خيبة بالويبة
مجدى مهنا
الدكتور فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب، غاضب من كلمة «انبطاح»، التي استخدمها المستشار محمود الخضيري، نائب رئيس محكمة النقض.. في وصف مجلس الشعب.
ورفض الدكتور سرور في تصريحات، نشرتها صحيفة «الجمهورية»، استخدام حقه القانوني والدستوري.. في مقاضاة المستشار الخضيري.. كما رفض طلب رفع الحصانة القضائية عنه، لمساءلته.. وبرر موقفه بأنه يرفض أن يكتب في سجلات القضاء يوماً أن أحد القضاة قد أهان السلطة التشريعية.
ولست فقيهاً دستورياً، لكي أقرر ما إذا كان المستشار الخضيري قد تجاوز في هذا الوصف أم لا.. أو أن هذا يشكل عدواناً من السلطة القضائية علي السلطة التشريعية.. ولا أين الخطأ والصواب فيما قاله المستشار الخضيري.
لكن من الناحية السياسية.. لا أجد في هذا الوصف - الانبطاح - الذي استخدمه المستشار الخضيري، أي خروج علي القانون أو المألوف أو القواعد العامة. وهو تعبير سياسي يمكن استخدامه دون أي حساسية.. والمقصود بـ«الانبطاح» أن مجلس الشعب يستجيب لرغبات الحكومة، ويوافق علي التشريعات التي تأتي له جاهزة من الحزب الوطني.. بدليل أنه وافق علي التعديلات الدستورية، كما جاءت له من الحكومة.. والتعديل الوحيد الذي أدخله عليها هو الاقتراح، الذي قدمته الدكتورة آمال عثمان، بوضع «نقطة» بدلاً من «فاصلة» في نهاية إحدي الفقرات.
والانبطاح يعني أيضاً أن البرلمان لا يمارس دوره التشريعي الحقيقي في أن يبادر بإصدار التشريعات، وأن يتقدم النواب بمشروعات قوانين، لا أن ينتظرها جاهزة ومعلبة، لكي يضع عليها ختم النسر.
«الانبطاح» يشمل كذلك رفض المجلس استخدام حقه الدستوري، ولو مرة واحدة في محاسبة الحكومة ومراقبتها عن طريق سحب الثقة منها أو من أحد الوزراء.. فكل الأسئلة وطلبات الإحاطة والاستجوابات تنتهي بغلق باب المناقشة عن طريق ٢٠ نائباً، وشكر الحكومة والسيد الوزير.
إذا لم نقل عن ذلك «انبطاحاً» فما هو الاسم أو الوصف، الذي يمكن أن نستخدمه؟
هل: ركوع.. خنوع.. خيبة بالويبة؟!
بصراحة «انبطاح» أفضل.. مع كل التقدير والاحترام للدكتور سرور.. ولمجلسه الموقر.
اعتراض علي بيع بنك القاهرة
ما وراء اعتراض مسؤول عسكري كبير علي بيع بنك القاهرة لا مصلحة لأحد في تشويه التاريخ الوطني للقوات المسلحةبقلم: محمد عبد الحكم ديابفجر تصريح منسوب لمسؤول عسكري كبير، تعليقا علي بيع بنك القاهرة، ردود فعل عديدة. والتصريح يقول انتم كده بتبيعوا البلد ، واستكمله بعبارة توحي بالغضب.. لم يبق إلا أن تبيعوا الناس!! ولم يقلل دفاع يوسف بطرس غالي عن سياسة البيع والخصخصة، ولا مستوي التوتر، الذي ساد المناقشة، وأوردته مصادر موثوقة، ولا تَدَخل عدد من الوزراء للتهدئة.لم يقلل من صراحة المسؤول، ولم يؤد إلي تراجعه، أو يخفف من توتر ساد المكان، ووصل إلي مستوي المشادة مع وزير المالية، المعروف بوزير الإفقار والخصخصة. أثار التصريح قلق أوساط عدة، سياسية واقتصادية، داخلية وخارجية. فلم يتعود أحد، من زمن، علي سماع رأي لمسؤول عسكري بهذا الوضوح والحسم. وهل يعني أنه تعبير عن موقف الجيش، أم أنه لا يتعدي جملة عابرة نتجت عن انفعال مؤقت؟ يعكس رأيا شخصيا أكثر مما يكشف عن رأي المؤسسة؟ وقيمته أنه أتي في وقت تجاوزت العائلة وأمانة السياسات، وحكومة رجال الأعمال الخطوط الوطنية والإنسانية، فبددت ثروة المجتمع، واستولت عليها، ونقلت ملكيتها إلي مؤسسات واحتكارات وشركات صهيونية، بكل ما يترتب علي ذلك من خطر علي الأمن الوطني والقومي. وهذا سبيل تتصوره المنظومة الحاكمة بأنه يمكنها من إحكام السيطرة علي مقاليد الحكم والثروة والنفوذ. ومن الصعب الجزم والادعاء بمعرفة النوايا التي وقفت خلف هذا التصريح. والأيام وحدها كفيلة به.وهذا أعاد طرح قضية المؤسسة العسكرية المصرية ودورها في حالة غياب حسني مبارك عن الحكم، وهو ما أصبح متوقعا، وزاد احتماله مؤخرا، لأسباب عديدة، منها الصراع الدائر داخل العائلة ، ومستوي الشيخوخة الذي وصل إليه مبارك الأب. والجهود تركز علي احتواء ردود الفعل الرافضة لتولي مبارك الابن الحكم، وليس هناك غير المنظومة الأمنية، بولعها المطلق بالبطش، وقدرتها الخارقة علي تحدي القانون والقيم الأخلاقية والإنسانية، والتزامها الحرفي بتعليمات العائلة بالتعذيب والقتل والاختطاف وهتك الأعراض، وتأكد أن لها قدرة عالية علي إطلاق قنابل دخان تعطي انطباعات خادعة، وبها أشاعت أن العسكر يحكمون من 55 عاما. وقد يكون في هذا بعض الصحة، فمن الناحية التاريخية فإنهم حكموا من مطلع الخمسينات وحتي 1967، وحسني مبارك واحد من أبنائها، وممن خدموا في صفوفها لأكثر من ربع قرن، وبالقطع فإن تقاليد الضبط والربط التي تحكم تصرفاته وسلوكه قد تكون هي الشيء الوحيد الذي يمارسه ويفهم فيه، ولم يتسع الأفق لأكثر منه، ومن التفتيش وتوقيع العقاب الوحشي علي المخالف وغير المطيع. والمشهد أمامنا يقول بأن العسكر لا يحكمون الآن، والحكم صار، من زمن، من اختصاص منظومة أخري، هي منظومة الفساد. وكانت تضم، في البداية، فنيين (تكنوقراط)، وإداريين (بيروقراط)، وأضحت الآن مكونة من شرطة ورجال مال وأْعمال وسماسرة ومهربين ومرتشين وبلطجية وقتلة، وقام حسني مبارك بتطعيم هذه المنظومة بعسكريين سابقين، تم اختيارهم من بين زملائه ضباط الطيران. فتح أمامهم آفاق العمل التجاري والمالي. في مجالات السلاح والطيران المدني، والصناعات الاستراتيجية، مثل النفط والغاز والمناجم، وصاروا رسله إلي عالم المال والثروة وليس عالم السياسة والعمل الوطني.وحسني مبارك يعلم أن اختياره نائبا للرئيس، سنة 1975، جاء في ظروف بدأ فيها العمل علي إضعاف المؤسسة العسكرية، بعد أن قرر السادات أن حرب 1973 هي آخر الحروب. كان واحدا من مرشحين أربعة. أقلهم في الدور والرتبة، وفي ذيل قائمة كان علي رأسها المشير أحمد اسماعيل، وزير الدفاع وقائد الجيش في 1973، والفريق كمال حسن علي، رئيس المخابرات العسكرية ووزير الدفاع ورئيس الوزراء فيما بعد، والمشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس عمليات حرب اكتوبر ووزير الدفاع. آخرهم هو حسني مبارك، قائد الطيران. شطب السادات علي الإسمين الأولين بدعوي الظروف الصحية، ثم شطب علي الجمسي بحجة أنه عسكري محترف، ليس له نصيب في السياسة، ووقع الاختيار علي حسني مبارك، لأنه، حسب قول السادات، ينفذ ما يطلب منه ولا يسبب المشاكل. ومن المعروف أن سلاح الطيران هو أقل الأسلحة عددا وتهديدا.ومصدر التهديد غالبا ما يأتي من الأسلحة الأكبر. مثل المشاة والمدرعات. وقد كانا وراء أحداث 1954، والطرف المؤيد لمحمد نجيب وخالد محيي الدين ضد جمال عبد الناصر وقيادة الجيش، في ذلك الوقت، وهذا يخالف تحليلات تقول ان الجيش دائما مع الشرعية، ونسي هؤلاء أنه هو الذي عزل الملك، بالإضافة إلي أن الشرعية في 1954كانت لمجلس قيادة الثورة، ولم تكن لرئيس الجمهورية، والحراك في الجيش ليس آليا، ومؤسسته ليست صماء أو ساكنة، رغم كل ما يحيط به من غموض وصمت، بسبب طبيعته الخاصة. ونتذكر أن السادات لم يكن يثق في القوات المسلحة، ليلة 14 ايار (مايو) 1971، بعد استقالة وزير الحربية وقائد الجيش، الفريق أول محمد فوزي، مع من استقالوا من الوزراء احتجاجا عليه، ولم يجد لديه غير الحرس الجمهوري، فكلف قائده، الفريق الليثي ناصف، اعتقال القادة والمسؤولين في الحكومة والاتحاد الاشتراكي العربي والجيش.. وكان ناصف هو المنفذ الفعلي للانقلاب، بدعم سياسي وإعلامي من قبل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، ويتردد أن سقوط قائد الحرس الجمهوري من شرفته وموته في لندن، يعود إلي رغبة قوي يهمها استمرار الحظر قائما علي أسرار ذلك الانقلاب.ويغيب عن البعض أن المؤسسة العسكرية تمتعت بالمشروعية الوطنية، إذا جازت التسمية، واستمدتها من مشروعية الثورة، وتطورها وانجازاتها، وهو شيء ليس له وجود الآن. ومشروعية النظام الحالي انقلبت بصدور قرار الانفتاح الاقتصادي سنة 1974، وهو يمثل البيان الأول للثورة المضادة. وعلي أساسه توقفت التنمية، واستبدلت بالاندماج في السوق الرأسمالي، وحلت التبعية محل الاستقلال، وسيطر التوجه الانعزالي، وتم فك الارتباط مع الأمة العربية والقضايا القومية، خاصة قضيتي الوحدة وفلسطين، وجري استدعاء رأس المال ليستعيد سيطرته علي الحكم، بعد ما كان الحكم لصالح الفقراء والطبقة الوسطي ومحدودي الدخل، واقتضت التغطية علي هذه التراجعات والتنازلات نشر زعم يقول بأن العسكر يحكمون من 55 سنة. ولو اقتصر الحديث علي البعد التاريخي والتعرض لسلبيات مورست عندما كان للمؤسسة العسكرية باع طويل في التوجيه والحكم لكان القول منطقيا ومرحبا به، خاصة أن الثورة المصرية كانت التجربة الأولي، التي أتاحت للعسكريين قيادة التغيير وبناء نظام سياسي جديد. ولو كان ذلك كذلك لكان الأمر مفهوما، أما حين يكون الهدف تزييف التاريخ وتشويه وقائعه، فمن السهل علي حكم بوليسي فاشي عائلي أن يدعي ما يدعيه، ويصف نفسه بما ليس له أو فيه. فمن يعمل ويبني، حتي لو أخطأ، ليس كمن يهدم. فمن ذا الذي يساوي بين قامة حسني مبارك وقامة أحمد عرابي، ومحمود سامي البارودي، وعزيز علي (المصري)، والمواوي وأحمد عبد العزيز، ومحمد نجيب وجمال عبد الناصر والضباط الأحرار، وعبد المنعم رياض ومحمد فوزي، وسعد الدين الشاذلي وعبد المنعم واصل وفؤاد غالي، عشرات ومئات، لا يتسع لهم المجال، من أبطال وشرفاء العسكريين، لم يتخلوا أبدا عن شرفهم العسكري أو الشخصي، ولا تاجروا أو تكســـبوا مــن الشرف الوطني والقومي، مهما واجهوا مــن ظروف، في نشوة النصر أو تحت وطأة الهزيمة.من الطبيعي أن يتطلع كثيرون إلي القوات المسلحة لتكون معهم لا عليهم، في ظروف غياب وضعف قوي وأدوات التغيير، وفي زمن يزيف فيه الوعي، بالادعاء بأن الحل هو في الاندماج في المشروع الغربي، في عملية تلفيقية، لا تحل ولا تربط، يقوم بها فريق من المثقفين والسياسيين. مع علمهم أنه مشروع مصهين من شعر رأسه إلي اخمص قدمه، والمنادون به موزعون بين ساذج ومخدوع. ونموذج الليبراليين الجدد، في مصر، أعضاء لجنة السياسات والوزراء من رجال الأعمال والسماسرة.. تتشوه علي أيديهم المثل العليا والقضايا الكبري. فباسم الديمقراطية ترتكب أبشع الجرائم وأكبر الحماقات، وهل مثل هؤلاء يمكن أن يكونوا امتدادا لنظام يوليو، الذي كان معاديا، بطبيعته، للصهيونية والعنصرية والاستيطان والاستعمار، ومحاربا عنيدا للاقطاع واستغلال رأس المال، ومنحازا بإصرار للفقراء، غير معاد للشعب وغير موال لأعدائه.تشويه المؤسسات الوطنية، بما فيها المؤسسة العسكرية، يرمي إلي غلق أبواب التغيير، وسد منافذ الحرية والديمقراطية، والحيلولة دون التغيير السلمي، فيضطر الناس إلي التسليم والاستسلام لواقعهم المر، فتتهيأ الظروف لنقل السلطة، رسميا، من الأب إلي الأبن. لكن نشعر أنه من الصعب أن يتحقق ذلك بغير انقلاب بوليسي ، قد يأتي مصاحبا أو تاليا لمؤتمر الحزب الحاكم في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم. واتخاذ وجود الإخوان المسلمين في مجلس الشعب، وحجة التخلص من الحرس القديم مبررا لاستخدام قانون الطوارئ في تنفيذه، لأن الاحتمال الأضعف هو أن تنتقل السلطة إلي جمال مبارك عن طريق الجيش، فقوات الأمن والشرطة أقوي ولها الهيمنة، وتنتظر ساعة الصفر. وما حدث من تعذيب وانتهاك للأعراض، وقتل بيد الشرطة، ليس إلا تدريبا علي أسلوب المعركة القادمة مع الشعب، إذا لم يرضخ، وفي مواجهة الجيش،إذا لم يقبل أو يذعن، وضد المثقفين والسياسيين والمحتجين، الذين سيجدون الأمن من أمامهم وفرق التعذيب والموت من خلفهم.قد يكون ما ورد علي لسان المسؤول العسكري نوعا من إبراء الذمة، أو يكون رسالة طمأنة بأن الجيش عند حسن الظن به، والتأكيد علي أن الكرة في ملعب الشعب، وإذا ما خرج وطلب العون فسوف يجد من يلبي في لحظة قادمة، تبدو من أصعب اللحظات وأكثرها حراجة في تاريخ مصر والمنطقة.
07-08-25المصدر: القدس العربي
في الممنـــوع بقلم مجدى مهنا ٢٥/٨/٢٠٠٧
في مطعم لبناني، في قلب العاصمة الفرنسية باريس، اقترب مني أحد المصريين وسألني، عن صحة الشائعة التي انطلقت بقوة عن إصابة الرئيس حسني مبارك بأزمة صحية حادة وسفره إلي لندن للعلاج.
ولم أكن قد سمعت عن الشائعة بعد، وقلت له: إنني أستبعد تماما صحتها، فالرئيس مبارك عندما يسافر إلي الخارج في مهمة رسمية أو للعلاج، لا يمكن إخفاء خبر مثل هذا، ولن يصمد في حالة كتمانه عن ٢٤ ساعة.. وسوف يتم إعلانه علي الفور.. ثم لماذا لندن؟
وبعدها توالت الاتصالات والأخبار من مصر، فالشائعة ملأت مصر وتناقلتها ألسنة الناس منذ صباح الأربعاء الماضي، والبعض أضاف إليها أن الرئيس انتقل إلي رحمة الله، وأن خبر الوفاة يتم التكتم عليه لحين معرفة كيف تنتقل السلطة.
وسمعت ضمن ما سمعت أن المتحدث الرسمي باسم رئيس الجمهورية، السفير سليمان عواد، نفي الشائعة بإعلانه عن قيام الرئيس مبارك بزيارة إلي القرية الذكية والالتقاء برئيس الوزراء أحمد نظيف فيها صباح يوم الخميس أمس الأول، ثم اطلعت علي نسخة من «الأهرام» الطبعة الدولية، الصادرة يوم الخميس، فأكدت علي صدر صفحتها الأولي، وبحروف بارزة، أن الرئيس مبارك سيزور القرية الذكية خلال ساعات.
ولأنني وغيري من أفراد الشعب المصري، لا نملك معلومات عن الحالة الصحية للرئيس مبارك، ويتم التعامل مع هذا الملف كأحد الأسرار العليا للدولة.. فقد ساعد هذا علي ترويج تلك الشائعات، والعامل الأكبر الذي يساعد علي ترويجها، هو غموض مستقبل الحكم في مصر، فهذه ليست المرة الأولي التي تخرج فيها تلك الشائعة ويعقبها الحديث مباشرة عن شخص رئيس مصر المقبل من يكون؟ وهل هو رئيس مدني أم عسكري؟ مع احترامي الكامل للتصريح، الذي صدر مؤخرا علي لسان الدكتور أسامة الباز، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية، والذي أكد فيه أن رئيس مصر المقبل سيكون مدنيا!
