بملاحظاتهم على الميثاق
.
تهجين جنين.. 99% بشر والباقي حيوان
رحاب عبد المحسن
ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة لم تتناسب مع جدية الخبر، ففي البداية جلست لأقرأ حول تداعيات قرار الحكومة البريطانية منح ترخيص لأبحاث جينية أثارت جدلا منذ أغسطس 2006، حيث تقوم على تخليق أجنة بشرية من خلال حقن حمض نووي (DNA) بشري في بويضات بقرة، والجنين الناتج سيكون بشريا بنسبة 99.9%، والعنصر الحيواني الوحيد فيه هو الحمض النووي خارج نواة الخلية... والمضحك في الأمر هو سؤال توجه به أحد المدونين قائلا: أتساءل ما إذا كان صوت الناخب في هذه الحالة سيحتسب بفرد واحد أم 99.9% من الفرد؟... سؤال منطقي.
ولم تتوقف تداعيات الموقف عند هذا الحد... ففي 5 سبتمبر 2007 وافقت هيئة علم الأجنة والإخصاب البشرية البريطانية على إجراء التجارب مبدئيا، مع تحفظ الهيئة على أنها ستنظر في كل قضية على حدة، مما يلزم كل باحث باستصدار إذن منفرد قبل تخليق الأجنة الهجينة، والتي سيتم استخدامها في أبحاث خلايا المنشأ (الجذعية)، وهي الخلايا غير الناضجة القادرة على التحوّل إلى أي نوع من الأنسجة في الجسم، ويأمل العلماء في استخدامها لتصنيع أعضاء بشرية وعلاج بعض الأمراض، منها السكري، وداء الشلل الرعاش والزهايمر (خرف الشيخوخة).
الفصل بين الدين والعلم
والقصة الفعلية للخبر بدأت حينما تقدم علماء بجامعتي "نيوكاسل" و"كنجز كوليج" ببريطانيا بطلب تصريح مدته ثلاث سنوات لتخليق أجنة حيوانية - إنسانية، ، ولن يسمح بنموها لأكثر من 14 يوما، أي لن يتجاوز حجمها رأس القلم، بهدف استخراج خلايا جذعية من الجنين المخلق البالغ من العمر ستة أيام ثم تدميرها.
وهنا احتدم الموقف بين معارضي مثل هذه العلميات، والعلماء القائمين عليها. ففيما وصفت الكنيسة الكاثوليكية البحث بأنه "مهين لكرامة البشرية"، رأى العلماء فيها نقلة بشرية، ستفتح آفاقا جديدة لعلاج أمراض متعددة، وذهبوا إلى حد اعتبار حظرها إضراراً بالغاً للتقدم العلمي.
أما وزارة الصحة البريطانية، فقد رفضت إعطاء الباحثين الرخصة في أواخر2006، نظرا لما أسمته "شعورا عاما بعدم الارتياح"، إلا أنها تركت الباب مفتوحا أمام تشريعات أخرى لاحقة قد تسمح بتلك البحوث بعد الحصول على ترخيص، ثم قررت في منتصف مايو 2007 حسم القضية والمضي في منح البحث الترخيص، الأمر الذي أعقبه موافقة هيئة علم الأجنة والإخصاب البشرية البريطانية على التجارب أيضاً.
حفظا لماء الوجه
يبدو أن بريطانيا الدولة الرائدة في بحوث الخلايا الجذعية ، وصاحبة البيئة العلمية المتسامحة والجاذبة للعلماء رأت في الحظر مخاطرة بسمعتها، خاصة مع التحركات الموسعة للعلماء والسياسيين، بعد أن وجهوا تحذيرا من أن فرض الحظر سيؤدي إلى ازدهار البحوث في دول أخرى مثل الصين وكندا، وسيأتي ذلك على حساب بريطانيا أول دولة تبدأ عمليات الاستنساخ العلاجي في2001.
وبرر المدافعون عن فكرة تهجين الخلية البشرية ببويضة حيوانية؛ بأنها قد تساعد في التغلب على نقص البويضات الأنثوية المستخدمة لأغراض البحث، الأمر الذي ساهم في إحداث تغير في موقف الحكومة.
والأبحاث البريطانية على الأجنة ليست الأولى من نوعها، فقد قام علماء في الصين والولايات المتحدة وكندا بتجارب مشابهة، والتقنية المتبعة في الجنين "الإنسان - الحيوان" هي ذات التقنية التي أنتجت النعجة دوللي أول حيوان ثديي مستنسخ. في الوقت نفسه رفضت الولايات المتحدة توسيع تمويل مثل هذه البحوث، نظرا لمعارضة دافعي الضرائب إجراءها.
