Wednesday, August 15, 2007

أزمـــة الشـــــفافية

فصـل في أزمـــة الشـــــفافية بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

حين تغيب الشفافية‏,‏ فإن الكتابة عن الحاضر والمستقبل تفقد مصداقيتها‏.‏ والأخطر من ذلك أننا نصبح في وضع لا نحسد عليه‏,‏ لا يساعدنا علي أن نحسن قراءة الاثنين‏.‏ فتتراجع ثقتنا في الحاضر‏,‏ ويتضاعف قلقنا علي المستقبل‏.‏‏(1)‏أعني بالشفافية المرجوة مدلولها الاصطلاحي وليس اللغوي‏,‏ إذ الكلمة بمفهومها المعاصر جديدة علي خطابنا السياسي والأدبي‏,‏ ولم يعتمدها مجمع اللغة العربية إلا منذ سنتين‏.‏ ذلك ان الشفافية في أصلها اللغوي كانت تستخدم في وصف الثوب الذي اذا شف فإنه يستر ولا يستر‏,‏ لكن الكلمة أصبح لها مفهوم آخر‏,‏ بعدما شاع استخدامها في الخطاب الغربي للتعبير عن حق الناس في معرفة حقيقة ما يجري في بلادهم دون اخفاء أو التواء‏.‏ وحين استخدمت الشفافية في ذلك السياق‏,‏ فقد قصد بها كشف الأوراق وتعرية الحقائق كلها‏,‏ وبالتالي فإنها انفصلت عن أصلها اللغوي الذي بمقتضاه لا تعري الحقيقة لكن الابانة في ظله تصبح محدودة‏.‏تكشف هذه الخلفية بعضا من جوانب المفارقة في تعاملنا مع الأحداث‏,‏ فنحن حين نتحدث عن الشفافية فإننا نوحي للرأي العام بأننا نتعامل مع المدلول الاصطلاحي للكلمة‏,‏ بمعني أننا نعلن كل شيء ولا نخفي شيئا‏,‏ إلا أن واقع الحال يدل علي أننا في الممارسة نتعامل مع المصطلح بمفهومه الاصلي في اللغة‏,‏ حيث نستر ولا نستر‏,‏ ومن ثم نخاطب الناس بالحقيقة مبتسرة وليست كاملة‏.‏في ظل ثورة الاتصال التي اضعفت من قدرة الانظمة علي التحكم في المعلومات وفي أجواء حرية التعبير النسبية المتاحة في مصر الآن‏,‏ التي مكنت الإعلام المستقل والمعارض من تسليط الضوء علي ما هو مسكوت عليه من جانب الإعلام الرسمي وإن أتاح ذلك للناس أن يروا الوقائع والأحداث من زوايا اخري‏,‏ وأن يتعرفوا علي المعلومات غير المذكورة فإن التفاوت أو التضارب في المعلومات من شأنه أن يشيع البلبلة ويفتح الأبواب أمام درجات متفاوتة من الحيرة والالتباس‏.‏لا غرابة والأمر كذلك في أن يكشف استطلاع الرأي الذي اجري في مصر ودول اخري‏,‏ عن أن المصريين من أكثر شعوب العالم سخطا علي حكومتهم بعد الفلسطينيين‏.‏ وكانت مؤسسة بيو بول الأمريكية الشهيرة قد أجرت ذلك الاستطلاع في‏47‏ دولة بينها مصر‏,‏ وأعلنت نتائجه في‏7/25‏ الماضي‏,‏ وتبين من تلك النتائج أن‏12%‏ فقط من المصريين راضون عن أداء حكومتهم‏.‏ وفي الاجابة علي سوآل آخر يتعلق بالاطمئنان إلي المستقبل فإن أعلي نسبة للقلق علي المستقبل‏44%‏ كانت في فلسطين والكويت وجاءت مصر في المرتبة التالية‏,‏ حيث وصلت نسبة القلقين علي مستقبل أولادهم فيها إلي‏43%.‏‏(2)‏يوم‏8/9‏ الحالي نشرت الأهرام خبرا علي صفحة الحوادث كان عنوانه كالتالي‏:‏ حبس‏7‏ متهمين بتهمة الاعتداء علي الشرطة‏.‏ وتحت العنوان قصة خلاصتها أن النيابة تجري تحقيقا في الأحداث المؤسفة التي وقعت بحي العمرانية محافظة الجيزة‏,‏ جراء اشتباك بين عائلتين تدخلت الشرطة لفضه واحتوائه‏,‏ وأثناء ذلك حاول أحد الملاحقين الهرب من مسكنه عن طريق القفز إلي شرفة أخري‏,‏ فسقط علي الأرض ولقي مصرعه‏.‏ لكن أهله تقدموا ببلاغ اتهموا فيه الشرطة بقتله اسمه ناصر صديق سباك‏,‏ وقد أمرت النيابة بحبس سبعة أشخاص علي ذمة استكمال التحقيق معهم في عدة تهم هي‏:‏ إصابة أفراد الشرطة والاعتداء علي موظفين عموميين‏,‏ واحداث مشاجرات وشغب بالطريق العام‏.‏في اليوم ذاته خرجت صحيفتا الدستور‏,‏ والمصري اليوم المستقلتان برواية مختلفة تماما للخبر‏,‏ خلاصتها أن مجموعة من رجال الشرطة في قسم العمرانية اقتحموا منزل القتيل بعد تحطيم بابه‏,‏ لتأديبه بسبب تقديمه بلاغا ضد أحد زملائهم اتهمه فيه بالاستيلاء علي مبلغ كان معه‏,‏ وهاتفه المحمول‏,‏ وهو ما أدي إلي احتجازه لمدة أربعة أيام للتحقيق معه في التهمة‏,‏ وقد أثار ذلك زملاء أمين الشرطة المحتجز‏,‏ فقاموا بحملتهم علي بيته قبل الفجر‏,‏ وبعد اقتحام بيته انهالوا عليه بالضرب ثم حملوه وألقوا به من نافذة بيته في الطابق الثالث فلقي مصرعه‏.‏حين يطالع القارئ القصتين من يصدق ومن يلوم ومع من يتعاطف‏,‏ مع الشرطة التي تعرضت للاعتداء من الاهالي‏,‏ أم مع القتيل وأسرته الذين تعرضوا لعدوان الشرطة؟ ثم ألا يعذر الناس في هذه الحالة إذا حيرتهم البلبلة وفقدوا الثقة فيما يتلقونه من أخبار وتقارير؟لغز بيع بنك القاهرة نموذج آخر‏.‏ ففي عام‏2005‏ أعلن عن دمجه مع بنك مصر وتوالت التصريحات الرسمية وقتذاك التي ركزت علي أن الهدف من ذلك هو اخراجه من أزمته المالية وتمكين البنكين بعد الدمج من ان يشكلا وحدة اقتصادية قوية قادرة علي منافسة البنوك الأجنبية‏.‏ وبعد الدمج بعدة أشهر أعلن أن بنك القاهرة لن يذوب في بنك مصر لكنه سيظل محتفظا بشخصيته الاعتبارية فيما يصفه المصرفيون بأنه استحواذ عليه وليس اندماجا كاملا فيه‏.‏ ومرت بعد ذلك أشهر عدة لنفاجأ بقرار بيع‏80%‏ من أسهم البنك إلي من قيل إنه مستثمر استراتيجي‏.‏ ليس هناك شك في أنه سيكون أجنبيا‏.‏ملابسات البيع أقلقت الجميع وأدهشتهم‏,‏ فلم نفهم لماذا كانت قرارات الدمج ثم الاستحواذ إذا كانت النية متجهة إلي البيع الذي بدا وكأنه قفزة مفاجئة لم تكن في الحسبان‏,‏ ولم نفهم لماذا البيع لمستثمر أجنبي‏,‏ في حين انه كان يمكن طرح‏75%‏ من أسهمه للاكتتاب العام‏,‏ بحيث يشتريه المصريون الذين هم أولي به‏,‏ ولم نقتنع بما قيل بأن تعثر البنك سببه سوء الإدارة‏,‏ لأن كل البنوك الأجنبية الموجودة في مصر الآن يديرها مصريون‏.‏ ولم نصدق أن المستثمر الأجنبي يمكن أن يوظف ايداعات المصريين ومدخراتهم لدي البنك في أي من مشروعات التنمية في البلد‏.‏ إذ من الطبيعي أن ينشغل بتحقيق الارباح من خلال توجيه المدخرات إلي ما هو استهلاكي وسريع العائد‏.‏تتضاعف البلبلة‏.‏ وينضاف إليها الحسرة والحزن‏,‏ حين نجد أن البنوك تحقق أرباحا عالية بشكل ملحوظ‏,‏ وما تحصله البنوك الأجنبية علي ذلك الصعيد من أموال المصريين‏,‏ لن يستفيد منه البلد‏.‏ وإنما تحول عوائده كلها إلي الخارج‏,‏ وقارئ الصحف هذه الأيام سوف يفاجأ بأنه خلال الأشهر الستة الأولي من العام الحالي حقق البنك التجاري الدولي‏(CIB))‏ ربحا قدره‏600‏ مليون جنيه‏,‏ أما بنك‏(HSBC))‏ فقد وصلت أرباحه إلي‏460‏ مليون جنيه‏,‏ وبنك سوستيه جنرال أرباحا بقيمة‏360‏ مليون جنيه‏,‏ ولن يبقي شيء من هذه الارباح في مصر لكنها ستحول لحساب المساهمين في نيويورك ولندن وباريس‏.‏‏(3)‏أينما توجهت ستجد اسبابا للبلبلة والحيرة‏,‏ فأزمة مياه الشرب وصلت إلي حد يصعب تصديقه أو تفسيره‏.‏ ومازلت غير قادر علي استيعاب العناوين التي تتردد في الصحف عن ثورة العطشانين‏,‏ وحرب المياه‏,‏ وضحايا المياه الملوثة‏.‏ كما أنني لم أفهم لماذا سكتنا طويلا ثم أصبحنا نتحدث الآن عن خطط لتوصيل المياه النقية إلي بقية محافظات مصر‏,‏ وخطط أخري لتجديد شبكات المياه في محافظات أخري‏.‏إن الناس لم يعرفوا ما هو الحجم الحقيقي للمشكلة في مصر‏,‏ وهل هي أزمة مفتعلة كما يقول البعض‏,‏ أم أنها أزمة حقيقية‏,‏ كما أننا لم نفهم سبب المشكلة‏,‏ وهل هو نقص في المياه أم أنه راجع إلي تلف شبكات التوصيل جراء انعدام الصيانة‏,‏ وتجاوز تلك الشبكات لعمرها الافتراضي‏.‏ باختصار فإنه ببعض الشفافية أعني لو أننا تصارحنا في التعرف علي حجم المشكلة وتحديد اسبابها‏,‏ ولو أن الناس أبلغوا بأن ثمة اهمالا في الصيانة ووجدوا أن هناك جدية في تحرير المشكلة وحساب المسئولين عن أي تراخ في علاجها‏,‏ لو حدث ذلك‏,‏ فإن الناس سوف يستريحون وسيكونون عونا للحكومة وليس مصدر ا للسخط عليها‏.‏قل مثل ذلك في أمور أخري كثيرة مثيرة للغط والحيرة‏.‏ في مشكلات الغلاء التي يكتوي الناس بنارها كل يوم من غلاء الغذاء إلي غلاء الدواء إلي الجدل المثار حول مخزون القمح‏,‏ ومصير رغيف الخبز إلي شائعات خصخصة المياه والكهرباء وصولا إلي الملفات الأخري المختزنة في الذاكرة التي لن ينسي الناس منها مأساة الذين احترقوا في القطارات المتهالكة‏,‏ ولا قصة العبارة التي راح ضحيتها أكثر من ألف مواطن مصري‏,‏ ومع ذلك لم يحاسب عنها أحد حتي الآن‏,‏ لاجنائيا ولا سياسيا‏.‏‏(4)‏خلال الأسبوع الماضي كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي هدفا للمساءلة من جانب السياسيين والإعلاميين طوال الوقت‏.‏ إذ قدم إلي محكمة الرأي العام في قضيتين‏:‏ الأولي تتعلق بالدور الذي قامت به فرنسا‏,‏ والثمن الذي دفعته لقاء الافراج عن الممرضات البلغاريات اللائي كن محتجزات في ليبيا‏,‏ وحكم عليهن بالاعدام بتهمة نقل فيروس الايدز إلي‏400‏ طفل ليبي‏,‏ والثانية تتعلق بملابسات عطلته التي يقضيها مع أسرته في منتجع لأصحاب المليارات في الولايات المتحدة‏.‏ولكي يوقف اللغط ويزيل الالتباس فإنه قطع اجازته وظهر علي شاشة التليفزيون الفرنسي‏,‏ وبدد الشكوك التي أثيرت حول التزامات بلده في قضية الممرضات‏,‏ وفي المسألة الثانية شرح للفرنسيين أنه دعي وعائلته إلي تمضية العطلة من جانب عائلتين من اصدقائه‏,‏ إحداهما أسرة فرنسية خالصة‏,‏ والثانية فرنسية ـ أمريكية‏,‏ والعائلتان لا علاقة لهما بالدولة الفرنسية‏.‏ وقصد بهذه الاشارة الأخيرة أن يقطع الطريق علي التساؤلات التي اثيرت حول المقابل الذي قد يكون علي ساركوزي دفعه للوفاء بدينه‏,‏ وهل سيكون من مصالح الدولة الفرنسية أم لا‏.‏كما فهم من كلام ساركوزي أن العائلة الفرنسية الأمريكية هي التي استأجرت له ولأسرته المقر الذي يقيمون فيه‏,‏ ويضم‏20‏ غرفة و‏11‏حماما وأجرته‏22‏ ألف يورو في الأسبوع‏.‏وكان الحزب الاشتراكي المعارض قد أعلن أنه من حق الشعب الفرنسي في جمهورية شفافة أن يعرف من هو المحسن الكبير الذي تحمل نفقات دعوة ساركوزي وكيف سيرد له الرئيس الفرنسي الجميل‏.‏ وقال أحد نواب الحزب في الجمعية الوطنية إن راتب ساركوزي‏6000‏ يورو في الشهر وأن قيمة تذاكر سفره وعودته هو وزوجته وآخر ابنائه تصل إلي‏45‏ ألف يورو وإذا اضيفت إليها كلفة الاقامة والايجار فإن نفقات الرحلة تفوق بكثير الدخل المتاح له‏,‏ الأمر الذي يعني أن آخرين تحملوا تلك النفقات‏.‏ وهو ما لا يجوز له كرئيس للدولة‏.‏ حيث لا يسمح له بتلقي هدايا شخصية أو أن يكون مدينا لمصالح خاصة‏.‏لك أن تتصور حجم ثقة الناس في نظامهم وحكومتهم‏,‏ حيث توضح لهم أمثال تلك المسائل الدقيقة أولا بأول‏.‏ الأمر الذي لا يستغرب معه أن ترتفع نسبة رضا الفرنسيين علي الحكومة من‏52%‏ قبل شهرين إلي‏69%‏ الآن‏.‏ ولم يكن في الأمر سر أو سحر‏.‏ فحين شفت الحكومة استراح الناس ورضوا‏.‏

«عبرة المناصحة» في السعودية والمراجعات في مصر
فهمي هويدي
يستحق الاهتمام والدراسة برنامج «المناصحة» السعودي، الذي خضع له الموقوفون على ذمة الارتباط بأفكار تنظيم القاعدة واستهدف تصحيح أفكارهم وتطبيع علاقاتهم مع المجتمع، الذي خاصموه واتهموه وانقلبوا عليه. لذلك لم أستغرب ما قرأته في «الشرق الأوسط» (في 8/8) عن متابعة احدى اللجان الدولية للتجربة، وسعيها للحصول على معلومات وافية عن البرنامج الذي أعدته السلطات السعودية في هذا الصدد، للإفادة منه في الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الإرهاب. وحسب الكلام المنشور فإن المملكة تلقت رسالة بهذا المعنى من منسق فريق الرصد التابع للجنة العقوبات التي شكلها مجلس الأمن، ريتشارد باريت، وهي المنوط بها جمع المعلومات من الدول المختلفة للوقوف على خبراتها في التصدي لما يسمى بالفكر القاعدي.
فيما نشر أيضا إشارة إلى أن البرنامج ترعاه وزارة الداخلية السعودية، التي أنفقت على تنفيذه قرابة عشرة ملايين ريال، في حين أنفقت على الموقوفين الذين أطلق سراحهم (عددهم 700 شخص) حوالي 76 مليون ريال، وليست هناك تفصيلات مذكورة عن البرنامج، باستثناء أن أربع لجان فرعية تتولى تنفيذه، واحدة علمية، وأخرى نفسية اجتماعية، وثالثة أمنية، والرابعة إعلامية. أما العناصر المشاركة في التنفيذ فتضم 160 عضوا من المختصين بالعلوم الشرعية، و40 من المختصين بعلم النفس والاجتماع. وهؤلاء يتولون دراسة كل حالة، للتعرف على أفكار الشخص وقناعاته، ثم على ظروفه الاجتماعية والنفسية، والأسباب التي دفعته الى تبني الفكر القاعدي. وفي ضوء هذه المعلومات يتعاملون مع الحالة بما يساعد الشخص على تصحيح أفكاره وتصويب علاقته بالمجتمع. ويفهم قارئ التقرير المنشور في هذا الصدد أن برنامج المناصحة يخضع لعملية تطوير مستمرة، في ضوء النتائج التي يحققها أولاً بأول.