إن الدستور حدد في حالة خلو منصب الرئيس، من سيكون المسؤول، الذي سيشغل هذا المنصب الرفيع، كما حددت المادة ٧٦ من الدستور، الطريقة التي يتم بها انتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح، بالرغم من العيوب والمثالب الكثيرة، التي أخذت علي هذه الطريقة، ومع ذلك فالشائعات تخرج كل مرة، ويجد المجتمع المصري نفسه في حالة عجز كامل وغير قادر علي توقع أي شيء عن مستقبل الحكم.. وعن شخص الحاكم المقبل.
إن فرص جمال مبارك في هذه الحالة سوف تنعدم تماما.. والسؤال: من يكون الرئيس المقبل؟ هل هو صفوت الشريف، أم أن المؤسسة العسكرية ستفرض مرشحها حتي ولو اتبعت بعد ذلك الخطوات والإجراءات المنصوص عليها في الدستور، فهي ستظل خطوات شكلية لا قيمة لها؟ فالشعب المصري لا يري فيها انتخابات تنافسية، كما لا يري أنه صاحب الكلمة في اختيار رئيس الجمهورية وأن خروجه أو خروج نسبة لا تتعدي ٢٠% منه في يوم الانتخابات، هو لتأكيد المرشح الذي تختاره السلطة بالنيابة عنه.
والرئيس مبارك وحده هو المسؤول عن خروج هذه الشائعات، التي تظهر من فترة إلي أخري عن حالته الصحية، وهو المسؤول عن فقدان الناس الثقة والأمل في أي إصلاح، وهو المسؤول عن حالة الغموض التي تتعلق بمستقبل الحكم في مصر.
وإحساسي يقول إن منصب رئيس الجمهورية المقبل في ظل هذا الغموض، سيكون من نصيب صفوت الشريف.. أطال الله في عمر الرئيس مبارك.
شرطة الكويت تطلق سراح الضابطين المتهمين بحرق مصريين بماء النار وترفض إطلاق الضحيتين والجهود الدبلوماسية المصرية في الموضوع مائعة ...مبارك يبشر المواطنين بتوفير الدعم اللازم للخدمات وفهمي هويدى يتساءل عن خدمة الـ(تعذيب هوم ديليفري)....
كتب:طارق قاسم : بتاريخ 25 - 8 - 2007
ليس كل المصريين يعشقون فيروز لكن المؤكد أن حالهم مثل حالها رائعتها "يا طير" عندما شدت قائلة:"يا طاير وآخد معك لون الشجر.. ما عاد فيه إلا النطرة والضجر"...وهكذا فالمصريون يغنون للأمان والأمل الذين طارا إلى غير عودة حتى الآن ويكتفون فقط بالنطرة"الانتظار" ولا يتمردون على الضجر ...المهم.. صحافة مصر كما المصريين تعزز معنى النطرة والضجر ...وسوف نبدأ جولتنا في صحف القاهرة الصادرة سبت هذا الأسبوع من جريدة أخبار اليوم التي أطل الرئيس مبارك من خلالها على شعبه الحبيب الصبور المهاود الصابر المحتسب المحترق في أقسام شرطة أزهى عصور حريته.. نقول : أطل الرئيس مبارك بتصريحات وردية حالمة ناعمة على صفحات أخبار اليوم قال فيها كالعادة :"كل الموارد الإضافية لدعم خدمات محدودي الدخل" وطبعا لم يوضح الرئيس ما إذا كان هذا الدعم سيطال خدمة حرق محدودي الدخل في أقسام الشرطة على أيدي الضباط أو خدمة رمي محدودي الدخل من شرفات منازلهم أيضا على يد باشوات الشرطة في حال لم يجد الضباط كبريتا كافيا لحرقهم في القسم ...لم تكتف أخبار اليوم ولم يكتف الرئيس بذلك التصريح وإنما قالت أخبار اليوم على لسان الرئيس :"الحكومة تتخذ كل الإجراءات الكفيلة بتحقيق الانضباط في الأسواق" ...وحول رؤية سيادة الرئيس لأزمة غلاء الأسعار ..نقلت الأخبار عن سيادته :"زيادة مرتبات العاملين ليست هل الحل السحري لمواجهة الغلاء"...وطبعا تركنا سيادة الرئيس لنواجه أمواج التساؤل الآثمة الشكاكة دون أن يذكر لنا الحل السحري لدى سيادته لمواجهة الغلاء ....واختتمت أخبار اليوم التصريحات التي نقلتها عن الرئيس بمانشيت أحمر يمثل العين الحمراء التي توجهها الحكومة لمعارضيها :"لا تهاون أو تراخ في مواجهة قلة تسيء لإنجازات شعبنا العظيم" ..وطبعا -ثالث مرة - كلنا نعرف طبيعة القلل "جمع قلة" التي يقصدها الرئيس بأنها تسيء لإنجازات شعبنا العظيم ..وبثقة رئاسية قال الرئيس بنفس اللهجة التي تحدث بها كل حكامنا من لدن توحيد القطرين حتى الآن لدرجة أن هذه العبارة صارت محفوظة :"الحرية لا يمكن أن تعني أبدا الفوضى أو التسيب أو محاولة فرض الرأي بالقوة"...تصريحات مبارك التي أوردتها أخبار اليوم قال البعض أنها ضمن محاولات مؤسسة الرئاسة لنفي شائعات مرض الرئيس التي انتشرت خلال الأيام القليلة الماضية ...وفي نفس السياق جاء الكلام حول زيارة مبارك للقرية الذكية فبحسب ما أوردت جريدة الدستور اليومية فإن هذه الزيارة كانت فقط للرد على شائعة مرضه وأنها جاءت مفاجئة حتى لطارق كامل وزير الاتصالات ...وما دمنا قد انتقلنا لجريدة الدستور الصادرة السبت فنطالع منها خبرا يتعلق بقضية اختفاء الفتاة المسيحية "أمل" من منزل أسرتها بالمحلة الكبرى ...فقدأفادت الشركة المصرية للاتصالات أن هاتف الفتاة لم يكن مراقبا لذا فليس لدى الشركة معلومات تفيد بها تحقيقات النيابة ....كلام شركة الاتصالات جاء ردا على طلب النيابة إفادتها بتفاصيل آخر مكالمات أجرتها أو تلقتها "أمل" قبل اختفائها ..وفيما يخص أمل أيضا فقد ذكرت جريدة المصري اليوم في عدد السبت أن أسرتها قررت نقل اعتصامها إلى المنزل بعدما رفضت الكنيسة بالمحلة استضافة الاعتصام لأسباب قالت أنها "أمنية" ...وحول اعتصام آخر نقرأ من نفس عدد الدستور والاعتصام هذه المرة قامت به "هدير" طالبة الثانوية العامة التي تعرضت لاعتداء من عميد كلية الهندسة أثناء إجرائها التنسيق الإلكتروني ..هدير اعتصمت مع والدتها على سلم وزارة التعليم العالي احتجاجا على مماطلة هاني هلال وزير التعليم العالي في منحها حقها في التحويل لإحدى الكليات وإصلاح الخطأ الذي أوقعها فيه التنسيق الإلكتروني ...ومن جانبه فالوزير هاني هلال عندما استقبل الفتاة أول مرة وحكت له واقعة اعتداء عميد كلية الهندسة عليها سخر منها وهددها بأن الواقعة تم تصويرها وأن لديه شهودا ضدها ...وبعدما دخلت هدير ووالدتها في الاعتصام فإن الوزير اتصل بها بعد ست ساعات وقال لها "اعملي إضراب براحتك حتى لو قعدت سنة أمام الوزارة مش هأعملك حاجة "....وننتقل لملف أخر على رفوف أحوالنا المايلة البالية الملوثة ..ملف تعذيب شابين مصريين في الكويت على أيدي ضابطي شرطة كويتيين أحرقا الشابين بماء النار فقد ذكرت جريدة المصري اليوم في عدد السبت أن السلطات الكويتية أفرجت عن الضابطين الذين عذبا الشابين المصريين بينما تصر في الوقت نفسه على استمرار حجز الشابين وكالعادة تتصرف وزارة الخارجية المصرية بميوعة وسيولة وتغرق الموقف في بركة لزجة من التصريحات الباردة أغلبها ليس شجبا للحادث أو مطالبة حادة اللهجة بحقوق الشابين المصريين ولكن إشادة بموقف السلطات الكويتية في تعاملها مع هذه القضية ...وحول هذه النقطة تحديدا "موقف الخارجية من تعذيب الشابين المصريين" كتب فهمي هويدي في جريدة الدستور مؤكدا أن كلام الخارجية رغم برودته وميوعته لا يعود لحرصها على كرامة المصريين الذي يحظون بتعذيب لا يقل بشاعة بل هو أفظع في داخل مصر للدرجة التي استحدثت فيها الداخلية المصرية التعذيب بنظام "هوم ديلفري" ...أي في المنزل مثلما حدث مع سباك العمرانية الذي ألقاه ضباط الشرطة "المصريون" من شرفة منزله وأشار هويدي في معرض كلامه لأن مصر بعدما كانت تصدر للدول العربية معلمين وأساتذة جامعيين أصبحت تصدر لهم خبرات أمنية كبيرة في الاستنطاق وتلفيق القضايا ..لكن يبقى السؤال لماذا نطقت الخارجية ؟..حتى وإن جاء نطقها رخوا وعلى استحياء بحسب كلام هويدي في مقاله فإن الخارجية المصرية تكلمت بشأن تعذيب الشابين المصريين لأن مصر ترى أن تعذيب المصريين حق أصيل وحصري للشرطة المصرية ولا يحق لغيرها مهما كانت حكومة شقيقة وصديقة مثل الكويت أن تنافس شرطة مصر في التنكيل بالمصريين ...باختصار ...ما لم يقله هويدي في مقاله هو أن مصر تتعامل مع هذه الواقعة بمنطق :"مواطني...وأنا حرة فيه ...أعذبه ..أحرقه ...أموته وأرميه "....
حكايـة سياسيةبقلم : محمد عيسي الشرقاوي
أبو نواس يفضح خديعة جنرال سبتمبر
لم يكن قد تجاوز الخمسين من عمره, الا قليلا, حين وافته المنية.. فقد ألم به وهن شديد لم يبرأ منه.. وكان الشاعر العراقي أبو نواس, وهو علي فراش مرضه يبتهل الي الله أن يصفح عنه, ويعفو عن نزق وهفوات أيام لهوه.. وتباينت الروايات حول ملابسات موته.. فمن قائل انه قضي نحبه في السجن, نظرا لأن حكام الدولة العباسية كانوا يتخذون منه نديما.. ثم يضيقون ذرعا من جنوح قصائده, فيزجون به في السجن إعلانا للبراءة.. ومن قائل ان أحد كبراء القوم دس له السم ليتخلص منه!لكن أبو نواس بقي شاعرا عظيما, وظلت سيرته مثيرة للجدل منذ زمنه, حتي داهمنا زمننا بكارثة الاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام2003.. غير أن الطموحات الامبراطورية للرئيس جورج بوش الابن, ارتطمت ارتطاما شديدا بصخرة المقاومة.. ولم يعد الانتصار العسكري الأمريكي ممكنا في موقعة العراق.. وظن الجنرال ديفيد بترايوس قائد قوات الاحتلال أن في وسعه أن يستدعي أبا نواس ليتخذ منه نديما, في مضمار سعيه لإعداد تقرير يقدمه للكونجرس الأمريكي في منتصف سبتمبر المقبل حول سير الحرب في العراق! أمر غريب.. أليس كذلك؟!..لكن هذا ما يحدث في بغداد منذ ابريل الماضي.. لقد تفتق ذهن قادة الاحتلال عن خدعة يستدرجون بها أعضاء الكونجرس للاقتناع بأن فكرة بوش لتعزيز القوات في العراق كانت سديدة وصائبة, وتحقق نجاحات ملموسة.. واتكأوا لتنفيذ خدعتهم المراوغة هذه علي الشاعر ابي نواس وشارعه الذي كان من أشهر شوارع بغداد وأكثرها تألقا ومرحا قبل زمن الاحتلال.. وقرر الجنرال ديفيد اعادة احياء الشارع.. ورصدت قوات الاحتلال لذلك خمسة ملايين دولار.. ومن المقرر افتتاحه يوم السبت المقبل, حتي يتمكن الجنرال من ابراز هذا الانجاز في شهادته أمام الكونجرس. لكن وكالة أنباء أمريكية شهيرة, هي الاسوشيتد برس تثير الشكوك حول انجاز الجنرال.. وتقول ليس واضحا بعد, ما اذا كان شارع أبي نواس سوف يكون له تأثير ايجابي.. وتشير الي أن الشارع لن يعود الي سيرة بهائه وتألقه الأولي الا بعد سنوات.وأغلب الظن أن أبا نواس لن يمد يد العون للجنرال.. فقد تجاوزت أحداث بغداد العاصفة والدامية خدعة الجنرال.. فالتفجيرات صارت شرسة وضاربة, وجنود بوش يقتلون زرافات ووحدانا.. بينما يتصدع المشهد السياسي اثر انسحاب17 وزيرا من حكومة المالكي احتجاجا علي تعثر اجراءات المصالحة الوطنية. والمثير للدهشة, أن طين الأمة العراقية ازداد بلة, عندما شكل المالكي تحالفا بين الشيعة والاكراد لدعم حكومته وحكمه.. وهو ما يؤجج الاستقطاب الطائفي, وينذر بتفاقم ويلاته.. وهو أمر يثير قلق بوش قبل موقعة منتصف سبتمبر وشهادة الجنرال أمام الكونجرس. ومن المرجح الا يشفع لبوش افتتاح شارع أبي نواس.. فقد تواترت أنباء بأن الشاعر أصيب بحالة اكتئاب شديد منذ استدعاء الجنرال ليتخذ منه نديما.. ولم ينقذ الشاعر من اكتئابه تذكر أشعاره وخمرياته الشهيرة.. ولا بسمة من ثغر الفتاة جنان التي كان بها شغوفا.. معذرة ايها الشاعر الكبير.. في زمن الاحتلال اعتمر خوذة.. وارشق بقلمك أكاذيب الغزاة. التي تتقافز في شارعك.. ووطنك.
اللعب مع الإخوان! بقلم د. حسن نافعة ٢٦/٨/٢٠٠٧
تمارس الحكومة المصرية مع جماعة الإخوان المسلمين لعبة سياسية أقل ما يقال فيها أنها غامضة وملتبسة، وباتت، من فرط عشوائيتها، تهدد المشهد السياسي كله بالفوضي، وتصادر علي أي أمل بإرساء قواعد واضحة لنظام سياسي محدد الهوية، راسخ الآليات، ومقبول من الأطراف والتيارات الفكرية والحركية كافة في المجتمع الذي يقوده ويفترض أن يعبر عنه.
وتشير أحداث ووقائع الشهور والأسابيع الماضية إلي أن جديدا طرأ علي نمط العلاقة القائم بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان، حيث اتخذت الدولة فيما يبدو قرارا بالدخول في مواجهة أمنية شاملة مع الجماعة علي أمل القضاء عليها نهائيا هذه المرة.
وكان جهاز الأمن في مصر قد انقض منذ شهور قليلة علي عدد من المفاصل المالية والتنظيمية للجماعة، وصدر قرار سياسي بمحاكمة أهم وأبرز العناصر الممسكة بهذه المفاصل أمام محكمة عسكرية بتهمة التورط في عمليات «لغسيل الأموال»، وها هو يعود هذه الأيام لينقض علي عدد آخر من المفاصل السياسية والفكرية للجماعة ويلقي القبض علي أهم الممسكين بهذه المفاصل، وربما يحالون بدورهم للمحاكمة أمام القضاء العسكري، ولكن بتهمة الانتماء إلي جماعة محظورة هذه المرة!. وإن دلت هذه التطورات علي شيء فإنما تدل علي رغبة في تغيير نمط العلاقة القائم حاليا بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين.
ومن المعروف أن العلاقة بين الدولة والإخوان في عهد الرئيس مبارك كانت قد استقرت وفق نمط معين يسمح للجماعة بدور سياسي غير مقنن وبهامش من حرية الحركة السياسية، تحدد الدولة سقوفه وخطوطه من جانب واحد، ولكن دون معايير أو مقاييس واضحة أو متفق عليها.
غير أن الدولة عادت وقررت لأسباب مجهولة الدخول في مواجهة مفتوحة ومستمرة مع الجماعة، وهو أمر بدا واضحا خصوصا عقب تصريح الرئيس مبارك بأن الجماعة باتت تشكل «خطرا علي أمن مصر القومي».
صحيح أن هذه المواجهة لا تزال تبدو من طرف واحد حتي الآن ولم تتحول بعد، لحسن الحظ، إلي مواجهة متبادلة. فالدولة لم تكشف بعد عن مؤامرة سرية تقوم بها «الجماعة المحظورة» لقلب نظام الحكم، كما لا يوجد، في حدود علمنا، قرار من جانب الجماعة بالرد علي العنف بالعنف.
ومع ذلك أعتقد أنه ليس بوسع أحد أن يضمن استمرار التزام الجماعة بسياسة ضبط النفس وتحمل ضربات موجعة في ظروف محلية وإقليمية ودولية كالتي تعيشها الأمة العربية والإسلامية حاليا.