الرفض الأخلاقي
"على العلماء حماية واحترام الأجناس المختلفة" بهذه العبارة وضح بيشوب إليو، رئيس الأكاديمية البابوية لعلوم الحياة، حيثيات رفض الكنيسة الكاثوليكية لمثل هذه الأبحاث، وتابع الكاهن (76 عاما) قائلا: "هناك انتهاك لحرمة الآدمي، يتضح في العبث الحادث بالأجنة وتدميرها" ويضيف بعبارة أشد حزما: "لطالما كان الخط الفاصل ما بين الأجناس مقدسا ومحترما، أما الآن فيتم اختراق الحدود بلا حساب للعواقب".
وانتقل بيشوب بخطابه إلى العلماء قائلا: "إذا صب العالم اهتمامه على ترقية بحثه؛ فلن ينظر إلى فلسفة دراسته والجوانب الإنسانية ذات الصلة بها، كاحترام كل من الفطرة وأحكام الطبيعة".
وجاء جوهر الرأي الإسلامي مؤكدا على نظرة الكنيسة، فلم ير مجمع الفقه الإسلامي بمكة في الأبحاث الجينية عموما حرجا، طالما اقتصرت الاستفادة من علم الهندسة الوراثية على الوقاية من المرض وعلاجه، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر أكبر، وشدد على عدم جواز استخدام هذا العلم في العبث بفطرة الله التي فطر الناس عليها، بدعوى تحسين سلالة النوع البشري، أو استخدامه فيما يضر الناس ولا ينفعهم، ولا حرج في الاستفادة من هذا العلم في مجال الزراعة أو الإنتاج الحيواني، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر بالإنسان أو الحيوان أو البيئة..
الدكتور عبد الحي الفرماوي وكيل كلية أصول الدين بالأزهر الشريف عقب لأسلام أون لاين على الأمر بالقول "لا بد من اجتماع علماء الدين والعلم لمناقشة مثل هذه الأمور دائمًا، وميلي الشخصي إلى تحريم العمل بالأجنة التي سيتم التخلص منها في كل الأحوال لا يعني غلق الباب أمام مثل هذه الاجتماعات".
فيما كان لنقابة أطباء مصر رأي واضح منذ البداية، ومفاده "لا يمكن بأي حال من الأحوال تدمير أجنة للأبحاث" وجاء على لسان د. حمدي السيد نقيب الأطباء لمجلة كرستيان سينس مونيتور.
موقف العالم
الدولة
موقف دول العالم من الاستنساخ
أستراليا
تم السماح بتخليق الأجنة لأغراض بحثية، فيما حظرت الدولة التهجين البشري الحيواني. والاستثناء الوحيد في حال الرغبة في اختبار جودة الحيوانات المنوية.
كندا
حرمت التشريعات تخليق الأجنة الحيوانية البشرية.
الولايات المتحدة
يقتصر التمويل الفيدرالي على الأبحاث على أجنة لم تنفخ فيها الروح، كبعض الأجنة المتبقية من عمليات التخصيب الصناعي، فيما حظرت الدولة أبحاث تخليق الأجنة الحيوانية البشرية.
باقي الدول
لم تضع باقي الدول تشريعات فيما يتعلق بتخليق أجنة بشرية حيوانية، فيما سمحت بعض الدول بإجراء الأبحاث على أجنة لم تنفخ فيها الروح، منها ألمانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها، فيما حظرت النرويج وتونس إجراء أي أبحاث على الأجنة.
الاستنساخ في بريطانيا
تمتع استنساخ الأجنة البشرية لأغراض علاجية بصفة قانونية عن طريق تعديل أجري بشأن قانون الأجنة البشرية البريطاني في يناير 2001، أعلن بعدها علماء في كوريا الجنوبية استنساخ أول جنين بشري في العالم في فبراير2002 كما أجريت تجربة مشابهة في الولايات المتحدة، الأمر الذي خلق حالة من الرفض الشديد في أوساط معارضي الإجهاض والمحافظين وعدد من العلماء، لما تتمتع به من الانتهاكات الأخلاقية.
ويظل استنساخ البشر مقتصرا قانونا على الأغراض العلاجية، فيما يفتقر الاستنساخ لأغراض تجارية للشرعية، حيث يعاقب عليه القانون بالسجن لمدة عشر سنوات مع دفع غرامة غير محدودة.