لا أستطيع أن أرصد على وجه الدقة الفرق بين برنامج المناصحة السعودي، وفكرة «المراجعات» التي ظهرت في مصر خلال السنتين الأخيرتين، وهي التي استهدفت تصحيح أفكار حركتي الجماعة الإسلامية والجهاد، اللتين قامتا بعمليات العنف والارهاب في مصر في الثمانينات وأوائل التسعينات، إذ رغم أن الهدف واحد وهو تصحيح الأفكار، ألا أن عملية التصحيح في التجربة السعودية قام بها الخبراء الذين عينتهم الدولة، في حين أنها في التجربة المصرية تمت بواسطة الموقوفين أنفسهم الذين راجعوا أفكارهم وفندوها، ثم عدلوا عن أهمها، وأثبتوا ذلك العدول في عدة رسائل تم طبعها وتوزيعها. وليس لوزارة الداخلية دور ظاهر في العملية، لكن الثابت أنها كانت تتابع هذه الحوارات عن كثب، وأنها شجعتها ويسرت للراغبين في المراجعات ما احتاجوه من كتب ومصادر، كما يسرت لهم التجول في السجون المختلفة لمناقشة قيادات وقواعد الحركتين الذين توزعوا عليها.
صحيح أن ثمة خلافاً بين فكر القاعدة والفكر الجهادي في مصر، الا أن هذا الخلاف في الدرجة وليس في النوع، فالأول في صيغته الأخيرة يعتبر العمليات الانتحارية نهجا في العنف، كما أن اشتباكه ليس مع الأوضاع القائمة داخل البلد فحسب، ولكنه ممتد الى «الصليبيين والصهاينة»، كأنه مشتبك مع الغرب كله. ولكن الفكر الجهادي المصري تعامل مع العمليات الانتحارية كاستثناء وليس قاعدة، كما أنه حصر معركته ضد الاوضاع القائمة داخل البلد، ولم يعرف أنه وسعها إلى الحدود التي ذهب اليها فكر القاعدة. ففضلاً عن ذلك فبوسعنا ان نرصد نضوجاً فكرياً لدى عناصر «الجهاديين» اكبر منه وأرسخ عن «القاعديين». وذلك يقودنا الى ملاحظة أخرى هي أن المراجعات بين الجهاديين المصريين تمت على مستوى القيادات المؤسسة، في حين أن المناصحة التي تمت في التجربة السعودية حققت مرادها على مستوى القواعد، وهو ما يعني ان الشوط لا يزال طويلاً أمام الجهد السعودي لإنجاز التصويب المطلوب.
برغم هذا التباين، فإننا نلاحظ على الجانب الآخر أن تفكير أجهزة الداخلية والأمن المعلن في السعودية والمبطن في مصر اتجه الى التعامل مع الافكار، ولم يكتف بالأساليب الأمنية المعتادة (التوقيف والمحاكمة). وذلك توجه محمود لا ريب. نلاحظ ايضاً ان جهد التجربة السعودية تجاوز تصحيح الأفكار إلى التعامل مع الاوضاع الاجتماعية للموقوفين، انطلاقاً من أن الاقتناع بالصلة الوثيقة في بعض الاحيان بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية (البطالة والعجز عن تكوين أسرة والإنفاق عليها مثلا) وبين التحولات الفكرية، وهو مدى لم تذهب إليه الخبرة المصرية في هذا المجال. وان كنت قد سمعت معلومات غير مؤكدة عن دور لأجهزة الأمن في مساعدة بعض أسر المحكومين، أملا في أن يكون ذلك عاملاً مساعداً على تهدئة خواطرهم والحفاظ على توازنهم النفسي.
إن جاز لي أن أسجل ملاحظات أخرى على هذا النهج، مستفيدا في ذلك من خبرة ثلاثة عقود على الاقل في التعامل مع ذلك الملف الشائك، فانني أوجزها فيما يلي:
* إن قضية أمن كل مجتمع تتجاوز بكثير قدرة اجهزة الامن، وذلك لا يقلل من دور تلك الأجهزة بطبيعة الحال، وإنما المقصود ألا يترك شأن مكافحة التطرف والإرهاب لهذه الأجهزة وحدها. ذلك أن جهد المناصحة السعودي بخبرة المتخصصين في العلوم الشرعية وعلم النفس والاجتماع، وليس من شك أن الثقافة السائدة وسلوك السلطة في تعاملها مع المجتمع، لها دورها في إذكاء التطرف أو إضعافه ومحاصرته. من هذه الزاوية فإنه يتعين الانتباه إلى أهمية التعليم والإعلام في تكوين الشخصية وصياغة الادراك العام. كما أن النموذج الذي تقدمه السلطة في تعاملها مع المجتمع يربي الناس في هذا الاتجاه أو ذاك، فهناك نموذج يربي الناس على التسامح واحترام الآخر، وهناك نموذج آخر لا يخاطب الناس إلا بلغة المصادرة والقمع، ولكل نموذج غرسه وحصاده.
* ان مناصحة الموقوفين وتصويب أفكارهم انجاز مهم للغاية، ولكن المناصحة تظل مطلوبة لأولي الأمر ايضاً، لأن سلوكهم وسياساتهم لها دور في توجيه المجتمع وتشكيل منظومة القيم السائدة في المجتمع. وكما أسلفنا تواً، فإن انحيازهم إلى التسامح واحترام القانون ورعاية حقوق الإنسان يعلي من شأن هذه القيم بما يشيع بين الناس مختلف الخصال السياسية والاجتماعية الحميدة التي نصبو اليها، بقدر ما أن انحيازهم إلى التسلط وإهدار القانون وانتهاك حقوق الانسان يربي الناس على سلوك مناقض للأول تماماً.
* إن مخاطبة الموقوفين تحل جزءاً من الإشكال، من حيث انها تتعامل مع من عرفوا بانحراف أفكارهم أو اشتبه في أمرهم. إن شئت فقل انهم يمثلون الجزء الظاهر من جيل الأزمة، ولكن يتعين الانتباه الى أن الحركة تظل مطلوبة خارج هذه الدائرة، وأعني بذلك العناصر المجهولة المعبأة بمشاعر السخط والغضب، والمرشحة بقوة للالتحاق بأي تنظيم متطرف أو إرهابي. وهؤلاء المجهولون هم «الاحتياطي الاستراتيجي» لمشروعات التطرف والارهاب، الذي لا يمكن القضاء عليه إلا من خلال الجهد الموازي المبذول على صعيد الثقافة السائدة، والمتمثل في السلوك السياسي والمناخ العام يفرزه.
* اننا في التعامل مع التطرف والارهاب يجب ان ننطلق من تحليل امين للواقع للتعرف على محاضن ذلك الجنوح ونطاقه، وهذا الواقع يختلف باختلاف كل مجتمع، سواء في تركيبته التاريخية أو وضعه الجغرافي، أو ظروفه الثقافية والاقتصادية والسياسية، ولذلك يتعذر استنساخ تجارب مكافحة الجنوح الفكري، التي قد تحقق نجاحاً في بلد في حين تمنى بفشل ذريع في بلد آخر. يكفي في ذلك أن مفهوم التطرف ذاته يختلف من بلد الى آخر. فالانتظام في أداء الصلوات بالمساجد في بعض الأقطار العربية يوفر شبهة التطرف، كما أن الحجاب أو النقاب من قرائن التطرف في أقطار أخرى (تونس مثلا).
* إننا حين نتحدث عن التطرف فإن الأذهان تتجه مباشرة الى سلوك الأفراد والجماعات. وفي أغلب الحالات فإن الجميع ينسون أو يتجاهلون تطرف الأجهزة والأنظمة، الذي كثيراً ما يكون سبباً لتفجير طاقة السخط والغضب لدى بعض قطاعات المجتمع، ومن ثم يحدث رد فعل مواز من جنسه. واذكر أنني كتبت في أعقاب القصف الأمريكي العنيف لأفغانستان والعراق، أن نظامي طالبان وصدام حسين كانا متطرفين فعلاً بصورة أو أخرى، ولكن الذي فعلته بهما الولايات المتحدة لم يكن اعتدالاً بأي حال.
* إن ثمة انشغالاً بالتطرف والارهاب وهو أمر مفهوم ومبرر، بل انشغال ضروري، لكن الاكتفاء به ليس من الحكمة او الحصافة في شيء، لأنه يتعين الانتباه الى ان تيسير قنوات الاعتدال وفتحها على مصراعيها أمام الجميع، هو الجهاد الأكبر على ذلك الصعيد. ومن أسف ان التركيز على التطرف غيب هذه الحقيقة. وفي التجربة المصرية درس مهم في هذا السياق، ذلك ان عناصر الجهاديين الذين اطلق سراحهم بعد المراجعات عدلوا عن العنف حقاً، لكنهم لم يجدوا بعد خروجهم بديلا ينخرطون فيه، ويعرضون من خلاله حماسهم وطاقاتهم الراغبة في المشاركة في العمل العام. وأخشى ما أخشاه أن يجد بعضهم أن أبواب المشاركة السلمية مغلقة في وجوههم، بحيث تصبح العودة الى العنف هو المنهج الوحيد المتاح لهم.
إنني لا أمل من التذكير بمقولة فقهائنا الذين قالوا ان محاربة الحرام لا تتم بحظره والتحذير من مغبته، وانما يتم انجازها على نحو افضل بتيسير الحلال أمام الناس.

الاستخدام الســــياسي للمعونات الأجــــنبية‏!‏بقلم: صلاح الدين حافظ‏

(3)‏ أعرف أنني دخلت بإرادتي جحر الأفاعي‏,‏ حين بدأت قبل أسبوعين فتح ملف المعونات الأجنبية‏,‏ خصوصا الأمريكية لمصر‏,‏ بكل سلبياتها وإيجابياتها‏,‏ والاستفادة المتبادلة بين المانح والمتلقي‏!‏فما كتبته وما سأكتبه في هذا المكان لم ولن يرضي المانحين للمعونة‏,‏ ولا المتلقين لها‏,‏ لا تستريح له الدوائر الرسمية‏,‏ سواء في مصر أو في أمريكا‏,‏ ولا تقبله بعض منظمات المجتمع المدني المصري‏,‏ التي تمولها هذه المعونات‏,‏ أمريكية كانت أو أوروبية‏,‏ ولا يقبله الكونجرس الأمريكي الذي يوجه ويراقب ويعدل أوجه صرف المعونة‏,‏ بما يحقق أهداف أمريكا ويحمي مصالحها‏,‏ ولا الإعلام الأمريكي‏!‏وقد هطلت علي طوال الأيام الماضية رسائل واتصالات كثيرة‏,‏ تعليقا أو احتجاجا علي المقالين السابقين‏,‏ خصوصا مقال الأسبوع الماضي المعونة الأمريكية والتمييز بين المسلمين والمسيحيين‏,‏ قسم من هذه الرسائل يعترض علي سياسة هيئة المعونة في التمييز بين المسلمين والمسيحيين‏,‏ عند إنفاق المعونة داخل مصر‏,‏ وربما من وراء ظهر حكومتها‏,‏ باعتبار ذلك تدخلا من دولة أجنبية يثير شقاقا وصراعا بين أشقاء الوطن الواحد‏.‏بينما قسم آخر من الرسائل يري أن ما كتبناه وسجلنا حقائقه‏,‏ يسيء إلي المسيحيين المصريين‏,‏ ويحرض ضدهم ويوجه لهم اتهامات غير حقيقية بتلقي بعضهم المعونة الأمريكية بصفتهم الدينية‏!!‏وسنتجاوز عما ورد في بعض الرسائل الغاضبة المتعصبة بكل ألفاظها الهابطة‏,‏ ولغتها المتشنجة‏,‏ لنستمر في معالجة واحد من أهم الملفات الشائكة في الحياة المصرية المعاصرة‏,‏ ألا وهو الاستخدام السياسي للمعونة الأمريكية‏,‏ التي نري أن مصر استفادت منها قليلا‏,‏ بينما استفادت أمريكا كثيرا‏.‏ونبدأ بإعادة تأكيد النقاط المحورية التالية‏:‏‏(1)‏ الكل يعلم أن هناك مشكلات متكررة بين القاهرة وواشنطن بسبب المعونة الأمريكية‏,‏ تتجدد في كل عام تقريبا‏,‏ وتلتهب عادة بحملات التهديد بقطعها أو تخفيضها‏,‏ من جانب سياسيين وبرلمانيين وإعلاميين أمريكيين‏,‏ بحجة أن مصر لا تؤدي المهمة التي من أجلها تعطيها أمريكا المعونة السنوية‏,‏ العسكرية منها وتبلغ‏1.2‏ مليار دولار‏,‏ والاقتصادية التي انخفضت من‏800‏ مليون إلي نحو‏400‏ مليون هذا العام‏,‏ بما يمثل أقل من‏1%‏ فقط من إجمالي الناتج القومي المصري‏,‏ كما قالت الدكتورة فايزة أبو النجا وزيرة التعاون الدولي‏.‏‏(2)‏ نحن لم نتعمد إثارة مشكلة‏,‏ لأن المشكلة قائمة‏,‏ ولم نختلقها أو نتعمد أساسا التحريض ضد بعض أشقائنا المسيحيين‏,‏ الذين تختصهم هيئة المعونة الأمريكية بجزء كبير من إنفاقها‏,‏ تمييزا عن المسلمين‏,‏ مما نعتبره تحريضا علي الفتنة ضد الوحدة الوطنية‏,‏ وهذا هو الخط الأحمر القاني بالنسبة لنا‏.‏‏(3)‏ من يتشكك فيما ذكرناه من حقائق حول هذا الإنفاق التمييزي من جانب المعونة الأمريكية نحيله إلي الوثائق الرسمية الأمريكية التي اعتمدنا عليها‏,‏ ولدينا الوثيقتان الأصليتان‏,‏ ويمكن الحصول عليهما بنصوصهما الرسمية المقدمة للكونجرس من خلال الإنترنت علي موقع‏AmericainArabic.com,‏ الوثيقة الأولي هي نص تقرير أو شهادة قدمها للكونجرس جيمس كوندر نائب رئيس هيئة المعونة‏,‏ والوثيقة الثانية نص تقرير مكتب خدمة بحوث الكونجرس عن أهداف وأساليب إنفاق المعونة في دول الشرق الأوسط وبينها مصر‏,‏ وفي الوثيقتين حقائق وأرقام الإنفاق التمييزي علي بعض المسيحيين‏,‏ مع التوجه لزيادة هذا الإنفاق في العام الجديد‏.‏‏(4)‏ ومثلما ندين الآن هذا التمييز الطائفي في إنفاق المعونة الأمريكية سبق أن أدنا تدفق أموال وتبرعات من دول عربية وإسلامية لدعم جمعيات ومنظمات إسلامية مصرية فقط‏,‏ سواء ما سمي توظيف الأموال الإسلامية خارج رقابة الدولة‏,‏ أو ما تسرب من هذه الأموال لمنظمات وجماعات متشددة دينية مارست الإرهاب ضد المصريين مسلمين ومسيحيين‏!