فقد يبدو الرد علي العنف بالعنف أمرا واردا، أو حتي مشروعا، بالنسبة للبعض بسبب حجم الهواجس والقلق وعدم الاطمئنان مما قد تخبئه قوادم الأيام، والتي تضطرم بها النفوس حاليا، خصوصا أن فترة الشهور الستة المقبلة تبدو مشحونة بأسباب توتر، بعضها ظاهر وأكثرها كامن، باتت تمسلك بتلابيب المنطقة من أقصاها إلي أقصاها.
المواجهة القائمة حاليا بين الدولة المصرية و جماعة «الإخوان المسلمين» ليست الأولي، والأرجح أنها لن تكون الأخيرة. فمن المعروف أن هذه «الجماعة»، والتي كانت قد لقيت ترحيبا عاما عند تأسيسها علي يد حسن البنا عام ١٩٢٨ باعتبارها جماعة دينية تدعو للمعروف وتنهي عن المنكر، ما لبثت أن راحت تصطدم بالنظام منذ تحولها إلي قوة سياسية تسعي للوصول إلي السلطة باعتباره ضرورة لإقامة النموذج المجتمعي الذي تؤمن به.
اللافت للنظر هنا أن صدام الجماعة مع النظام، والذي اتخذ طابعا دمويا أحيانا وقمعيا أحيانا أخري، جري في كل العهود والمراحل، بصرف النظر عن طبيعة النخبة الحاكمة أو توجهاتها الفكرية والأيديولوجية أو سياساتها الداخلية والخارجية.
ففي العهد الملكي دخلت الجماعة في مواجهة شاملة مع النظام عام ١٩٤٩ في وقت كانت فيه النخبة الحاكمة تتبني خطا «ليبرالي» التوجه، وفي الحقبة الناصرية دخلت الجماعة مرتين في مواجهة شاملة مع النظام: الأولي عام ١٩٥٤ والثانية عام ١٩٦٥, بينما كانت نخبته الحاكمة تتبني خطا وطنيا مستقلا أو خطا اشتراكيا مواليا للاتحاد السوفييتي.
وفي الحقبة الساداتية دخلت الجماعة عام ١٩٨١ في مواجهة شاملة مع النظام في وقت كانت النخبة الحاكمة تتبني فيه خطا محافظا ومواليا للولايات المتحدة وإسرائيل.
وها هي بوادر مواجهة شاملة تتجمع في الأفق عقب فترة هدنة طالت كثيرا مع النظام في عهد الرئيس مبارك، في وقت تسير فيه النخبة الحاكمة علي نفس النهج المتبع منذ عهد الرئيس السادات وتصر في الوقت نفسه علي نقل السلطة لنجل الرئيس ضمانا لاستمرار احتكارها السلطة والثروة.
قد يري البعض في المواجهات المتكررة بين جماعة الإخوان المسلمين ومختلف فصائل النخبة التي تعاقبت علي حكم مصر منذ الربع الثاني منذ القرن الماضي ـ دليلا علي أن المشكلة تكمن في فكر الجماعة وفي بنيتها التنظيمية، وربما أيضا في السياسات والتكتيكات والوسائل التي تبنتها للوصول إلي غاياتها، وهو ما لا نستبعده ابتداء.
فمن الواضح أن الجماعة عجزت عن التأقلم مع التطور الذي شهدته الساحة المجتمعية في مصر، كما عجزت عن طرح صيغة تمكنها من تجنب هذا النمط من العلاقة الدامية والمستمرة مع كل فصائل النخبة، علي نحو ما حدث في تركيا علي سبيل المثال. غير أن هذا الأمر لا يشكل إلا وجها واحدا من وجوه الحقيقة.
فالواقع أن الفشل لا يقتصر علي الجماعة وحدها وإنما هو كامن كذلك في بنية النظام السياسي المصري نفسه. فقد عجز هذا النظام عن التحول إلي نظام ديمقراطي قادر علي استيعاب الجماعة، ومعها التيار الإسلامي المعتدل، بداخله والقبول بقواعد لعبة سياسية علي أساس من تداول السلطة.
وقد سبق لي أن أشرت في مقال سابق إلي أنه آن الأوان لاستخلاص الدروس الصحيحة المستفادة من هذه المواجهة، والتي لخصتها في عدة أمور. الأمر الأول: أن جماعة الإخوان ولدت لتبقي ولم يعد بمقدور أحد استئصالها من تربة الحياة السياسية والاجتماعية المصرية التي أصبحت متجذرة فيها.
والأمر الثاني: أن الضربات المتلاحقة لا تزيد الجماعة إلا إصرارا وقوة، وأن حظر وجودها وتجريمها ودفعها للعمل تحت الأرض يجعلها أكثر تطرفا وانكفاء علي نفسها وأقل قدرة علي التواصل والحوار مع الآخرين.
والأمر الثالث: أن التضييق علي بقية الفصائل السياسية الأخري غير المشاركة في الحكم يصب في نهاية المطاف لصالح جماعة الإخوان وحدها، علي عكس ما قد يبدو ظاهرا فوق السطح، ويجعل منها البديل الوحيد للنظام القائم، خصوصا عندما لا يكون لدي هذا الأخير مشروعا وطنيا تلتف حوله الطبقة الوسطي علي نحو ما تتسم به المرحلة الحالية.
كما سبق أن أشرت إلي أن نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة أكدت وجود حالة استقطاب سياسي، خطرة جدا،بين جماعة الإخوان من ناحية والحزب الحاكم من ناحية أخري. ذلك أن أيا من طرفي الاستقطاب القائم حاليا لا يشكل حزبا سياسيا بالمعني الدقيق، وبالتالي قد لا يكون قادرا أو مؤهلا لطرح مشروع وطني بالمعني السياسي أو الاجتماعي للكلمة.
فالقوة الظاهرة للحزب الحاكم تعكس في الواقع قوة الجهاز الأمني والإداري للدولة بأكثر مما تعكس حجم التأييد الجماهيري لبرنامجه السياسي، والقوة النسبية الظاهرة لجماعة الإخوان تعكس قوة الدين في المجتمع بأكثر مما تعكس حجم التأييد الجماهيري لهذه الجماعة.
وبين نخبة حاكمة تحاول فرض هيمنتها المنفردة بعنف أجهزة القمع، وجماعة معارضة تحاول التصدي لهذه الهيمنة بقيم الدين، توجد حالة فراغ سياسي مخيف تحول دون تمكين أغلبية صامتة تمثل ثلاثة أرباع الناخبين من تنظيم صفوفها والنزول إلي ساحة العمل السياسي، وهو ما أكدته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
ويبدو واضحا أن هذه الأغلبية تأمل في كسر احتكار النخبة الحاكمة للسلطة والثروة، غير أنها لا تبدو مطمئنة في الوقت نفسه لجماعة الإخوان، وهو وضع تحاول النخبة الحاكمة استغلاله وتوظيفه لمصلحتها، وذلك بإظهار الجماعة وكأنها فزاعة تخيف بها القوي الراغبة في التغيير والحيلولة بالتالي دون حدوث أي تداول حقيقي للسلطة. وهنا تكمن مفارقة تجعل الوطن يبدو محشورا بين مطرقة الحزب الوطني وسندان الجماعة.
فالحزب الوطني يحتاج إلي تضخيم خطر الإخوان للتهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي ولتكريس احتكاره للسلطة والثروة، والقمع الواقع علي الإخوان يحول الجماعة في ظل الفراغ السياسي القائم إلي ضحية وإلي بديل وحيد محتمل للنظام القائم. وقد سبق أن أكدت في مقالي السابق المشار إليه إلي أن هذا البديل لن يأتي بالطريق السلمي وإنما في نهاية مرحلة من الاضطراب والفوضي يبدو أن النظام الحالي يسوقنا إليها لا محالة.
إنني أود أن أؤكد هنا مرة أخري علي أنني لست من الذين يعتقدون أن جماعة الإخوان المسلمين تشكل بذاتها خطرا علي الوحدة الوطنية أو عقبة أمام إطلاق مشروع للتحديث والنهضة في مصر، الخطر الحقيقي هو استئثار طرف واحد، أيا كان، بالسلطة.
فالانفراد بالسلطة يقود حتما إلي تركيزها في يد فرد واحد يتحول بحكم طبيعة الأشياء إلي مستبد يشل عمل المؤسسات ويحول دون تطويرها. ولأن الاستبداد هو أقصر الطرق لشيوع وانتشار الفساد، فسوف يستحيل، في تقديري، إقامة مجتمع ديمقراطي حقيقي دون مشاركة نشطة وفعالة من جانب تيار الإسلام السياسي بشكل عام وليس جماعة الإخوان فقط. غير أن الأمانة تقتضي أن أؤكد هنا في الوقت نفسه علي أنه يستحيل علي تيار الإسلام السياسي، وفي المقدمة منه جماعة الإخوان، أن يصبح طرفا مشاركا في الجهود الرامية إلي إقامة نظام سياسي ديمقراطي حقيقي ما لم يتحول إلي حزب سياسي مدني يقبل بمبدأ المواطنة وينبذ العنف كوسيلة للوصول إلي السلطة.
وقد سبق أن أشرت إلي حوارات كانت قد جرت في خضم جهود شاركت فيها واستهدفت قيام «جبهة وطنية من أجل التغيير» ولدت لدي إحساسا عميقا بأن المشكلة لا تكمن في جماعة الإخوان المسلمين بقدر ما تمكن في النظام السياسي القائم. فهذا النظام لا يرغب في قيام أي أحزاب سياسية تتمتع بقواعد شعبية حقيقية، سواء كانت مرجعيتها الفكرية إسلامية أو مدنية.
الدليل علي ذلك أن أحزابا مثل الوسط والكرامة لا تزال تناضل في دهاليز القضاء منذ عشر سنوات للحصول علي رخصة رسمية تسمح لها بمباشرة النشاط. وقد يبدو غريبا أن ينقض الحزب الحاكم علي الجماعة في وقت تبدو فيه أكثر استعدادا من أي وقت مضي لحسم ترددها والتحول إلي حزب سياسي مدني ذي مرجعية إسلامية.
ولذلك لا أتردد في تحميل المجتمع المدني في مصر جانبا من المسؤولية عما يحدث الآن بسبب إخفاقه في العثور علي صيغة مبتكرة تسمح بتبديد الشكوك المتبادلة بين الإخوان والقوي الراغبة في التحول الديمقراطي، وهو شرط يستحيل في غيابه إقامة نظام ديمقراطي يسمح بتداول سلمي للسلطة.
لقد سبق لي أن أكدت أكثر من مرة أنه لا أمل في قيادة الحزب الوطني لعربة الإصلاح السياسي في مصر، لكن أين المجتمع المدني؟ هل يظل المجتمع المدني في مصر جالسا القرفصاء حتي وقوع الكارثة القادمة؟
فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ٢٦/٨/٢٠٠٧
نقول دائماً في كتاباتنا، إن الفروق ليست كبيرة بين أنظمة الحكم العربية.. فكلها تقريباً أنظمة ديكتاتورية، حتي ولو اتخذ بعضها الشكل الديمقراطي.. والحاكم وحده هو صاحب القرار، باستثناء ما يجري في لبنان من ديمقراطية الفوضي.
ومع ذلك، نحمد الله ونشكره علي أننا في مصر، لم تصل بنا الحال بعد، إلي ما وصلت إليه في ليبيا.. فقد خرج علينا سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد معمر القذافي، بنظرية جديدة بخلاف ما جاء في الكتاب الأخضر، الذي تحدث عن النظرية الثالثة بعد الرأسمالية والشيوعية.. تقوم النظرية الجديدة علي أربعة خطوط حمراء، لا يمكن تجاوزها أو الاقتراب منها في أي عملية تطور ديمقراطي:
١- تطبيق الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم وحدوده.
٢- أمن ليبيا واستقرارها.
٣- وحدة ليبيا الترابية.
٤- معمر القذافي.
أي والله.. ومعمر القذافي!
ولا خلاف بين أي مواطن ليبي أو عربي علي البندين الثاني والثالث من نظرية نجل القذافي، وهما أمن البلد ووحدة تراب أرضه.
وإذا استبعدنا البند الأول، لأن هناك خلافا حول مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية من قطر عربي إلي آخر.. وحتي داخل القطر الواحد، حيث هناك أكثرية تؤيده، وأقلية تعارضه.. والأقلية ليست فقط من جانب الإخوة الأقباط، وإنما كثير من منظمات المجتمع المدني والعاملين فيها يعارضون تطبيق الشريعة.
يتبقي البند الغريب والشاذ، وهو البند الرابع في نظرية نجل القذافي وهو «معمر القذافي» نفسه، ووضعه كخط أحمر لا يجوز تجاوزه، وساوي بينه وبين أمن ليبيا واستقرارها ووحدتها الترابية، كما وضعه في مصاف القرآن الكريم وتطبيق الشريعة الإسلامية.
وربما لا تستحق هذه النظرية مجرد التعرض لها والتعليق عليها لشذوذها الفكري، فمن هو الحاكم العربي- وليس القذافي وحده- الذي يمكن أن يتساوي مع القرآن الكريم أو مع تراب الوطن؟!
القذافي وغيره من الحكام العرب، ما هم إلا بشر وإلي زوال.. وأحيانا يصيبون وغالبا يخطئون! وإلا ما كانت دولهم ومجتمعاتهم علي هذا النحو من التخلف الذي يعيشون فيه.. وما يعانونه من ظلم وقهر وكبت للحريات ونهب للثروات.
وفي حين حدد سيف الإسلام القذافي ثلاثة موضوعات هي التي تهدد أمن ليبيا:
١- الأمن الوطني.
٢- الهجرة غير الشرعية من أفريقيا.
٣- التآمر الخارجي علي الوحدة الوطنية للشعب الليبي.
ولأن سيف الإسلام يعرف أن الغالبية العظمي من الشعب الليبي ومن شعوب العالم الحر.. لن يعجبها مثل هذا الكلام، فقال: «من لا يعجبه الشعب الليبي ولا معمر القذافي.. يشرب من مياه البحر».
إن أكبر تهديد لأمن ليبيا في رأيي، هو في استمرار العقيد القذافي ونجله سيف الإسلام في حكم ليبيا.
الحمد لله مرة أخري.. أن الحال بنا في مصر حتي الآن أفضل، فلم يخرج علينا حتي الآن أمين السياسات بالحزب الوطني «جمال مبارك»، ليعلن نظرية جديدة، يساوي فيها بين والده حسني مبارك ومصر وترابها ووحدتها الوطنية.. ولا بينه وبين القرآن الكريم وحدوده.
أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
هل يعتذر رئيس الجمهورية للشعب عن جرائم رجال الشرطة؟؟
بقلم فهمى هويدى
لقد اعتذر الرئيس الأمريكيي جورج بوش للجنود وللشعب الأمريكي حين فضحت الصحف الإهمال وسوء المعاملة التي يلقاها الجرحى العائدون من العراق فى أهم مستشفى عسكري أمريكي
وقدمت الحكومة المغربية نموذجا جيدا وغير مسبوق فى العالم العربي حين اقدمت على طي صفحة التعذيب الذي تعرض له المغاربة على مدى أربعة عقود تقريبا (بين عامي 1960 و999ا) ، إذ امتلكت شجاعة إدانة هذه المرحلة التي أصبحت توصف فى الأدبيات المغربية بأنها " سنوات الرصاص "، وفتحت ملفات المعارضين الذين عذبوا والذين تم اختطافهم واختفاؤهم بعد ذلك
وقامت لجان " الإنصاف والمصالحة " التي رعتها الدولة بفرز تلك الملفات وإعلانها على الملأ وفى ضوئها تم تعويض الضحايا وأسرهم ، حيث دفعت الحكومة فى ذلك مبالغ قدرت بحوالي 140مليون يورو واقترن التعويض بالاعتذار للجميع عما أصابهم . ورغم أن العملية بدأت فى أواخر عهد الملك الحسن الثاني، إلا أنها شكلت بداية طيبة وباعثة للتفاؤل ، بعهد الملك الجديد محمد السادسفكرة الاعتذار إذن ليست جديدة ، وهي لا تقلل من شأن المسئول بأي حال بلان العكس هو الصحيح ، بمعنى أنها ترفع من مقامه فتجعله اكبر فى عيون الناس ، إضافة إلي أنها تجمع من حوله القلوب فتعزز مكانته ، ومن ثم تدعم شرعيته ، لكن الاعتذار يفترض أن المسئول على علم بالانتهاكات محل المؤاخذة ، وانه معنى برضي الناس ومدرك أن رضاهم هذا هو مصدر شرعيته ، ثم انه يتطلب من المسئول شجاعة تدفعه إلى الاعتراف بالخطأ أمام جماهيره ذلك يدفعنا إلى التساؤل : هل الرئيس مبارك على علم بالتعذيب الجارى ؟ لست فى موقف يسمح لي بالإجابة على السؤال ، لكنى أقول انه المسئول حتى وان لم يكن يعلم لأنه من اختار الذين يحجبون عنه المعلومات واستراح إلى أدائهم ولئن قيل لنا إن بعض الكهنة المحيطين به يحذرون الداخلين إليه من أن يثقلوا عليه بأي أخبار لا تسر قد تكدر خاطره، فالثابت إنه هو من تبنى هؤلاء الكهنة وأولاهم وثقته ثم لا ننسى أن أمر التعذيب فى مصر تحول إلى فضيحة عالمية وليست معلية فحسب
ولا أتخيل أن الرئيس لم يلاحظ ذلك ، ولم تقع عيناه يوما أو لم يسمع يوما بما يتردد فى صدده ، أما إذا تبين انه لم يسمع ولم يعرف فذلك عذر أقبح من الذنب ، لأنه يعنى أن الرئيس معزول عما يحدث فى البلد وان هناك من يديرها باسمه
يقال لنا دائما إن الرئيس يؤثر العناد على المصالحة والرضوخ لضغوط لمجتمع ، ويقال أيضا أن الرئيس ليس معنيا برضي الناس أو سخطهم ، لأنه أصبح يعتمد على الشرطة فى تثبيت شرعيته وإحكام السيطرة على الوضع الداخلي لذلك فإنه أولاها ثقته وأطلق يدها فى التعامل مع المجتمع وقنن تغولها وهيمنتها بالتعديلات الدستورية الجديدة لكن المشكلة أن هذا التفكير قد يوفر الاستمرار لكنه لا يضمن الاستقرار لأن الذين يزرعون المهانة والذل لا يجنون سوى السخط والانفجار تماما كما أن الذين يزرعون الحصرم لا يجنون سوى المر
الرجــــوع إلـي الحـــق فضيـــلةبقلم: فهمـي هـويـــدي
حين يعلن رئيس الوزراء المصري انه لا رجوع عن قرار بيع بنك القاهرة, متجاهلا بذلك معارضة الرأي العام الوطني في البلد, فإنه يضع نفسه من الناحيتين القانونية والسياسية في موقف لا يحسد عليه.(1)حين وقعت علي كلام الدكتور أحمد نظيف في صحف يوم الجمعة الماضي8/24, كنت قد فرغت من قراءة تقرير من أسبانيا, تحدث عن رسالة وجهتها وزارة الصناعة هناك الي رئيسة بلدية مدينة صغيرة في الجنوب باسم لوس بباريس. سألتها فيها عما إذا كانت المدينة ترغب في نصب برج لإدخالها ضمن شبكة الهاتف المحمول. وأمهلت الوزارة البلدية ثمانية عشر يوما للرد.. وحين استطلعت رئيسة البلدية ثليا سانتياجو, أعضاء المجلس البلدي حول الأمر وجدتهم مختلفين في صدده, بين مؤيد ومعارض ومن ثم فإنها لم تجد مفرا من طرح الموضوع للاستفتاء عليه. وحينذاك قالت إنها لا تريد ان تتخذ قرارها قبل أن تطمئن الي أن الأغلبية تؤيده, وإن انتخابها لا يخول لها الحق في الانفراد برأي فيما يمس راحة الناس.مافعلته السيدة ثليا سانتياجو ليس أمرا جديدا ولا مستغربا, ولكنه سلوك طبيعي في المجتمعات الديمقراطية التي يستمد السياسيون فيها شرعيتهم من رضا الناس وتأييدهم, وتستمد السلطة التنفيذية شرعيتها من كونها في خدمة الناس, حتي ان كل واحد في الهرم التنفيذي, من قمته الي قاعدته يصنف باعتباره خادما للمجتمعCivilservant)), واللجوء الي الاستفتاء العام ـ الحر والنزيه بطبيعة الحال ـ هو أحد أقوي الوسائل التي تستخدم للتثبيت من ذلك الرضا. وعادة مايضرب المثل في ذلك بسويسرا, التي لا يكاد يمر فيها شهران أو ثلاثة, إلا ويجري فيها استفتاء الناس في شأن من شئونهم. من إقامة الجسور وتصدير السلاح للخارج الي استقبال الطائرات في الليل في المواعيد التي لا تسبب إزعاجا للسكان والحيوانات النائمة.(2)لم أستطع أن أقاوم الرغبة في المقارنة بين الذي حدث في أسبانيا وبين الحاصل في مصر. لم تستوقفني حقيقة أن أحدا لم يسألنا في تركيب أبراج شركات الهواتف المحمولة, لا لشيء إلا لأن ذلك ترف ديمقراطي لا نملكه, ومدي في استرضاء الناس وتدليلهم لم نبلغه بعد. أما الذي أثار انتباهي أن أحدا لم يسألنا في أمور أخري مصيرية تهم مصالحنا العليا. ليس ذلك فحسب, وإنما تم التصرف في بعض تلك الأمور من جانب أطراف ليست مخولة في ذلك. وعملية بيع القطاع العام نموذج لذلك ـ كيف ؟مبلغ علمي أنه من الناحية القانونية والسياسية فإن القطاع العام ليس ملكا للحكومة ولكنه ملك للمجتمع, تتولي الحكومة إدارته نيابة عنه. وكان تأسيسه من مقتضيات تحقيق الاستقلال الوطني, حيث ماكان ممكنا أن تتحرر الإرادة السياسية بقيام ثورة يوليو52, وأن يتم جلاء القوات الأجنبية من البلاد, في حين تبقي مقدرات الاقتصاد في البلد بأيدي الأجانب.دعك الآن ممن يسفهون ذلك التاريخ بالطعن في كفاءة إدارة القطاع العام, خصوصا من جانب الذين لا تشغلهم القضية الأكبر المتمثلة في مسألة الاستقلال الوطني, التي يعتبرونها بدعة وضلالة سياسية. ذلك أنه مامن عقل رشيد أو مواطن شريف إلا ويدرك جيدا أن الاستقلال الاقتصادي ركن أساسي من أركان الاستقلال الوطني, وأن الحفاظ عليه من مستلزمات الدفاع عن الأمن القومي لأي بلد.من هذه الزاوية فإن قرار بيع القطاع العام يصبح قرارا استراتيجيا, يمثل منعطفا مهما في مسيرة البلد ومصيره, ولأن ذلك القطاع ملك للمجتمع وليس الحكومة, فإن الشعب وحده أو من يخوله يصبح صاحب الحق في التصرف فيه. ولأن الحكومة معينة وليست منتخبة, فإن بيعها للقطاع العام يغدو من جانبها تصرفا فيما لا تملك. وحتي تكتسب خطوتها هذه شرعيتها من الناحيتين السياسية والأخلاقية فليس أمامها سوي الرجوع الي المجتمع, وأخذ موافقته فيما هي مقدمة عليه.(3)لقد كنت أحد الذين تفاءلوا بإشارة الدكتور أحمد نظيف في تصريحاته للصحفيين قبل عشرة أيام الي أن النسبة التي ستطرح للبيع من بنك القاهرة سيحددها من وصفه بأنه مستشار الطرح. وكان سبب تفاؤلي أنا وغيري اننا فهمنا ان كلامه عن المستشار المذكور قد يكون مدخلا دبلوماسيا لإعادة النظر في الموضوع. لأنه إذا كان هو الذي سيحدد نسبة المبيع من البنك فذلك يعني أنه ليس هناك تمسك بنسبة الـ80% التي ذكرت من قبل, وقد يعني أيضا ان بوسعه أن ينصح بعدم البيع. وكان مصدر إحسان الظن بهذا الكلام أنه صدر عقب تصاعد حملة التعبئة المضادة التي أثارت الرأي العام المصري وأغضبته, خصوصا أن التصريحات الرسمية التي صدرت من قبل تحدثت عن أن بنك القاهرة لن يعرض للبيع, ولكن الناس فوجئوا بعد ذلك باندماجه في بنك مصر. ثم باستحواذ الأخير عليه, ثم بإعلان اعتزام بيعه. لكن هذه الظنون كلها أجهضها كلام الدكتور نظيف المنشور يوم الجمعة, وأعلن فيه ان لا عودة عن قرار البيع. وفيه بدا رئيس الوزراء غير مكترث باتجاه الرأي العام الوطني الرافض للفكرة. وفي الوقت ذاته فإنه بدا مصرا علي السير في الاتجاه الغلط, الذي بمقتضاه تستمر الحكومة في بيع مايملكه المجتمع, دون تخويل منه أو تفويض.وربما كان الدكتور نظيف أكثر حصافة وتسديدا لو أنه لم يصدم الرأي العام المعارض بهذا التصريح القاطع, وأخبر الناس ان الموضوع لايزال قيد الدراسة, لتحديد المصلحة الوطنية والجدوي الاقتصادية من بيع البنك. وسيكون الناس أكثر ثقة في كلامه واطمئنانا إليه لو أنه حدثهم بشفافية, موضحا لهم دوافع البيع. بإيجابياته وسلبياته. وحدد لهم ماإذا كان البيع ضروريا أم لا, وإذا كان ضروريا. فما هي طبيعة الضرورة التي اقتضت هذه الخطوة, وهل هي اقتصادية أم سياسية. وليته يضع القضية بين أيدي الرأي العام, ليشترك معه في تحمل مسئولية تشخيص مشكلة البنك والسبيل إلي حلها. ولئن تمنيت أن تطرح المسألة علي الاستفتاء العام, اقتداء بالنموذج الذي سبقت الإشارة إليه, وتعلق بشأن أهون بكثير مما نحن بصدده. لكنني استبعدت الفكرة للأسباب التي تعرفها, ومع ذ لك فإن الغرض يمكن أن يتحقق من خلال توسيع الحوار حول الموضوع, عبر استطلاع آراء النخب في الأحزاب السياسية والدوائر الاقتصادية والنقابات المهنية والمجالس المتخصصة وغيرها.لقد طرحت نقابة المحامين فكرة الإكتتاب العام لشراء الأسهم المقرر بيعها من البنك, ولقيت الفكرة ترحيبا سريعا وواسع النطاق, كان أبلغ تعبير عن قلق الرأي العام من عملية البيع. ولكن هذه الفكرة أجهضت بسرعة, بعدما أعلن وزير الاقتصاد أن الاقتراح غير قانوني, وأن من يشرع في تنفيذه سوف يعرض نفسه للمساءلة القانونية. وهو الكلام الذي ردده رئيس الوزراء في لقائه الأخير مع الصحفيين قبل عشرة أيام.وإذا كان رد فعل الحكومة علي الاقتراح صحيحا من الناحية القانونية, إلا أن تأثيره السياسي كان سلبيا. إذ بدلا من أن يرحب وزير الاقتصاد باكتتاب المجتمع واشتراك الناس في شراء الأسهم المقرر بيعها, وبدلا من أن يقول لنا إن الحكومة ستدرس كيفية إيجاد مخرج قانوني لإتمام عملية الاكتتاب الشعبي, فإنه أغلق الباب في وجوه الجميع, علي نحو بدا منه أن ثمة إصرارا علي بيع البنك لمستثمر أجنبي. وهو سوء ظن ربما كان في غير موضعه, ولكن استبعاده كان متعذرا, في ظل الحيرة والبلبلة التي ترتبت علي إطلاق الكلام بهذه الصورة.(4)إن أحدا لا يستطيع, ولا ينبغي, أن يقلل من حجم البلبلة والقلق السائدين في الشارع المصري هذه الأيام, إزاء عمليات بيع القطاع العام وبيع البنوك بوجه أخص. إذ لايزال عدد غير قليل من النخب الوطنية لا تريد أن تصدق أنه بعد خمسين عاما من الثورة التي قامت بتمصير البنوك وتأسيس القطاع العام, بما يكفل فرض السيطرة علي مقدرات اقتصاد البلد, فإن هذه الوحدات يعاد ردها للأجانب مرة أخري من خلال البيع, ولايزال عدد غير قليل من خبراء الإقتصاد يرون أنه لم تكن هناك ضرورة اقتصادية لبيع البنوك أو أغلب الشركات, وإنما ذلك كله يتم في وفاء بإلتزامات سياسية بالدرجة الأولي, يمكن مقاومتها إذا توافرت الإرادة اللازمة لذلك. ومن هؤلاء من يقول إن البيع تم بثمن بخس للغاية ظلمت فيه مصر وأهدرت مواردها. حتي أصبحت تصنف في المرتبة الثانية ـ بعد روسيا ـ في قائمة الدول التي طبقت أسوأ برامج الخصخصة. يدلل هؤلاء علي رأيهم بقولهم إن حصيلة بيع القطاع العام في مصر حتي الآن بلغت35 مليار جنيه, في حين أكثر التقديرات إنصافا كانت تقوم الوحدات المبيعة بحوالي200 مليار جنيه.ومن هؤلاء من يقول إنه إذا بيع بنك القاهرة فإن الأجانب سوف يسيطرون علي ما جملته35% من ودائع المصريين في البنوك, وهي نسبة مقلقة, علما بأن فرنسا لا تسمح للأجانب بإمتلاك أكثر من20% من مرافق البلد, وتقرر إنجلترا ضمن حق الاعتراض الفيتو علي أي مشروع خاص يشتم منه الإضرار بمصالح الشعب, من خلال السهم الذهبي الذي تملكه في رأسماله. والولايات المتحدة الأمريكية, بكل ما تتمتع به من حرية اقتصادية, شديدة الحزم في تعاملها مع رأس المال الأجنبي, حيث تضع له حدودا لا يسمح له بتجاوزها.في هذا السياق لا ينبغي الاستهانة باللغط المثار حول المبالغ المتواضعة التي دفعت ثمنا لكثير من الوحدات التي تمت خصخصتها, والمبالغ الهائلة التي بيعت بها بعد الخصخصة, حين تم تداولها في السوق. بفروق بلغت عشرات الملايين من الدولارات, التي ضيعتها الرأسمالية البيروقراطية علي خزينة الدولة, لأسباب باعثة علي سوء الظن وجديرة بالتحري. آية ذلك مثلا أن شركة المراجل البخارية قدرت بمبلغ يتراوح بين16 و24 مليون دولار ـ لكنها بيعت لشركة أمريكية كندية بمبلغ17 مليونا. وبعد ذلك قامت الشركة ببيع قطعة أرض واحدة من ممتلكاتها بمبلغ131 مليون دولار. أما شركة بيبسي كولا فقد بيعت بما يوازي52 مليون دولار, وبعد سنوات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة, اشترتها الشركة الأم بمبلغ400 مليون دولار. لا أعرف إن كانت هذه المرافعة كافية أم لا في إقناع رئيس الوزراء بإعادة النظر في موقفه, بحيث يبقي علي البنك في وضعه الراهن, ويفتح الباب لزيادة حصة الاكتتاب العام لحل مشكلته المالية في ظل إدارة بنك مصر, وإذا لم تحقق المحاولة ما هو مراد منها فله بعد ذلك أن يطرح أسهمه للبيع. علما بأن في هذه الحالة وغيرها فإن الرجوعإلي الحق فضيلة, أما الوقوف علي الحق والإصرار علي الإيغال في الباطل رغما عن ذلك, فهو أم الرذائل.
في الممنــوع بقلم مجدى مهنا ٢٧/٨/٢٠٠٧
علي حد علمي.. ربما هذه هي المرة الأولي التي يستخدم فيها الرئيس حسني مبارك تعبير «إنجازات الشعب المصري» في خطابه السياسي.
قال الرئيس مبارك، في تصريحات خاصة لصحيفة «أخبار اليوم»، الصادرة أمس الأول: «إنه لا تهاون ولا تراخ في مواجهة القلة التي تحاول الإثارة وتشويه الإنجازات العظيمة، التي حققها الشعب المصري بجهده وعرقه».
وبعيدا عن ماذا يقصد الرئيس مبارك بهذه القلة.. هل هي جماعة الإخوان المسلمين أم الإخوان مع تنظيمات سياسية أخري، أم هؤلاء وهؤلاء ومعهم بعض الصحف، التي ألقت كل الخطوط الحمراء في نقد نظام الحكم؟
المهم أن الرئيس مبارك توعد هذه القلة بالملاحقة، وبعدم التهاون، أو التراخي معها.. وسوف يقطع دابرها ويسحلها ويفرمها، إذا لم تتراجع عن خططها ومواقفها الرامية إلي النيل من الإنجازات العظيمة لشعب مصر.
لم يقل الرئيس مبارك: إنجازات الحزب الوطني أو إنجازات حكوماته أو إنجازات نظام الحكم.. إنما قال: إنجازات الشعب المصري.. فقد ساوي الرئيس بين الحزب الوطني وحكوماته وبين الشعب.. أو ربما خلط بينهما.
إن الرئيس لا يدافع عن الحكومة الحالية، ولا عن الحكومات السابقة، ولا عن الحزب الوطني.. إنما يدافع عن مصالح وإنجازات الشعب.. فالرئيس قد يتهاون أو يتراخي فيما يتعلق بالمساس بالحكومة أو بالحزب الوطني.. إلا أنه لا يتهاون ولا يتراخي، عندما يتعلق الأمر بالشعب المصري، وبإنجازاته، التي وصفها بالعظيمة.
والشعب طبعا.. ليست له علاقة بالأمر من قريب أو بعيد.. وهذه الإنجازات العظيمة أو غير العظيمة، إذا كانت هناك إنجازات بالفعل، فهو لم يشارك فيها، ولا يعرف عنها شيئا.
لقد أراد الرئيس مبارك أن ينسب هذه الإنجازات إلي الشعب، لكي يكسبها الحماية والحصانة، ويضفي عليها القداسة.. ومن يقترب منها فقد سمح لنفسه بالوقوع في الدائرة المحظورة، وهي توقيع أشد العقاب عليه.
والشعب صاحب هذه الإنجازات العظيمة يريد أن يعرف ما هي تلك الإنجازات؟
هل يذكرها لنا الرئيس مبارك؟
هل تراجع الدور المصري الخارجي، وإصابته بالوهن والضعف، هو أحد هذه الإنجازات؟.. هل سياسة بيع القطاع العام والتخلص من ممتلكات الدولة، من بين تلك الإنجازات؟.. هل شكوي الناس المستمرة من ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات وتدني مستوي معيشتها هو الإنجاز العظيم، الذي نسبه الرئيس مبارك إلي الشعب المصري؟
قل لنا يا سيادة الرئيس: ما هي إنجازات الشعب .. حتي ندافع عنها، ونحافظ عليها بعيوننا من القلة المارقة؟!