ولا يزال مشروع القانون البريطاني بصياغته الحالية يحظر تخليق أجنة مهجنة بين الأنواع، إلا أن الحكومة سمحت للجنة من أعضاء البرلمان بدراسة المشروع من جديد للعثور على أفضل الطرق للسماح بتلك البحوث
تهجين جنين.. 99% بشر والباقي حيوان
رحاب عبد المحسن
ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة لم تتناسب مع جدية الخبر، ففي البداية جلست لأقرأ حول تداعيات قرار الحكومة البريطانية منح ترخيص لأبحاث جينية أثارت جدلا منذ أغسطس 2006، حيث تقوم على تخليق أجنة بشرية من خلال حقن حمض نووي (DNA) بشري في بويضات بقرة، والجنين الناتج سيكون بشريا بنسبة 99.9%، والعنصر الحيواني الوحيد فيه هو الحمض النووي خارج نواة الخلية... والمضحك في الأمر هو سؤال توجه به أحد المدونين قائلا: أتساءل ما إذا كان صوت الناخب في هذه الحالة سيحتسب بفرد واحد أم 99.9% من الفرد؟... سؤال منطقي.
ولم تتوقف تداعيات الموقف عند هذا الحد... ففي 5 سبتمبر 2007 وافقت هيئة علم الأجنة والإخصاب البشرية البريطانية على إجراء التجارب مبدئيا، مع تحفظ الهيئة على أنها ستنظر في كل قضية على حدة، مما يلزم كل باحث باستصدار إذن منفرد قبل تخليق الأجنة الهجينة، والتي سيتم استخدامها في أبحاث خلايا المنشأ (الجذعية)، وهي الخلايا غير الناضجة القادرة على التحوّل إلى أي نوع من الأنسجة في الجسم، ويأمل العلماء في استخدامها لتصنيع أعضاء بشرية وعلاج بعض الأمراض، منها السكري، وداء الشلل الرعاش والزهايمر (خرف الشيخوخة).
الفصل بين الدين والعلم
والقصة الفعلية للخبر بدأت حينما تقدم علماء بجامعتي "نيوكاسل" و"كنجز كوليج" ببريطانيا بطلب تصريح مدته ثلاث سنوات لتخليق أجنة حيوانية - إنسانية، ، ولن يسمح بنموها لأكثر من 14 يوما، أي لن يتجاوز حجمها رأس القلم، بهدف استخراج خلايا جذعية من الجنين المخلق البالغ من العمر ستة أيام ثم تدميرها.
وهنا احتدم الموقف بين معارضي مثل هذه العلميات، والعلماء القائمين عليها. ففيما وصفت الكنيسة الكاثوليكية البحث بأنه "مهين لكرامة البشرية"، رأى العلماء فيها نقلة بشرية، ستفتح آفاقا جديدة لعلاج أمراض متعددة، وذهبوا إلى حد اعتبار حظرها إضراراً بالغاً للتقدم العلمي.
أما وزارة الصحة البريطانية، فقد رفضت إعطاء الباحثين الرخصة في أواخر2006، نظرا لما أسمته "شعورا عاما بعدم الارتياح"، إلا أنها تركت الباب مفتوحا أمام تشريعات أخرى لاحقة قد تسمح بتلك البحوث بعد الحصول على ترخيص، ثم قررت في منتصف مايو 2007 حسم القضية والمضي في منح البحث الترخيص، الأمر الذي أعقبه موافقة هيئة علم الأجنة والإخصاب البشرية البريطانية على التجارب أيضاً.
حفظا لماء الوجه
يبدو أن بريطانيا الدولة الرائدة في بحوث الخلايا الجذعية ، وصاحبة البيئة العلمية المتسامحة والجاذبة للعلماء رأت في الحظر مخاطرة بسمعتها، خاصة مع التحركات الموسعة للعلماء والسياسيين، بعد أن وجهوا تحذيرا من أن فرض الحظر سيؤدي إلى ازدهار البحوث في دول أخرى مثل الصين وكندا، وسيأتي ذلك على حساب بريطانيا أول دولة تبدأ عمليات الاستنساخ العلاجي في2001.
وبرر المدافعون عن فكرة تهجين الخلية البشرية ببويضة حيوانية؛ بأنها قد تساعد في التغلب على نقص البويضات الأنثوية المستخدمة لأغراض البحث، الأمر الذي ساهم في إحداث تغير في موقف الحكومة.
والأبحاث البريطانية على الأجنة ليست الأولى من نوعها، فقد قام علماء في الصين والولايات المتحدة وكندا بتجارب مشابهة، والتقنية المتبعة في الجنين "الإنسان - الحيوان" هي ذات التقنية التي أنتجت النعجة دوللي أول حيوان ثديي مستنسخ. في الوقت نفسه رفضت الولايات المتحدة توسيع تمويل مثل هذه البحوث، نظرا لمعارضة دافعي الضرائب إجراءها.