‏‏***‏المهم أن تركيزنا الآن ينصب علي التنبيه والتحذير من استغلال الأموال الأجنبية‏,‏ وفي مقدمتها المعونة الأمريكية‏,‏ لدفع مصر إلي إشعال الصراع الطائفي والديني‏,‏ علي النموذجين العراقي واللبناني‏,‏ وها هو السوداني يدخل علي الخط‏,‏ ونؤمن أن ما يجري علانية هو جزء من تنفيذ نظرية الفوضي الخلاقة الأمريكية‏,‏ فهل المطلوب أن نصمت أمام هذه الكارثة القادمة بسرعة أم نحذر وننذر‏.‏ولعل سؤالنا الرئيسي كان ولايزال أين دور الرقابة الحكومية المصرية علي إنفاق المعونات الأجنبية؟ ولماذا تقبل اختراق المجتمع وصولا للتمييز الطائفي والديني؟ وما هي طبيعة الشروط أو الضغوط التي تشل قبضتها عن وقف هذا التمييز الخطير؟ وإذا كانت أمريكا تقدم هذه المعونة بشروطها لتحقيق مصالحها وأهدافها‏,‏ فإلي أي مدي يتفق ذلك مع المصالح والأهداف الوطنية المصرية‏,‏ فضلا عن القومية؟ وإلي أي مدي تمارس حكومتنا الاستخدام السياسي للمعونة مثلما تمارسه الحكومة الأمريكية؟ أي تأخذ قدر ما تعطي‏!!‏من باب التذكير وتأكيد الاستخدام السياسي للمعونة الأمريكية نقول‏:‏ إن هذه المعونة لمصر بدأت فعليا بهبوط الداهية الأمريكي اليهودي هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق أرض مصر‏,‏ بعيد حرب أكتوبر‏1973‏ المجيدة‏,‏ في محاولة لاحتواء آثارها‏,‏ بمناوراته السياسية وإغراءاته المالية والاقتصادية‏.‏لكن المعونة السنوية تقررت بعد توقيع مصر وإسرائيل اتفاقية كامب ديفيد عام‏1978,‏ ثم معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية عام‏1979,‏ وجاءت المعونة لتكون ثمن السلام كما ذكرت الدوائر الأمريكية وقتها‏,‏ ولتشجيع مصر الدولة العربية المركزية علي نشر الاستقرار وترويج السلام في المنطقة‏,‏ ومحاربة النفوذ السوفيتي آنذاك‏,‏ ومقاومة جموح الدول العربية المتشددة مثل سوريا والعراق وليبيا وغيرها‏.‏والحقيقة أن مصر الرسمية‏,‏ في ظل الرئيس السادات‏,‏ بدأت بعد حرب أكتوبر‏1973‏ تحولات سياسية واقتصادية استراتيجية‏,‏ وجدت فيها السياسة الأمريكية توافقا مع أهدافها‏,‏ مثل طرد النفوذ السوفيتي من مصر قبل حرب أكتوبر مباشرة‏,‏ ثم القطيعة مع موسكو‏,‏ ثم مفاجأة زيارة السادات للقدس بعد الحرب‏,‏ وصولا لاتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل‏,‏ وأخيرا بدء سياسة الانفتاح الاقتصادي‏,‏ وكذلك الانفتاح السياسي النسبي بتشكيل الأحزاب عام‏1976.‏وقد كانت كلها توجهات سياسية عليا في مصر‏,‏ بتغيير بوصلتها الرئيسية من التحالف مع موسكو والمعسكر الاشتراكي‏,‏ إلي التوجه نحو واشنطن والتصالح مع المعسكر الأوروبي ـ الأمريكي‏,‏ وفيما بينهما التصالح مع إسرائيل‏,‏ وكلها متغيرات وجدت فيها أمريكا الهدية المفاجئة علي حد وصف كيسنجر نفسه‏,‏ فها هي مصر بكل ثقلها تأتينا بإرادتها‏,‏ فيجب مكافأتها‏,‏ مثلما يجب الاستفادة من دورها‏.‏‏***‏وللمرة الألف تخطئ السياسة الأمريكية في حساب المواقف وفي تقدير أدوار دول مهمة مثل مصر‏,‏ فقد تصورت أنها بالمعونة السنوية تستطيع توظيف مصر تماما في إطار استراتيجيتها الكونية‏,‏ خصوصا في الشرق الأوسط‏,‏ لكن مصر حاولت منذ الثمانينيات مع بدايات تولي الرئيس مبارك العودة إلي حالة من التوازن بين تحالفها الاستراتيجي مع أمريكا‏,‏ وارتباطها الأكثر استراتيجية ببيئتها العربية‏,‏ بين ما تريده منها واشنطن في العمل كشرطي يحفظ الأمن والاستقرار والمصالح الأمريكية ـ الإسرائيلية‏,‏ وما يريده الشعب والتاريخ والجغرافيا والانتماء‏,‏ في الانحياز لحل الصراعات الرئيسية‏,‏ خصوصا الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومسئوليتها عنه‏.‏وفيما بين التحالف الاستراتيجي مع أمريكا ومعوناتها وأهدافها‏,‏ والانتماء العربي وحماية الأمن القومي والمصالح الوطنية المصرية الأصيلة‏,‏ تتأرجح العلاقات بين القاهرة وواشنطن حتي الآن‏,‏ اختلافا واتفاقا‏,‏ ضغوطا وضغوطا مضادة‏,‏ ومن بين أهم أسلحة الضغوط تأتي المعونة الأمريكية السنوية‏,‏ والاستخدام السياسي لها‏,‏ بينما أهم أسلحة مصر يكمن في الرفض الشعبي العارم للسياسة الأمريكية وانحيازاتها وضغوطها ومعوناتها المشروطة‏,‏ وصولا للرفض الشعبي لبرامج الخصخصة والتحول الاقتصادي‏,‏ وكذلك الضغط الأمريكي لإجراء إصلاحات ديمقراطية مستوردة‏,‏ لمجرد أن هذه الضغوط تهب من الساحل الأمريكي‏,‏ ضمن صفقة الاستخدام السياسي‏!‏لكن أمريكا لم تفهم حتي الآن سيكولوجية هذا الشعب الهادئ الهادر معا‏,‏ الغامض المتمرد معا‏,‏ فقط هي تريد توظيف إمكاناته وقدراته في حماية المصالح الأمريكية‏,‏ من مسالمة إسرائيل‏,‏ إلي تطويع الفلسطينيين‏,‏ ومن مساندة أمريكا في حربها في العراق وأفغانستان والسودان‏,‏ إلي دعمها فيما تسميه حرب الإرهاب‏,‏ والتنسيق الأمني والمعلوماتي ضد ما تسميه التطرف الإسلامي‏,‏ وصولا لمجابهة إيران‏.‏وبينما تريد أمريكا من مصر تلك المهام الجسيمة‏,‏ فإنها تنخر بأدواتها وأموالها وعملائها في صميم المجتمع المصري لتقلبه رأسا علي عقب‏,‏ وتؤلب فئاته وتكويناته علي بعضها‏,‏ حتي تحقق علي الأرض نظرية الفوضي الخلاقة‏,‏ التي تريد تدمير مجتمع من أقدم المجتمعات الإنسانية وأشدها وحدة وتماسكا‏,‏ لكي يأتيها زاحفا علي بطنه‏!!‏الآن‏..‏ هل يكفي هذا في شرح وتفسير الاستخدام السياسي للمعونة الأمريكية لمصر‏,‏ أم أن الأمر يستدعي المزيد‏!!‏‏***‏‏**‏ خير الكلام‏:‏ قال البحتري‏:‏إذا محاسني اللاتي أدل بهاكانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر‏!‏






لرئيس والوزير
بقلم : إبراهيم عيسى بني وطني , أحلف لكم علي الصحف أن الرئيس مبارك لم تهتز شعرة في رأسه من حوادث تعذيب ضباط وزير داخليته للمواطنين في مصر , تلك القضايا التي تنهال حقائقها ومعلوماتها كل يوم بحيث لم يعد بني آدم في بلدنا لم يسمع عنها ولم يعرف بها وكل ما أرجوه ألا يخرج علينا المنافقون وراقصو التنورة والراقصون علي السلالم ويتوسلون للرئيس أن يتدخل وأن يحاسب الضباط , وحياة أبوكم بلاش هذه اللعبة السخيفة وحيلة النفاق البايخة التي لم تعد تخيل علي عيل في كي جي تو , الرئيس مبارك يعرف أن هناك عشرات الألوف في معتقلات سيادته وفي عصره الذي لا يجب أن ننسي أنه أزهي عصور الديمقراطية وكل يوم يوافق مبارك علي استمرار هذه الجريمة ضد الإنسانية والدين والأخلاق , جريمة رمي عشرات الألوف من شباب ورجال مصر في السجون والمعتقلات بلا محاكمات بل ومعظمهم حصل علي براءات وكثير جدا منهم أفرجت عنهم النيابات والمحاكم لكن جهاز أمن دولة الرئيس ونجله يرفضون الإفراج عنهم , تماما كما لا يفعل الرئيس أي شئ في مواجهات حوادث وقضايا التعذيب في السجون والأقسام , وأقسم بالله العظيم أنا مشفق علي الرئيس مبارك يوم القيامة حيث سيقف هؤلاء الألوف من المعتقلين وعائلاتهم وأهاليهم وأبنائهم وبناتهم يشهدون علي مبارك أمام الله ويسحبون من حسناته وسيشهد عليه لسانه أنه لم يأمر العادلي بالإفراج عنهم وتشهد عليه أصابع يده أنه وقع قرارات القبض عليهم واعتقالهم وستشهد عليه أذانه أنها سمعت عن التعذيب والمعتقلين ولم يفعل شيئا , هل أخوف حسني مبارك بالله , نعم أخوفه بالله سبحانه وتعالي فهل مبارك كبير علي تخويفه بالله !! لكن هل أتوقع أن يفعل شيئا وأن يلقي بوزير الداخلية في محاكمة لارتكاب جرائم ضد الإنسانية , بلاش هل أتوقع أن يغير وزير الداخلية في التغيير الوزاري القادم ؟ لا , لا أتوقع إطلاقا ؟ بل العكس مستعد أحلف لك علي المصحف الشريف ثلاثا أنه سيتمسك بحبيب العادلي فالرئيس مبارك لديه إيمان عميق وثقة مطلقة في أن وزارة الداخلية هي أمانه وحصنه وضمانة بقائه , وقد خلق الرئيس مبارك نظاما بوليسيا مرعبا وطاغيا علي مدي السنوات الماضية واستطاع جهاز أمن الدولة منذ كان يرأسه العادلي وحتى الآن أن يلبس مصر كلها (طرح) فليس هناك حزب سياسي إلا وعلي رأسه أو علي كتفه أو علي صدره عميل للمباحث وزرع أمن الدولة رجاله في كل أماكن مصر الحساسة , القضاء علي آخره , الصحافة معبية , الإعلام كلهم عدا ما عصم ربي , الجامعة أكتر من الهم علي القلب , المساجد والكنائس بالكوم وعلي قفا من يشيل , تغلغل النظام البوليسي في مصر وحكمها تماما حتى أن مبارك لا يستطيع أن ينهي هذا النظام البوليسي لأنه أصبح أقوي منه .عدد من رموز اليسار المغوار الذي يتمسح بحجر نظام مبارك مثل القطط قلب دماغنا نقدا وهجوما علي جمال عبد الناصر لأنه قتل في سجونه الشهيد اليساري شهدي عطية , طيب وما يفعله مبارك كل يوم في سجونه ألا يستحق أن ينفر عرق رجولتكم ضد ما يفعله من تعذيب وتقتيل , أبدا نري كبار أهل اليسار من السابقين الأولين سواء كانوا أعضاء الحزب الشيوعي أو مثقفي البنيوية والتفكيكية وهلم جرا هم رجال عصر حسني مبارك في أجهزته الإعلامية أو في صحفه أو في أحزاب القطط والفئران التي تسمي نفسها أحزاب معارضة وهي معارضة بالتعيين في الشعب والشورى , أليس غريبا أن يكون متهمون في قضية مظاهرات 18 و 19 يناير 1977 هم الآن من أبواق الرئيس مبارك , والمعارضون البواسل ضد الرئيس أنور السادات واعتبروا باع البلد وعارضوه في صحف الخليج والعراق هم من كتبة مجلة الشرطة التي يصدرها حبيب العادلي , هؤلاء الذين قاموا علي الرئيس أنور السادات لأنه سجن ثلاثة آلاف شخص في خمسة سبتمبر 1981 يسكتون الآن علي اثنين وعشرين ألف معتقل في سجون مبارك , ماذا جري لهؤلاء ؟ لا شئ , لقد أصبحوا تروساً في نظام مبارك البوليسي , وما هي أمارة أنه نظام بوليسي ؟أولا هو نظام بوليس سجونه أسوأ من السجن الحربي في عصر حمزة البسيوني , ومعتقلو عصر مبارك هو أكبر عدد معتقلين (ونسبة معتقلين) مرت في تاريخ مصر منذ دخلها الهكسوس وحتى الآن (حيث يحكمها الهكسوس) وقوانين هذا النظام ليست سيئة السمعة بل منحطة السمعة , ويعيش بقوانين استثنائية مثل أي نظام بوليسي , ثم ميزانية البوليس فيه تضخمت من ثلاثمائة مليون جنيه عام 1981 إلي تسعة مليارات جنيه في 2006 , ثم إن أكبر عدد للعاملين في أجهزة الدولة هم الضباط والعساكر والمخبرون والموظفون المدنيون في وزارة الداخلية (في الترتيب بعد وزارة التعليم) كما تم تسليح وزارة الداخلية كأنها جيش داخل الدولة وتزودت بأحداث أجهزة التنصت والتجسس كأنها جهاز مخابرات , ثم تحكم البوليس في كل مناحي الحياة المدنية ويتدخل في كل شئ من أول تعيين معيد في الجامعة حتى تعيين وزير في وزارة , فصار جهاز أمن الدولة تحديدا أقوي من قصر الرئاسة , نعم أقوي من مبارك شخصيا فقد تحكم الأمن بتقاريره في قراراته ويسيطر بنصائحه علي توجهاته ومن هنا لا يملك مبارك أن يحاسب وزير داخلية (أيا كان) هذا حدث في زمن مضي , منذ عشر سنوات أما الآن فلو أحب وزير الداخلية إسقاط الرئيس مبارك سيسقطه في ثلاثة أيام , فقط سيترك مظاهرتين تنطلقان بلا مواجهة , أو سيترك أحكاماً قضائية تصدر بدون توجيه , وشوف اللي ح يحصل بعدها , نظام مبارك سيتفكك في يومين ثلاثة , ولأن الرئيس يعلم ذلك ولأنه لا يثق إلا في حبيب العادلي لأنه مطمئن لعشرته ثم لسوابق أعماله ثم لسقف طموحاته ثم لخبرته التي يري مبارك صعوبة توفرها بسرعة في لواء آخر فهو لن يقبل العادلي ولو عذب مصر كلها !