المجتمع المدني.. وتعديل قانون الجمعياتبقلم : د. وحيد عبدالمجيد
يستطيع القلقون من التعديل المتوقع إدخاله في قانون الجمعيات84 لسنة2002 أن يقدموا دفوعا قوية لإثبات أهمية المجتمع المدني وتأكيد ضرورة منحه فضاء أوسع. ولكن ليس في إمكانهم أن يقيموا الحجة علي وجود هذا المجتمع المدني, الذي ينبغي علينا تحريره وليس تقييده, فما أسهل الدفاع عن حياة المجتمع المدني والهجوم علي من يريدون خنقه. ولكن ما أصعب إثبات أنه حي بالفعل في بيئة اجتماعية ثقافية غير مواتية.وهذا هو ما يعزف أنصار المجتمع المدني عن الاهتمام به, وينصرفون عن مناقشته, فيتوه بيننا السؤال الذي كان حضوره مهما منذ سنوات طويلة, وهو: هل يوجد في مصر الآن مجتمع مدني بالمعني الذي يعرفه العالم؟وقد يكون السؤال صادما, ولكنه أكثر من ضروري لكل من يريد معالجة قضية المجتمع المدني بجدية ومسئولية.ولكي تكون هذه المعالجة جادة بالفعل, يصح أن ننأي بها عن فيضان المفاهيم والتعريفات الشائع منها وغير المتداول. فالمجتمع المدني, الذي يبدأ من حيث تنتهي الأسرة أو العائلة وينتهي عند حافة مؤسسات الدولة الرسمية, يعرف بمجاله الواسع علي هذا النحو أكثر مما يستدل عليه بشكل مفهومي. فهو يتسع لمختلف أنواع الروابط والعلاقات والنشاطات التطوعية في هذا المجال الواسع.وقد عرفت مصر المجتمع المدني علي هذا النحو منذ مطلع القرن الماضي, إما عبر تحديث بعض النشاطات الأهلية وفصلها وتمييزها عن مكوناتها العائلية, أو من خلال استحداث نشاطات وأعمال جديدة.وكانت القاهرة, التي شهدت توسعا كبيرا في مجالها الحضري منذ عهد الخديو اسماعيل, هي مركز المجتمع المدني الناشيء بما حمله من سمات مختلفة عن النشاطات الاهلية الأقرب بطابعها إلي نمط الحياة في الريف وما يقترن به من ثقافة تميز المجتمع الزراعي عن مجتمع المدينة.وكان هذا التطور, الذي بدا في مستهله مبشرا بأن يتوسع, مرهونا بتواصل التحديث الذي بدأ في القاهرة وبعض المراكز الحضرية في المحافظات, وبالتالي انتشار الثقافة التي لا ينمو مجتمع مدني في غيابتها أو في حالة ضعفها.غير أن التغير الاجتماعي الذي حدث في مصر علي مدي نصف القرن الأخير لم يمض في هذا الاتجاه. فقد واجه التحديث الاجتماعي مشكلات متزايدة خلقت عائقا جوهريا أمام المجتمع المدني. وارتبطت أهم هذه المشكلات بتفشي الهجرة من الريف إلي المدينة بسبب سياسات اقتصادية انحازت للصناعة علي حساب الزراعة, فاعتصرت الريف وأفقرت أهله لأنها استهدفت تحقيق التراكم الرأسمالي اللازم للتصنيع علي حسابهم. فلم تعد الزراعة تدر رزقا, ولا بقي الريف حاضنا لأهله الذين نزحوا منه بالملايين الي القاهرة ومراكز حضرية أخري, حيث اقترن الترييف بتهميش اجتماعي ــ اقتصادي متزايد..فكان هذا, ومازال, هو العامل الأشد تأثيرا علي المجتمع المدني, والذي لم يحظ باهتمام كاف بسبب شيوع الاعتقاد في أن محنة هذا المجتمع تعود إما إلي فرض قيود قانونية وإدارية عليه بدءا من القانون32, أو إلي تنامي الموجة الأصولية الدينية والنزعات التقليدية المحافظة في المجتمع.فما كان لأي قيد, مهما بلغ, أن يجعل الأرض تميد من تحت المجتمع المدني إلا إذا فقد هذا المجتمع المقومات الأساسية التي لا يحيا بدونها, وفي مقدمتها الثقافة الحضرية الحديثة.وقد انحسرت هذه الثقافة نتيجة ترييف القاهرة والمراكز الحضرية أكثر مما تراجعت بسبب الموجة الاصولية والنزعة المحافظة, بل يجوز القول إن هذه النزعة وتلك الموجة ترتبطان بعملية الترييف المتسارع أكثر من أي شيء أخر.وهكذا راح المجتمع المدني ضحية هجرة لا تتوقف من الريف الي المدينة التي لم تعد بيئتها, والحال هكذا, صالحة لهذا النوع من التفاعلات الاجتماعية التي تنتج ما يصطلح علي تسميته مجتمعا مدنيا, فلا يمكن لهذا المجتمع أن يحيا وينمو ويتوسع في ظل ثقافة ريفية حملتها الهجرة من القرية.ولا يعني ذلك أفضلية الثقافة الحضرية علي الثقافة الريفية بأي حال. فلكل منهما فضله ودوره الإيجابي في سياقه الطبيعي. أما إذا أصبح السياق غير طبيعي مع انتقال الثقافة الريفية إلي الحضر, لابد أن يحدث خلل اجتماعي ــ ثقافي يزداد بمقدار الهجرة إلي المدن. وقد بلغت هذه الهجرة مبلغا لا يمكن أن يتحمله أي مركز حضري ويبقي حضريا في الوقت نفسه.ففي الثقافة الريفية قيم وعادات وأنماط حياة تتعارض مع بعض أهم مستلزمات المجتمع المدني, مثل محورية دور العائلة, والتراتبية الاجتماعية التي تتسم بالصرامة في بعض مناطق الريف, والتمييز بين الرجل والمرأة بالرغم من خروج بعض النساء للعمل في الحقل. كما أن المجتمع الريفي, الذي يعرف أفراده بعضهم البعض في القرية, لا يحتاج بطبيعة الحال الي المؤسسات الاجتماعية الوسيطة التي تمثل روح المجتمع المدني, وخصوصا في ظل شيوع نوع من التكامل الاجتماعي الطبيعي في القرية. وقد ظلت هذه الثقافة قائمة بالرغم من التوسع الذي حدث في معظم القري المصرية نتيجة الزيادة السكانية.ولكل ذلك كان ضروريا أن يكون انتقال هذه الثقافة الي الحضر علي حساب المجتمع المدني. وهذا فضلا عن أن ما يحمله ريفيون بؤساء مهاجرون من ثقافتهم هو بعض أسوأ ما فيها متداخلا مع السخط الذي يملأ من يمتلكه الشعور بأنه فائض عن حاجة المجتمع هائم علي وجهه لا يعرف له طريقا.والنتيجة هي أننا نتحدث الآن عن مجتمع مدني مجازي أكثر مما نراه في الواقع رأي العين. فمن المهم أن يكون القانون ميسرا وليس معسرا. ولكن معضلة البيئة الاجتماعية ــ الثقافية للمجتمع المدني لا تقل أهمية, إن لم تزد.وإذا كان من الضروري إيجاد حل معقول لقضية تمويل الجمعيات بعيدا عن المصادر الأجنبية لهذا التمويل, فلا يكفي هذا لخلق مجتمع مدني في غياب ثقافة العمل التطوعي, وشيوع ثقافة( اخطف.. واجري) في كثير من الجمعيات التي تعتمد علي تمويل أجنبي بصفة خاصة.إن معضلة المجتمع المدني في بلادنا أكبر بكثير جدا من القانون المراد تعديله. ومعالجتها جديا تبدأ من السؤال عما إذا كان لدينا مجتمع مدني حقا.
صحوة روسيا(5)قواعد جديدة للعبة الأممبقلم: د.أنور عبد الملك
تجليات صحوة روسيا تتراوغ, بعضها يثير الدهشة ومعها خيبة أمل الحاسدين, بينما تحتشد أخري في مسار دفع العديد من المحللين في الغرب إلي إطلاق تسمية حرب باردة جديدة.نبدأ بالتحركات التي رصدناها له( كما في كوسوفو, وخاصة إيران), ثم إطلاق مبادرة الغوص في أعماق قاع القطب الشمالي, المستودع الهائل للطاقة والخامات الصناعية والأحجار النادرة, وغرس العلم الروسي اعلانا لاكتشاف, هذه الساحة الكبري الجديدة احتلت عناوين الإعلام العالمي ـ وان ظلت باهتة بشكل ملفت في ديارنا وكأننا نعيش في كوكب آخر. ثم تواكبت أخبار ملفتة لتطوير تكنولوجيا الأسلحة المتقدمة خاصة الصواريخ بعيدة المدي, ثم قرار التركيز من جديد علي تطوير طيران مدني وحربي من الصف الأول4500 طائرة مدنية وحربية خلال السنوات الـ18 المقبلة بميزانية تبلغ250 بليون دولار, وأخيرا وليس آخرا ــ حتي الآن علي الأقل ــ إعلان أمير البحار ماسورين عن حاجة الأسطول الروسي إلي التواجد في حوض البحر الأبيض المتوسط.تحركات ملفتة, بعضها له وقع الصاعقة, كلها دون استثناء تعبر عن إرادة استعادة التواجد في الصف الأول من الأمم, والاعتراف دون مواربة بأن نقطة الضعف في هذا التحرك, ألا وهي إنحدار معدل السكان بشكل خطير في روسيا منذ التسعينيات يحاصر هذه الطفرة الشامخة في إطار حديدي حتي تستطيع السياسة الجديدة الإفلات منه بعد عدة عقود. هذا بالإضافة إلي أن الترسانة العلمية والتكنولوجية الأمريكية مازالت تتمتع بتفوق ملحوظ حتي الآن.أين إذن جوهر الجديد؟ وماهي خصوصيته؟ نقطة البدء في الجديد واضحة لا خلاف عليها, ألا وهي أن إيقاع حركته نهاية نظام هيمنة القطب الأوحد الأمريكي الذي طلع علي العالم منذ ربع قرن ارتفع حتي بلغ مستوي خطر يعلن نهاية النظام الذي أدمي العالم دون تقديم رؤية ولا بدائل, خاصة منذ إندلاع الحروب الاستباقية بدءا من العراق الشهيد عام2003.والملفت حقيقة أن الإعلام العربي والمصري مازال يتصور أننا نعيش في عالم هذه الحروب الاستباقية التي تفرض علينا أن نتحايل علي دولة الهيمنة للحصول علي مهلة أو فسحة للتنفس.ماذا لو قبلنا أن هناك عالما يتحرك من حولنا, واننا جزء منه, مهما طال عصر التبعية والتغييب؟1 ــ هناك الاتفاق بين الولايات المتحدة والهند حول منح هذه الأخيرة حق الحصول علي تكنولوجيا إنتاج الطاقة النووية دون توقيع معاهدة عدم انتشار نووي بدأ يصطدم بمعارضة قطاع واسع من الرأي الأمريكي, بينما قرر الحزبان الشيوعيان الهنديان المشاركان في الحكومة رفضه, مما يزعزع مكانة القيادة الهندية ويضعها في موقف مواجهة محتملة مع باكستان.2 ـ من الممكن تقديم كشف حساب لتراجع مكانة قطب الهيمنة الأمريكي الأوحد في لحظة صعود روسيا من جديد, ولعل فنزويلا تقدم اليوم مثالا ساطعا, إذ تتحرك لدعم استقلال معظم دول أمريكا اللاتينية في مجال الطاقة بدءا من الأرجنتين, ورغم معارضة الولايات المتحدة, مجال بالغ الأهمية نكتفي بالإشارة إليه.بيان الجنرال سكو كروفتوفجأة وبينما الغيوم تتراكم ينشر الجنرال سكو كروفت, مستشار الأمن القومي للرئيسين فورد وجورج بوش الأب سابقا, مقالا مدويا حول موضوع تحول القوة: الأمة التي لا غني عنها؟ وليس في إحدي المجلات المتخصصة الكبري وإنما في صدر صفحة الرأي كي تصل الرسالة الي أوسع الساحات وكأنها بيان للناس. يعترف الجنرال سكوكروفت أن السبب الذي جعل البعض يتحدث عن ظهور نظام عالمي جديد حيث تسعي الدول الي تخطي الولايات المتحدة إنما يكفي في إيمانها في أننا بدأنا نفقد هالة استثنائيتنا. ومن هنا فإنهم يتعاملون معنا وكأننا دولة لاتعرف إلا مصلحتها الذاتية, ثم يتساءل كيف يمكن الجمع بين احترام سيادة الدولة الوطنية مع مسئولية الحماية إذ تري معظم البلاد النامية أن هذه الأخيرة تقدم شيكا علي بياض للدول الكبري للتدخل في شئونها الداخلية وأن تقدم العولمة يمثل في الأساس سياسة يقدمها الغرب ليحل مفهوم جديد للسيطرة محل الاستعمار القديم؟ وينتهي سكو كروفت لينعي الواقع إذ يكتب أن واقع كل قياس للرأي يؤكد أن الناس في العالم يتزايد عدم رضاهم عن الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضي, وهو أمر بالغ الدلالة بدأنا نقترب من الجوهر.جوهر الجديدكيف يمكن الاقتراب من جوهر جديد؟1 ـ إن تمزيق الركود الذي يتمثل بشكل ملفت في تحركات صعود روسيا يعني علي وجه التحديد إعلان نهاية عصر تملك الغرب المكانة المركزية في النظام العالمي ـ بعد ثورة1917 في روسيا ونظام القطبية الثنائية المعلن عام1945 والذي تتمسك به الولايات المتحدة وحلفاؤها في عصر الحروب الاستباقية ضد صياغة عالم جديد, وهو ما أشار إليه فيدور لوكيانوف رئيس تحرير مجلة روسيا وسياسة العولمة في جريدة فيدو موستي اليومية( المشاركة في جريدتي فانيا شيال تايمز ووول ستريت جورنال) في نهاية يوليو: ما يحدث الان علي الساحة الدولية مع طموحات روسيا وصعود قوة الصين وانتقال مركز الثقل السياسي الاقتصادي نحو آسيا الشرقية, وصحوة العالم الثالث السياسية يمثل مراجعة كشف حساب الحرب الباردة التي ظنوا وكأنها منحت الحضارة الغربية مكانة التفوق العالمي إلي أن يختتم الكاتب الروسي مقاله بعبارة مدوية: آن الأوان لاختراع قواعد جديدة للعبة.2ـ انتقل تحليل العقلاء إذن من الاعتراف بنهاية عصر هيمنة القطب الأمريكي الأوحد إلي الإشارة لتعددية أصحاب القرار فيما أطلق عليه نظام عالمي متعدد الأقطاب والمراكز والثقافات ولو علي مضض ولو بشكل ضمني غامض تضيق به الصدور.3ـ بقيت خطوة لعلها بيت القصيد, في قلب قواعد اللعبة الجديدة ألا وهي: عودة الروح إلي الأمم حول دولها متي عقدت العزم علي الاستقلال والسيادة والمشروع, هل اننا حقيقة أمام عودة الروح لفاعلية الدولة القومية؟4 ـ مرحلة الانتقال بدأت إذن, من عالم يسوده نظام القطبية الأحادية الي نظام جديد, وعندنا أن مرحلة الانتقال هذه لن تتميز بشكل احلال نظام جديد محل نظام أثبت عجزه بعد انكسار الهيبة الأمريكية في العراق, بل إن الأرجح أننا علي موعد مع صيغ متنوعة قد تتداخل أحيانا, تعمل علي صياغة نظام عالمي جديد عبر مرحلة سوف تمتد الي بضعة عقود, أي ان التاريخ الوسيط حول عام2015 الذي اشارت اليه من قبل دراسات جيوسياسية ومستقبلية هامة مازالت فاعلة حتي الان, تؤثر في العمق ـ وقد أشرنا اليها مرارا في هذا المكان منذ سنوات.هذا وقد بدأت هذه الصيغ الجديدة تتشكل علي النحو التالي:(أ) صعود عدد من الدول الي مقام الدولة الكبري علي المستوي العالمي, أو الاقليمي المتداخل مع المستوي العالمي, أبرزها الصين وروسيا وكذلك الهند والبرازيل.(ب) تحرك عدد من التجمعات الاقليمية الجديدة بشكل جماعي أحيانا, وخاصة الاتحاد الأوروبي, ودول مجموعة ميركوسور في أمريكا اللاتينية, ثم اسيا في جبهة شرق آسيا, هذا بالاضافة إلي اتحادات ذات طابع اقتصادي مثل أوبيك.(جـ) تجمع عدد من الدول الكبري والصاعدة للتعاون علي طريق الشراكة الاستراتيجية, وان ظلت هذه الجماعات الجديدة شديدة الحرص علي التحرك في حدود الدول الأعضاء بها, وهذا بالضبط هو موقف منظمة تعاون شانجهاي.هنا يبدأ باب جديد...قال صاحبي:الجديد.. الجديد.. طيب ـ من يمكنه تشكيل قواعد اللعبة الجديدة؟ وهل يمكن حقيقة أن نهتدي الي منهج وضع القواعد, القديمة والجديدة؟ أليست القواعد, قواعد كل لعبة, أيا كانت, تحددها موازين القوي؟إذن: كيف يمكن أن نتصور موازين قوي جديدة, بدلا من البحث عن قواعد جديدة للعبة الأمم؟..
فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ٢٨/٨/٢٠٠٧
أعترف بأنني لدي الاستعداد للاقتناع بخطورة جماعة الإخوان المسلمين.. وتبرير كل الإجراءات التي تتخذها السلطات الأمنية ضدها.. وضد قياداتها.. وبأنها تشكل خطراً داهماً علي الأمن العام، وأمن المجتمع وسلامته.. لكن السلطات الأمنية لا تقدم لي أو لغيري مبررات مقنعة.. بل اتهامات مرسلة.. لا دليل علي صحتها.. وكلام من نوعية: بث مجموعة من الشائعات التي تستهدف النيل من بعض المسؤولين.. والتأثير علي الأوضاع الداخلية.. وإثارة البلبلة لدي الرأي العام.
وفي تقرير أعده الزميل «أحمد موسي» نشرته صحيفة «الأهرام» في عددها الصادر يوم السبت الماضي.. كشف عن لسان مصدر أمني مسؤول عن الدور الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين المحظورة خلال الأيام الماضية.
والأخطر ـ كما ورد في التقرير ـ اتهام بعض وسائل الإعلام المصرية، وعلي لسان المصدر نفسه، بالتحريض علي اغتيال المسؤولين وأحد القضاة.
يا نهار مش فايت! ما هذا الكلام غير المسؤول، الذي صدر علي لسان مسؤول أمني كبير.. والذي يؤدي بصاحبه إلي الأشغال الشاقة.
أزعجني جدا أن يفتح الزميل أحمد موسي تقريره بهذه العبارة: «بات واضحا للجميع أن جماعة الإخوان المحظورة، تقف وراء الشائعات ومحاولة التشكيك والادعاء بوقوع انتهاكات لحقوق الإنسان والإسقاط علي رموز الدولة.. بل والتحريض علي القيام بعمليات اغتيال لبعض المسؤولين.. واستغلال ٤ صحف يومية وأسبوعية في نشر قضايا، واختلاق أمور لا أساس لها علي أرض الواقع.. والمبالغة في الانتقام من الشرطة».. إلي آخر ما جاء في افتتاحية التقرير.
كلام خطير.. واتهامات مرسلة بلا دليل واحد يؤكد صحتها.
وصدقوني.. أنا لا أستهدف نفي مثل هذه الاتهامات، التي بلا دليل عن جماعة الإخوان المسلمين.. بل إنني مرة أخري علي استعداد لتصديقها واستيعابها.. بشرط أن تكون تلك الاتهامات حقيقية.. وقائمة علي أدلة، وليس علي عبارات مرسلة ومبهمة.
ونحمد الله أن التقرير لم يعتبر تصدي أجهزة الأمن لمحاولات الجماعة المحظورة الخروج علي الشرعية.. هو أحد الإنجازات العظيمة للشعب المصري.. لأن الشعب المصري لا يفهم ماذا يدور وراء الكواليس.. وما الذي تستهدفه الحملة الأمنية العنيفة وغير المبررة علي الإخوان.. والتي تستهدف إقصاءهم عن العمل السياسي.. وهذا مستحيل.. بل تستخدمه السلطة في كل مرة مبررا لإعاقة مسيرة الإصلاح السياسي الحقيقي ولتنفيذ سياسات خفية لا تحقق مصالح الشعب المصري.. بل تحقق مصالح جماعات وأفراد في داخل نظام الحكم.
أعلم أن الديمقراطية لن تتحقق علي أيدي جماعة الإخوان.. بل إن الكثير من ممارساتهم ضد الديمقراطية.. لكنهم حتي الآن تستخدمهم السلطة كشماعة لاغتصاب السلطة بالقوة.. وبترويج الأكاذيب عن خطورتهم علي أمن المجتمع.. في حين أن خطورتهم علي أمن نظام الحكم وعلي سيناريوهاته المعلبة.
من المسئول: حكـومتنا أم حكــومتهم؟!بقلم: صلاح الدين حافظ
كنت قد طويت حديثي عن ملف المعونة الامريكية لمصر, واستخدامها السياسي, بل واستغلال جانب منها في زرع الفتنة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين, وبالتالي في تخريب الوحدة الوطنية وتهديد الأمن القومي..وقد قدمنا دلائل واضحة علي سياسة هيئة المعونة الامريكية في التمييز بين طرفي الوحدة الوطنية, وطرحنا وثيقتين امريكيتين تثبتان هذا التمييز الخطير, ومن ثم طالبنا بالتدقيق والتحقيق في هذا الأمر, لوقفه, توقيا لتراكم آثاره وتفاديا لشق مجتمع ظل ـ لآلاف السنين ـ نموذجا للوحدة, مهما تعددت دياناته وتراكمت ثقافاته واختلفت مذاهبه وتوجهاته..وحتي هذه اللحظة لم ترد الحكومة المصرية ولم تعلق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, باعتبارها المسئولة عن حماية الوحدة الوطنية, والمكلفة بمقاومة الاختراق والتدخل الأجنبي, خصوصا إذا ما ضرب جوهر ومفهوم المواطنة والوطنية.. وها نحن نجدد بإصرار المطالبة بالتدقيق والتحقيق, حتي لا تذهب الظنون إلي آفاق آخري!لكن الجانب الامريكي المانح للمعونة, هو الذي سارع بالرد, استشعارا منه بأن القضية التي أثرناها من قبل قد اجتذبت اهتمام الرأي العام المصري والعربي, لكن الرد الأمريكي جاء للأسف مراوغا, ولم ينف الوثيقتين اللتين طرحناهما هنا, وقد جاء بهما كيف أن هيئة المعونة قد عدلت هيكلة المعونة الاقتصادية لمصر, للتركيز علي الانفاق علي المناطق والقري ذات الكثافة السكانية المسيحية, بالإضافة إلي دعم جمعيات ومنظمات مسيحية محددة لها الأفضلية من وجهة نظر امريكية..فقد نظمت الوكالة الامريكية للتنمية في مصر, لقاء مع مجموعة من الصحفيين المصريين تحدث فيه السيد جون جورورك نائب مدير هذه الوكالة, ليرد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة علي ما تناولناه, حول الاستخدام السياسي للمعونة والتمييز في انفاقها, وانفردت الأهرام بنشر ما قاله السيد جورورك بتوسع لافت يوم الاربعاء2007/8/22, بينما لم أجد حرفا واحدا منه. في عشر صحف صدرت في اليوم نفسه, وهي صحف الأخبار والجمهورية والأهرام المسائي والمصري اليوم والوفد ونهضة مصر وروزاليوسف والبديل والأهالي والدستور, الأمر الذي يثير الانتباه علي كل حال!!وبرغم استعراض الرجل المطول لفوائد المعونة الامريكية لمصر علي مدي اكثر من ربع قرن, فإن ما يهمني في هذا المجال, أنه اولا نفي وجود أي برامج امريكية موجهة للأقباط في مصر, وأنه لا تفرقة علي أساس الديانة عند توزيع المعونة التي لا تمنح لأي جمعية لأهداف دينية, ولكنها تمنح لتنفيذ أهداف تنموية ومجتمعية عامة...وثانيا اكد الرجل أن المعونة الامريكية المباشرة سواء لجهات أهلية أو اشخاص تتم بعلم الحكومة المصرية..هكذا ألقي الجانب الامريكي المانح للمعونة, بالكرة في ملعب الحكومة المصرية, مؤكدا أن كل مايصرف من هذه المعونة لا يتم وراء ظهر هذه الحكومة, بل بموافقتها, وهو ما نراه, إن كان صحيحا, يشكل تهاونا من جانبنا, حين تسمح أي حكومة أو دولة لطرف أجنبي بأن يخترق وحدة نسيجها الوطني جهرا, فيقدم المساعدات والمعونات لجزء من شعبها دون غيره, بما يحقق أهدافه وسياساته, بينما الأصل أن تتولي هذه الحكومة الحصول علي المعونات الأجنبية, وتقوم هي بانفاقها وفق خططها وسياساتها وبما يحقق أهدافها الوطنية!ولأن الأمر كذلك فقد طالبنا بالتدقيق والتحقيق, سواء من جانب الحكومة المسئولة, أو من جانب البرلمان, أو من جانب منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الصحافة, حتي لا نظل نمارس سياسة الاخفاء والتمويه والانكار أو التجاهل!الآن... نعود إلي الجزء الأول من حديث السيد نائب مدير الوكالة الدولية للتنمية, والذي نفي فيه التمييز بين المسلمين والمسيحيين حين توزيع المعونة الامريكية في مصر وطريقة انفاقها..والحقيقة أن الرجل لم يقل الحقيقة, وبالتالي لم ينف أو يناقض المعلومات والحقائق التي نشرناها من قبل, حول هذا التمييز, والتي حصلنا عليها مباشرة من وثيقتين امريكيتين قدمتا للكونجرس, وإذاعتهما وزارة الخارجية الامريكية في يوليو2007, الأولي هي شهادة السيد جيمس كوندر نائب مدير هيئة المعونة الامريكية, أمام الكونجرس, والثانية هي وثيقة أعدها مركز أبحاث الكونجرس الصادرة في يوليو الماضي, وقد تم توزيعها علي اعضاء الكونجرس, فإن لم يكن ممثل هيئة المعونة في مصر الذي نفي ما سجلناه, قد اطلع علي الوثيقتين فإننا علي استعداد لتزويده بهما إن كان ذلك مفيدا لمعلوماته!وأهم ما جاء في الوثيقتين, هو التأكيد علي إعادة هيكلة برامج المساعدات الامريكية لمصر لزيادة التركيز علي الانفاق علي مشروعات هيئة المعونة في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية وتنمية المجتمع المدني, خصوصا في كل منطقة ذات نسبة سكانية قبطية كبيرة وبشكل رئيسي في جنوب مصر والقاهرة والاسكندرية..بعد ان اعادت المعونة الامريكية تأهيل وتوسيع محطات المياه في18 قرية ذات النسبة السكانية القبطية الكبيرة, وقد زادت نسبة التمويل للقري ذات النسبة السكانية القبطية الكبيرة لبرامج معالجة المياه وحدها, علي200 مليون دولار خلال السنوات الخمس الماضية.., وفي مكان آخر تقول هذه الوثائق نصا لقد وجه صانعو القوانين, أي الكونجرس, تعليمات لوزارة الخارجية بأن تمول برامج المشاركة المدنية وحقوق الانسان في الجالية القبطية المسيحية في مصر!! وعلامات التعجب من جانبنا علي استخدام لفظ الجالية وصفا لاقباط مصر, وهم في رأينا من صلب النسيج الوطني المصري, وليسوا جالية أو طائفة كما قالت الوثيقة الامريكية..هذه هي بعض الحقائق والمعلومات الموثقة التي اعتمدنا عليها من المصدر الامريكي الرسمي مباشرة, وغيرها كثير لمن يريد الاستزادة, لكن السيد مندوب المعونة الامريكية في القاهرة تجاهلها. ولم يؤكدها بل نفاها بطريقة الغمغمة والتمويه والتعمية والابتسار, مما دفعنا إلي اعادة فتح الملف, طلبا للتدقيق والتحقيق من جانب الحكومة المصرية, لأن الامر يتعلق بزرع الفتنة, وتمزيق الوحدة الوطنية باغراءات خارجية رخيصة مهما ارتفع ثمنها..* بقي أن نقول للرأي العام المصري والعربي, إن هذا النهج الأمريكي في التمييز بين أبناء الوطن علي أسس دينية أو طائفية أو عرقية, يمثل استراتيجية عريضة لفرض الفوضي الخلاقة تحت السيطرة الامريكية, وراثة عن تقاليد الامبراطوريات الاستعمارية الاوروبية القديمة وشعارها فرق تسد, وهاهي تفعل علانية!* صحيح أننا نطالب الحكومة المصرية بالتدقيق والتحقيق, في هذه الاختراقات, لكننا نراهن اكثر علي صحوة المجتمع كله بمسلميه ومسيحييه لمواجهة الاختراق ورفض اغراءاته!* لا عتاب ولا ملامة علي الأخوة المسيحيين, وخصوصا الفقراء منهم, إن جاءهم من يقدم لهم المساعدة امريكية كانت أو أوروبية, لكن اللوم يقع علي من تسبب في فقرهم وتركهم لقمة سائغة للمانحين, ثم اكتفي بإغماض العين!* يعرف كثيرون جيدا ان جزءا من المعونة التي تخصص للجمعيات الأهلية, يذهب الي نشاطات كنسية تمارس التبشير, ليس لتحويل المسلمين الي مسيحيين, بقدر ماهو لتحويل الأقباط الارثوذكس أتباع الكنيسة الوطنية, الي الكنائس الانجيلية البروتستنتية ذات النفوذ في امريكا خصوصا..وهذا أمر تشكو منه الكنيسة المرقسية المصرية, أكثر مما يشكو منه الأزهر مثلا, وهي شكوي سمعتها باذني من مراجع عليا في البطريركية الارثوذكسية منذ سنوات..* لا أود في النهاية الدخول في عبثية حكاوي المسلم الذي تنصر بالتبشير, أو المسيحية التي تأسلمت, لكني اقول ان التبشير يأتي الي المشرق العربي الاسلامي, علي موجات, منذ مواجهات الحروب الصليبية, لكنه شهد هجوما عاتيا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر بالتلازم مع الهجوم الاستعماري في عصر الامبراطوريات الاوروبية والكشوف الجغرافية, لقد أتي بتحالف بين المطامع السياسية والحملات التبشيرية الدينية, تلك التي قادتها أساسا الكنائس الكاثوليكية والبروتستنتية الأوروبية, مستهدفة مسيحيي الشرق خصوصا الارثوذكس, فضلا عن استهداف مسلمين.. راجع كتابنا المعنون كراهية تحت الجلد..ولقد مارست هذه الحملات المزدوجة ضغوطا وقدمت اغراءات عديدة عبر العصور, للهيمنة علي هذا الشرق الغامض, لكن انتهت الحملات وسقطت الامبراطوريات, وبقيت أوطاننا بمسلميها ومسيحييها.. وستبقي, بشرط أن نقاوم الفتنة!!** خير الكلام: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها..
فهمي هويدي
الإخوان المسلمون من التأديب إلى الاستئصال
في حين تتجه أسهم التيار الإسلامي المعتدل الى الصعود في تركيا، وتشير الدلائل الى أنه بصدد تحقيق صعود مماثل، ولو بصورة نسبية، في المغرب، الذي تجري الانتخابات التشريعية فيه خلال الاسبوع المقبل، فإن الرياح في مصر تمضي في اتجاه معاكس تماماً حيث يبدو أن السلطة تعد لمواجهة شاملة ضد جماعة الإخوان المسلمين، التي تمثل الحركة الأهم لذلك التيار في العصر الحديث. أحدث حلقات تلك المواجهة أطلقت هذا الاسبوع، وتمثلت في المعلومات التي خرجت من وزارة الداخلية واتهمت قيادات الجماعة بالتحريض على اغتيال مسؤلين كبار في مصر، والتحضير لقلب نظام الحكم، والترويج لإشاعات التعذيب في السجون المصرية. وتوازت هذه التعبئة الإعلامية مع استمرار الاعتقالات لقيادات الاخوان، ومنع بعضهم من السفر الى الخارج، ومصادرة أموال وممتلكات آخرين من الأعضاء الذين وصفوا بانهم يمثلون قناة التمويل للجماعة.
والى جانب الاعتقالات، فإن المحكمة العسكرية المصرية تحاكم الآن بعض القياديين في الحركة بتهم مختلفة، وهذه الخطوات تلاحقت في أعقاب تمرير التعديلات الدستورية التي أدخلت على الدستور، وكان من بين أهم أهدافها إقصاء الاخوان تماماً، ومنعهم من ممارسة أي نشاط سياسي والمشاركة في أية انتخابات مقبلة، وهي التعديلات التي تضمنت نصاً يحظر إقامة الأحزاب على أساس ديني، بل وممارسة أي نشاط سياسي على أساس ديني. والعبارة الاخيرة وسعت كثيراً من نطاق الحظر، بحيث شمل أي نشاط عام من خوض الانتخابات الى عقد الندوات الفكرية وإقامة المؤسسات الخيرية. تسوغ لنا هذه الاجراءات أن نقول إن المواجهة ضد حركة الإخوان الأكبر في نوعها منذ تأسيس الحركة عام 1928. ذلك أن المواجهات السابقة في العهد الملكي والمرحلة الناصرية والساداتية كانت تأديبية وقمعية في أحسن فروضها إثر عمليات الاغتيال التي قامت بها بعض عناصر التنظيم الخاص وأدت الى حل الجماعة سنة 1949. واثر محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر سنة 54 وقد كان حظهم من التأديب محدوداً في عهد الرئيس السادات، الذي أطلق سراح أعداد كبيرة منهم. ولكنه عاد واعتقل بعض قياداتهم ضمن حملة الاعتقالات الكبرى التي أمر بها أواخر عهده (عام 1981).
المواجهة الراهنة ذهبت الى أبعد أو يراد لها ذلك، حيث تشير مختلف الدلائل الى أنها تبدو استئصالية، وليست تأديبية أو قمعية. أعني أنها تستهدف شل حركة الجماعة إن لم يكن نفي وجودها وإلغائها تماماً، اذ أنها تحاصر الحركة من النواحي السياسية والقانونية والأمنية بما يقطع الطريق على أي تقدم لها. وليس سراً أن النص في التعديلات الدستورية الاخيرة على جواز إحالة المدنيين الى المحاكم العسكرية له هدف واحد هو أن يصبح القضاء العسكري سيفاًً يهدد الإخوان باستمرار، إذا ما حاولوا تجاوز القيود التي فرضت على حركتهم. وقد اتخذ هذا الإجراء لسد «الثغرة»: التي ترتبت على نظر قضايا الاخوان أمام القضاء المدني الذي كان يبرئ أكثرهم لضعف أدلة الاتهام.
في الوقت الراهن هنالك 300 من اعضاء الإخوان رهن الاعتقال، وهناك أربعون مقدمون الى المحاكم العسكرية. وما طال الأفراد انسحب على المؤسسات، حيث وضعت الحكومة المصرية يدها على المدارس التي أنشأها أعضاء الجماعة، وكذلك المؤسسات العلاجية. أما النقابات المهنية التي اعتاد الاخوان أن يحصلوا على الأغلبية فيها، فقد وضعت تحت الحراسة (نقابة المهندسين مثلاً). وبسبب القلق من فوز الاخوان في تلك النقابات، فقد عطلت الانتخابات في كافة النقابات المهنية (أكثر من 20 نقابة) ولم يسمح بإجرائها الا في نقابتين فقط (للمحامين والصحفيين) اطمأنت أجهزة الأمن إلى أن نفوذ الاخوان فيهما محدود بدرجة أو أخرى.
في متابعة عملية التصعيد من الملاحظ أن مؤشراتها بدأت في الظهور مع الانتخابات التشريعية التي تمت عام 2005، وبدا فيها أن نفوذ الاخوان يمكن أن يكون كبيراً على نحو يهدد الاغلبية الساحقة التي اعتاد ان يحصدها الحزب الوطني الحاكم. ولأن الانتخابات آنذاك تمت على ثلاث مراحل. ولاحت فيها احتمالات ذلك الفوز المغلق في المرحلتين الأولى والثانية، حيث حصل مرشحو الاخوان فيها على 76 مقعداً، فقد كثفت الاجهزة المعنية ضغوطها وتدخلاتها في المرحلة الثالثة، بحيث لم يحصل الاخوان الا على 12 مقعداً فقط، بحيث أصبح لهم 88 مقعدا في مجلس الشعب. ورغم التدخل الذي حدث، فإن عددهم تجاوز بمراحل ممثلي أحزاب المعارضة الاخرى في المجلس. وكانت المفارقة لافتة للنظر لأن الجماعة «المحظورة» حصدت هذا الرقم، بينما كل الأحزاب الشرعية (الوفد والتجمع) لم تحصل على اكثر من ثلاثة او اربعة مقاعد، هذا الوضع أقلق الجهات المعنية الى حد كبير. ولذلك فحين جرت انتخابات مجلس الشورى في شهر يونيو (حزيران) الماضي، لم يسمح لأي مرشح للإخوان بدخوله، منتخباً كان او معيناً.
في هذا الصدد، لا نستطيع أن نتجاهل الدور الذي لعبته الضغوط الدولية فيما بين عامي 2005 و2007. ففي ذلك الوقت المبكر نسبياً، كان الحديث عن ضرورة الالتزام بالتطبيق الديمقراطي يتردد بقوة، ولكن هذه اللغة اختلفت بعد ذلك سواء بعد الذي حدث في العراق ولبنان أو بعد فوز حركة حماس في فلسطين، لذلك فإن القدر النسبي من التسامح الذي حدث عام 2005 وأدى الى فوز الاخوان بـ 88 مقعداً لم يسمح للاخوان بالحصول ولو على مقعد واحد سنة 2007.
ولو ظهرت مؤشرات قلق الاجهزة المعنية مع فوز الاخوان في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 إلا أن مؤشرات المواجهة والصدام مع الجماعة لاحت في العام الذي يليه مباشرة حين برزت قصة مليشيات جامعة الازهر في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي قام فيها بعض طلاب الاخوان باستعراض احتجاجي داخل حرم الجامعة، وارتدى بعضهم ثياباً رياضية ووضعوا أقنعة على وجوههم، تشبهاً بعناصر المقاومة الفلسطينية. واثناء الاستعراض قاموا ببعض «العاب الكاراتيه». فتم تصويرهم وقدموا في الاعلام باعتبارهم مليشيات مسلحة، رغم أن التحقيق مع 150 منهم لم يثبت أن أحداً منهم حمل في يده عصا أو حتى موسى حلاقة. وكانت تلك التعبئة الاعلامية مقدمة لحملة ارتكزت على فكرة ان الاخوان يعدون العدة للانقضاض على السلطة وتغيير المجتمع بالقوة، وان المليشيات المذكورة مقدمة لذلك المخطط الشرير.
لماذا هذا التصعيد الذي يقترب من ذروته هذه الايام؟ هذا السؤال شغل عددا غير قليل من الباحثين الذين تعددت تعليقاتهم حول الموضوع في الصحف المستقلة والمعارضة واكثرهم طرحوا ثلاثة احتمالات؛ الاول أن نمو الجماعة اصبح يشكل منافساً للنظام القائم، وقد يرى فيه البعض بديلاً مطروحاً، في مرحلة ما بعد الرئيس حسني مبارك. ولذلك قررت الاجهزة الأمنية تشديد ضرباتها للجماعة لشل حركتها وتقويض بنيانها، بما يضعفها ويخرجها من دائرة البدائل المرشحة. الاحتمال الثاني ان تشديد الضربات الى الجماعة يجيء ردا على اعتزامها تشكيل حزب سياسي، نشرت بعض الصحف مسودته المقترحة، مما ازعج السلطات ودفعها الى اجهاض المحاولة. الاحتمال الثالث أن هذه الضربات متزامنة مع تجدد الحديث وتواتره حول توريث السلطة، وقد اعتبر توجيهها الى الجماعة في الوقت الحالي من مقتضيات تمهيد الطريق.
السؤال الآخر المثار في كتابات المعلقين والباحثين هو: هل من الممكن حقاً القضاء على الجماعة واستئصالها؟. ثمة اجماع على أن هذه العملية غير ممكنة، وأن فشل الضربات التي وجهت الى الاخوان خلال الثمانين عاماً الماضية دال على عمق حضورها في المجتمع، بل ذهب البعض الى ان هذه الضربات تقوي الجماعة ولا تضعفها، في الاقل من حيث انها تدفع الجماهير الى التعاطف معها باعتبارها ضحية للانظمة المتعاقبة.
بقيت بعد ذلك نقطتان مهمتان؛ الاولى ان الاخوان لم يثبت بحقهم اشتراك في اي مظهر من مظاهر العنف ضد السلطة طيلة الثلاثين عاما الاخيرة. وتوجه قيادتها نحو المشاركة السلمية اصبح موقفا استراتيجيا يحتاج الى رعاية وتشجيع. وهناك قلق حقيقي بين بعض قيادات الجماعة من خشية أن يدفع الاحباط بعض شبابها إلى اللجوء للتطرف ومقابلة العنف بعنف آخر لا تحمد عقباه. النقطة الثانية أنه ايا كانت ملاحظاتنا على برنامج الاخوان وأدائهم الا أن أحداً لا ينكر أن فكرهم يتطور ولو ببطء. وقد أثبتت التجربة أن الممارسة الديمقراطية هي من أفضل السبل لإنضاج الفكر وتطويره بما يجعله أكثر تجاوباً مع الواقع واحتراما له، وهو ما اثبتته التجربة التركية، التي مر الاسلاميون فيها بخبرة في العمل السياسي استمرت حوالي ثلاثين عاماً، قبل أن تنتهي بتشكيل حزب العدالة والتنمية، وفوزه الساحق في الانتخابات.
ولم لا يعذّب المصريون في الخارج أيضا !؟
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعودقيل إن وزارة الخارجية المصرية استدعت القائم بالأعمال في سفارة إحدى الدول العربية للاحتجاج على تعذيب اثنين من العمال المصريين بسكب ماء النار على جسديهما ، فضلا عن الضرب والإهانة ، والسبب كما قيل مخالفة قوانين الإقامة !شكر الله سعي الوزارة والحكومة والشعب جميعا ، فقد قاموا بالواجب وزيادة ، من أجل عاملين بسيطين لا يمثلان أهمية للنظام البوليسي الفاشي الذي يحكمنا ويطعمنا ويسقينا ، ويسهر على راحتنا في البر والبحر والمنافي وأماكن الغربة والهجرة ، حتى بلاد الواق الواق ..! ماذا نريد أكثر من ذلك ؟ إننا طماعون وجشعون ، ولا يعجبنا العجب ولا الصيام في رجب..نبحث عن النكد بسن إبرة !والأمر يا سادة ليس مجرد تعذيب اثنين من العمال المصريين ضاقت بهما السبل في بلدهما الذي يملك خيرا كثيرا ، فخرجا يبحثان عن المزيد في بلاد أخرى ، وكان أن تعرضا لما يتعرض له كل البشر من متاعب ومصاعب ؛ لم يسع الأخوة المضيفون إلى حلها بالتي هي أحسن ، ولكنهم انطلقوا من مقولة أن المصري لا قيمة له في وطنه ، وأن النظام البوليسي الفاشي في بلده يعذب الناس في أقسام الشرطة والسجون والمعتقلات حتى الموت ( احمدوا ربنا أن بقى العاملان على قيد الحياة ولم يموتا بماء النار !) ، ومن ثم فلا غضاضة أن يمارس الأشقاء العرب وغير العرب التعذيب أيضا اقتداء بالسنة الحميدة التي سنتها وزارة الداخلية المصرية العريقة ، وهي التعذيب حتى الموت ! أليست هي الرائدة والقائدة والشقيق الأكبر ؟قبل شهور ، وفي هذا البلد نفسه تم ضرب دبلوماسي مصري وسحله وتمزيق ملابسه في احتفال رسمي وعلى رءوس الأشهاد ، ومع ذلك لم يحدث شيء ، فقد انتهى الأمر بأن الدبلوماسي غلطان هو والذين خلّفوه والشعب المصري كله ! ويجب على المصري حين يهان خارج بلاده أن يشكر الذين أهانوه وضربوه وسحلوه عملا بمبدأ : " ضربك شرف يا أفندينا "! ونحن كما رأى بعض الكتاب المصريين شعب من العبيد ، وزاد بعضهم إننا شعب لا يصلح إلا بالكرباج !وقبل أيام تم الاعتداء على إمام مسجد في بريطانيا العظمى اسمه الشيخ محمد السلامونى ، وفقد بصره تقريبا نتيجة للعدوان ، ومع ذلك فقد كان أول من اهتم به السفارة السعودية في لندن ، وليست السفارة المصرية ، لدرجة أن أعلنت أنها ستعالجه على حساب المملكة ، وبعدها غار رئيس الوزراء المصري فقال : لا ، بل نحن الذين سنعالجه ! أرأيتم الشهامة ؟وقبل ذلك اختفى السفير " إيهاب الشريف " في بغداد ، ولم يعثر على جثته حتى اليوم ، ووزارة الخارجية الموقرة كانت تعلم جيدا أن بغداد بلد الرشيد تفتقد الأمن والأمان ، ومع ذلك أرسلته وآخرين إلى هناك ، لأن المصري رخيص الثمن ولو كان دبلوماسيا ممثلا للسلطة الحاكمة ، بل لو كان أعلى من ذلك منصبا ومكانة !وفى بلد عربي آخر حدث خلاف بين العاملين المصريين وصاحب العمل على الأجر ، فقامت قبيلتان بحرق الأخشاب والأدوات التي يستخدمها المصريون في أعمال المعمار ، وأطلق أفرادهما عليهم الرصاص فأصابوا العشرات وهرب المئات من البائسين المصريين إلى الحدود وإلى داخل البلد العربي المضياف !وهذا البد العربي المضياف كريم لدرجة أنه يرحل ضيوفه المصريين وحدهم دون سابق إنذار إلى الحدود المصرية ، ولا مانع لديه أن يضعهم في القلابات التي تقذفهم هناك في العراء ، وهو يعلم أن الحكومة المصرية ستقدم له الشكر ، ثم تخرج وزيرة القوى العاملة لتنفى حدوث أي شيء بالمرة ، كما نفى مسئول في الخارجية المصرية أن ما حدث من إحراق لأخشاب المصريين وإطلاق النار عليهم غير صحيح ، وأنه لم يتم ترحيل غير عدد محدود جدا من المخالفين للإقامة !وفي بلد عربي ثالث قبض على العشرات بسبب التهمة التقليدية ، وهي مخالفة قوانين الإقامة ، وحاول الضحايا الاتصال بالسادة الأشاوس والنشامى القائمين على أمر القنصليات أوالسفارة في البلد الشقيق ، ولكنهم أخفقوا أو فشلوا في الاتصال بأحدهم ، وحين اتصلوا ببرنامج تلفزيوني مصري اتصل بدوره بواحد من الأشاوس والنشامى الدبلوماسيين المصريين ، قال – لا فض فوه – إنهم لا يتبعون قنصليتي ! فطلب منه المذيع أن يتصل بزملائه في القنصلية المعنية ، ولكنه راوغ في الإجابة ، وقال كلاما نيئا لا يُؤكل ، ولا يُشبع ، والمذيع يرجوه ويستجديه ، ولكن صاحبنا ملتزم باختصاصاته التي لا يريد أن يتجاوزها !وأينما يمّمت وجهك ؛ وجدت المصري في بلاد الله ، خلق الله ، مستضعفا ذليلا ، لا يسأل عنه أحد ولا يهتم به أحد ، وقد أدرك العالم ذلك فصار يمارس الاستضعاف والإذلال ضد المصري دون أن يخشى ملامة أو رد فعل باهت أو صاعق ، بل إن الغرباء حين يدخلون مصر يتصرفون وكأنهم أصحابها أو أكبر من أصحابها ، وما بالك بكلاب الأجانب التي تعقر المصريين دون أن يهتز لأصحابها جفن ؟ بل يجدون من المصريين من يدافع عنهم ، ويثنى عليهم ويمدحهم بمطولات غير شعرية نظير ما يطعمونه ؟عشرات الحالات " بل مئات ، بل آلاف الحالات من العدوان على المصري البائس في الدول العربية الشقيقة ، والأجنبية غير الشقيقة ، ولا أحد يتحرك في الخارجية الموقرة " ولا وزارة العمل ، ولا التضامن الاجتماعي ( يعنى إيه تضامن اجتماعي ؟) .. والنتيجة أن المصري لا قيمة له ولا يحزنون !رأيت في بعض البلاد العربية سفيرا عربيا لدولة عربية صغيرة لا تتجاوز مساحتها محافظة المنوفية ؛ يطارد المسئولين الذين يمثل حكومته لديهم من أجل عشرات العاملين من بلاده في هذه الدولة . هذا يريد أن ينتقل إلى المكان الفلاني ، وهذا يعاني من مديره ، وذاك في خصومة مع الكفيل ... مما اضطر المسئولين في هذا البلد أن يصدروا أوامرهم لبني وطنهم بعدم التعرض لهؤلاء العاملين ، وتحقيق الراحة لهم حتى لا تصدر منهم شكوى أو احتجاج !إذا أردت في المقابل أن تبحث عما يفعله الدبلوماسيون المصريون في الخارج من أجل بني جلدتهم ، هالك موقفهم وسلوكهم ، وإن كنا نستثني أقلية ضئيلة من أولاد الناس ، فإن الأغلبية الساحقة لا يعنيها أمر المصريين ولا مشكلاتهم . إن الذي يعنيهم هو أمر التسوّق ، وتوفير أكبر قدر من العملة الصعبة ، وإرضاء أهل البلد الذي يمثلون مصر لديه حتى يرضوا عنهم ، ويكتبوا إلى الخارجية المصرية للتمديد لهم ، والاستمرار في مهمتهم الدبلوماسية !لقد رأيت بنفسي من يهرول وراء المسئولين في بعض البلاد العربية في بعض المناسبات بما لا يتفق ووقار المنصب وأهمية البلد الذي يمثله ويتكون اسمه من ثلاثة حروف أولها ميم وآخرها راء ووسطها صاد .. وللأسف فقد انتقل المذكور إلى القاهرة ليكون مساعدا لوزير الخارجية بعد التمديد له طبعا ، حتى أحيل على التقاعد ، وصار خبيرا في الفضائيات ويتحدث في الأحداث الجارية والواقفة !!لن أتكلم عن اهتمام بعضهم بكتابة التقارير الأمنية عن العاملين في الخارج ، وخاصة من يعملون في المجالات الفكرية والثقافية والتعليمية ، وإرسالها إلى القاهرة ، ورحم الله بعض من عرفت من خيرة علمائنا الذين ألغيت عقودهم وعادوا إلى الوطن التعيس في خلال أربع وعشرين ساعة ، وسألنا عن الأسباب فلم يعطنا أحد إجابة شافية ، ولكن الدلائل كانت تشير إلى هذه التقارير اللعينة !!!إن السفارات والقنصليات المصرية في الخارج ، ترى أن مهمتها تهيئة الزيارات الرسمية للمسئولين وتوفير سبل الراحة لهم من أجل الاستمرار في بعثاتهم ، أما المواطنون الغلابة الذين يكدحون من أجل دراهم قليلة ، فهؤلاء غير مرغوب فيهم وفي حل مشكلاتهم ، ولعلنا نذكر ذلك السفير الذي أغلق بالسلاسل بوابة السفارة في بغداد أيام كان العراق يرسل النعوش الطائرة إلى مطار القاهرة دون أن يدرى أحد ما يجرى للمصريين هناك مما اضطر رئيس الدولة إلى استدعائه وإعفائه من منصبه!هل العيب في أهل الخارج أم في الحكومة المصرية أم الشعب المصري ؟أرى العيب في الشعب المصري ، فقد سمح لنفسه أن يكون عبدا لحكامه ، ورضي لنفسه الدنية ،وصفق لجلاديه ، بل دافع عنهم ، وهاهم كتاب لاظوغلى على سبيل المثال ، يقدمون وصلات ردح وهجاء لمن يتكلمون عن التعذيب الذي يفضى إلى الموت ، ويرون أن في ذلك إهدارا لهيبة الشرطة ، ويفضلون هذه الهيبة على إهدار حياة الناس في الأقسام والمعتقلات ..لقد صار الإنسان المصري رخيصا بفعل يده ، وليس بفعل الآخرين ، صحيح أنه تعرض للقهر سنوات طويلة ، وعومل بوحشية غير مسبوقة في التاريخ ، وهو الشعب الوحيد في العالم الذي تحكمه الطوارئ أكثر من نصف قرن ،ويعيش التمييز العنصري والطبقي في أبشع صوره وخاصة في العقود الأخيرة ، ولكن هذا لا يعفيه من المقاومة ، التي تقوم على الرفض لعبادة الفراعنة من دون الله ، والفرعون يبدأ من رئيس العمل والمدير حتى الخفير والوزير، والرفض للنفاق الرخيص ، والرفض للفساد ، والرفض لشهادة الزور في الانتخابات والاستفتاءات ، والرفض لمقولة : من يتزوج أمنا نقول له يا أبتاه ..وحتى ذلك الحين نقول : لم لا يعذب المصريون في الخارج أيضا ؟ولا حول ولا قوة إ لا بالله العلى العظيم !drhelmyalqaud@yahoo.com