الرفض الأخلاقي
"على العلماء حماية واحترام الأجناس المختلفة" بهذه العبارة وضح بيشوب إليو، رئيس الأكاديمية البابوية لعلوم الحياة، حيثيات رفض الكنيسة الكاثوليكية لمثل هذه الأبحاث، وتابع الكاهن (76 عاما) قائلا: "هناك انتهاك لحرمة الآدمي، يتضح في العبث الحادث بالأجنة وتدميرها" ويضيف بعبارة أشد حزما: "لطالما كان الخط الفاصل ما بين الأجناس مقدسا ومحترما، أما الآن فيتم اختراق الحدود بلا حساب للعواقب".
وانتقل بيشوب بخطابه إلى العلماء قائلا: "إذا صب العالم اهتمامه على ترقية بحثه؛ فلن ينظر إلى فلسفة دراسته والجوانب الإنسانية ذات الصلة بها، كاحترام كل من الفطرة وأحكام الطبيعة".
وجاء جوهر الرأي الإسلامي مؤكدا على نظرة الكنيسة، فلم ير مجمع الفقه الإسلامي بمكة في الأبحاث الجينية عموما حرجا، طالما اقتصرت الاستفادة من علم الهندسة الوراثية على الوقاية من المرض وعلاجه، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر أكبر، وشدد على عدم جواز استخدام هذا العلم في العبث بفطرة الله التي فطر الناس عليها، بدعوى تحسين سلالة النوع البشري، أو استخدامه فيما يضر الناس ولا ينفعهم، ولا حرج في الاستفادة من هذا العلم في مجال الزراعة أو الإنتاج الحيواني، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر بالإنسان أو الحيوان أو البيئة..
الدكتور عبد الحي الفرماوي وكيل كلية أصول الدين بالأزهر الشريف عقب لأسلام أون لاين على الأمر بالقول "لا بد من اجتماع علماء الدين والعلم لمناقشة مثل هذه الأمور دائمًا، وميلي الشخصي إلى تحريم العمل بالأجنة التي سيتم التخلص منها في كل الأحوال لا يعني غلق الباب أمام مثل هذه الاجتماعات".
فيما كان لنقابة أطباء مصر رأي واضح منذ البداية، ومفاده "لا يمكن بأي حال من الأحوال تدمير أجنة للأبحاث" وجاء على لسان د. حمدي السيد نقيب الأطباء لمجلة كرستيان سينس مونيتور.
موقف العالم
الدولة
موقف دول العالم من الاستنساخ
أستراليا
تم السماح بتخليق الأجنة لأغراض بحثية، فيما حظرت الدولة التهجين البشري الحيواني. والاستثناء الوحيد في حال الرغبة في اختبار جودة الحيوانات المنوية.
كندا
حرمت التشريعات تخليق الأجنة الحيوانية البشرية.
الولايات المتحدة
يقتصر التمويل الفيدرالي على الأبحاث على أجنة لم تنفخ فيها الروح، كبعض الأجنة المتبقية من عمليات التخصيب الصناعي، فيما حظرت الدولة أبحاث تخليق الأجنة الحيوانية البشرية.
باقي الدول
لم تضع باقي الدول تشريعات فيما يتعلق بتخليق أجنة بشرية حيوانية، فيما سمحت بعض الدول بإجراء الأبحاث على أجنة لم تنفخ فيها الروح، منها ألمانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها، فيما حظرت النرويج وتونس إجراء أي أبحاث على الأجنة.
الاستنساخ في بريطانيا
تمتع استنساخ الأجنة البشرية لأغراض علاجية بصفة قانونية عن طريق تعديل أجري بشأن قانون الأجنة البشرية البريطاني في يناير 2001، أعلن بعدها علماء في كوريا الجنوبية استنساخ أول جنين بشري في العالم في فبراير2002 كما أجريت تجربة مشابهة في الولايات المتحدة، الأمر الذي خلق حالة من الرفض الشديد في أوساط معارضي الإجهاض والمحافظين وعدد من العلماء، لما تتمتع به من الانتهاكات الأخلاقية.
ويظل استنساخ البشر مقتصرا قانونا على الأغراض العلاجية، فيما يفتقر الاستنساخ لأغراض تجارية للشرعية، حيث يعاقب عليه القانون بالسجن لمدة عشر سنوات مع دفع غرامة غير محدودة.
ولا يزال مشروع القانون البريطاني بصياغته الحالية يحظر تخليق أجنة مهجنة بين الأنواع، إلا أن الحكومة سمحت للجنة من أعضاء البرلمان بدراسة المشروع من جديد للعثور على أفضل الطرق للسماح بتلك البحوث
No comments:
Post a Comment