علي شواطئ البسفور
بقلم: د. سعد الدين إبراهيممن نوادر أو غرائب مصر المحروسة أنها، رغم ملايينها الذين قاربوا الثمانين، تبدو كحارة أو زقاق يعرف أهله بعضهم بعضاً. ومن ذلك أنه رغم التباعد الهائل، والقطيعة المتزايدة بيني وبين مبارك، للدرجة التي دفعته إلي الأمر بوضعي وراء القضبان منذ سبع سنوات، إلا أن صدفة غريبة جعلت حفيدي، لارا وسيف الله، يتزاملان ويتصادقان مع حفيدي حسني مبارك، محمد وعمر، في نفس المدرسة، ورغم علمي بهذه الحقيقة في أوائل عهدي بسجن مزرعة طره، وأوائل عهدهما بالمدرسة (٢٠٠٠-٢٠٠٣)، إلا أنني حرصت علي عدم إقحام خصومتي مع حسني مبارك علي علاقة أحفاد أبرياء. فلم أذكر حسني مبارك أمام حفيدي بسوء، أو أتحدث معهما في السياسة.وأغلب الظن أن السيد علاء مبارك وقرينته فعلا نفس الشيء مع محمد وعمر. وساعد علي تجاهل موضوع العلاقة بين الأجداد، أن الأحفاد كانت لهم اهتماماتهم التي استغرقت وعيهم ووقتهم ـ من دراسة، ورياضة، وتمثيل وأعياد ميلاد، حتي حينما كان حفيدي يزورانني في السجن (٢٠٠١-٢٠٠٣)، فقد كانا يعتبران الزيارة بمثابة نزهة خلوية أو رحلة مدرسية لأحد المواقع الطريفة التي تعمدت مدرستهما في ذلك الوقت التردد عليها ـ مثل سوق الجمال، وسوق الجمعة، والحسين والسيدة زينب.فقد كانت المدرسة الخاصة في إحدي الضواحي المتميزة حريصة علي أن يختلط تلاميذها مع بقية أبناء مجتمعهم. ومما ضاعف من طرافة زيارة أحفادي لسجن مزرعة طره، أن جزءاً من الرحلة كانت ممنوعة فيه السيارات الخاصة، ربما لأسباب أمنية.ولكن إدارة السجن، لاعتبارات «إنسانية»، وفرت لزائري السجن وسيلة مواصلات بدائية أشبه «بالطفطف»، الذي تعود عليه المصطافون في رأس البر. وكان حفيدي ينتظران بفارغ الصبر الزيارة نصف الشهرية لركوب الطفطف، ربما أكثر من رؤية جدهما! وكان يضاعف من بهجتهما مداعبة سائقي الطفطف، وحراس السجن لهما، وهو ما يعزا إلي طيبة مصرية أصيلة، حتي لو كانوا سجّانين.فبعد تنفيذ الأوامر الكريهة عليهم بقدر ما هي بشعة بالنسبة للسجناء، فإن الوجه الإنساني الطيب، سرعان ما يكشف عن نفسه حتي عند من يجبرون علي القيام بدور الجلاد!.مضي علي الإفراج عني أربع سنوات، لم يعد حفيدي بنفس البراءة... فقد كبرا، وبدآ يهتمان تدريجياً بأحاديث الكبار وما يشغلهم. وعادة ما يحدث ذلك بعيداً أو تحت "شاشات الرادار"، التي يراقبها الكبار.وبعد الحملة الأخيرة التي شنتها أجهزة النظام، وصحفهم المباحثية الصفراء، ومبادرة تسعة من أعضاء الحزب الوطني الحاكم، بمن فيهم أعضاء من مجلس الشوري، بتقديم بلاغات إلي النائب العام للتحقيق معي في اتهامات تتراوح من الإساءة إلي سمعة مصر، إلي الخيانة العظمي، نصحني فريق من محامي مركز ابن خلدون بالبقاء في الخارج لمدة ثلاثة شهور علي تقديم البلاغات، خلالها تظهر نوايا النظام.فإذا قرر وأعلن النائب العام حفظها، فإنهم سيشيرون علي بالعودة، وإلا فإنهم لا يأمنون غدر النظام، فالغدر أصبح جزءاً لا يتجزأ من طبيعة النظام، الكبار منهم طبعاً، وليس الأحفاد الصغار، وهو ما يعود بي إلي حديث مدهش مع حفيدي مؤخراً. وفيما يلي تفاصيل حوار معهما علي ضفاف ومضيق البسفور، في العاصمة التركية، استانبول.بعد شهرين بعيداً عن الوطن، اشتدت الوحشة المتبادلة مع الأهل والتلاميذ والأصدقاء. وكان أكثرها لوعة هو الشوق للأحفاد. وأدركت صدق القول المأثور، «إن أعز الولد هو ولد الولد».وتزامنت إجازتهم الصيفية مع تجوالي في بلاد الله الواسعة، فاقترحت علي الأسرة في القاهرة أن نلتقي في إحداها، ولو لأسبوع أو حتي لأيام، إما في كندا أو رومانيا أو اليونان أو تركيا، حيث كانت لدي ارتباطات أخري في هذه البلدان الأربعة، خلال شهر يوليو.ووقع اختيار الأحفاد علي تركيا، وهي أيضاً أحد تفضيلات صهري نبيل الذي تحوّل إلي الصوفية في السنوات الأخيرة، وحيث ولدت الطريقة النقشبندية في الأناضول، وتعشقها ابنتي راندا لأنها تذكرها بمصر كما كانت في طفولتها، والتي تتمني أن تعود، حيث الأصالة والحداثة، وحيث إسلام بلا تزمت، وتدين بلا تعصب.أما أنا فكنت علي موعد لمراقبة الانتخابات البرلمانية التركية، ثم المشاركة في مائدة مستديرة حول تداعياتها الإقليمية، وخاصة علي مصر، وهو ما كتبت عنه بالفعل في مقال سابق.في اليوم التالي لوصول الأحفاد، وأثناء أمسية صيف جميلة، علي شاطئ البسفور، فاجأتني حفيدتي لارا (عشر سنوات ونصف) بسؤال حول موعد عودتي إلي مصر. وحاولت الإجابة بعمومية غامضة، من قبيل «قريباً، إنشاء الله ...»، وسارع حفيدي سيف الله بسؤال من عنده "قريباً إنشاء الله، يعني امتي بالضبط؟" أحسست أن الحفيدين ربما يعلمان السبب الحقيقي وراء ابتعادي المؤقت عن مصر.نظرت إلي صهري نبيل، طالباً المساعدة، فهز كتفيه، كما لو كان يوحي لي بأنني لا بد أن أواجه الحفيدين وحدي وعلي مسؤوليتي! حاولت المراوغة مرة أخري بعموميات غامضة عن ارتباطات هنا وهناك، طوال الشهور الثلاثة القادمة، فقاطعتني لارا بقذيفة غير متوقعة: «لماذا تغضب الرئيس حسني مبارك؟».نظرت إلي الحفيدين... إنهما لم يعودا طفلين بريئين ساذجين يقنعان بأي إجابة لأسئلتهما... إنهما يريدان إجابات مقنعة... شرحت للحفيدين، «إنني لم أتعمد إغضاب حسني مبارك، ولكني فقط أُعبّر عن آرائي بحرية... وهذه الآراء لا تعجبه، ويعتبرها تلحق الضرر بمصر. والواقع أن حسني مبارك هو الذي يغضب مصر كلها».سألاني عن حيثيات ما قلته عن غضب مصر من حسني مبارك فذكرت إضرابات العمال، ومظاهرات الطلبة، واحتجاجات القضاة، والاستبداد والفساد... سألا: كيف يكون حسني مبارك هكذا بينما حفيداه محمد وعمر ـ في غاية الظرف والمرح والأدب؟ أجبت بأن هذا فعلاً أمر غريب، ولكنه ممكن... وذكرتهما بقصص الأنبياء، وخاصة سيدنا نوح وسيدنا إبراهيم... وكيف كان الأبناء والآباء علي طرفي نقيض.وقال سيف الله (٨ سنوات)، «جدو، إننا نريدك أن تعود قبل رمضان، لأنني أنوي الصيام طوال كل يوم من أيام رمضان هذا العام...» هنأته علي هذه النوايا... وحاولت تشتيت الموضوع باسترجاع واستذكار عدد الأيام التي صامها في السنوات القليلة الماضية... ولكنه سرعان ما عاد يلح علي موضوع العودة إلي مصر قبيل حلول شهر رمضان الكريم.. حاولت تغيير الموضوع مرة أخري بسؤال عما إذا كان يتذكر ركوب «الطفطف». فتهللت أساريره وأجاب «بنعم».فسألته هل يريد أن يفعل ذلك مرة أخري؟ .. تغيرت ملامح الحفيدين فجأة، وتساءلا «وأين نركب الطفطف هذه المرة؟» فقلت «في نفس المكان... حيث إذا عدت الآن، فقد يأمر حسني مبارك بوضعي في السجن، كما فعل من قبل...». وبعد لحظة صمت ثقيلة، قالت الحفيدة الفصيحة، «لي اقتراح... وهو أن تعتذر لحسني مبارك، حتي يرضي عنك، وتعود إلي مصر... ولا يضعك في السجن... وتقضي معنا رمضان وبقية العمر...» تأثرت بكلمات لارا ونظرات حفيدي، وصهري الذي كان يتابع هذا الحوار، دون أن يتدخل في الحديث.وحاولت أنا حسم الحوار الذي امتد أطول مما توقعت. فقلت «أنا لم أخطئ في حق مبارك لأعتذر له... فالتعبير عن الرأي هو حق إنساني للصغار والكبار، وللمرؤوسين والرؤساء، والنساء والرجال علي السواء... وحتي إذا كان رأيي لا يعجب حسني مبارك فيمكن له أن يرد عليه برأي آخر، أو يتجاهله بالمرة». تأملتني الحفيدة المشاكسة، وقالت: «أنت هنا أيضاً لمتابعة الانتخابات...أليست الديمقراطية التي تؤمن بها، يا جدو، هي سيادة رأي الأغلبية؟»، فهززت رأسي بالموافقة، دون أن أنتبه لكمين مباغت، حيث بادرت هي بالآتي: «أما وقد ناقشنا الموضوع، فلنقم بالتصويت علي الاقتراح بالاعتذار للرئيس حسني مبارك واسترضائه»، فصحت أنا: «نقطة نظام... إن أمكما (ابنتي راندا) وجدتكما (زوجتي باربارا) ليستا هنا، فكيف نصوّت علي أمر مهم يتعلق بالمصير، دون مشاركتهما؟ ومن ناحية أخري، لماذا لا تقترحا لصديقيكما الآنتيم محمد وعمر، أن يطلبا من جدهما حسني مبارك أن يعتذر للشعب المصري.فإذا فعل، فإنني سأعتذر وأبوس رأسه أيضاً». عند هذا الحد من الحوار عادت راندا، بعد جولة تسوّق، تحمل عدة أكياس بلاستيك، فانشغل الحفيدان فوراً بما اشترته أمهما. وتنفست أنا الصعداء. وبالمناسبة، فإن المدرسة التي يذهب إليها الأحفاد تدربهم علي المهارات الاتصالية وعلي فنون المساجلة والمناظرة. ولست أدري ما إذا كان نفس ما حدث بيني وبين أحفادي علي شاطئ البسفور يحدث بين حسني مبارك وأحفاده علي شاطئ شرم الشيخ!




























لماذا تحرك المصريون لطلب الثأر من الشرطة؟
بقلم: محمد عبد الحكم ديابأحاول جاهدا، ولو لفترة محدودة، الابتعاد عن الشأن المصري، إلا أن المحاولة كثيرا ما تبوء بالفشل، خاصة أن الشأن المصري أصبح له رجاله ورواده في الداخل، وانتهت المرحلة التي كانت فيها القدس العربي استثناء في تناوله، وقد أصبحت جزءا من تيار عام، اتسع ويتسع يوما بعد يوم، ولم يكن الشد إلي ما يجري في عاصمة المعز من باب التعصب أو لرغبة في الانعزال، إنما لغرابة ما يجري ويحدث فيها، وخروجه عن كل مألوف، حتي مألوف الطغاة.وكنت قد أعددت نفسي للكتابة عن ظاهرة عمرو موسي، ودوره في نقل جامعة الدول العربية من الخمول، فيما يتعلق بالقضايا العربية والإقليمية، إلي النشاط الملموس في إخراج المشروع الصهيو أمريكي من ورطته، إلا أن تطورات مصر المتلاحقة لم تسمح بفرصة لذلك. ونحينا عمرو موسي وجامعته جانبا وعدنا إلي الشأن المصري، ونبدأ بتعليق لقارئ كريم علي مقال السبت الماضي. دق به أجراسا مدوية، تنبه الغافل، فلأول مرة استقبل تعليقا مصاغا من مفردات وعبارات تثير الفزع أكثر مما تبعث علي القلق، وسوف أنقل نصوصا منه دون الإخلال بالمعني أو إخراج العبارات عن سياقها. يبدأ التعليق بالقول البلد اتخربت ، ولم يكن هذا المهم، إنما المهم هو رأيه فيما تقوم به الشرطة. وفيه يطلب من الضحية اللجوء إلي الثأر ياخذ حقه بدراعه أي بيده، ويضيف علي سبيل الأمنية.. نفسي أهل قتيل المنصوره يقطعوا أيدي وأرجل قاتلي اخيهم من خلاف ويصلبوه علي كوبري طلخا . ويستطرد وكأنه يفكر بصوت عال: ما افكر فيه الان هو شراء سلاح والاحتفاظ به في بيتي وكهربة الابواب اثناء الليل لعلي انجح في قتل شرطي او مخبر أمن. هؤلاء الفاسدون لا بد لهم من رادع... وكل حي وقرية وعزبة يجب ان تشكل قوة حراسة ليلية للتصدي لأي قوة من الشرطه تحاول اقتحام بيت مواطن وترويع أهله. لو حدث هذا للجأ مبارك الي تل ابيب أو واشنطن . لم استطع أن أدع هذا التعليق يمر، فقد أحسست أنه لم يكن شطحة غضب، أو انفعال مكلوم، ويبدو أنه جزء من تفكير عام يسري في طول البلاد وعرضها. ويؤكده خبر نشرته عدة صحف عن رفض أهل مواطن اسمه نصر أحمد عبد الله، توفي تحت التعذيب، نتيجة قيام ضابط شرطة، اسمه محمد معوض وعدد من مساعديه بالعدوان عليه حتي الموت، والملفت للنظر في الخبر هو رفض الأهل إقامة العزاء قبل أخذ الثأر من الضابط الذي قتله، وقد كان جرم المواطن الذي لفظ أنفاسه تحت أقدام وبركلات وسحل الضابط ومساعديه هو أنه اقترف فعل السؤال، مجرد سؤال، عن مصير أخيه، المقبوض عليه، فما كان من هذا الضابط إلا أن رد عليه إنت مين بقي ياروح أمك !! مع قاموس من ألفاظ سوقية، نابية وبذيئة، لا تصدر إلا من بلطجي أو خارج علي القانون، أو واحد من أرباب السوابق، وانهال عليه صفعا وضربا، وكلف مساعديه بانهاء المهمة التي أفضت إلي الموت. أما الرد الحكومي فكان كالمعتاد . فرض الحصار علي قرية تلبانة ، بلد الضحية، وحظر التجول فيها. هذه مؤشرات علي توجه جديد بدأ يستولي علي العقل الجمعي المصري، وهو ما أشار إليه الصديق والأخ حسنين كروم بنظرته الثاقبة المعتادة، وجاء في تقريره ليوم الاثنين الماضي، أن النظام والقوي السياسية لا تلاحظ مثل هذا، ولا تتوقف عنده بما فيه الكفاية، لتستفسر عن مغزي تحرك كتل جماهيرية بشكل جماعي لفرض مطالبها بالقوة، ووصف الظاهرة بأنها ظاهرة لا مثيل لها إلا في الثورة الشعبية التي اندلعت في آذار (مارس) سنة 1919 .ومن المهم استجماع تفاصيل الصورة، خلال الأسابيع الأخيرة، لقراءتها بشكل دقيق، ونبدأ بمشهد المواجهة مع أهل رفح، ومخطط هدم منازلهم، وارتفاع معدل التوتر في سيناء، وانتهاء بسقوط أحد شباب رفح برصاص الأمن، وخروج جموع غفيرة من أهل سيناء في جنازته، التي قدرت بالآلاف، في مظهر من مظاهر التحدي الواضح، بعد أن كان من المعتاد إجبار الشرطة للمواطنين علي دفن ضحاياهم في صمت وتحت جنح الظلام ودون إعلان، وكسْر هذه القاعدة موقف له دلالته، وأكثر من هذا، هو اعتبار أهالي رفح أن ابنهم مات شهيدا، مثله مثل شهداء فلسطين والعرواق ولبنان، ولم يقوموا بتغسيله وتكفينه، ودُفن بملابسه، عملا بسنة أن الشهيد لا يغسّل ولا يكفّن، لأن طهارته مستمدة من معني الشهادة، التي تعطي قيمة عليا لمن يخرج مدافعا عن أرضه أو عرضه أو ماله. وفي مشهد آخر من الصورة، نجد شابا، اسمه يحيي، من أهل واحة سيوة، في صحراء مصر الغربية، أشعلت الشرطة النار في جسده حيا، ولنترك صحيفة الدستور المصرية، تصف ماحدث علي لسانه، يقول يحيي أنه مات وصحا ألف مرة، وكان ضباط وأمناء مباحث يصعقونه بالكهرباء لإجباره علي الاعتراف بسرقة أسلاك الكهرباء. وتناوب علي تعذيبه ثلاثة من الضباط، ومعهم أمين شرطة، كانت مهمته ضربه بالأحذية وركله في بطنه وصدره، والوقوف بحذائه فوق رأسه، وتعليقه في باب الغرفة، ثم تجريده من ملابسه تماما، وسكب عليه كحول أحمر، معروف في مصر باسم السبرتو .. يستخدم كوقود، وأشعل فيه النار، وشواه حيا، وهو يستجير، ولا من مجير، وبعد حفل الشواء الأدمي استدعي الضباط طبيبا. أمروه بعلاج الشاب، مدعين أنه طباخ مجند اشتعلت به بالنار أثناء الطبخ!والمشهد الأخير كان يوم الأربعاء الماضي.. عبارة عن جنازة للمواطن ناصر صديق جاد الله، وهو من ألقت به الشرطة من شرفة شقته بالطابق الرابع، علي الطريقة اللندنية، فجر الثلاثاء. وتحول الجنازة، التي شارك فيها الآلاف من سكان العمرانية الغربية، بالجيزة إلي مظاهرة عارمة، تردد الهتافات ضد الشرطة، وتطالب بالثأر ممن قتلوه بعد رفضه التنازل عن محضر حرره ضد واحد من رجالها. ممارسات شيطانية تجاوزت طاقة المواطن علي تحمل أكثر مما احتملت، وأضحي مطلب الثأر غالبا، والسؤال الذي يتردد بين الناس ليس كيف يحدث إنما متي؟ فالمصريون وهم يفتقدون الشعور بالأمان، لم يبق أمامهم من سبيل غير الاعتماد علي النفس، بعيدا عن الشرطة، وتجنبا للرعب الذي يصيبهم منها، وساعد علي ذلك وصول الأوضاع إلي نهاية نفق مسدود، واستفحال النهج الدموي في صياغة العلاقة بين حكم حسني مبارك والمواطن. مع أن المواطن صرخ بأعلي صوته ولم يجد من يسمع. وتظاهر واعتُدي عليه وانتهك عرضه ولم يجد من يري، وتحدث إلي المسؤولين فلم يجد من يرد. وليس معني هذا أن مصر محكومة بالصم البكم العمي، إنما يحكمها أناس ضبطوا أذانهم علي سماع صوت الأوراق المالية، وعيونهم علي رؤية ما تراه الإدارة الأمريكية، وألسنتهم علي الكلام مع الصهاينة. وإذا ما غصنا بحثا عن المجهول الذي ينتظر مصر، بعد اليقين الراسخ لدي عامة الناس بأن العائلة الحاكمة تتحمل مسؤولية تصرفات الشرطة. فضباط وأمناء الشرطة، وكذا العسكريون، لا يمكنهم ممارسة عمل بهذا الفجور والتجبر دون استناد إلي تعليمات عليا ، ولو لم تكن عليا لخرج البعض عليها أو تظلم منها، ومصدر التعليمات هو الذي يجعل الشرطة لا تفصح عنه أو تفشي سر صاحبه، فثمن ذلك باهظ، ولا يجب أن ننسي أن الشرطة تابعة لوزارة من وزارات السيادة، ومن مسؤولية رأس الدولة مباشرة، ولا سلطان لأحد غيره عليها. ونظرا لهذه الظروف فإن الشرطة دائما تبحث عن مخرج لورطتها مع المجتمع بعيدا عن مصدر الورطة، ولا تجد غير ترهيب الضحايا وذويهم، أو ترغيبهم أحيانا للتنازل عن حقوقهم القانونية والإنسانية، وتهديد الشهود ليغيروا من أقوالهم.الصورة العامة تبين أن مصر تعيش انقلابا في الأوضاع، وبعد أن كان الحكم يتربص بالمواطن ويستخدم جهاز الشرطة لهذا الغرض، انقلبت الأوضاع، واستعدت المدن والقري والنجوع لشق عصا الطاعة وتحدي الشرطة، إلا أنه علينا معرفة طبيعة هذا التحدي. فهو ليس تحديا مع جهاز سوي وعاقل ويلتزم بالقانون أو الأخلاق، لديه نوازع أخري غير التعليمات العليا ، فهو باستعداده وإعداده ينحو نحو الشذوذ في التصرف، ولا يتورع في استخدام ما لا يمكن تصوره، ويبدو أن ما حدث في غوانتانامو وأبو غريب أعطاه الإحساس بأنه يسير علي الخط الأمريكي، ولذا فهو في مأمن! وعن الاستعداد نستطيع أن نتعرف عليه من المبلغ الذي علي الراغب أن يدفعه للالتحاق بالشرطة. وهو باهظ. لا يقدر عليه إلا اللصوص وتجار المخدرات ومافيا غسيل الأموال، وموظفو الدولة المرتشون، وصارت أكاديمية الشرطة بابا ذهبيا لممارسة العنف رسميا، بأجر سخي تدفعه الحكومة.أما عن الإعداد فطريقته أقرب إلي طريقة تدريب العصابات.ويقوم علي افتراض أن المواطن هو العدو، وأن الأمن هو أمن السلطة، المختزلة الآن في العائلة . والنجاح هو في خدمتها وتوفير الأمان لها وحمايتها مهما تكلف ذلك. وبدلا من إعداد شرطي يعي أن الجريمة في المجتمع الإنساني هي الاستثناء، تتربي وتترعرع الشرطة المصرية علي العكس، وتأتي البرامج والمناهج الدراسية فترسخ في رجل الشرطة قيم العبودية وتقاليد الجلادين وأساليب الخارجين علي القانون، وهذا ما جعل كثير من رجال الشرطة المصريين يتماهون مع المجرمين والبلطجية ويجسدون تصرفاتهم، ونتابع ذلك التماهي فيما نسمع ونري من تطابق في اللغة والمفردات بينهم وبين الخارجين علي القانون، واستعارتهم لأساليبهم في التعامل مع الحياة وإدارة شؤونها.مصر تعيش حالة مجتمعية خاصة، تختلف عن حالة التطرف الإسلامي في تسعينات القرن الماضي.. لم يكن ذلك التطرف حالة مجتمعية. كان حالة سياسية، والعنف السياسي، وفق ما يقول به علماء السياسة والنفس والاجتماع، غير الثأر المجتمعي، الأول يمكن حصره وحصاره. والثاني من الصعب التحكم فيه. ولا ينتهي إلا بهزيمة الحكم والانتصار عليه، وهذا وضع أمام مصر احتمالات ثلاثة: انتفاضة تنقل الزمام إلي الشارع، أو ثورة تفتح الطريق أمام الديمقراطية، أو فوضي تترقبها الإدارة الأمريكية والدولة الصهيونية.