خطبة الجمعة في الحرم المكي
جمال سلطان : بتاريخ 29 - 8 - 2007
كنت في الحرم المكي يوم الجمعة الماضي ، بعد أن فرغت من العمرة ضمن رحلة نظمتها نقابة الصحفيين المصريين ، أستمع إلى خطبة فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب ، ومنذ الدقائق الأولى من الخطبة وقد أدركت أن الرجل يمهد لحديث مهم ، لأنه ليس من عادة أهل السنة أن يؤكدوا على حبهم لآل بيت النبي الكريم وأن حبهم دين ندين الله به ونتقرب إليه بودهم ، فهذا تحصيل حاصل لديهم ومن المعلوم بالضرورة في دين الله ، لذلك كان مفاجئا أن يبدأ إمام الحرم خطبته بالتأكيد على هذه المعاني ، والإشارة إلى الكثير من نصوص السنة النبوية التي حملتها مراجع أهل السنة الكبرى مثل صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم وغيرهما ، والروايات التي نقلت عن النبي الكريم دعوته إلى إكرام أهل بيته وعترته الطاهرة ، وهي الروايات التي روى أكثرها الصحابي الجليل أبو هريرة ، والذي يتهمه غلاة الشيعة بكراهية أهل البيت ومعاداتهم ، رغم أنه راوي أحاديث النبي التي تحض على محبتهم وتجعله دينا للمسلمين ، المهم أن الشيخ بدأ خطبته بهذا التمهيد ، ثم انتقل بعد ذلك إلى انتقاد الدعاوى المذهبية التي تتخذ من دعوى محبة آل بيت النبي مدخلا لتخريب عقيدة أهل الإسلام واستباحة ما حرم الله وتكفير أهل الإسلام بما في ذلك الصحابة الكرام ، وأشار الشيخ في خطبته إلى أن كبر هذه الدعاوى تبنتها جهات "أعجمية" غير عربية ، في إشارة إلى إيران دون أن يسميها ، في حين أن الأشراف الموصولين نسبا بالنبي الكريم ، وأهل بيته ، وهم يسكنون بلاد العرب في الحجاز ومصر وغيرها من حواضر العرب لا يعرفون مثل هذه المذاهب المنحرفة ، وكانوا أولى الناس بذلك ، لأنهم نسب النبي وذريته وبقية أهل بيته ، فكيف انحصرت مثل هذه الدعوات في بلاد الأعاجم نشأة ومسارا وتاريخا وتأثيرا في بعض "الجيوب" العربية ، كان هذا هو مدار الخطبة ، والحقيقة أن مثل تلك الخطبة لا يعرف مقدماتها ولا خلفياتها إلا من عايش وتابع ما سبقها من أحداث ووقائع ، لعل أخطرها ما أعلنه نائب شيعي بحريني موالي لإيران تحت قبة البرلمان قبل أسابيع من تكفيره لأئمة وخطباء الحرمين الشريفين في السعودية ، بدعوى أنهم "نواصب" ، أي يناصبون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالعداوة والبغضاء ، وأنهم لا يحبون العترة الطاهرة ، وهو لون من ألوان التكفير الديني المتطرف ، ورفض النائب الاعتذار عما قاله ، رغم أنه ـ فوق أنه تطرف تكفيري ـ محض كذب واختلاق ، يعرف هو نفسه قبل غيره أنه كذب ، لأن كتب أهل السنة في أرجاء الأرض تحمل الحب والولاء لآل بيت النبي ، وهو أمر لا يتصور أحد خلافه أصلا عند أحد من المسلمين ، لا من أهل السنة ولا من غيرهم ، ممن ينتسبون إلى الإسلام ابتداءا ، ولكنه نوع من تكفير المختلف معه في المذهب ، يغلفه بحكاية عداوة أهل بيت النبي ، ولعل هذا ما عناه فضيلة الشيخ آل طالب بالمتاجرة بحب آل البيت ، كما أنني عشت قرابة عشرة أيام الفترة الماضية بين الحرم النبوي في المدينة والحرم المكي ، وكنت في غاية الضيق من سلوك المجموعات الإيرانية في الصلاة وفي المسجد ، من تعمد لمخالفة جموع المسلمين في الصلاة ، حيث يمثلون وضع الصلاة في جماعة خلف الإمام بينما هم يتهامسون ويتحدثون ويتعمدون مخالفة الإمام ، فيسجدون حين يقوم ويركعون حين يسجد وغير ذلك من سلوكيات عجيبة لاحظتها ، ثم يصلون بعده ، خلاف السلوكيات غير المقبولة التي تتم عند قبري الراشدين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما ، وبدون شك فإن هذه السلوكيات الجمعية لا يمكن أن تصدر إلا عن توجيهات دينية رسمية تعبر عن منتهى التطرف الإيراني في التعامل مع الخلاف المذهبي .gamal@almesryoon.com
صفحة من ليل الفساد في مصر
جمال سلطان : بتاريخ 10 - 8 - 2007
هذه صفحة جديدة من صفحات ليل الفساد الطويل في مصر نستعيد بها محنة حزب العمل وجريدة الشعب ، التي تآمر عليهما الجميع ، حيث قامت صحيفة الشعب بأكبر حملة ضد الفساد في مصر ، من خلال حملتها على الفساد في وزارة الزراعة في عهد وزيرها القوي يوسف والي ، وكان الأمين العام للحزب الوطني يومها والرجل الثاني بعد الرئيس مبارك نفسه ، والجميع في مصر يتقون بأسه ولا يجرؤ أحد على أن ينظر إليه ، فقط هي تلك الكتيبة الجسورة التي كانت تدير جريدة الشعب ، وحولتها إلى أهم منبر مصري لمواجهة الفساد ، أطلق الراحل الكبير عادل حسين شرارة المواجهة مع فساد يوسف والي وأوكار وزارة الزراعة ، وقدم مجدي أحمد حسين رئيس التحرير وصلاح بديوي أروع حملة في تاريخ الصحافة المصرية ضد الفساد ، كانت تكفي لإسقاط حكومة بكاملها ، وكانت الحملة مدعمة بالوثائق الرسمية التي تنشر صورها مع كل عدد ، واستمرت الحملة عدة أشهر ، وكانت وقائع الفساد من النوع الذي يسمى "عيني عينك" ، كما كانت آثارها مروعة في أجساد المصريين من خلال المبيدات المسرطنة التي تم استيرادها على علم وخراب ذمم أدت إلى تكدس المستشفيات في مصر من مئات الآلاف الذين دمرت أكبادهم أو كلاهم أو أصيبوا بالسرطانات المتنوعة ، وعجز يوسف والي عن الرد واختفى وأرسل وساطات وجاهدوا لعمل تسويات لوقف الحملة ، دون أن تلين قناة كتيبة مجاهدي الشعب ، هددوا بإغلاق الجريدة ، فلم ينفع ، هددوهم بالسجن فلم يتوقفوا ، فما الذي حدث ، قام خفافيش الظلام بترتيب تقديم الدكتور يوسف والي دعوى سب وقذف ضد كتيبة الشعب ، مع إحالة تلك القضية تحديدا ، وفق ترتيبات خاصة ، إلى دائرة يرأسها أحد القضاة المشهور عنهم علاقاتهم الخاصة بيوسف والي ، وهو المستشار عادل عبد السلام جمعة ، والذي أصدر حكما بسجن مجدي حسين وصلاح بديوي سنتين بتهمة إهانة وزير الزراعة ، ثم صدر قرار إغلاق الشعب لإسكات صوتها نهائيا ، وهي التطورات التي لم يتحملها المصري النبيل عادل حسين فمات كمدا وقهرا بعد انفجار الدم في رأسه ، ويشاء ربك بعد ذلك أن يختلف اللصوص ، وتدور الدائرة ، فيتم تقديم أركان وكر الفساد في مكتب يوسف والي إلى المحاكمة التي قضت بسجنهم ، وكانت المفارقة أن وثائق الإدانة هي ذاتها الوثائق التي نشرتها جريدة الشعب ، وهي نفسها التي سجنوا بسبب المجاهدين مجدي حسين وصلاح بديوي ، بينما خرج يوسف والي من القضية وفق صفقة تنتهي بخروجه من الوزارة والحزب بهدوء مع إغلاق كل الملفات ، المهم بعد ذلك أن أحد أضلاع وكر الفساد في وزارة الزراعة تقدم فجأة هذه الأيام ببلاغ إلى النائب العام ، سأكتفي لكم بنص مذكرته التي قدمها محاميه ، يقول : (أتشرف بأن أتقدم لسيادتكم بصفتي وكيلا عن المحكوم ضده أحمد عبد الفتاح سيد إسماعيل في الجناية رقم 3982 لسنة 2004 والذي يقضي عقوبة السجن المشدد عشر سنوات وهو المستشار السابق بهيئة قضايا الدولة والمستشار السابق لوزير الزراعة والرئيس السابق للهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية ، ببلاغ صريح واتهام بارتكاب للجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات "الرشوة" لكل من اللواء هتلر طنطاوي رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق والمستشار عادل عبد السلام جمعة رئيس الدائرة الرابعة جنايات القاهرة لقيامهما بارتكاب أفعال لو صحت لاعتبرت جرائم جنائية تخضع للعديد من مواد قانون العقوبات ، خاصة جريمة الراشي والمرتشي وجرائم أخرى ، كتهديد موظف عام من أصحاب السلطة والنفوذ لقاضي وموظف عام ، وخضوع القاضي للتهديد بإصداره أحكاما على هوى الموظف العام صاحب السلطة والنفوذ ، وجريمة تربح قاضي من عمله واستغلال منصب القضاء لإصدار أحكام على هوى السلطة ضد مواطنين أبرياء ، واستفادة هذا القاضي من موقعه بالقضاء لتلبية طلبات السلطة السياسية بإصدار أحكام ضد حزب سياسي وصحيفته بما يؤدي لإغلاقهما استنادا بالغش والتدليس إلى نص قانوني حكم بعدم دستوريته للقضاء على حزب العمل وجريدة الشعب والزج في السجون بإصداره أحكاما مدفوعة الأجر بالرشوة ضد نفر من الصحفيين لحساب بعض أصحاب السلطة والنفوذ مثل مجدي أحمد حسين وآخرين ) انتهى النقل الحرفي ، وفي تفاصيل البلاغ ذكر أحمد عبد الفتاح تفاصيل تهديد هتلر طنطاوي له بفضح علاقته كمستشار لوزير الزراعة بالمستشار عادل عبد السلام جمعه رئيس المحكمة وهي العلاقة التي رصدتها الرقابة الإدارية فاضطر رئيس المحكمة إلى دفع تسعين ألف جنيه لطنطاوي من أجل إسكاته ، وتفاصيل أخرى عديدة ، تبقى الإشارة إلى أن أحمد عبد الفتاح ناشد النائب العام حمايته وحماية أولاده لأنه تعرض للتهديد بالتصفية الجسدية داخل سجنه وتدمير أولاده إذا تكلم ، كما طالب بسرعة التحفظ على المستندات وأن تتم التحقيقات تحت الإشراف المباشر من النائب العام نظرا لخطورة المعلومات التي سيتكلم بها ..... اقلب الصفحة يا مواطن !!gamal@almesryoon.com
خبرات المستشار عادل عبد السلام جمعة
جمال سلطان : بتاريخ 11 - 8 - 2007
نعم ، كان تساؤل بعض القراء في تعليقاتهم على مقال الأمس في موضعها ، فيما يخص المستشار عادل عبد السلام جمعة ، رئيس المحكمة التي قضت بسجن مجدي أحمد حسين وصلاح بديوي سنتين كاملتين ، بعد معركتهم الرائعة في كشف فساد يوسف والي وزير الزراعة والأمين العام للحزب الحاكم سابقا وفضح أوكار الجريمة في مكتبه ، وهي الأوكار التي أدانها القضاء بعد ذلك وتم سجن معظم أفرادها ، وهو نفسه عادل جمعة القاضي الذي اتهمه مستشار يوسف والي في بلاغه للنائب العام هذا الأسبوع بأنه تقاضى رشاوى من أجل إصدار أحكام بحبس صحفيي الشعب وإغلاق الصحيفة وأنه عندما هدده رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق هتلر طنطاوي بفضح علاقاته المالية بيوسف والي ، والتي سجلتها الرقابة صوت وصورة ، أتى بحقيبة بها تسعون ألف جنيه وسلمها لأحمد عبد الفتاح مستشار الوزير من أجل أن يعطيها لطنطاوي لمنعه من تنفيذ تهديداته بكشف المستور في علاقة القاضي والوزير الذي هو أمين عام الحزب الحاكم ، نعم ظنون القراء في محلها ، فالقاضي هو هو نفسه عادل عبد السلام جمعة الذي قضى بسجن الدكتور سعد الدين إبراهيم ، بعد إدانته بالتجسس لصالح أمريكا وتقاضي أموال من الخارج ، في قضية يصعب أن تحكم فيها على مواطن بالحبس يوما واحدا أصلا ، وأثارت استغراب واستهجان كل الدوائر القانونية في الخارج والداخل ، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الدكتور سعد ، وهو نفسه القاضي الذي حكم بسجن الدكتور أيمن نور المعارض الليبرالي المزعج ورئيس حزب الغد ، وهو نفسه القاضي الذي حكم بحبس أحمد عز الدين الكاتب الصحفي القومي على الرغم من حرج الحكومة في تنفيذ هذا الحكم حتى الآن ، وهو نفسه القاضي الذي حكم بسجن صحفيي جريدة المصري اليوم وأيضا لم تنفذ الحكومة الحكم وأبقته سيفا على الرقاب ، وهو نفسه القاضي الذي صادر أموال رجال الأعمال من الإخوان المسلمين ، فالملاحظ أن مسار أحكام المستشار جمعة يمثل خطا واحدا ومثيرا للدهشة بالفعل ، إذ أنه من المستغرب أن تكون كل هذه القضايا التي أزعجت السلطة وحزبها الحاكم وأرادت فيها التنكيل بالمعارضة وأصحاب الأقلام الشريفة محالة إلى هذا القاضي تحديدا ـ دون غيره ـ وكأنه تخصص ، رغم أن المستشار عادل جمعة كان قاضي مدني بالأساس ثم حولوه فجأة إلى جنايات في نفس توقيت بلاغ والي ضد جريدة الشعب ، وهذا يعني أن المستشار عادل عبد السلام جمعة اكتشفت فيه الحكومة مهارات خاصة لا تتوفر في القطاع العريض من القضاة المصريين ، أو أن له خبرات خاصة تجعله أقدر على تفهم مثل هذه القضايا الشائكة ، وبالتالي الحكم فيها بما يردع المغرضين ويعيدهم إلى جادة الصواب ، ورغم أن المؤسسات الحقوقية الدولية والمنظمات الحقوقية المحلية استنكرت بشدة مثل هذه الأحكام ووصفتها بالمسيسة بمعنى أنها صدرت بناء على توجيهات سياسية من أصحاب النفوذ والسلطة في البلد ، وأن هذه الأحكام مهينة لسمعة القضاء المصري ومسقطة لهيبته ، إلا أن موقف الحكومة والرئيس مبارك كان (مشرفا) إذ رفضوا هذه الاتهامات ، واستنكروا تشهير الأمريكان والأوربيين الحاقدين بأحكام حبس الصحفيين والمعارضين والشرفاء على خلفية خصوماتهم السياسية مع السلطة ، ودافعوا بحرارة عن أحكام المستشار عادل عبد السلام جمعة ، باعتباره يمثل القضاء المصري النزيه والمستقل حسب التصريحات الرسمية التي تكررت كثيرا خلال السنوات الماضية ، وأنا لا أفهم بعد كل هذه التأكيدات الرسمية من أعلى هرم السلطة كيف يشكك المشككون والحاقدون في الداخل أو الخارج في نزاهة الأحكام القضائية السياسية في بلادنا .Gamal@almesryoon.com
No comments:
Post a Comment