07-08-12المصدر: القدس العربي

































التعذيب و البلكونات
بقلم: سليم عزوزغريبة.. فبرنامج (ما وراء الخبر) علي قناة الجزيرة ناقش قضايا التعذيب في المحروسة، ولم يتم رفع الموشح الشهير: الإساءة لسمعة مصر، وهو ما يتم رفعه في حالات كثيرة، الي درجة التعامل مع مصر كما لو كانت قبيلة يمكن ان يسيء إليها مذيع، او كاتب، او برنامج تلفزيوني، والي درجة التعامل أيضا كما لو ان مصر (تقوزمت) لتصبح في قامة المسؤولين فيها كبيرهم وصغيرهم.ليس في نيتي ان اخطب فيكم يا قراء، ففي الواقع أنني كنت أتمني ان يثأر أهل الحكم لكرامتهم، التي يعتقدون انها بالوصف والرسم، هي كرامة مصر، ويقدمون مقدمة البرنامج سالف الذكر جمانة نمور الي المحاكمة، بهذه التهمة الشنيعة والفظيعة: إهانة مصر، او الإساءة لسمعتها، لان هذا لو حدث، فسوف اذهب لزيارة المتهمة العتويلة جمانة، لكي أراها رأي العين، واخرس الذين يقولون ان الكاميرا خادعة، وذلك ردا علي سطور غزل (عفيف) كتبتها هنا!ذات مقال استنكرت ظهور المذكورة في برنامج (ما وراء الخبر) بملابس قصيرة، مع انها جعلت عموم المشاهدين يقفون علي ما يؤكد للبشرية (جمعاء) ان سيقان كوندوليزا رايس لا شيء، مع إشادة رئيس وزراء إسرائيل السابق شارون بهما، ومعلوم أن كوندي صدقته وعامت علي عومه، وصدقناه نحن، الي درجة أنها تمطعت و صرحت بأنها كانت حريصة عندما التقت الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز ان تتخلي عن (الجيب) وترتدي بنطالا، خوفا عليه من الفتنة (هذه من عندي)، والتزاما بالتقاليد العربية وبالمكانة الإسلامية التي تحتلها المملكة وقادتها لدي المسلمين.. هذه من عندها.الجزيرة عُرفت باحتشام مذيعاتها، واذكر انه قبل خروجها للناس، كان البعض يتحدث عن الفضائيات الجديدة بانبهار، ويتحسر علي روح الفقيد الذي هو التلفزيون المصري، وكان المسؤول عنه في ذلك الحين المهيب الرائد صفوت الشريف وزير الإعلام يرد بأنه والتزاما من تلفزيونه بالتقاليد الشرقية الراسخة رسوخ الجبال، لا يستطيع ان يساير هذه الفضائيات. فسيادته لخص سر تفوقها في ملابس المذيعات، فبينما المذيعات اللبنانيات يبدين زينتهن لغير بعولتهن، ويتعمدن إظهار مفاتنهن، فان مذيعة تلفزيون الريادة الإعلامية، والتزاما منها بأخلاق القرية، لا تستطيع ان تفعل ذلك لانها تعمل في تلفزيون رسمي، مملوك للدولة المصرية!ولم يكن هذا صحيحا، لكن المشكلة كانت في ماذا يمكن ان تفعل (ولا مؤاخذة) الماشطة، في (ولا مؤاخذة) الوجه العكر؟ وقد كتبت من قبل عن هذه المذيعة التي تتحدث وتضحك، بشكل لا يليق الا بغرف النوم، وهي تفعل هذا في تلفزيون مصر المفدي، وقد قرأت مؤخرا انها تجاوزت سن الإحالة للتقاعد.. يا للهول.الجزيرة باحتشام مذيعاتها قطعت قول كل خطيب، وعندما تظهر جمانة نمور بالنحو الذي ظهرت به، فكان لابد وان يلفت هذا انتباهنا، ولم يكن هذا وحده هو السبب، فلو ظهرت غيرها فربما لم يكن هذا قد أدركته الأبصار، وقد علق نفر من القراء علي بعنف، لان استنكاري لفعلتها، كان فيه غلظة في الكلمات لا ينبغي ان توجه لارق مذيعة علي كوكبنا الأرضي، أحدهم كتب: رفقا بالقوارير. وكتبت انا بعد ذلك ما يفيد ان نقدي لا يمنعني من ان اقدر جمالها حق قدره، وان اقف علي قيمتها المهنية. وتلقيت نقدا يبدأ وينتهي بهذا السؤال: وهل رأيتها في الواقع؟.. لا لم أرها سوي علي الشاشة.. اذن خذ بالك فالكاميرا خادعة.أصحاب هذا النقد جميعهم من النساء، (إذن اتضحت الرؤية)، لكن زميلنا في هذه الزاوية توفيق رباحي رآها رأي العين، وأكد لي ان الكاميرا تظلمها. لكن اللاتي يغرن بالسليقة لن يهتممن بشهادة أحد نقلنها لهن، وعندما تخضع جمانة نمور للتحقيق أمام نيابة امن الدولة العليا بتهمة الإساءة لسمعة مصر، فسوف اقوم بزيارتها لاخرس الألسنة الحاقدة.زيارة الجزيرةلقد زرت الجزيرة مرتين، ولم ار جمانة نمور، ففي الأولي رأيت جمال ريان وصافحته وشعرت وقتها أنني أصافح جزءا من تاريخ الإعلام الناطق بلغة الضاد، فهو اول مذيع ظهر علي شاشة القناة القطرية التي تحولت الي حالة، وأظهرت الإعلام العربي كهشيم تذروه الرياح. وفي الثانية رأيت جميل عازر، وكان يتأهب لقراءة موجز الأنباء، وقد ابتسم لي من بعيد مرحبا، فلوحت له بيدي محييا.. هل قلت ان جميلا ابتسم؟.. نعم قلت هذا وانا في كامل قواي العقلية!لا احب زيارات السجون والمحاكم، فلم افعل هذا مع زميلتنا هويدا طه التي قدموها للمحاكمة بتهمة الإساءة لسمعة مصر بالخارج، واكتفيت بالمتابعة مع أحد أعضاء هيئة الدفاع عنها، فهذه أماكن لن اذهب اليها زائرا او متضامنا، بل شهيدا.. شهيدا.. شهيدا. ومع هذا فإنني علي استعداد لمخالفة هذه القاعدة لكي ازور جمانة، ليس من باب الواجبات الاجتماعية، ولكن في إطار الواجبات المهنية، وحتي يكون هذا دافعا لان تضع كل حاقدة لسانها داخل فمها وتغلقه!أعلم ان جمانة نمور لبنانية، علي العكس من هويدا طه المصرية، والتي تعد بالتالي في قبضة اهل الحكم في مصر، لكن اذا كان طلب الأولي من السلطات القطرية كمتهمة سيواجه بصعوبة، فان فؤاد السنيورة وسعد الحريري ومن لف لفهما في الحكومة اللبنانية يمكن ان يسلموها للقوم في اول زيارة لها للبنان، باعتبارها مطلوبة للعدالة المصرية، في مقابل ان تظل مصر الرسمية متعارضة مع مصر الشعبية في الموقف من حزب الله، الذي يكره القوم زعيمه السيد حسن نصر الله، كراهيتهم للمرشد العام للإخوان المسلمين السيد مهدي عاكف!ربما يرجع عدم التفكير في توجيه الاتهام الموشح لجمانة الي ان هذا الاتهام أصبح يدخل في باب الكوميديا السوداء، بسبب الإسراف في توجيهه يمينا ويسارا، وربما لانهم علموا ان قدوم المذكورة الي الأراضي المصرية، وفي يديها أسوار الحديد التي نسميها في مصر كلبشات، جمع كلبش، أمنية لي، فقرروا بالتالي ان يحرموني من تحقيق أمنيتي.نسيت ان أقول ان حلقة (ما وراء الخبر) كانت علي خلفية قيام اثنين من أمناء الشرطة بإلقاء مواطن من بلكونة منزله فلقي حتفه في الحال.. كنت اظن ان بلكونات لندن هي فقط سيئة السمعة!لقد استضاف البرنامج حافظ ابو سعدة الذي قال ان التعذيب في مصر بات يمارس بشكل منهجي، وذكر ارقاما وبيانات وإحصاءات، تؤكد وجهة نظره. وقد قرأت إحصائية علي موقع الجزيرة نت تؤكد علي هذا المعني. كما استضاف البرنامج الجنرال السابق فؤاد علام، والذي قال ان ما جري هو حوادث فردية، وان السيد وزير الداخلية يحاسب المتورطين فيها. وفي اليوم التالي قرأت في جريدة (الدستور) ان أحد المتورطين في جرائم التعذيب الأخيرة قاموا بتعيينه حكمدارا لمحافظة قناة، ومالنا نذهب بعيدا ورجل الأمن المشرف علي عمليات الاعتداء علي المتظاهرين أمام كاميرات الفضائيات، بما في ذلك واقعة الاعتداء علي النساء والتحرش الجنسي بهن، اصبح محافظا ويسخن الان لكي يكون وزيرا للداخلية؟لم اذكر ضيف الاستوديو، لانه طبيب نفسي خرج في حديثه عن مجال تخصصه وتحدث فيما لا يعرف، ولم تلفت جمانة انتباهه الي ذلك، لا بأس فيكفي انها لفتت انتباهنا الي البرنامج.

07-08-12المصدر: القدس العربي
الحكومة رفعت أسعار 118 سلعة ضرورية خلال 3 شهور فقط ....قتيل جديد على أيدي زبانية الشرطة بالمنصورة ...مسيحيو الشرق الأوسط ألفوا آيات قرأنية للإساءة للإسلام ..حتى أدوية التأمين الصحي أصبحت أزمة ...
خاص المصريون : : بتاريخ 13 - 8 - 2007
نستهل جولتنا في صحف القاهرة الصادرة الاثنين من العدد الجديد لجريدة الأسبوع الأسبوعية المستقلة والتي صدرت عددها الجديد بسؤوال لا يحتاج إلى إجابة لفرط تهافته وهامشيته تساءلت الأسبوع لماذا لم يتظاهر المسلمون ضد المرتد "محمد حجازي" ....جريدة الأسبوع في موقف غير مهني بالمرة نحتت ونقلت المعلومات التي انفردت المصريون بنشرها حول تنصير حجازي وذكرتها بالنص بنفس عبارات "المصريون" دون أدنى إشارة أو تنويه ...وأوردت الأسبوع في عددها الجديد أيضا تقريرا حول قيام الحكومة برفع أسعار الأدوية بمقدار 30 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي ...وذكرت الأسبوع أن الحكومة رفعت أسعار 118 سلعة خلال الثلاثة شهور الماضية فقط ...وحول أزمة طبية جديدة تنهش أجساد المصريين المنهوشة أصلا نقرأ من عدد الاثنين من جريدة الوفد اليومية حول اشتعال أزمة أدوية التأمين الصحي فقد تم منع صرف عدة أدوية للأمراض المزمنة ومنها أمراض القلب والكبد والأمراض الصدرية والأمراض النفسية والكل ....وإلى جريدة المصري اليوم اليومية المستقلة التي نقلت من تحقيقات النيابة في قضية تنظيم "مسيحي الشرق الأوسط" أن رؤوس هذا التنظيم قاموا بطبع ونشر آيات قرآنية محرفة عمدا على شبكة الإنترنت ...وتحدثت المصري اليوم أيضا عن نظام جديد للثانوية العامة يفكر وزير التعليم يسري الجمل وهاني هلال في تطبيقه مع بداية العام الدراسي المقبل ...ونصل لجريدة الدستور اليومية في عددها ليوم الاثنين ومنه نطالع فقرات من حوار الجريدة مع الخبير المصرفي محمود عبد العزيز الذي حمل الحكومة المسئولية ...إنهيار بنك القاهرة ثم بيعه ...نقرأ: (ـ بداية ما السبب الرئيسي وراء انهيار بنك القاهرة ؟ـ فى رأيي أن ما حدث نتيجة ضعف الإدارة بسبب التدخل السياسي فى أعمال البنكوالظروف الاقتصادية المحيطة بجميع البنوك العامة بدرجات متفاوتة ، بالإضافة إلى خلل الخلط بين دور الحكومة ودور البنوك ، وهو مبدأ كان موجودا فى الدول الاشتراكية أثناء التحول السياسي إلى اقتصاديات السوق الحر حتى تحمى الحكومة نفسها، وما يكون غالبا محل كثير منها فى الموروثات الاقتصادية السيئة والإدارات الضعيفة .ـ تعنى بكلامك أن الحكومة هي السبب فى انهيار البنوك بسبب تدخلاتها ؟- نعم الحكومة كانت تتدخل فى قرارات لبنوك بأشكال مختلفة فلا شك أن لها مصالحمشتركة فى مساندة القطاع العام وتعذر أن يتم ذلك من خلال أموال الدولة فى ظل اقتصاديات اختلفت خلفياتها السياسية والتحول من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد حر، ولم تكن الدولة مستعدة لهذا التحول للسياسات التفصيلية والمؤسسات المؤهلة والأدوات ، كالكوادر البشرية والأموال طبيعية والأسواق حتى إن وظيفة الحكومةاختلفت تماما لتتحول من رقيب للتسعير إلى رقيب للسوق لتشجع المنافسة وتمنع الاحتكار، تكون حكما بين طبقات المجتمع.ـ هل كانت هناك حلول بديلة لعملية البيع ؟ وما هي ؟ - لا شك أن الحكومة كانت تملك ذلك ، ولكن يجب التمهيد له بكل حرفة وليس سهلا المساس بمصداقية سمعة الجهاز المدير للاستثمار وإدارة الأصول ، حيث قرأت بمجلة "إلكومنويست"، أن الحكومة قد تتجه للتراجع عن البيع الأجنبي إزاء الضغط الشعبي لعدم إعداد الجماهير لتقبل الصدمة.ـ إذن ما هو البديل ؟- لم يكن أمام الحكومة إلا خيارين فقط ، لكن كان تنفيذهم يحتاج إلى مجهودات كبيرة تكاد تكون مستحيلة ، الأول : أن تضخ الحكومة بعض الأموال تتراوح ما بين 20و30 مليار جنيه فى البنك "كرأس مال" وتستأجر أفضل إدارة محترفة فىالعالم لأن إعادة هيكلة إدارة أزمة بنك القاهرة أمر مختلف تماما عن هيكلة مصنع أو مزرعة، بحيث يوضع للإدارة برنامج عمل للاتفاق بين المالك والإدارة مدته لا تقل عن ثلاث سنوات تلتزم فيها الإدارة ببرامج تفصيلية لإصلاح الأوضاع ويقوم البنك المركزي بمتابعتها بنسبة، ولا تحصل الإدارة إلا على الأجر المعتاد فى السوق ، إلا إذا أنجزت الإصلاح المأمول وتحقيق أرباح تتجاوز أرباح الإقراض منالبنوك حتى يكون لها حق فى الحصول على نسبة من الأرباح الإضافية ، علاوة على تغير أسلوب وسياسات الجمعيات العمومية فيكون المالك ممثلا لمستوى عالمي لا يقل عن ممثل بعينه كرئيس الجمهورية بحكم انه الدستوري عن البنوك ويحضرالجمعية العمومية الرقيب ، وتكون قرارات الجمعية نتيجة تصارع الحجج داخلها والوصول لأفضل القرارات للمصلحة العامة للاقتصاد ثانيا : إن يكون البنك ملكا للشعب بما يسمى "ديموجيته" أو تجميع جنيه من كل مواطن وليس بتحول الملاك إلى جماهير غفيرة لا تملك من أمرها شيثا وتعتقد أنه تبرع وطني، ولكن افتراضيا يجوز أن تكون هناك ملكية مؤسسية مصرية تمتلك جزءا مهما من رأسمال البنك ويطبق عليها مستأجر أفضل إدارة ، ونصيب البنك لا يقل على 20مليار جنيهلإنقاذ البنك.ـ هل تتوقع بيع بنك مصر بعد نقل ملف المتعثرين له خلال المرحلة المقبلة ؟ وهل سيواجه أزمة بنك القاهرة ؟- لا أستطيع التنبؤ بالمستقبل ، ولكن فى ظل التطور الاقتصادي لمصر أرجو ألا يدفعنا الله لبيع أي ممتلكات أخرى، ولا ضمان لرؤية المستقبل الاقتصادي، خاصة بعد محاولة إصلاح بنك القاهرة ذاتيا من الداخل ، ولم تنجح الحكومة فى ذلك ، وعندما لجأت للدمج فى بنك مصر كان الأمل أيضا ضعيفا ليتم التخلص من المشكلة بالبيع وكنت متوقعا فشل الحلول السابقة بعد تحولهم إلى استحواذ بنك مصر عليه ، وكانت الحكومة تستجيب بعدم الوفاء بعدها بعدم بيع أي بنوك أخرى بعد بنك الإسكندرية.)*مقالات :- من الدستور اليومية نقرأ لفهمي هويدي حول كارثة تملك الأجانب للبنوك التي كانت قومية : (سياسيا فإن فكرة تمكن الأجانب من السيطرة على مقدرات الاقتصاد المصري هي من الخطورة بمكان ، فى أي بلد يحترم نفسه ويتمسك باستقلاله ، كما أن لجوء الحكومة إلى بيع البنك هو تصرف من جانبها فيما لا تملك ، ذلك أن البنك ملك للشعب المصري، والأموال المودعة فيه هي أموال المصريين ، الذين لم يخولوا الحكومة فى بيعه ، وأنا على ثمة من انه لو أجرى استفتاء نزيه حول فكرة البيع ، فإن الأغلبية ستقف ضده وستعلن معارضتها له ، بل إن فكرة البيع لم تطرح على مجلس الشعب ، الذي نعرف أن الحزب الحاكم يتمتع بالأغلبية المطلقة فيه وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن المرجعية التي استندت إليها الحكومة فى قرارها بيع البنك ، وعن شرعية تلك المرجعية ، ومن تمثل بالضبط فى بر مصر؟ ولا يغبن عن البال فى هذا الصدد ما جرى فى صفقة بيع بنك الإسكندرية ، الذي اشتراه بنك إيطالي اندمج لاحقا مع بنك آخر يملك الإسرائيليون اغلب أسهمه وهو احتمال لا نستطيع أن نستبعده فى حالة بيع أي وحدة اقتصادية مهمة فى مصر، بحكم الدور المحوري الذي يقوم به اليهود ومعهم الإسرائيليون طبعا فى المجالين المالي والمصرفي .من الناحية الاقتصادية فإن بيع البنك الأجنبي شخصا كان أو جماعة سيعنى مباشرة حرمان خطط التنمية الاقتصادية من احد روافدها المهمة ذلك أن المشترى الأجنبي لن يأتي حبا فى سواد عيوننا أو إحسانا إلينا، ولكنه باحث عن الربح عند حدوده القصوى، بالتالي فإنه لن يمول مشروعا اقتصاديا مما يهم البلد، سواء كان للحديد والصلب أو الغزل والنسيج أو البتروكيماويات أو غيرها، وإنما يهمه أن يضارب على العقارات أو يمول شراء السيارات أو يغرق السوق بالسلع الاستهلاكية.وفى هذه الحالة سنجد أنفسنا أمام وضع عبثي، تنحاز الحكومة بمقتضاه إلى جانب المساهمين المشترين ، على حساب تنمية المجتمع وتعزيز عافيته.ولا ننسى أن هذه البنوك التي يشتريها أو يتملكها الأجانب تحول أرباحها كلها إلى خارج البلاد، ولا تبقى شيئا منها فى مصر، الأمر الذي يعنى أن عوائد إيداعات ومدخرات المصريين يذهب خيرها كله إلى العواصم الغربية ، ولا تستفيد منها مصربأي صورة .ولعلمك فإن ثلاثة بنوك أجنبية فى مصر اعلنت خلال الأسابيع الأخيرة عن تحقيق أرباح فى النصف الأول فقط من السنة قدرت بمليار ونصف المليار جنيه.والبنوك الثلاثة هي : " CIB" ، "HSBC"، "سوسيتيه جنرال"لأن الحكومة قررت أن تتصرف فى أموال الشعب المصري وان تبيع البنك دون تخويل من أصحابه الحقيقيين فقد كان من الضروري أن يتحرك المجتمع دفاعا عن أمواله وصيانة لاستقلاله وإحباطا لمسعى إهدار موارده لذلك فإن دعوة نقابة المحامين تعد استجابة مشكورة وتعبيرا صادقا عن الحس الوطني السليم الذي يستنهض همة الأمة لوقف تلك الهجمة الشرسة.)- (ماذا يجري في مصر ؟ الكل يعرف ...ولا أحد يعرف)...تحت هذا العنوان كتب د. ضياء رشوان في المصري اليوم : (ما الذي يجري بالضبط الآن في مصر؟ الكل يعرف ولا أحد يعرف في الوقت نفسه.الكل يعرف أن فساداً هائلاً بات يجتاح وادي النيل وصحراوات مصر كلها، ويخترق كل قطاعات المجتمع والدولة رأسياً، من أدني قيعانها وصولاً إلي أقصي قممها، وأفقياً من طرفها القصي إلي طرفها القصي الآخر. والكل يعرف أن ثمة احتكارا حقيقيا للسلطة في البلاد بين أيدي مجموعة قليلة من النخبة ترتبط ببعضها البعض بكل وشائج المصلحة والمصاهرة والمجاورة، وتمنع، بكل سبل التشريع الفاسد والإجراءات الاستثنائية أي مصري آخر من خارجهم من الاقتراب من مركز تلك السلطة. والكل يعرف أيضاً أن المواطن المصري البسيط والمتوسط صاحب هذا البلد وممثل أغلبية شعبه، قد بات محاصراً في معيشته اليومية من كل جانب، فالتعليم المنهار يدمر عقول ومواهب أبنائه، بينما تتكفل البطالة المكتسحة بتدمير من سار منهم فيه إلي نهايته أو توقف في الطريق، وفي كل وقت يحاصره الغلاء المتوحش، ليجعل من توفير حاجات أسرته الأساسية هماً ثقيلاً يطبق علي روحه وقلبه في الصحو والمنام. الكل يعرف أن مصر قد باتت بالفعل اليوم مصرين، لا علاقة لإحداهما بالأخري علي الإطلاق. مصر الأولي يمثلها «عتاة» رجال الأعمال وكبار مسؤولي وموظفي الدولة، وحولهم خدمهم وحاشيتهم من السماسرة مسهلي ومحللي صفقات الفساد المشبوهة، ومحترفي تفصيل التشريعات الباطلة وتطبيق الإجراءات الاستثنائية، ومبرري ومروجي فسادهم وسوء إدارتهم وظلمهم، ومسامريهم من مدعي الفن الهابط والأدب الرقيع والفكر الذي فيه كل الصفات إلا أن يكون فكراً.والكل أيضاً يعرف مصر الثانية التي تمثلها الغالبية الساحقة من هؤلاء المصريين المهرولين وراء لقمة عيشهم ليل نهار، المحشورين في مساكنهم الضيقة غير اللائقة بالحد الأدني من الآدمية، هذا إذا توافر لهم من حيث المبدأ مسكن، واللاهثين في طرقات ومصانع وحقول وإدارات المحروسة، من أجل «الستر» الذي هو حلمهم الدائم والوحيد، والحالمين الآملين ليل نهار بوظيفة للابن بعد طول «بهدلة» في البحث عنها وبزواج «يستر» البنت بعد أن اجتاحت العنوسة كل البنات.الكل يعرف وبوضوح أن مصر الأولي هي التي تتحكم في واقع ومستقبل مصر الثانية، بل بصورة أدق أنها هي التي خلقتها، وهي التي أنشأت هذين المصرين في خلال ربع القرن الأخير الذي اختطفت فيه هذا البلد واستولت علي كل ما فيه عنوة واقتداراً.الكل يعرف أن قمة أهل مصر الأولي من «عتاة» رجال الأعمال وكبار مسؤولي الدولة قد أضحت اليوم مكونة من «الأبناء»، الذين ورثوا عن آبائهم كل شيء في مصر هذه ومعه مصر الثانية كاملة دون أن يعرفوا عنها وعن أبنائها وجغرافيتها وتاريخها شيئاً يذكر سوي أنها وأنهم «المتاع» الذي ورثوه عن هؤلاء الآباء. هؤلاء الأبناء الذين تتسم ملامحهم بوسامة غير مصرية تنضح منها الحدة والتجهم وكثير من الاشمئزاز، تفضحهم نظراتهم وألسنتهم حين يرون شيئاً أو أحداً من مصر الأولي أو يتحدثون عنها فإذا بقلوبهم خلو من أي مشاعر حب أو حتي عطف لها ولأبنائها المسحوقين، أو هم في طريقهم للانسحاق، فهي غريبة عنهم وهم غرباء عنها فكيف يحبونها، أو تلين لها قلوبهم التي هي كالحجارة أو أشد قسوة؟الكل بات يعرف أن هؤلاء الأبناء أصحاب مصر الأولي هم اليوم في سباق مع الزمن لكي يكملوا سيطرتهم علي كل شيء بقي في مصر الثانية بالخصخصة أو بالفساد أو بتعديل الدستور والقوانين أو بإحكام احتكار الحكم ونظامه لهم واستبعاد كل من يمت لمصر الثانية منه، فراحوا يدهسون في جريهم اللاهث مصر الثانية وأبناءها الذين راحوا يتساقطون تحت وطأة العطش والفقر والبطالة وأمراض الكلي والكبد والأوجاع النفسية والعوز والتفكك الأسري التي تلقي بفلذات أكبادهم إلي غيابة الشوارع والطرقات المتوحشة.الكل يعرف كل ما سبق وأكثر منه عشرات بل مئات المرات، إلا أنه في الوقت نفسه لا أحد يعرف لماذا يسكت أهل مصر الثانية عليه وهم أصحاب هذا البلد والغالبية الساحقة من أبنائه والوارثون الحقيقيون له؟ لا أحد يعرف لماذا صبر أبناء مصر الثانية كل تلك السنوات علي اجتياح مماليك وخدام وندماء وقيان مصر الأولي المعزولة الغريبة عنهم، بلدهم وبيوتهم وأسرهم وأجسامهم ونفوسهم ليعيثوا فيها فساداً وتخريباً وتدميراً؟)
مقالات :- نبدأ المقالات من عدد السبت لجريدة المصري اليوم من مقال مجدي مهنا الذي أثار مسألة مهمة من وحي التحركات الغامضة في كواليس المشهد السياسي المصري والمسماه التغيير الوزاري ...مهنا قال أن المواطن المصري لا يعنيه ذلك التغيير لأنه لا يد له فيه رغم أنه الوحيد الذي يتحمل تبعاته ويحصد كوارثه ...نقرأ: (ما دلالة اجتماع الرئيس حسني مبارك.. بحكومة الدكتور أحمد نظيف في قصر رأس التين بالإسكندرية أمس الأول، وتكليفها بمراقبة الأسعار وتوفيرها في الأسواق.. والتشديد علي مراعاة عدم زيادتها لكي لا تلتهم العلاوة الاجتماعية الجديدة.. وبالمرة حل مشاكل الجماهير والنزول إليهم في الشارع.والأسعار زادت بالفعل زيادات كبيرة في الأسابيع القليلة الماضية والتهمت العلاوة الاجتماعية وزادت عليها.. قبل أن يصدر الرئيس مبارك تعليماته وتوجيهاته؟هل يفهم لقاء الرئيس بالحكومة.. علي أنه تكليف جديد لها.. بالاستمرار في العمل.. ونفي لأي شائعات أو تكهنات تتحدث عن قرب تعديل وزاري؟فالرئيس مبارك استدعي الوزراء وكبيرهم من المصايف في شتي المدن الساحلية من مارينا والغردقة والخارج، ومن غير المتصور أن ينتهي اللقاء ويخرج الوزراء منه إلي المصايف مرة أخري.. وإلا تحولت إلي نكتة ومادة لاذعة لرسامي الكاريكاتير.الوزراء خرجوا من لقاء الرئيس.. إلي مكاتبهم وأعمالهم في القاهرة.. لمتابعة التكليفات الصادرة لهم.والبعض استبعد هذا الاستنتاج.. وهو أن الرئيس يجدد الثقة والبيعة لحكومة نظيف.. بل لعله تحذير لها، فالتقارير التي تصل رئيس الجمهورية من مختلف الأجهزة تتحدث عن تذمر وغضب شعبي واسعين.. لتجاهل الوزراء حل مشكلات الجماهير.. والإدلاء بتصريحات مستفزة لهم.. وسفر الوزراء إلي المصايف.. وهو الأمر الذي دعا الرئيس مبارك إلي عقد هذا الاجتماع المفاجئ، دون أن يعني ذلك تجديد الثقة أو إعادة تكليف لحكومة نظيف بالاستمرار.إن الرئيس مبارك إذا أراد إجراء تعديل وزاري مفاجئ.. لن يمنعه أحد ولن يمنعه شيء من القيام به.. حتي ولو اجتمع بالوزارة قبل يوم واحد علي صدور قرار إقالتها.ولأننا لا نعرف شيئاً.. ولأننا نتحدث فيما لا يعنينا.. فالرئيس يجتمع بالحكومة أو لا يجتمع.. والرئيس يصدر قرار إقالتها أو يبقي عليها.. كلها أشياء لا تعني شيئاً بالنسبة للمواطن المصري.. لأن هذا المواطن لم يختر هذه الحكومة.. ولم يستطلع أحد رأيه.. ولن يكون له رأي في أي حكومة قادمة.. فلماذا يشغل باله ببقاء الحكومة أو رحيلها؟ والذي يعرفه هذا المواطن أن مثل هذه الاجتماعات واللقاءات عقدت مئات المرات.. وصدرت عنها آلاف التكليفات.. كان من نتيجتها الحال الذي أصبح عليه هذا المواطن اليوم.. وحكومات ترحل وأخري تشكل.. والأزمات تحاصر هذا المواطن وتضربه بقوة.. والرئيس مبارك يصدر تعليماته.. وفي كل مرة كأنها تصدر لأول مرة، ومراجعة أرشيف الصحف القومية يكشف أنها نسخة طبق الأصل.وأهلاً بحكومة نظيف، وبأي حكومة أخري.. لأن الأمر لا يعنينا في شيء.. إنه بين الرئيس وبين الحكومة.. والشعب هو الطرف الغائب في هذه المعادلة.. مع أنه هو صاحب الحق الأصيل في حكم مصر والاستمتاع بخيراتها.)- وإلى جريدة الوفد حيث كتب جمال بدوي معلقا على الأزمة القضائية الجارية فصولها حاليا بين قضاة مجلس الدولة ووزير العدل بسبب إهانات الأخير المتكررة لجموع القضاة ...نقرأ: (كان إجماع الأسرة القضائية، بكل فروعها، في الاجتماع الطارئ لقضاة مجلس الدولة: أبلغ رد علي محاولات الوزير شق الصف القضائي وكان الحضور الكثيف للقضاة أول أمس مظهرًا مشرفًا للاحتجاج علي مسلك وزير العدل مستمسكين بالتقاليد القضائية الرصينة وعدم اللجوء إلي الاعتصام أو الاضراب، فقرروا إحالة القضية إلي رئيس الجمهورية بصفته رئيسًا للسلطة التنفيذية التي ينتمي إليها الوزير، وباعتباره حكمًا بين السلطات، وأمينا علي استقلال القضاء، ولذلك قرروا تشكيل وفد من شيوخ القضاة لمقابلة الرئيس لاطلاعه علي سجل التجاوزات التي ارتكبها الوزير خلال العام الذي شغل فيه منصب الوزارة. وتمشيًا مع تقاليد القضاء قرروا إقامة دعوي جنحتين ضد الوزير علي ما بدر منه من سب وقذف في حق المستشاريحيي دكروري، ومطالبته بتعويض يدفعه من جيبه الخاص للانفاق منه علي أنشطة النادي التي حجبها الوزير علي سبيل التشفي والانتقام. في كلمة بالغة التهذيب: سرد رئيس النادي تطورات المعارك التي شنها وزير العدل ضد القضاة. رغم أنهم احاطوا الوزير بكل مظاهر الاحترام عندما شغل منصبه، ولكنه قابل التحية بالاساءة، وإذا به يكشف عن روح عدائية دفينة تجاه القضاة، ويتناولهم بأوصاف غير لائقة، ويشكك في سلامة أحكامهم بقصد الحط من هيبتهم وكرامتهم (!!).علي مدي الساعتين: لم نسمع من القضاة هتافًا أو صراخًا، وكان التصفيق أداة التعبير يعلو عند ذكر الرئيس مبارك، تقديرًا لموقفه الانساني من محنة القاضي المنزلاوي، وكذلك عندما جاء ذكر الوزير الأسبق المستشار فاروق سيف النصر، وما تركه من أطيب الذكريات في نفوس القضاة. وقد أثيرت مسألة القضاة الأربعة الذين ذهبوا إلي مكتب الوزير لقضاء بعض المصالح الخاصة بهم، فإذا بهم يظهرون في صورة مع الوزير باعتبارهم »وفدًا« قضائيا جاء لمساندة الوزير ضد الاجماع القضائي، وطالب أحد المستشارين بمحاسبتهم، فنهض أحدهم وشرح كل الملابسات التي أحاطت بالمقابلة، وكيف انها كانت محض صدفة، ولكن الوزير ألبسها لبوسًا مزيفًا، وكشف القضاة الأربعة هذا الزيف، وأعلنوا تمسكهم بوحدة الصف القضائي. لقد باتت الأزمة بين الوزير والقضاة وديعة في يد الرئيس مبارك، وهي أزمة لم تعد تحتمل الصبر الطويل علي مسلك الوزير، وإنما تتطلب سرعة الحسم وإقصاء الوزير عن هذا المجال الذي لم يحسن التعامل معه، وجاء استمراره في منصبه مدعاة لمزيد من التوتر والغضب داخل المجتمع القضائي الذي لم يألف مثل هذا الأسلوب الهمجي في إهانة القضاة.)- وفي جريدة الدستور اليومية كتب إبراهيم عيسى عن فساد عصر مبارك ...وذلك من واقع تساقط رجال العصر واحدا تلو الأخر في قضايا رشوة كبرى ...نقرأ: (عدة أكاذيب يروجها نظام مبارك حين يعلن عن أي قضية فساد تمس شخصيات مسئولة في وزارة أو مؤسسة رسمية ، الأكذوبة الكبرى هي ما يقوله دفاعا عن وجود فساد في دولته ، وهو أن الفساد موجود في كل حتة ، أما الأكذوبة المفضلة عند رجال مبارك فهي (شوفوا قد إيه احنا ناس كويسة ونظيفة وبنحارب الفساد ولا نسكت على أي فساد أو فاسد داخل الدولة).وتعالوا نبدأ بالأكذوبة الثانية ، فالمؤكد أن مصر تعوم في بحر من الفساد، وأن نظام مبارك ليس فاسدا، فهذا أمر يمكن احتماله ومواجهته ومحاربته ، لكن نظام مبارك بعد ستة وعشرين عاما من حكمة انتقل من فساد الإدارة إلى إدارة الفساد، صار نظاما للفساد، أي أنه يدير الفساد وينظمه ويوزعه ويقننه ، وكأننا أمام تنظيم مافيا لا ننشغل بتوصيفه هو فاسد أم لا؟، بل هو الفساد بعينه ، ولكنه فساد منظم ومخطط ومحكم ، إضافة إلى إفراز طبيعي للنظام الفاسد، وهو أنه صار نظاما مفسدا، بات قادرا بكل بساطة وحنكة وخبرة على أن يجعل أي مسئول أو موظف فاسدا، وكأي تنظيم مافياوي فإنه في لحظة ما في حاجة للتخلص من بعض الرؤوس أو الانتقام من بعض الثعالب الصغيرة التي تستغل التنظيم للعمل من ورائه لحسابها، أو أن ينشب صراع داخلي أساسه التنافس والحقد بين أطراف قوية داخل التنظيم ، الأمر الذي يجب على قيادة التنظيم التدخل ساعتها لتأديب هؤلاء المارقين ، فضلا عن إعطاء درس لأفراد التنظيم (العصابة) بأن القيادة صاحية ولن تسمح لأحد بالعبث في ذيلها، ولهذا أستطيع أن أجزم بأن كشف أي قضية فساد في مصر لا يكون إلا بغرض فاسد، قضية وزير المالية الأسبق محيى الدين الغريب والحكم عليه بالسجن كان عقب خروجه من الوزارة وانتقاما منه ، لأنه داس على مصالح رموز كبيرة منتفخة في مصر وأذاها بدون قصد ( ..) ماليا ولهذا تجد محيى الدين الغريب هو الوحيد الذي لا يدافع عن نفسه وملتزما الصمت مخافة لو تكلم أن ينال عقابا أشد وانتقاما أمر، أما قضية فساد محمد الوكيل في قطاع الأخبار في التليفزيون فكانت مقدمة قص ريش صفوت الشريف وإشعال حريق في طرف بنطلونه من أجل التزام حدود معينة في التأثير على مبارك وخطوة تمهيدية للإطاحة به من مقعده ، قضية يوسف عبد الرحمن مدير مكتب يوسف والي لم يكن هدفها سوى رمي والي خارج الحزب الوطني، قضية وزارة الثقافة الأخيرة - كما قضايا سابقة - تحذير لفاروق حسني من قرارات أو عطاءات أو مناقصات قد يتصرف فيها بدون استئذان ، خصوصا وهو على وشك الرحيل ، وهكذا الملفات كلها موجودة والجميع متجرح وملطوط وممسوك عليه بلاوي، لكن متى الإعلان عن القضية ، متى استخدام الملف ؟ هذا في يد القيادة ، وإلا قل لي لماذا تسكت الدولة على قضية رشوة قاض يعمل لديها موردا لقيادات المعارضة للسجن ؟ أو السكوت على فساد نائب عام أسبق وتحصينه ضد المقاضاة رغم كل أدلة الفساد المريعة المدان بها؟)

فوضى الاعتداءات الأمنية
جمال سلطان : بتاريخ 14 - 8 - 2007
أصبح حدثا يوميا تقريبا اعتداءات ضباط شرطة على مواطنين ، والتي تنتهي غالبا بمقتل مواطن برئ واتهام ضباط ومخبرين أو أمناء شرطة بقتله أو هتك عرضه ، كما انتشرت صور حية لوقائع اعتداءات صارخة على المواطنين في أقسام الشرطة بصورة تقشعر منها الأبدان ، وهي ظاهرة تعطي إشارات بأن هناك حالة من الاستباحة من قبل الشرطة للمواطنين ، والحقيقة أن هذه الاستباحة كانت لها مقدمات معنوية عندما قامت وزارة الداخلية بتنفيذ اقتراح سخيف باستبدال الشعار التاريخي "الشرطة في خدمة الشعب" إلى الشعار الجديد "الشعب والشرطة في خدمة سيادة القانون" ، فكانت رسالة نفسية سيئة جدا تكشف عن مشاعر عدوانية تجاه الشعب أو المواطنين ، بدون أي معنى وبسوء اختيار للتوقيت والإخراج للرأي العام ، ثم تواكب ذلك مع تعزيز حضور الطوارئ في الحياة السياسية والعامة ، بما جعل المواطن عاريا أمام الجهات الأمنية من جهة ، ومن جهة أخرى جعل هناك شعورا بالاستهانة بالقانون لدى رجل الشرطة ، لأن القانون في الواقع غاب ، والاستثناء هو الأصل ، بفعل الطوارئ ، فأصبحت هناك قناعة لدى رجل الشرطة بأنه يفعل ما بدا له بلا رقيب أو حسيب ، كما أدى ذلك على المستوى المهني والحرفي إلى ترهل في القدرات الأمنية الحقيقية ، لأن التعذيب هو أسهل طريقة للتعامل مع المشتبه فيه ، هذا بالإضافة إلى انتشار الوساطات والمحسوبيات على نطاق واسع في اختيارات كلية الشرطة ، وأصبح الطالب يعرف أنه دخل كلية الشرطة وسيتخرج ضابطا ليس لكفاءته أو تفوقه في أي صعيد ، وإنما لأنه مسنود ، أو لأسباب أخرى لا داعي لإعلانها هنا ، فالجميع يعرفونها ، وقد أفرز لنا ذلك جيلا جديدا من الضباط الشباب لا يختلفون كثيرا عن الشباب المستهتر في الشوارع أو المقاهي أو الملاهي الليلية ، سوى أنه تحت يديه سلطة وسلاح ، ومعظم وقائع القتل والاستباحة التي وقعت من الشرطة خلال السنوات الماضية قام بها ضباط شبان حديثو عهد بالخبرة الأمنية ، بل إن بعض الضباط الشبان وطلاب كلية الشرطة ارتكبوا فضائح لا يمكن أن يصدق إنسان أنها تصدر عن ضابط شرطة أو طالب يفترض أنه يؤهل لحماية القانون ، مثل واقعة البلطجة الجماعية واسعة النطاق التي قام بها عشرات من طلاب كلية الشرطة والضباط الشبان في نادي الصيد في الواقعة الشهيرة ، حيث استخدموا السنج والمطاوي والجنازير في مواجهات دامية ، وهو ما يكشف عن خلل جوهري في التكوين والتدريب والقيم التي يتربى عليها طالب الشرطة ومدى هيبة القانون في ضميره ، وإذا أردنا أن نوقف مسلسل الاستباحة فإن الأمر يبدأ من أول طريقة الاختيار ومعاييرها لطلاب الشرطة ، ووقف كل مسالك العبث والفساد فيها ، كما أنه يكون من تحصيل الحاصل أن نذكر بخطايا قانون الطوارئ ومخاطره على سلامة الوطن ونسيجه الاجتماعي ، لأن تكرار وقائع القتل والاستباحة والاستهتار قد تفضي إلى ما لا يمكن السيطرة عليه من ردود الفعل الشعبية والتي ظهرت مقدماتها في العمرانية والدقهلية ، الطوارئ كانت كارثة حقيقية ، وها هي مصر تحصد ثمارها النكد على كل الأصعدة .
نفاق ثقافي ليس أكثر !
جمال سلطان : بتاريخ 13 - 8 - 2007
شن الدكتور جابر عصفور حملة عاتية أمس ضد الظلاميين ، وهم كل من يختلف معه خاصة على أرضية الفكر الديني ، لأن جابر عصفور يقدم نفسه دائما كحامل لمشعل صحيح الدين وصحيح الفكر وصحيح الثقافة وصحيح التنوير وصحيح أي شيئ تتخيله في مجالات الفكر والأدب والمعرفة ، ولم لا ، والكل يخطب وده ، فهو حامل مفاتيح خزائن فاروق حسني ، وهو الرجل الذي عن طريقه دخل المثقفون الحظيرة ، كما عبر الوزير نفسه في عبارة أصبحت من علامات الثقافة والمثقفين في العهد الحالي ، وسبب الحملة الجديدة هي الحكم الذي صدر ضد أحمد عبد المعطي حجازي لصالح الشيخ يوسف البدري بتغريمه عشرين ألف جنيه ، لثبوت سبه وقذفه للشيخ البدري ، ولما امتنع حجازي عن دفع الغرامة قررت المحكمة الحجز على منقولات منزله ، وهو إجراء قضائي عادي جدا ، ولا شأن له بطرفي النزاع ولا بموضوع النزاع أصلا ، جابر عصفور اعتبر أن حجازي شهيد حرية التعبير ، كما هاجم القضاء لأنه أدان حجازي بسبب آرائه الفكرية واجتهادات الدينية التي يرفضها الظلاميون والطالبانيون ، كما استنكر جرجرة المثقفين وأصحاب الرأي إلى المحاكم ، واعتبر ذلك عملا ضد الحرية والاستنارة ، ويبدو أن جابر عصفور لم يكن لديه الوقت الكافي لمعرفة الحكاية ، أو أن أحدا حدثه على الهاتف وناشده أن يغيث حجازي ، فدخل في الموضوع من الدار للنار ، كما يقولون ، دون أن يعرف أو يفهم شيئا في القضية ، فالقضية لا شأن لها باجتهادات حجازي ، رغم أن تعبير اجتهادات واسع جدا على مقاس حجازي ، وأقول هذا بأمانة شديدة ومعرفة مباشرة بالرجل ، فحجازي سطحي جدا في أفكاره وفي فهمه حتى لتاريخ أمته وحضارتها وتراثها الفكري ، فضلا عن الديني ، غير أن موضوعنا الآن ليس تقييم حجازي وآرائه ، وإنما التأكيد على أن أي دفاع عن حجازي في هذا الموقف تحديدا سيكون عملا ضد الحرية ، لأنه سيكون إساءة بالغة للحرية وقيمتها ومكانتها في وعي الناس ، لأن اعتبار الشتائم والسباب حرية ووجهة نظر يمثل رسالة شديدة السلبية لدى الرأي العام عن مفهوم الحرية ، وربما حقق حشدا مضادا للحرية عند الناس ، وهو ما تتمناه مستويات كثيرة في السلطة ، على جانب آخر فإن صحيفة الأهالي ، لسان حال الجناح الماركسي في حزب التجمع ، عندما دخلت على الخط واتهمت الظلاميين بجرجرة المثقفين إلى المحاكم ودافعت عن حجازي ، تناست أن رئيس الحزب ، الماركسي العتيق الدكتور رفعت السعيد سبق وأن جرجر كاتب هذه السطور إلى ساحات المحاكم واتهمني بالسب والقذف في جنابه ، بعد سلسلة مقالات نقدية كتبتها ضد عبثه السياسي والفكري في صحيفة الشعب قبل قرابة عشر سنوات ، وفي المذكرة التي قدمها للقضاء طالب بحبسي سنتين وتغريمي مائة ألف جنيه ، وظلت القضية متداولة في الحاكم مدة ، وتفضل الدكتور محمد سليم العوا وثلة من المحامين الشرفاء بالتطوع فيها دفاعا عني ، في حين أن نقابة الصحفيين وأنا عضو فيها لم تذكر كلمة واحدة في القضية دفاعا عني أو انتقادا لسلوك رفعت السعيد بجرجرة المختلفين معه في الرأي إلى ساحات المحاكم ، بدلا من ساحات الصحف ، وكأن الأمر لا يعنيها ، وبطبيعة الحال ، تجاهل الدكتور جابر عصفور يومها وعشرات من "المستنيرين جدا" الذين يدافعون عن حجازي اليوم ويهاجمون من يجرجرون المثقفين إلى ساحات المحاكم ، تجاهلوا محاولة رفعت السعيد إدخالي السجن والحجز على منقولات بيتي لسداد مائة ألف جنيه طالب المحكمة بها ، قبل أن تجري وساطات عديدة لإجراء الصلح ، وأعتقد أن المقارنة بين الموقفين تؤكد لنا أن حملات التضامن مع حجازي التي تنشط الآن ، لا صلة لها بالحرية ولا تعبر عن موقف مبدأي من جرجرة المثقفين للمحاكم ، وإنما هي تصفية حسابات فقط مع خصوم في الفكر والموقف السياسي ، تتدثر زورا بحكاية حماية الكتاب والمثقفين من المحاكم .gamal@almesryoon.com
صناعة الفساد !
جمال سلطان : بتاريخ 12 - 8 - 2007
حاجة تحير ، دائما رجال الوزير في بلادنا فاسدون ، تقريبا لم يبق موظف كبير في مكتب يوسف والي إلا ودخل السجن متهما بالفساد أو الرشوة أو التزوير ، واليوم يتكرر المشهد نفسه مع فاروق حسني وزير الثقافة ، إذ أنه أصبح متخصصا في "إيواء" المشبوهين والمجرمين ، فاكثر من قيادة مسؤولة في مكتبه ودائرته اللصيقة أدانه القضاء ودخل السجن بمن في ذلك مستشاره الشخصي محمد فودة ، الذي تحول بقدرة قادر من موظف متواضع حاصل على شهادة متوسطة ولم يكمل تعليمه الجامعي إلى الرجل الخطير في مكتب الوزير ومليونير كبير ، قبل أن ينتهي إلى السجن في الفضيحة المعروفة ، وتعددت وقائع الفساد في وزارة الثقافة حتى انتهينا اليوم إلى مصيبة أيمن عبد المنعم رئيس صندوق التنمية الثقافية وهو الشخص الأوثق في رجال فاروق حسني ، باعتراف الوزير نفسه ، وهو الذي أوكل إليه دون غيره مشروعات تطوير آثار القاهرة الإسلامية بعشرات الملايين من الجنيهات ، فتحول خلال سنوات قليلة من موظف بسيط في الآثار إلى مليونير يمتلك عددا من السيارات الفارهة والشقق والشاليهات وخلافه مما يجري حصره الآن بمعرفة النيابة ، ويبدو أن فاروق حسني مكتشف المواهب دائما ، ويمتلك عبقرية تحويل الموظفين البسطاء من مواطنين معدمين إلى مليونيرات خلال وقت قصير ، الواقعة التي كشفت صديق الوزير وحبيب قلبه وموضع ثقته ـ كما وصفه الوزير نفسه ـ كانت تلقيه رشوة مالية من ثلاثة شركات مقاولات نظير أن يمنحهم عمليات ترميم آثار بقيمة أربعين مليون جنيه ، المبلغ الذي تقاضاه رشوة لم يعلن عنه ، ولكن المقاولين قالوا أن الصفقة تشمل المبلغ المالي وبناء شاليه فخم خاص بمعاليه ، ولك أن تتخيل عمولة مبلغ يقدر بأربعين مليون جنيه ، غير أن الذي يقتلك غيظا ، أن وزير أوكار الفساد بدلا من أن يبحث عن "مأوى" يخبئ فيه وجهه من توالي هذا المسلسل النتن في مكتبه وأعلى هرم وزارته ، يظهر في مؤتمرات صحفية لكي يدافع عن هذه الروائح النتنة ، ويستبق تحقيقات النيابة ، لكي يدافع عن صديقه المتهم بالرشوة ، ويصفه بأنه كفاءة نادرة ـ يا عيني ـ كما يتحدث عن أعماله بأنها قامت على مستندات سليمة ، من أين يأتي الوزير بكل هذه البجاحة وكل هذا الاستهبال ، هل هو قلق من أن تطاله هو نفسه الاتهامات ، الوزير يحاول التستر على الفضيحة بإرسال إشارات إلى القيادة السياسية بأن هذه القضية قد تؤثر على ترشيحها له لرئاسة اليونسكو ، وهو يصوغ هذه الإشارات بخبرته المعهودة من خلال نفيه المتكرر أمام أجهزة الإعلام أي تأثير للقضية على ترشيحه مذكرا بأن الخارجية أرسلت خطابات رسمية بترشيحه إلى السفارات والمؤسسات العربية وأن الرئيس الفرنسي نفسه وعد بالتدخل لمناصرة ترشيحه ، وهو نفي متكرر بقصد ترويع القيادة السياسية لعلها تتدخل للملمة الفضيحة ، والسؤال الذي يطرح نفسه دائما ، لماذا غالبا يكون رجال الوزير في بلادنا فاسدين ، هل يمكن لنا أن نتصور أن البيئة التي اسسها الوزير حوله ، والقواعد العلمية والمهنية والاخلاقية الصارمة في اختيار كبار معاونيه ، هي التي صنعت هذا الفساد المتكرر ، أم أن البيئة الفاسدة هي صناعة الوزير نفسه وهي التي تتيح للفاسدين أجواءا ملائمة لممارسة مهاراتهم ومواهبهم ، وأن هؤلاء الفاسدين رأوا في ممارسات الوزير وحساباته وموازينه واختياراته وفي مكتب الوزير ومحيطه أجواء وممارسات وفضائح تجعل من الفساد والرشوة والتزوير ونهب المال العام شيئا عاديا ، وأن "العويل" هو الذي لا ينهب ، ومتى يمكن أن تطال تحقيقات الفساد في بلادنا الوزير نفسه الذي حول مكتبه ووزارته إلى بيئة خصبة للفساد ، ومرتعا للمفسدين .gamal@almesryoon.com
خبرات المستشار عادل عبد السلام جمعة
جمال سلطان : بتاريخ 11 - 8 - 2007
نعم ، كان تساؤل بعض القراء في تعليقاتهم على مقال الأمس في موضعها ، فيما يخص المستشار عادل عبد السلام جمعة ، رئيس المحكمة التي قضت بسجن مجدي أحمد حسين وصلاح بديوي سنتين كاملتين ، بعد معركتهم الرائعة في كشف فساد يوسف والي وزير الزراعة والأمين العام للحزب الحاكم سابقا وفضح أوكار الجريمة في مكتبه ، وهي الأوكار التي أدانها القضاء بعد ذلك وتم سجن معظم أفرادها ، وهو نفسه عادل جمعة القاضي الذي اتهمه مستشار يوسف والي في بلاغه للنائب العام هذا الأسبوع بأنه تقاضى رشاوى من أجل إصدار أحكام بحبس صحفيي الشعب وإغلاق الصحيفة وأنه عندما هدده رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق هتلر طنطاوي بفضح علاقاته المالية بيوسف والي ، والتي سجلتها الرقابة صوت وصورة ، أتى بحقيبة بها تسعون ألف جنيه وسلمها لأحمد عبد الفتاح مستشار الوزير من أجل أن يعطيها لطنطاوي لمنعه من تنفيذ تهديداته بكشف المستور في علاقة القاضي والوزير الذي هو أمين عام الحزب الحاكم ، نعم ظنون القراء في محلها ، فالقاضي هو هو نفسه عادل عبد السلام جمعة الذي قضى بسجن الدكتور سعد الدين إبراهيم ، بعد إدانته بالتجسس لصالح أمريكا وتقاضي أموال من الخارج ، في قضية يصعب أن تحكم فيها على مواطن بالحبس يوما واحدا أصلا ، وأثارت استغراب واستهجان كل الدوائر القانونية في الخارج والداخل ، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الدكتور سعد ، وهو نفسه القاضي الذي حكم بسجن الدكتور أيمن نور المعارض الليبرالي المزعج ورئيس حزب الغد ، وهو نفسه القاضي الذي حكم بحبس أحمد عز الدين الكاتب الصحفي القومي على الرغم من حرج الحكومة في تنفيذ هذا الحكم حتى الآن ، وهو نفسه القاضي الذي حكم بسجن صحفيي جريدة المصري اليوم وأيضا لم تنفذ الحكومة الحكم وأبقته سيفا على الرقاب ، وهو نفسه القاضي الذي صادر أموال رجال الأعمال من الإخوان المسلمين ، فالملاحظ أن مسار أحكام المستشار جمعة يمثل خطا واحدا ومثيرا للدهشة بالفعل ، إذ أنه من المستغرب أن تكون كل هذه القضايا التي أزعجت السلطة وحزبها الحاكم وأرادت فيها التنكيل بالمعارضة وأصحاب الأقلام الشريفة محالة إلى هذا القاضي تحديدا ـ دون غيره ـ وكأنه تخصص ، رغم أن المستشار عادل جمعة كان قاضي مدني بالأساس ثم حولوه فجأة إلى جنايات في نفس توقيت بلاغ والي ضد جريدة الشعب ، وهذا يعني أن المستشار عادل عبد السلام جمعة اكتشفت فيه الحكومة مهارات خاصة لا تتوفر في القطاع العريض من القضاة المصريين ، أو أن له خبرات خاصة تجعله أقدر على تفهم مثل هذه القضايا الشائكة ، وبالتالي الحكم فيها بما يردع المغرضين ويعيدهم إلى جادة الصواب ، ورغم أن المؤسسات الحقوقية الدولية والمنظمات الحقوقية المحلية استنكرت بشدة مثل هذه الأحكام ووصفتها بالمسيسة بمعنى أنها صدرت بناء على توجيهات سياسية من أصحاب النفوذ والسلطة في البلد ، وأن هذه الأحكام مهينة لسمعة القضاء المصري ومسقطة لهيبته ، إلا أن موقف الحكومة والرئيس مبارك كان (مشرفا) إذ رفضوا هذه الاتهامات ، واستنكروا تشهير الأمريكان والأوربيين الحاقدين بأحكام حبس الصحفيين والمعارضين والشرفاء على خلفية خصوماتهم السياسية مع السلطة ، ودافعوا بحرارة عن أحكام المستشار عادل عبد السلام جمعة ، باعتباره يمثل القضاء المصري النزيه والمستقل حسب التصريحات الرسمية التي تكررت كثيرا خلال السنوات الماضية ، وأنا لا أفهم بعد كل هذه التأكيدات الرسمية من أعلى هرم السلطة كيف يشكك المشككون والحاقدون في الداخل أو الخارج في نزاهة الأحكام القضائية السياسية في بلادنا .Gamal@almesryoon.com
الفساد وسنينه
محمود سلطان : بتاريخ 13 - 8 - 2007
بات من التقاليد الرسمية، أن يتصدر مسئول حكومي رفيع، منصات الإعلام، ليعلن أن الحكومة جادة في مكافحة الفساد، وذلك عقب اصطياد فاسد كبير، عادة ما يكون سليل فساد من هم أكبر منه!"حجة السلطة في ذلك: تباهيها بأن الكشف عن معظم قضايا الفساد الكبرى، كانت عادة بمبادرة من الحكومة وليس من غيرها!حكاية أن "الكشف" و"الضبط" مبادرتان حكوميتان، تستحق عليها، أن نغني لها "أحلف بسماها وترابها" .. اعتقد أنها دعاية تشبه إلى حد كبير إعلانات الباعة المتجولين، عن الكريمات التي "تجعل من العجوزة صبية" أو من قبيل تلبيس " البوصة" كي تمسي "عروسة"!الضبط ربما فعلا، يكون قرارا "سلطويا"، ولكنه ليس "جسورا" ولا لوجه الله، لأن غالبية ملفات الفساد التي تتجمل الدولة بحكاية الكشف عنها، لم تكن سرا عويصا من "الأسرار العلية "، بل إن بعضها كتبت عنها الصحافة بالأسماء والمستندات التي "تخزق" عين التخين، ومع ذلك تم حفظها في أدراج صانع القرار، لتوظيفها فيما بعد في لعبة الكراسي، خلف الأبواب المغلقة.الذاكرة المصرية لم تصب بالزهايمر بعد، فقضية المبيدات المسرطنة، التي حبس بسببها رجل يوسف والي القوي د. يوسف عبد الرحمن، نشرت تفاصيلها جريدة "الشعب"، وقدم أربعة من كبار رجال القانون في مصر وعلى رأسهم الراحل عادل عيد ـ رحمه الله ـ ود. على الغتيت، عشرات المستندات التي تدين الوزير ومساعده، ومع ذلك بقى والي ويوسف على كرسييهما، فيما حبس مجدي حسين وصلاح بديوي وأغلقت "الشعب" وشرد أكثر من 80 صحفي و100 إداري.. وبعدها بسنوات استدعوا الملف من أضابير الرقابة الإدارية، لأسباب تتعلق بترتيبات تصعيد قوى وتهميش أخرى لتمهيد الطريق أمام سيناريو نقل السلطة في مصر في مرحلة ما بعد الرئيس مبارك.اصحيح الحكومة تقدم "مفسدين" للقضاء، ولكن الأصح من ذلك، أن من تكشف عنهم، عادة ما يكونون موضوعا للتحقيقات الصحفية لعدة سنوات، وتتجاهل تماما ما تكتبه الصحف، وإذا كشفت عن إحداها، فعادة ما يكون هذا الكشف متزامنا ـ بشكل يفقد الثقة في "شفافيتها" ـ بتغيرات في قمة الهرم السياسي، وتفسر عادة بأنها من قبيل تخويف قوى كبيرة، يتوقع أن تكون حجر عثرة أمام تلك التغيرات.حدث هذا مع د. يوسف عبد الرحمن، فيما بعد، إذ ربط مراقبون بين الكشف عن فساده وبين ما قالت إنه سيناريو لإضعاف نفوذ يوسف والي،.. وبالمثل : قطعت رقبة عبد الله طايل لتخويف كمال الشاذلي، ومن بعده محمد الوكيل، لإظهار "العين الحمراء" لرجل الدولة القوي صفوت الشريفتلك التفسيرات وجددت مبرراتها وحجيتها.. في أنها جاءت متزامنة مع المرحلة التي كانت تحتاج إلى إزاحة قوى معينة من الحرس القديم، من ذوي الثقل والخبرة السياسية الكبيرة، لإفساح الساحة أمام تمكين القوى الجديدة الصاعدة داخل أمانة السياسات.وارتكازا إلى هذه الاستدلالات الطويلة، يمسي هذا السؤال مشروعا" هل ثمة علاقة بين الكشف عن واقعة الفساد الأخيرة بوزارة الثقافة وبين التغيير الوزاري المرتقب وخروج فاروق حسني من جنة الحكومة وإلى فردوس اليونسكو، والصراعات التي بلغت حد تكسير العظام داخل الوزارة على مستودع من "الكعك" وليس "كعكة" واحدة؟!.. فالتجربة علمتنا أن ما يجري ربما يكون لـ"وجوه متعددة".. ليس من بينها وجه الله تعالىsultan@almesryoon.com
جنون الأراضي
محمود سلطان : بتاريخ 10 - 8 - 2007
الناس لا زالت مصدومة و"تايهة"، لا تدري سر ومغزى هذا الارتفاع الجنوني والمفاجئ في أسعار الأراضي.ومن حق الناس أن يفقدوا صوابهم، لأن ما يجري بشأن العقارات شيء لا يصدقه عقل، سيما وأن غالبية الشعب، لا يعرف سببا معقولا لهذا الجنون الذي أصاب سوق العقارات المصري، فيما لا يصدر من أي جهة رسمية أية بيانات تراعي مشاعر الرأي العام، وتحترمه وتحاول أن تفسر له، هذا الهوس العقاري المريب والغريب والذي يختفي خلفه ـ فيما يبدو ـ سلوك "مافياوي" لم يشهده المجتمع المصري في تاريخه!صحيح أن 90% من المصريين، ليسوا من أصحاب العقارات، ولكنهم مضارون بشكل مباشر، من هذا "التلاعب"، الذي لن يستفيد منه، إلا "الصفوة" التي حركت السوق نحو هذا "الجحيم" الذي يكتوي بناره المواطن الغلبان، ويرفل في "حرامه" كل صاحب عقار في "أراضي الأحلام" ! خاصة وأن دراسات أكدت أن مصر مقبلة على كارثة حقيقية بعد أن بلغت الفجوة السكانية نحو 400 ألف وحدة سكانية سنويا.في ندوة بنقابة الصحفيين، حضرها خبراء إسكان، أجمعوا تقريبا على أن بيع الأراضي للأجانب، هو الذي أدى إلى اشتعال أسعارها، وأن قرار البيع ، لم يكن لوجه الله أو لوجه البلد، وإنما كان خدمة لجيوب وكروش بعض الوزراء وكبار المسئولين الذين يملكون قطع أراضي في مناطق حول القاهرة مما أدي إلى مضاعفة سعرها مئات المرات!الدكتور حسني حافظ عبد الرحمن وكيل بنك الاستثمار القومي، نقلت عنه "الوفد" في يوم أمس الجمعة تأكيده، أن ما يحدث في الساحل الشمالي، والمدن الجديدة عبارة عن "غسيل أموال" وقال : لا يعقل أن يرتفع سعر المتر بهذه الصورة الجنونية فقد كان سعر المتر "400 " جنيهاً في القاهرة الجديدة، وكان كبار المسئولين أخذوا "15" قطعة بسعر "250" جنيه، فارتفع إلي ما يقرب من "4" آلاف جنيه!بيع مصر للأجانب لم يكن بهدف الاستثمار العقاري البريء، وإنما كان ورائه مافيات فساد خفية، ربما تكشف عنها البؤر التي أصابها هذا الجنون في الأسعار، وهي بؤر يمتلك فيها كبار رجال الدولة عقارات مختلفة، تحولت بين غمضة عين وانتباهتها من عقارات متواضعة في قيمتها إلى منجم ذهب يدر على صاحبها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشرالندوة التي عقدت في نقابة الصحفيين، كشفت على سبيل المثال، أن أرض "الجولف" ارتفعت من 200 جنيه للمتر، إلى 6 آلاف جنيه! .. وارتفعت سعر الفيلا بها من 700 ألف جنيه إلى 15 مليونا!صاحب هذه الدراسة، أكتشف أن في هذه المنطقة ـ "الجولف" ـ يملك أحد الوزراء من أراضيها "6" قطع، وزملاء له يملكون 3 قصور!يعني الحكاية .. ورائها ما ورائها من "فضائح" .. وما خفي قد يكون أفضح!sultan@almesryoon.com

No comments: