الاستــثمار الأجـــنبي ليـس حلا
بقلم: فهمـي هـويـــدي
الكلام الذي قاله رئيس الوزراء للقيادات الصحفية المصرية يقلقنا بأكثر مما يطمئننا, ويثير من الأسئلة بأكثر مما يقدم من ايضاحات وأجوبة, حتي ازعم ان اهم الافكار التي طرحها تحتاج الي تصويب, بعضه لنا وبعضه له.
الكلام الذي قاله رئيس الوزراء للقيادات الصحفية المصرية يقلقنا بأكثر مما يطمئننا, ويثير من الأسئلة بأكثر مما يقدم من ايضاحات وأجوبة, حتي ازعم ان اهم الافكار التي طرحها تحتاج الي تصويب, بعضه لنا وبعضه له.
(1)لا يستطيع أي متابع أن يفصل بين اللقاء الذي تم بين الدكتور أحمد نظيف وبين القيادات الصحفية المصرية بالإسكندرية يوم الخميس الماضي ـ في عز الحر وقلب عطلة الصيف ـ وبين البلبلة الحاصلة في الشارع المصري بسبب الأوضاع الاقتصادية والأزمات التي طغت علي السطح في الآونة الأخيرة, من جنون الأسعار الي نقص مياه الشرب, ولست اشك في ان صدمة المجتمع المصري بالاعلان عن بيع بنك القاهرة بوجه أخص, كانت من بين العوامل التي دفعت رئيس الوزراء لترتيب ذلك اللقاء, وهو ما يعني ان الهدف منه هو طمأنة الرأي العام المصري, بإيضاح ما التبس والرد علي ما اثير من شكوك وتحفظات علي اداء الحكومة وسياساتها.إستوقفتني ملاحظات عدة في الخلاصة التي نشرها الأهرام في عدد يوم الجمعة8/17 لكلام الدكتور أحمد نظيف, فرجعت إلي ما نشرته صحيفتين قوميتين اخريين هما الأخبار والجمهورية للتثبت من دقة ما نسب إليه من تصريحات. ولم أجد خلافا جوهريا بين ما نشرته الصحف الثلاث, الأمر الذي رجح عندي ان نص الأهرام, لم يتضمن تحريفا لكلام الدكتور نظيف. وهو ما يسوغ لي الاعتماد عليه في مناقشة ما صدر عنه, إلا اذا أراد هو أن يصححه, وهو ما لم يحدث خلال الأيام الثلاثة التي اعقبت النشر.لن اتوقف عند الارقام التي ذكرها عن تحسن الاقتصاد المصري, ليس فقط لان العبرة بما يستشعره الناس وليست بما تسجله جداول الاحصاء, ولكن ايضا لأن دلالة الارقام تختلف باختلاف زاوية قراءتها, ثم أن تباينها أو تناقضها يظل مصدرا دائما للغط والتندر. وقد لاحظت مثلا أن الدكتور نظيف قال فيما نشر علي الصفحة الأولي في الأهرام أن معدل الغلاء انخفض من12,4% إلي8% في الوقت الراهن, في حين ان زميلنا الأستاذ فاروق جويدة ذكر في مقالته المنشورة علي الصفحة39 من العدد ذاته ان اسعار السلع الرئيسية ارتفعت بنسبة60% في عام واحد. ولك أن تتصور حجم البلبلة والحيرة التي يعاني منها القارئ في هذه الحالة, بحيث لا يعرف من يصدق وأي رقم يطمئن إليه ويثق فيه!.. كما أنك قد تعذرني إذا نحيت الأرقام جانبا وحصرت مناقشتي في حدود الأفكار التي عبر عنها رئيس الوزراء, واعتبرتها مقلقة وبحاجة إلي مراجعة وتصويب.(2)لقد استغربت مثلا ما قاله الدكتور نظيف من أن الحكومة ليست لديها حساسية إزاء الاستثمار الأجنبي, في حين ان اي عقل سياسي في مثل ظروف بلادنا ينبغي أن يتعامل مع هذه الاستثمارات بمنتهي الحساسية والحذر. فلا يغلق الأبواب دونها بطبيعة الحال, وإنما يحرص علي أن يوجه ذلك الاستثمار فيما يخدم التنمية ويعزز اقتصاد البلد, بحيث يفيد بقدر ما يستفيد, ويركز علي الإنتاج وليس علي المضارية والسمسرة. ويتحرك في المجالات التي لا علاقة لها باستقلال البلد ومصالحة الاستراتيجية, وذلك كله لا يتم إلا من خلال استنفار القيادات المعنية يستصحب يقظة وأعينا مفتوحة جيدا, ورؤية سياسية تضبط المباح وغير المباح في مجالات ذلك النوع من الإستثمار.أما الاغرب من ذلك فهو نظرة رئيس الوزراء إلي دور الاستثمار الأجنبي, الذي اعتبره اساسيا ومحوريا, وذكر أن مصر لن تنمو ما لم تنجح في جذب الاستثمارات اليها. ولا اعرف من الذي اقنع الدكتور نظيف بهذه الفكرة المغلوطة, لأن الاستثمار الأجنبي لا يحقق تنمية ولا يصنع ازدهارا وليس ذلك من أهدافه. وإنما هو يشارك فقط في التنمية ويجني ثمار الازدهار. بالتالي فدوره مكمل وليس محوريا اساسيا. ومن الخطورة بمكان أن نرهن مستقبل التنمية في مصر بحيث يظل مصيره معلقا علي قدوم الاستثمارات الأجنبية. وأخشي أن يكون ذلك النمط من التفكير استنساخا للفكرة البائسة التي اعتبرت أن99% من أوراق اللعبة السياسية في يد الولايات المتحدة الأمريكية, إذ أنه يعبر عن نفس الفكرة حين يعتبر أن99% من أوراق المشكلة الاقتصادية في يد الاستثمار الأجنبي.بكلام آخر فإن خطورة الفكرة تكمن في انها تعبر عن عدم الثقة في الجهد المحلي, فتلغيه وتعول علي العنصر الخارجي لتحقيق التنمية في البلد. وذلك خطأ جسيم باتفاق أهل السياسة والاقتصاد. وعلي حد تعبير أحدهم فان المستثمر الأجنبي لن يفكر في وضع اساس المشروع التنموي لأي بلد, لان هذه مهمة الجهد الوطني والادخار المحلي, لكنه سيأتي اذا وجد أساسا جيدا ومستقرا, وسيسهم فقط في تعلية طوابق المبني. وهذا ما فعلته الصين, التي حققت أعلي معدل للتنمية في العالم( وصل الي12,10%), وحين حققت ذلك الانجاز فإنها لم تبلغه بفضل الاستثمار الأجنبي, وإنما كان الاستثمار المحلي هو الأساس الذي انطلق منه المشروع التنموي, إذا بلغت نسبته نحو45% من جملة الاستثمارات.ولماذا نذهب بعيدا في التنظير وأمامنا نموذج الحاصل في مصر الآن. ذلك ان الاستثمارات الخارجية من بين الاسباب التي اشعلت نار المضاربة العقارية في البلد, حيث اصاب هذا القطاع مسا من الجنون, أثار الفوضي والاضطراب في هذا القطاع وأحدث انقلابا في سوق العقار, أضر كثيرا بالطبقة المتوسطة( لا تسأل عن الفقراء!), التي اصبح المسكن بالنسبة لأفرادها حلما بعيد المنال.(3)لا أعرف من الذي ورط رئيس الوزراء في الإدعاء بأن الإستثمار الأجنبي هو الحل. كما انني لا اعرف من الذي اقنعه بان خياراتنا باتت محصورة بين اللجوء الي التمويل الأجنبي أو الاقتراض من الخارج. طالما أن المدخرات المحلية ضعيفة وعاجزة عن الاسهام في عملية التنمية. وهذه المقولة الأخيرة مست القضية لكنها لم تنفذ الي لب المشكلة. لأن أحدا لم يسأل لماذا تراجعت المدخرات المحلية حتي عجزت عن القيام بدورها في التنمية. وهو السؤال الذي اذا وقفنا علي اجابته زالت الحيرة وبطل العجب.لقد قال الدكتور نظيف أن مدخرات المصريين لا تزيد علي16% من الدخل القومي, وهذه نسبة لا تكفي لتحقيق معدلات النمو المطلوبة, وهذا صحيح لأن عجلة التنمية لا تدور بشكل جاد إلا إذا تراوحت نسبة المدخرات بين30,25%. علي الأقل, فذلك ما أثبتته خبرة الثلاثين سنة الأخيرة, في حالة الدول التي نهضت واعتبرت نمورا آسيوية, لكن ما لم يقله رئيس الوزراء أن المسئول عن تراجع المدخرات ليس سلوك المجتمع, وإنما هو سياسة الحكومة الاقتصادية, وإسرافها الذي أوصل عجز الميزانية إلي ما بين9 و10%, ولولا ذلك العجز لوصلت نسبة مدخرات المصريين إلي المعدل الذي يمكن أن يدفع عجلة التنمية بما يسهم في حل الاشكال.بذات القدر فانني لا أعرف من الذي ورط الدكتور نظيف في حكاية المستشار المالي الذي قال إنه خبير الطرح الذي سيتعامل مع ملف بنك القاهرة, وسيحدد علي مسئوليته ـ هكذا ورد النص في الأهرام ـ النسبة التي ستطرح للاستثمار, سواء لمستثمر عربي أو أجنبي, وهو ما لا يستبعد وجود نسبة كبيرة فيه للاكتتاب الشعبي.لن أتحدث في مبدأ بيع البنك, الذي قيل لنا رسميا قبل سنتين إنه لن يعرض للبيع. وعندي علامات استفهام كثيرة لم أعثر علي إجابة مقنعة عنها, حول جدية دوافع البيع وما إذا كانت هذه الخطوة مقررة من البداية, حين أدمج في بنك مصر عام2005 ثم قيل لنا ان البنك المذكور استحوذ عليه ولن يذوب فيه. أم أن قرار البيع كان مفاجئا في شهر يوليو عام2007.لست وحدي الذي انتابته الحيرة في شأن هذه الخلفيات التي أثارت لغطا لم يحسم بعد, ولكن حديث رئيس الوزراء عن المستشار المالي الذي سيحدد مصير البنك أضاف لغزا جديدا إلي قائمة علامات الاستفهام المثارة. ذلك أن أي مستشار لا يضع الأهداف, وإنما هو يقدم خيارات متعددة لبلوغ الأهداف التي يحددها القرار السياسي. فقد يكون هدف القرار هو إعطاء الأولوية للاستقلال الوطني, وقد تكون مسألة التنمية الاقتصادية بأي ثمن هي الهدف المنشود, وقد يصبح توفير التمويل والسيولة هدفا ثالثا. بكلام آخر فإن تحديد الهدف من البيع ـ الذي هو قرار سياسي بحت ـ هو الخطوة الأولي التي في ضوئها يتحرك المستشار المالي, وليس صحيحا ما ذكره رئيس الوزراء من أن خبير الطرح هو الذي سيتولي الموضوع علي مسئوليته, لأن المسئولية الحقيقية يتحملها صاحب القرار الذي عليه أن يحدد للخبير الهدف الذي يتحراه والدائرة التي عليه أن يتحرك في إطارها.(4)المقلق في كلام الدكتور نظيف أنه كشف النقاب عن أن مشكلتنا ليست في السياسات المتبعة, وإنما هي في الرؤية الاستراتيجية المتعلقة بمسئولية الجهد الذاتي, ودور رأس المال الأجنبي, وحدود التصرف في المال العام, والأهداف المتوخاة من بيع المؤسسات الاقتصادية.يزداد ذلك القلق حين يلاحظ المرء أن قضية الإنتاج لا تحتل مكانتها المناسبة في استراتيجية الخروج من الأزمة, مع أنها جوهر المشكلة ومفتاح الحل. وواهم كل من يتصور أن المستثمرين أيا كانوا هم الذين سيحلون هذه المشكلة. والإعلانات الباذخة التي صرنا نطالعها في الصحف كل صباح خير شاهد علي ذلك. فهي لا تتحدث إلا عن العقارات والمنتجعات والقري السياحية والمجمعات التجارية, إلي غير ذلك من المشروعات التي لا تحقق تنمية ولا تصنع تقدما, وتخاطب المستهلكين والمترفين وتنمي نوازع السفه والوجاهة الفارغة لدي الأثرياء, الذين تهافتوا خلال الأسابيع الماضية علي شراء فيلات تنوي إحدي الشركات الاستثمارية إقامتها علي الساحل الشمالي. وعرضت40 منها علي شاطيء البحر مباشرة. بقيمة الواحدة تسعة ملايين جنيه, بيعت كلها وهناك30 شخصا في قائمة الانتظار يتلهفون علي شراء ما سوف يستجد من تلك الفيلات, علما بأن المشروع كله لايزال مجرد رسومات علي الورق, والأرض المبيعة مازالت صحراء رملية لم يقم فيها عامود واحد.أحد أوجه المشكلة/ الأزمة اننا ونحن نتحرك بخطي مترددة ومرتبكة علي مسرح الأزمة نسارع إلي بيع الأصول الثابتة لعلاج مشاكل طارئة. فنفرط في رصيدنا الاستراتيجي لكي نتجاوز أزمات مرحلية, ومن ثم نضحي بالمستقبل من أجل حاضر لم ننجح في تشخيص دائه, وعجزنا عن أن نوفر له الدواء المناسب.
فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ٨/٨/٢٠٠٧
في تصريحات لوزير الإسكان أحمد المغربي، نشرتها صحف أمس.. أكد أنه انتهي من وضع خطة عاجلة لإنهاء المشروعات العاجلة لمياه الشرب.. لضمان وصولها إلي جميع القري بمختلف محافظات الجمهورية خلال ثمانية شهورمن المفترض أن أسعد لهذا الخبر، الذي يبشرنا فيه وزير الإسكان بانتهاء أزمة مياه الشرب، خلال فترة زمنية محددة هي ثمانية شهور.. وهو كلام صريح ومحدد، ويصدر لأول مرة عن وزير الإسكان.. فالحل سيكون شاملاً، ومرة واحدة لجميع القري المحرومة من مياه الشرب أو تعاني نقصاً فيها.
لكن لا أعرف لماذا يتسرب الشك في داخلي بأن هذا فوق قدرة وزارة الإسكان علي التنفيذ.. وأن المسألة ليست أكثر من امتصاص غضب الجماهير المحرومة من نقطة مياه نظيفة تشربها.. فحتي لو توفرت الأموال اللازمة لإقامة المشروعات، المطلوب تنفيذها علي وجه السرعة للقضاء علي الأزمة، فهل مدة الثمانية شهور كافية للانتهاء من الأزمة علي مستوي محافظات مصر؟
مرة ثانية أشك في ذلك.. وأتوقع أن تطل المشكلة برأسها بعد انتهاء مدة الثمانية شهور.. وخلالها سيكون وزير الإسكان قد أُبعد من منصبه، أو أنه سيقدم تبريرات جديدة، وسيطلب مهلة أخري.
وإذا كانت وزارة الإسكان قد تمكنت من تدبير الأموال، ولديها الإمكانيات الفنية القادرة علي تنفيذ تلك الخطة، فلماذا لم تقم بتنفيذها من قبل؟.. ولماذا تركت الجماهير تعاني تلك المشكلة عبر سنوات طويلة، امتدت لأكثر من ٢٥ عاماً؟.. ولماذا أيضاً تركت وزارة الإسكان الناس يشربون مياهاً غير نظيفة؟.. ومن الذي يتحمل المسؤولية عن إصابة الملايين بأخطر الأمراض وأشدها فتكاً، مثل الفشل الكلوي والإصابة بالالتهابات الفيروسية بجميع أنواعها؟!.
المسؤولية لا يتحملها أحمد المغربي.. إنما يتحملها نظام الحكم المعزول عن الجماهير، الذي يعيش بعيداً عن قضايا وهموم ومشاكل الناس الحقيقية.. وأغلب وقته ضائع علي تنفيذ ملف التوريث، بطريقة متخلفة عقلياً.
وصباح اليوم، يعقد الرئيس حسني مبارك اجتماعاً مع حكومة الدكتور أحمد نظيف، بقصر رأس التين بالإسكندرية.. لمناقشة قضية الارتفاع في أسعار جميع السلع الرئيسية.
سيادة الرئيس.. كتر ألف خيرك.. لقد عقدت سيادتك من قبل مئات الاجتماعات لمناقشة المشاكل نفسها، وبقيت دون حل حقيقي.. إذن لا فائدة مرجوة من هذه الاجتماعات، التي تعقبها مباشرة زيادة في الأسعار.. تعقبها اجتماعات.. ثم زيادات.
إن الإرادة القوية في الدفاع عن مصالح الجماهير وحل مشكلاتها غائبة.. كما أنها غائبة في أغلب سياساتنا.. إلا فيما عدا ما يهدد أمن نظام الحكم.. فهي متوفرة وزائدة عن الحد.
أما إذا صدق أحمد المغربي في كلامه، واستطاع فعلاً إنهاء أزمة مياه الشرب علي مستوي محافظات الجمهورية خلال ثمانية شهور.. فهذه ستكون أعجوبة هذا الزمان، التي ستتناقلها الأجيال علي مر العصور.. «والله يعطيكم العافية» مع الاعتذار للزميل الكبير صلاح قبضايا رئيس تحرير صحيفة «الأحرار» في استعارة هذا التعبير منه.
من قريب
فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ٨/٨/٢٠٠٧
في تصريحات لوزير الإسكان أحمد المغربي، نشرتها صحف أمس.. أكد أنه انتهي من وضع خطة عاجلة لإنهاء المشروعات العاجلة لمياه الشرب.. لضمان وصولها إلي جميع القري بمختلف محافظات الجمهورية خلال ثمانية شهورمن المفترض أن أسعد لهذا الخبر، الذي يبشرنا فيه وزير الإسكان بانتهاء أزمة مياه الشرب، خلال فترة زمنية محددة هي ثمانية شهور.. وهو كلام صريح ومحدد، ويصدر لأول مرة عن وزير الإسكان.. فالحل سيكون شاملاً، ومرة واحدة لجميع القري المحرومة من مياه الشرب أو تعاني نقصاً فيها.
لكن لا أعرف لماذا يتسرب الشك في داخلي بأن هذا فوق قدرة وزارة الإسكان علي التنفيذ.. وأن المسألة ليست أكثر من امتصاص غضب الجماهير المحرومة من نقطة مياه نظيفة تشربها.. فحتي لو توفرت الأموال اللازمة لإقامة المشروعات، المطلوب تنفيذها علي وجه السرعة للقضاء علي الأزمة، فهل مدة الثمانية شهور كافية للانتهاء من الأزمة علي مستوي محافظات مصر؟
مرة ثانية أشك في ذلك.. وأتوقع أن تطل المشكلة برأسها بعد انتهاء مدة الثمانية شهور.. وخلالها سيكون وزير الإسكان قد أُبعد من منصبه، أو أنه سيقدم تبريرات جديدة، وسيطلب مهلة أخري.
وإذا كانت وزارة الإسكان قد تمكنت من تدبير الأموال، ولديها الإمكانيات الفنية القادرة علي تنفيذ تلك الخطة، فلماذا لم تقم بتنفيذها من قبل؟.. ولماذا تركت الجماهير تعاني تلك المشكلة عبر سنوات طويلة، امتدت لأكثر من ٢٥ عاماً؟.. ولماذا أيضاً تركت وزارة الإسكان الناس يشربون مياهاً غير نظيفة؟.. ومن الذي يتحمل المسؤولية عن إصابة الملايين بأخطر الأمراض وأشدها فتكاً، مثل الفشل الكلوي والإصابة بالالتهابات الفيروسية بجميع أنواعها؟!.
المسؤولية لا يتحملها أحمد المغربي.. إنما يتحملها نظام الحكم المعزول عن الجماهير، الذي يعيش بعيداً عن قضايا وهموم ومشاكل الناس الحقيقية.. وأغلب وقته ضائع علي تنفيذ ملف التوريث، بطريقة متخلفة عقلياً.
وصباح اليوم، يعقد الرئيس حسني مبارك اجتماعاً مع حكومة الدكتور أحمد نظيف، بقصر رأس التين بالإسكندرية.. لمناقشة قضية الارتفاع في أسعار جميع السلع الرئيسية.
سيادة الرئيس.. كتر ألف خيرك.. لقد عقدت سيادتك من قبل مئات الاجتماعات لمناقشة المشاكل نفسها، وبقيت دون حل حقيقي.. إذن لا فائدة مرجوة من هذه الاجتماعات، التي تعقبها مباشرة زيادة في الأسعار.. تعقبها اجتماعات.. ثم زيادات.
إن الإرادة القوية في الدفاع عن مصالح الجماهير وحل مشكلاتها غائبة.. كما أنها غائبة في أغلب سياساتنا.. إلا فيما عدا ما يهدد أمن نظام الحكم.. فهي متوفرة وزائدة عن الحد.
أما إذا صدق أحمد المغربي في كلامه، واستطاع فعلاً إنهاء أزمة مياه الشرب علي مستوي محافظات الجمهورية خلال ثمانية شهور.. فهذه ستكون أعجوبة هذا الزمان، التي ستتناقلها الأجيال علي مر العصور.. «والله يعطيكم العافية» مع الاعتذار للزميل الكبير صلاح قبضايا رئيس تحرير صحيفة «الأحرار» في استعارة هذا التعبير منه.
من قريب
بقلم : سلامة أحمد سلامة
المجتمعات المحمية
لم أكن أدعو حين أشرت إلي الهجمة الضارية لاستثمارات عقارية ضخمة تقودها فوائض البترول الخليجية إلي الحد من هذه الاستثمارات بل العكس, إذ تمنيت لو كانت لدينا سياسة رشيدة تجتذب هذه الاستثمارات إلي مشروعات انتاجية وصناعية تولد فرص عمل كبيرة, بدلا من اندفاعها إلي مجالات الاسكان الفاخر الذي لا يخدم غير طبقة الأغنياء.كنت ومازلت أنعي علي هذا النوع من الاستثمار أنه يستنزف أموال المصريين ومدخراتهم, يبددونها في امتلاك فيلات وقصور فاخرة يؤمونها عدة أيام في السنة.. وهو ما صور للبعض أن مصر بتاريخها وأوضاعها الراهنة يمكن أن تجاري دبي وقطر ومجتمعات الخليج الناشئة, شبكل ما تعنيه الطفرة البترولية من قيم الوفرة والتبذير القائمة علي التجارة والبيزنس والخدمات المالية العابرة للاسواق العالمية.وفي هذا السياق لفتت نظري دراسة نشرت حديثا عن أنماط التنمية المصرية العقارية التي تأثرت بنمط التنمية في الخليج, وكان من نتيجتها نشوء عشرات من المجتمعات الفاخرة ذات البوابات المغلقة, تلجأ إليها النخب المتميزة هربا من الاكتظاظ المخيف للعاصمة.وتفيض الدراسة, التي ظهرت في كتاب عن القاهرة الكوزموبوليتانية نشرته الجامعة الأمريكية, في وصف التطور المادي للمجتمعات ذات البوابات, وأساليب الدعاية والترويج الإعلاني المذهلة لتملكها.. تستجيب هذه المجتمعات المغلقة لمفهوم المدينة المحمية التي يحيطها سور, يضمن الاستقلال الكامل ويمنع العيون المتطفلة, وهو ما يعكس تأثير ذوق الثراء الخليجي.تجري إعادة تشكيل المنظر العام للعاصمة علي أنه نهضة عمرانية تعكس شكلا من اشكال التحرر الاقتصادي والتكيف الهيكلي الذي تشجعه سياسات صندوق النقد الدولي, وهو ما ينطوي علي رغبة في استبعاد المخاطر الاجتماعية الكامنة في التشكيلات العشوائية بأحيائها الفقيرة المزدحمة بالمساكن المتواضعة والجماعات الدينية المتشددة, ومن هنا فقد لا يدرك الذين يجأرون بالشكوي من أن القاهرة أصبحت مجمعا للازعاج والتلوث والفوضي أنه لا يرجع فقط الي نزوح النخبة منها الي المجتمعات ذات البوابات, بل يرجع أيضا إلي اقتناع الطبقات القادرة بأنه لم يعد ما يمكن عمله سوي الهروب.ومع ذلك, كما تقول الدراسة, تتحقق داخل هذه المستوطنات ديمقراطية خاصة ليست في حاجة لانتظار وصول الديمقراطية الأساسية للبلد ككل, وهو ما يولد إحساسا بخصخصة الاصلاح تؤدي الي خصخصة السياسة.وفي وسط هذا تتولي الشركات العقارية باستثماراتها الضخمة والهيئات الرسمية التي تتعامل معها نقل السلطة الي رجال الاعمال الذين يرتبطون بنمط للحياة يدافعون عنه بكل نفوذهم.وما يهمنا ان نخلص اليه من ذلك, هو أن تدفق الاستثمارات العقارية دون توجيه, لا يعني بالضرورة أن نأخذ بأنماط الحياة الخليجية وما يكتنفها, من بذخ, بدرجة تصيب نسيج المجتمع بالتشوه والتفسخ, وهو ما يستدعي وجود استراتيجية مدروسة تراعي الابعاد السياسية والاجتماعية التي لا ينبغي أن تترك سداحا مداحا لقرار رجال الأعمال وشركات المقاولات فقط
المجتمعات المحمية
لم أكن أدعو حين أشرت إلي الهجمة الضارية لاستثمارات عقارية ضخمة تقودها فوائض البترول الخليجية إلي الحد من هذه الاستثمارات بل العكس, إذ تمنيت لو كانت لدينا سياسة رشيدة تجتذب هذه الاستثمارات إلي مشروعات انتاجية وصناعية تولد فرص عمل كبيرة, بدلا من اندفاعها إلي مجالات الاسكان الفاخر الذي لا يخدم غير طبقة الأغنياء.كنت ومازلت أنعي علي هذا النوع من الاستثمار أنه يستنزف أموال المصريين ومدخراتهم, يبددونها في امتلاك فيلات وقصور فاخرة يؤمونها عدة أيام في السنة.. وهو ما صور للبعض أن مصر بتاريخها وأوضاعها الراهنة يمكن أن تجاري دبي وقطر ومجتمعات الخليج الناشئة, شبكل ما تعنيه الطفرة البترولية من قيم الوفرة والتبذير القائمة علي التجارة والبيزنس والخدمات المالية العابرة للاسواق العالمية.وفي هذا السياق لفتت نظري دراسة نشرت حديثا عن أنماط التنمية المصرية العقارية التي تأثرت بنمط التنمية في الخليج, وكان من نتيجتها نشوء عشرات من المجتمعات الفاخرة ذات البوابات المغلقة, تلجأ إليها النخب المتميزة هربا من الاكتظاظ المخيف للعاصمة.وتفيض الدراسة, التي ظهرت في كتاب عن القاهرة الكوزموبوليتانية نشرته الجامعة الأمريكية, في وصف التطور المادي للمجتمعات ذات البوابات, وأساليب الدعاية والترويج الإعلاني المذهلة لتملكها.. تستجيب هذه المجتمعات المغلقة لمفهوم المدينة المحمية التي يحيطها سور, يضمن الاستقلال الكامل ويمنع العيون المتطفلة, وهو ما يعكس تأثير ذوق الثراء الخليجي.تجري إعادة تشكيل المنظر العام للعاصمة علي أنه نهضة عمرانية تعكس شكلا من اشكال التحرر الاقتصادي والتكيف الهيكلي الذي تشجعه سياسات صندوق النقد الدولي, وهو ما ينطوي علي رغبة في استبعاد المخاطر الاجتماعية الكامنة في التشكيلات العشوائية بأحيائها الفقيرة المزدحمة بالمساكن المتواضعة والجماعات الدينية المتشددة, ومن هنا فقد لا يدرك الذين يجأرون بالشكوي من أن القاهرة أصبحت مجمعا للازعاج والتلوث والفوضي أنه لا يرجع فقط الي نزوح النخبة منها الي المجتمعات ذات البوابات, بل يرجع أيضا إلي اقتناع الطبقات القادرة بأنه لم يعد ما يمكن عمله سوي الهروب.ومع ذلك, كما تقول الدراسة, تتحقق داخل هذه المستوطنات ديمقراطية خاصة ليست في حاجة لانتظار وصول الديمقراطية الأساسية للبلد ككل, وهو ما يولد إحساسا بخصخصة الاصلاح تؤدي الي خصخصة السياسة.وفي وسط هذا تتولي الشركات العقارية باستثماراتها الضخمة والهيئات الرسمية التي تتعامل معها نقل السلطة الي رجال الاعمال الذين يرتبطون بنمط للحياة يدافعون عنه بكل نفوذهم.وما يهمنا ان نخلص اليه من ذلك, هو أن تدفق الاستثمارات العقارية دون توجيه, لا يعني بالضرورة أن نأخذ بأنماط الحياة الخليجية وما يكتنفها, من بذخ, بدرجة تصيب نسيج المجتمع بالتشوه والتفسخ, وهو ما يستدعي وجود استراتيجية مدروسة تراعي الابعاد السياسية والاجتماعية التي لا ينبغي أن تترك سداحا مداحا لقرار رجال الأعمال وشركات المقاولات فقط
فاروق حسني يقفز من مركب الحكومة المخروم قبل أن يلقى به في البحر وصحف المعارضة تقدم له طوق النجاة ويلقى محاضرة عن التربية في جريدة الكرامة ..عادل إمام يواسي زوج ابنته في اعتقال والده القيادي الإخواني ..
خاص المصريون : بتاريخ 20 - 8 - 2007
يوما تساءل أمل دنقل في رائعته لا تصالح التي تمثل مانفيستو الثورة للمتصايحين بالقومية ...قائلا :"كيف يصير دمي بين عينيك ماء ؟"..ويبدو أن جريدة الكرامة حاملة لواء القومية أبت إلا أن تفجع أمل في وصيته ...فقررت أن تصالح بلا هوادة ...تصالح فاروق حسني وزير الثقافة الذي قرر القفز من مركب الحكومة بعدما قرأ نوابا رميه في عرض البحر في عيون قادته السابقين ...الكرامة قدمت لفاروق حسني طوق نجاة عبارة عن حوار ظاهره فيه الموضوعية والتقييم وكشف الحساب زباطنه من قبله التمجيد لأول وزير ثقافة يحترق في عهده 150 مثقفا داخل قصر ثقافة محكم الإغلاق ...وهو نفس الوزير الذي هاجم الكرامة أثناء أزمة تصريحاته المهينة للحجاب والمحجبات ...حوار الكرامة جاء فاجعة صحفية بكل المقاييس رغم أن كاتبه دبج مدخلا ملحميا لإظهار أنه ليس من المثقفين الذين هرعوا اختياريا للحظيرة الواسعة التي شهدها عصر فاروق حسني وضمت أطيافا واسعة من المثقفين ...حوار الكرامة مع فاروق حسني ركز في بدايته على محور مفاده أن الوزير الفنان المثقف ضحية لمؤامرة دبرها له نافذون في نظام الحكم وحرضوا ضده في سياق هذه المؤامرة جرائد قومية موالية للنظام ...وهكذا بيت غمضة عين وانتباهاتها ...أضحى الوزير ضحية لنظام الحكم الذي خدمه بولاء منقطع النظير طوال فترة توزيره ....في حواره للكرامة تنقل فاروق حسني بين عدة عبارات واسعة عليه جدا ...فبعد مدخل الحوار تقمص دور المؤرخ الموضوعي الذي يرى في عبد الناصر زعيما صاحب مشروع والسادات انفتاحيا بعشوائية دمرت قيم واقتصاد مصر والمفاجأة أنه فاروق حسني قال أن مبارك اكتفى بأن يقبع على إدارة مصر ..العبارة التالية التي ارتداها فاروق حسني من تفصيل جريدة الكرامة هي عبارة المربي الناصح المرشد الذي ينعي فساد الأخلاق ...وانحسار القيم ..وتراجع الجمال في مصر بسبب غياب التربية ...فاروق حسني فسر كل ذلك بغياب التربية بعد ذلك انتقلت الكرامة ومعها فاروق حسني إلى منطقة الدفاع عنه ضد كل ما يقال حول أنه نجح في تدجين المثقفين من خلال التحكم في العطايا المالية ومنح التفرغ ..وإلى جريدة الدستور اليومية التي تحدثت حول رد فعل الممثل عادل إمام على اعتقال حما ابنته رجل ابنته رجل الأعمال الإخواني نبيل مقبل الذي قبض عليه أمس مع باقي قياداتالإخوان بالقاهرة ..عادل إمام عرض على ابنته وزوجها البقاء في قصره بالمنصورية لحين اتضاح الأمور ..وإلى جريدة المصري اليوم التي اهتمت بتغطية أخبار التربيطات والاشتباكات امسلحة التي سادت انتخابات الحزب الوطني الحالية
خاص المصريون : بتاريخ 20 - 8 - 2007
يوما تساءل أمل دنقل في رائعته لا تصالح التي تمثل مانفيستو الثورة للمتصايحين بالقومية ...قائلا :"كيف يصير دمي بين عينيك ماء ؟"..ويبدو أن جريدة الكرامة حاملة لواء القومية أبت إلا أن تفجع أمل في وصيته ...فقررت أن تصالح بلا هوادة ...تصالح فاروق حسني وزير الثقافة الذي قرر القفز من مركب الحكومة بعدما قرأ نوابا رميه في عرض البحر في عيون قادته السابقين ...الكرامة قدمت لفاروق حسني طوق نجاة عبارة عن حوار ظاهره فيه الموضوعية والتقييم وكشف الحساب زباطنه من قبله التمجيد لأول وزير ثقافة يحترق في عهده 150 مثقفا داخل قصر ثقافة محكم الإغلاق ...وهو نفس الوزير الذي هاجم الكرامة أثناء أزمة تصريحاته المهينة للحجاب والمحجبات ...حوار الكرامة جاء فاجعة صحفية بكل المقاييس رغم أن كاتبه دبج مدخلا ملحميا لإظهار أنه ليس من المثقفين الذين هرعوا اختياريا للحظيرة الواسعة التي شهدها عصر فاروق حسني وضمت أطيافا واسعة من المثقفين ...حوار الكرامة مع فاروق حسني ركز في بدايته على محور مفاده أن الوزير الفنان المثقف ضحية لمؤامرة دبرها له نافذون في نظام الحكم وحرضوا ضده في سياق هذه المؤامرة جرائد قومية موالية للنظام ...وهكذا بيت غمضة عين وانتباهاتها ...أضحى الوزير ضحية لنظام الحكم الذي خدمه بولاء منقطع النظير طوال فترة توزيره ....في حواره للكرامة تنقل فاروق حسني بين عدة عبارات واسعة عليه جدا ...فبعد مدخل الحوار تقمص دور المؤرخ الموضوعي الذي يرى في عبد الناصر زعيما صاحب مشروع والسادات انفتاحيا بعشوائية دمرت قيم واقتصاد مصر والمفاجأة أنه فاروق حسني قال أن مبارك اكتفى بأن يقبع على إدارة مصر ..العبارة التالية التي ارتداها فاروق حسني من تفصيل جريدة الكرامة هي عبارة المربي الناصح المرشد الذي ينعي فساد الأخلاق ...وانحسار القيم ..وتراجع الجمال في مصر بسبب غياب التربية ...فاروق حسني فسر كل ذلك بغياب التربية بعد ذلك انتقلت الكرامة ومعها فاروق حسني إلى منطقة الدفاع عنه ضد كل ما يقال حول أنه نجح في تدجين المثقفين من خلال التحكم في العطايا المالية ومنح التفرغ ..وإلى جريدة الدستور اليومية التي تحدثت حول رد فعل الممثل عادل إمام على اعتقال حما ابنته رجل ابنته رجل الأعمال الإخواني نبيل مقبل الذي قبض عليه أمس مع باقي قياداتالإخوان بالقاهرة ..عادل إمام عرض على ابنته وزوجها البقاء في قصره بالمنصورية لحين اتضاح الأمور ..وإلى جريدة المصري اليوم التي اهتمت بتغطية أخبار التربيطات والاشتباكات امسلحة التي سادت انتخابات الحزب الوطني الحالية
..*مقالات :- في عدد الاثنين من الدستور اليومية كتب إبراهيم عيسى حول رؤية جمال مبارك لشخصية مصر ...نقرأ: (إذا سألت جمال مبارك : ما هي شخصية مصر من وجهة نظرك وكيف نصفها فأغلب الظن انه سوف يجيبك إجابات من عينة مذيعات القناة لأولى فى مصر، ثرثرة عن حب مصر كأنها تتحدث عن حماتها التي لا تطيقها، ولكن تدعى حبها الفظيع الفزيع لها . أما لو سألت أحمد عز عن شخصية مصر، فسوف يمتدح فيها جدا، حيث أن هذه الشخصية اللي ما تتسمي هي التي أكسبته مليارا و15 مليون جنيه فى البورصة خلال ستة أشهر، وهذا دليل على أن مصر شخصيتها إمعة.أكاد أجزم أن جمال مبارك لم يقرأ حرفا للدكتور جمال حمدان ، ربما سمع عنه ، ولو سأل دكتوره علي الدين هلال أو رفيقه دكتور محمد كمال ، سوف يقولان له من هو جمال حمدان ، لكن أن يكون هذا المصرفي صاحب الملامح الحادة واللغة العربية الركيكة قد قرأ لجمال حمدان فأشك تماما، بل لعل أستاذه ورفيقه لم يبذلا جهدا كافيا فى قراءة موسوعة هذا الفذ الراحل، وربما شغلته الأفكار الفلسفية واللمعات اللوذعية لأمين التنظيم عن العودة لقراءة كتاب "شخصية مصر" للمفكر الراحل جمال حمدان والذي يشرح فيه ما نحن فيه بالضبط فى عصر مبارك ، يقول : (إن سلبية المواطن إزاء الحكم جعلت الحكومة هي كل شيء فى مصر والمواطن نفسه لا شيء، فكانت مصر دائما هي حاكمها. وهذا أس وأصل الطغيان الفرعوني والاستبداد الشرقي المزمن حتى اليوم أكثر مما هو نتيجة له فهو بفرط الاعتدال مواطن سلس ذلول ، بل رعية ومطية لينة ، لا يحسن إلا الرضوخ للحكم والحاكم ولا يجيد سوى نفاق السلطة والعبودية للقوة ، وما أسهل حينئذ أن يتحول من مواطن ذلول إلى عبد ذليل ) ومن الذل إلى النفاق ينتقل حمدان كاتبا (المؤسف أن النفاق إن لم يكن الوجه الآخر لأسود صفةواسوا سبة وهي الجبن، فإنه تعبير عن انتهازية "الفهلوة" والوصولية الزاحفة ، لا غرابة إذن فى أن تكون السلطة والحكم والنظام فى مصر دائما وابدأ هي أكبر دعاة الاعتدال المصري المزعوم واشد المهللين المحبذين المزينين له ومعترفي التفني المخادع الماكر به ذلك لأن هذا الاعتدال المرضي ليس فقط ضمان البقاء المطلق لهم ، ولكن أيضا ضمان التسلط والسيطرة المطلقة فمجتمع هذا النوع من الاعتدال العاجز هو مجتمع بلا صراع ، ومجتمع بلا صراع هو مجتمع من العبيد أو قطيع من الأقنان . وإذا كان النظام الحاكم يباهي دائما بما يسميه "الاستقرار" فى المجتمع المصري، إنما هو استقرار الجسد الميت والجثة الهامدة . فإن تعاني منه مصر حقيقة إنما هو فرط الاستقرار.)- وفي عددها لهذا الأسبوع نقرأ من جريدة الكرامة للدكتور جمال زهران حول التغيير الوزاري وأهمية أن يطال التغيير السياسات نفسها بدلا من الاكتفاء بتغيير الأشخاص: (ماذا يفيد تغيير وزراء مع استمرار نفس السياسات المتوحشة التي تعمل ضد الفقراء ولصالح الأغنياء ويبررون ذلك إن ذلك بهدف أن يحقق الفائدة للفقراء ؟ ولذلك فالمسألة هي فى ضرورة تغيير هذه السياسات القائمة حاليا والتي أصفها تحت قبة البرلمان دائما بأنها سياسات متوحشة لحكومة متوحشة وتديرها حكومة كاذبة تفتقر إلى المصداقيةوالشرعية أي القبول الجماهيري، فالقضية لم تعد فى الأشخاص بل فى السياسات، وربما يهتم البعض من "المشتاقين" بمثل هذه الأقاويل على أمل أن يتم ترشيحهم لهذه المواقع الوزارية ليصبح لهذا أو ذاك موقع وزاري يحقق به لطموحاته ويشبع به رغباته فى تحقيقالجاه والنفوذ والصالح ، ولكن السياسي النابه يدرك أن حديثا ما عن تغيير وزاري هو حديث للاستهلاك المحلى ولاستيعاب غضب الشارع المصري الذي يتزايد باستمرار وكل يوم رأسيا وأفقيا وربما ينفجر عما قريب ، كما أنه حديث لشغل الرأي العام عن قضاياه الأساسية وعن رفع الأسعار الجنوني فى جميع السلع وعن تراجع مستويات المعيشة لدى الفقراء ومتوسطي الحال وعن الفساد المستشري فى كل المستويات والمجالات لدرجة أنفاجأنا وزير الثقافة بقوله عن رشوة مساعده ومستشاره عماد عبدالمنعم بأنها تهون بجوار إنجازاته العظيمة !! .إنني أستطيع أن أتقبل جميع الوزراء الحاليين فى أماكنهم بما فيهم رأس الحكومة ودون تغيير شخص واحد، إذا عقدت النية على تغيير السياسات إلى نهج أخر يهتم بالفقراء ومتوسطي الحال وبالمناطق الشعبية المحرومة من القرى والنجوع فى قبلي وبحري، وسأعلن آنذاك دعمي لهذه الحكومة ويسألني مصري نابه كالعادة وهل يمكن لهؤلاء الوزراء ومن بينهم رجال أعمال أن ينفذوا سياسات شعبية مختلفة ؟ أرد على الفور بأن هؤلاء الوزراء هم موظفون من الدرجة العليا وليسوا سياسيين عقائديين ، إنهم موظفون تحقيقا لهدفا معين وجاءوا ليحققوه فإن تغير الهدف لدى القائد السياسي تغيرت الوسائل لحديهم ولا غبار لأن هؤلاء يمكنهم أن ينفذوا الشيء وعكسه فالسياسات المتبعة فى مجال الصحة وإنشاء الشركة القابضة للتأمين الصحي بدلا من الهيئة العامة ، وبيع المستشفيات وقانون التأمين الجديد، هو ضد الفقراء، وفى مجال التعليم فإن تراجع بناء المدارس وتأجير ما هو قائم لرجال الأعمال ، وعدم الاهتمام بغالبية هذه المدارس خاصة الفنية وكادر معلمين ناقص ، وفى مجال التعليم العالي وطرح قانون جديد موجه للتعليم الجامعي وإنشاء مجالس للأمناء يسيطر عليها رجال الأعمال وتحويل منصب رئيس الجامعة إلى موظف تنفيذي وليس صانع سياسة أو قرار وغيره من المواقع ، والتراجع عن تعيين المعيدين ، والتفكير فى سياسة قبول جديدة تلغى مكتب التنسيق ، كل هذه أفكار ضد الفقراء وضد المساواة وضد تكافؤ الفرص. وفى مجال الاستثمار فإن نهج ما يسمي بالخصخصة بعيدا عن الشعب والبيع بأقل المستويات والتفريط فى موارد الدولة بهذه البجاحة غير المسبوقة ، نموذج عصر أفندي وبنك الإسكندرية وما يجرى لبيع بنك القاهرة ء هو من السياسات التي خلفت الفقراء والبطالة وتدهور الصناعة ووأد حق الشعب والأجيال القادة في ثرواته وموارده وبالتالي هي سياسات ضد الفقراء والطبقة الوسطي
وفي المصري اليوم كتب مجدي مهنا حول الكارثة القومية المتمثلة في حرمان 96% من قرى مصر من الصرف الصحي ومسئولية الرئيس مبارك عن ذلك ...نقرأ: (نعم.. أنفقنا علي الصرف الصحي عشرات المليارات من الجنيهات كقروض ومن أموال المعونة الأمريكية، علي إصلاح هذا المرفق، وعلي تجديد شبكته.. ومع ذلك فالذي تبقي من المشكلة هو أن ٩٦% من قري مصر بلا صرف صحي.. وفقط ٤% من القري هي التي تكرمت الدولة وأدخلت إليها هذه الخدمة.ونعم.. الصرف الصحي ليس في أهمية مياه الشرب، لكنه إحدي الخدمات الأساسية، التي يجب أن ينعم بها المواطن.. فمن حقه الحصول علي كوب ماء نظيف.. ومن حقه أن تصله خدمة الصرف الصحي، خاصة أن القري والمناطق المحرومة من مياه الشرب النقية حتي الآن تلجأ إلي استخدام الطلمبات، للحصول علي مياه الآبار للشرب منها، وهذه المياه تختلط بالمجاري أحيانا، وهو ماتسبب في مشكلة كبيرة في محافظة الدقهلية، نتج عنها تسمم العشرات من المواطنين.وحيث إن الرئيس مبارك أصدر تعليماته إلي الحكومة بسرعة الانتهاء من مشكلة نقص مياه الشرب، بتخصيص ١٠٠٠ مليون جنيه للمناطق المحرومة، التي أعلن وزير الإسكان أحمد المغربي أنه سيتم إمدادها بالمياه النقية قبل نهاية ٢٠٠٨، كما تم تخصيص ١٧ مليار جنيه للانتهاء من جميع مشروعات المياه خلال السنوات الأربع المقبلة، وهي المشروعات التي بدأ العمل فيها منذ عشرة وعشرين عاما، ولاتزال مفتوحة حتي اليوم، بسبب نقص السيولة المالية لها.الرئيس مبارك مطالب اليوم بالاهتمام بمشكلة المجاري، خاصة في ريف مصر، قبلي وبحري، وإدخال خدمة الصرف الصحي في ٤٠٠٠ قرية علي الأقل.وقد يسأل أحد بالنيابة عن الرئيس مبارك: هذه القري محرومة من المجاري منذ عشرات ومئات وآلاف السنين، فلماذا تطالب اليوم بإدخال خدمة الصرف الصحي إليها؟ والإجابة سهلة: لأنه لم يوجد حاكم مصري واحد استمر في الحكم ٢٦ عاما و«لسه» سوي الرئيس حسني مبارك، كما أن الناس من حقها أن تنعم بالحد الأدني من الخدمات، مثل بقية شعوب العالم المتحضر، ويجب ألا نقارن أنفسنا بالدولة المتخلفة والقذرة، ونقيس أنفسنا عليها.بقي سؤال واحد: هل تعلمون كم يتكلف مشروع الصرف الصحي للقري؟يقدر بحوالي ٦٠ ألف مليون جنيه، تم تدبير ٣٤٠٠ مليون جنيه فقط حتي الآن، وباق ٥٦ ألف مليون جنيه تقريبا.. والحل سهل لدي وزير الإسكان أحمد المغربي، وهو طرح عدد من قطع الأراضي، وبيعها في مزاد علني.المجاري ياريس.. حتي لا نفاجأ، في يوم قريب بالأهالي يحملون «قصعات» بداخلها مخلفات المجاري ويلقون بها في الطريق العام.. وعلينا تخيل الصورة هتطلع إيه في الجرائد، وعلي شاشات الفضائيات
في الممنــوع بقلم مجدى مهنا ٢١/٨/٢٠٠٧
خلال أيام يجتمع المجلس الأعلي للطاقة، لاعتماد حزمة القرارات، التي أصدرها المهندس رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة، برفع أسعار الطاقة من غاز وكهرباء، علي بعض الصناعات الكبيرة، مثل الحديد والأسمنت والأسمدة، وغيرها.
وهي خطوة الهدف منها ـ كما أعلن ـ الاقتراب من السعر العالمي للطاقة.. ورفع الدعم تدريجيا عن سعر الطاقة، التي تبيعها الدولة إلي المصانع خلال سنوات قليلة، وقطعا سيلحق ذلك رفعها علي المواطنين كذلك.
ومنطق الدولة هو: طالما أن أسعار منتجات هذه المصانع من حديد وأسمنت وأسمدة مرتبطة بالسعر العالمي، فلماذا لا تحصل عليه تلك المصانع بسعر الطاقة العالمي أيضا؟!
وهو من هذه الناحية قرار سليم ولا غبار عليه.. يقول المهندس رشيد محمد رشيد إن تلك القرارات لن تؤثر علي أسعار السلع والمنتجات في السوق المحلية.. وذلك علي عكس جميع التوقعات، التي ذهبت إلي ارتفاع في أسعار الكثير من السلع والمنتجات في القريب العاجل، بدعوي رفع أسعار الطاقة، ليس فقط السلع التي تنتجها هذه المصانع،
بل جميع السلع القريبة منها والبعيدة عنها.. وما لم تتدخل الدولة بوسائلها المختلفة لمنع حدوث ذلك، فإن المواطن الغلبان هو الذي سيدفع في النهاية ثمن أي إلغاء للدعم، لأي سياسة تستهدف تحريك الأسعار لاقترابها من السعر العالمي.
هذا السعر العالمي لأي سلعة، يستلزم بالضرورة حصول المواطن المصري علي متوسط دخل يقترب كذلك من الدول الأخري، حتي لا يؤثر ذلك بالسلب علي مستوي معيشته، فينخفض أكثر.. بينما رئيس الوزراء يتحدث عن أرقام مختلفة.
إن سياسة حكومة الدكتور نظيف، القائمة علي «التوليع» في كل شيء في البلد ورفع أسعاره، لابد أن تبحث لنفسها عن مصادر أخري لزيادة الدخل القومي من غير قصم ظهر المواطن.. مثل مراجعة العقود التي أبرمتها مع بعض الدول، وقامت ببيع الغاز لها بأقل من السعر العالمي..
وأتمني أن يطالب المجلس الأعلي للطاقة، في اجتماعه المقبل بمراجعة أسعار بيع الغاز إلي الأردن وإلي إسبانيا بسعر دولار واحد، بينما سعره العالمي بسبعة دولارات.. وأن يطالب أيضا بإيقاف بيع الغاز إلي إسرائيل بسعر دولار ونصف الدولار.
أين ذهب الفرق؟ ولماذا قمنا ببيع الغاز إلي هذه الدول بهذا السعر المتدني؟
لابد من مراجعة سياسة بيع الغاز إلي الخارج.. لأنه من غير المعقول أن نفكر في تحرير سعر الطاقة علي مصانعنا، ولا نفكر في بيع الطاقة إلي الخارج بسعر يقل عن السعر العالمي بخمس أو ست مرات!
المواطن المصري تحمل بما فيه الكفاية.. وعلي الدولة أن تكون قوية بدرجة كافية، لحمايته من قوانين السوق التي لا ترحم.
عليها أيضا أن تحل لغز الأسمدة الكيماوية، التي يباع الطن منها بأكثر ١٠٠٠ جنيه من سعره الحقيقي، وأدي ذلك إلي ارتفاع أسعار جميع السلع والخضروات بنسبة لا تقل عن ٣٠% في الشهرين الأخيرين.. ومع ذلك يدعي الدكتور أحمد نظيف أن الأسعار لم ترتفع، أو أنها ارتفعت بنسب أقل من نسب تحريك الدخول والمرتبات.
العب غيرها يا دكتور نظيف.. فثمن بقائك في منصبك يجب ألا يتحمله المواطن الغلبان.
منظومة أمن مصرية بديلة
بقلم: محمد عبد الحكم ديابوصلت العلاقة بين منظومة الأمن المصرية والمواطن إلي طريق اللاعودة، وهذا أدخل مصر إلي نفق أكثر إظلاما من كل الأنفاق التاريخية السابقة. هذا علي الرغم من أننا نعيش عصرا لا وجود فيه لمجتمع، متقدم أو متخلف أو بين بين، بلا منظومة أمن تحميه، وتوفر لأبنائه الأمان والاستقرار، وهو نفسه العصر الذي لا تجد فيه دولة بلا قانون، أو بلا منظومة تقوم علي تنفيذه.وهنا تأتي صعوبة حل هذه المشكلة شديدة التعقيد. وينشأ التعقيد بسبب الظروف، التي وصل فيها الوضع إلي حد المطالبة بإلغاء جهاز الشرطة وتصفيته، وارتفاع أصوات منددة ومطالبة بالاعتماد علي النفس، وإعمال قاعدة العين بالعين والسن بالسن. وهذا يطرح علي بساط البحث المدي المتاح لانتاج بديل يحقق للمجتمع ما يريد وللأفراد ما يتطلعون إليه. وفي هذا المناخ لم يكن مستغربا أن يوجه النائب طلعت السادات، عضو مجلس الشعب. الخارج لتوه من السجن، نداء إلي القوات المسلحة حتي تتولي إدارة شؤون البلاد!منظومة الأمن الرسمية.. بتفرعاتها وتنوعها.. وتصرفاتها المدانة. ينظر إليها المواطن باعتبارها عبئا، ومصدرا للشر المطلق، فقد تجاوزت في سلوكها ممارسات الشياطين. وأعطت انطباعا رسخ عند المراقبين بأنها تبدو وقد تجردت من طبيعتها البشرية. فلا يبدو من بين منتسبيها معادٍ أو رافضٍ لممارسات تخرج عن حدود المعقول وغير المعقول. وتبدو أنها خضعت لـ تطهير أطاح بذوي المروءة والحس والضمير، وأن القلة الباقية،إذا كانت هناك قلة قد بقيت، تجبن أو تخاف من اتخاذ موقف يبرئ ساحتها مما ترتكبه هذه المنظومة من جرائم ضد الإنسانية، قد توقعها، إذا ما تغير الوضع، تحت طائلة القانون الدولي. ولا يشعر هؤلاء المراقبون بأن هناك، من بين مكونات منظومة الأمن المصرية، من يرفض هذه الجرائم ويستنكر ارتكابها.والخطر الماثل الآن هو من تداعيات العلاقة المتوترة بين منظومة الأمن والمواطن، وهي تنحو نحو الثأر والانتقام. وجاء ذلك مصحوبا بدعوة لإلغائها والتخلص منها. وهذا في الواقع غير ممكن؟ فقد تعقدت الحياة وزادت المخاطر. لا المواطن بقادر علي تنفيذ ما يريد ويتمني، وليس لدي المجتمع إمكانية إنتاج البديل.. والمصريون وهم محقون في موقفهم، لا يتعاملون مع منظومة أمن حقيقية، إنما مع جماعة خارجة علي القانون، جعلت من منتسبيها جلادين وطغاة ومنتهكي أعراض وسفاكي دماء. ومهما بلغ تردي نظام حكم، كان يجب ألا يطال ترديه منظومة الأمن، لأن في ذلك خطرا عليه، فقد تستدير إليه وتجعله يدفع ثمن جرائمها التي ارتكبتها حماية وتأمينا له. وتحمله مسؤولية تحولها إلي يد قاتلة، ولا نقول باطشة.. تضرب بها العائلة الحاكمة كل من يفتح فمه بسؤال أو كلمة. وانسحب هذا التحول علي مكوناتها هي نفسها. فلماذا لا تستخدم هذه اليد لصالحها، وتصبح وسيلة التعامل الوحيدة مع المواطن الأعزل من أي قوة مادية أو معنوية. فتضفي علي كلامها حصانة، فلا يرد، وتوفر لأوامرها غطاء فلا يعقب عليها أحد. مما وضعها في مواجهة الناس والمجتمع. ويبدو أن هذه المواجهة كانت مطلوبة لمنع التواصل بينها وبين المواطنين. وكانت هذه خبرة حسني مبارك، بعد إضراب جنود الأمن المركزي، في ثمانينات القرن الماضي. ومقابله تحصل علي امتيازات لا حصر لها..ومأزق هذه المنظومة أنها جزء من نظام حكم فقد صلاحيته، ومطلوب منها أن تمده بأسباب الحياة غير المتوفرة. بجانب أنها تقوم بكل مهام الدولة والحكم. وهي أعباء تنوء بحملها الجبال، وتتصور أن ما تقترفه من جرائم تقع مسؤوليته علي كاهل العائلة الحاكمة . وهي في النهاية، كما نقول في مصر: عبد مأمور ، والقتل والتعذيب بأوامر وتعليمات، و أكل عيش . علي طريقة عشماوي الذي يحصل علي دخله من قطف الرؤوس التي يتولاها علي المقصلة عند تنفيذ أحكام الإعدام، مع الفارق أن عشماوي يعمل في إطار القانون، أما منظومة الأمن المصرية تمارس وظيفتها خارج القانون. وهي تفي بالالتزامات المطلوبة منها. بطش إلي أقصي درجة، وإهدار كرامة إلي أحط مستوي، وتدمير إرادة إلي الحد الذي يشل العقل والبدن عن الفعل. باختصار فإن المطلوب منها هو القضاء علي الوجود المادي والمعنوي للمواطن المصري.وتتوفر لوزارة الداخلية موارد ضخمة. تمكن الوزير من الحصول علي دخل شهري يصل إلي ثلاثة ملايين جنيه مصري، وتمنح مساعدية مئات الألوف، ومن يليهم يحصلون علي عشرات الألوف. ومن أين تأتي هذه المبالغ في مجتمع فقير، ودولة توشك علي الإفلاس، وتجاوزت ديونها الداخلية والخارجية حدود الأمان؟ نجحت العائلة الحاكمة في وضع أكثر النظم تفننا في شؤون الجباية. تحصلها علي إيصالات وفواتير الغاز والكهرباء، وعلي رخص المحلات والمباني والسيارات، وعلي عربات الباعة الجائلين، وتصاريح المرور علي الطرق، وبطاقات الحفلات العامة والخاصة، وسرادقات العزاء والأفراح، وعلي مجالات لا تجد لها مثيلا إلا في مصر. ولو أن هذه المبالغ تصرف علي وجهها الصحيح لكانت مصر من أفضل بلاد العالم، ولكان المصريون الأكثر رخاء. إنها تصرف علي رجال الأمن والشرطة، فحصيلة رسوم الكهرباء، مثلا، توزع علي الهيكل الأمني من الوزير حتي أصغر شرطي، وهكذا رسوم الرخص والمرور وما يماثلها، ومع ذلك تعود بعضهم علي التسول وطلب المال. وإذا كان هذا في مجالات أمكن رصدها، لأنها مقننة ومسجلة. فما هو الحال مع غير المقنن وغير المسجل؟ وقد يكون أكبر من موارد الجباية الرسمية. فهناك رجال شرطة يفرضون إتاوات علي المحال العامة والخاصة، ويطلبون مبالغ مالية ومزايا عينية، يحصلون عليها من أصحاب المطاعم والمخابز والمحلات والورش، ومن سائقي النعوش الطائرة (الميكروباص)، والتوك توك، وأنواع المركبات التي ليس فيها ما يصلح للاستخدام الآدمي، وعلي سائقي سيارات الأجرة المستهلكة. وهذا السلوك من أهم مسببات الفوضي والحوادث والجرائم البشعة، خاصة جرائم الاغتصاب، من أطفال وصبية يقودون مركبات وحافلات، تحت تأثير المخدرات، وإذا ما انشغل رجل الأمن أو الشرطي بهذه الأمور فلن يجد الوقت الكافي للعمل الأمني الحقيقي. وهناك مناطق علي أطراف القاهرة وخارجها، يتسابق عليها أمناء الشرطة ويتصارعون، بسبب مواردها المالية الكبيرة، فالمخالفات فيها كثيرة، والأنشطة غير المشروعة فيها متضخمة، ويحصل الشرطي علي الإتاوة لإسقط المخالفات وتوسيع مجال الأنشطة غير المشروعة، بمعني آخر فهم يسبغون الحماية علي المخالفين والخارجين علي القانون.وأصبح في منظومة الأمن المصري أباطرة، علي النمط اللاتيني. يستخدمون تجار المخدرات والمطاريد في الأعمال القذرة، ومثال عزت حنفي، مالك أكبر مزارع المخدرات، في الصعيد، كان واضحا، ودفع حياته ثمنا. فلم يكن الرجل قد استوعب بعد أبعاد اللعب مع الكبار ، ووظيفة هؤلاء الأباطرة إخراس اللسان إذا نطق، قطع اليد إذا احتجت، وقطف الرؤوس إذا أينعت. إلا أن خطأهم الجسيم هو في تصورهم أنهم يكونون أكثر أمنا وسط شعب ذليل، وبين مواطنين خانعين. وأنهم يجدون السند في ما يعرف بالفكر الجديد، وهو ليس بجديد، لكنه عنوان مرحلة يدير فيها جمال مبارك شؤون مصر بالكامل. ويتخذ من هذا المسمي غطاء لتجفيف منابع الحياة أمام الفقراء ومحدودي الدخل، وتصفية ما تبقي في البلد من ثروة. ويتبني به أكثر القيم تخلفا وتوحشا في التراث الرأسمالي، لم يتطلع أبدا إلي أفضل ما فيه ويأخذ به، ونعني مجال الديمقراطية وآلياتها. نهل وعب من بشاعات هذا التراث، وعاد به إلي سيرته الأولي وسجله التاريخي المروع، في مرحلة نشأة الظاهرة الاستعمارية. وهي التي تأسست علي جماجم وأشلاء ضحايا التطهير العرقي والديني والإبادات الجماعية. قضت علي أهل البلاد الأصليين في قارتي أمريكا واستراليا وامتداداتهما، واستجلبت العبيد، وأبادة الافارقة، لولا حركات التحرر، التي عوقت مدها الشيطاني. وجمال مبارك، ليس سوي رأس حربة، أعدت سلفا، لتشارك في إعادة انتاج الظاهرة الاستعمارية مجددا. بهرته أفكار توني بلير عن عودة الاستعمار الحميد ، ومبادراته في الغزو الأخلاقي . يجد حياته واستمراره السياسي وغير السياسي في الولاء لواشنطن وخدمة مخطط جورج دبليو بوش. المكلف من الرب بحرق الأخضر واليابس في عالمنا التعيس، ويربط بقاءه بتلبية نداءاته المقدسة للقضاء علي الوجود المادي والحضاري للعرب استجابة تقربا وولاء للصهاينة.وبعد أن قويت شوكة بوش والتحاق ألمانيا وفرنسا بركبه. فطن جمال مبارك إلي إمكانية استغلال هذا الظرف، فطلب من والده شد الرحال إلي فرنسا، طلبا لوساطتها هي وألمانيا للتخفيف من قبضة بوش علي العائلة ، علي أن يبدي الاستعداد لتلبية ما يطلب منه، ولأن الفرصة كانت مواتية، بسبب حاجة أمريكا إلي المجهود العسكري والمالي والميداني العربي، فبدونه لن تشتعل الحرب المذهبية، ولن يعاد إنتاج مرحلة الاستعمار الحميد والاحتلال الأخلاقي !!، ولن تتسع دوائر الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. وعلي كل عربي أن ينظر حوله، شرقا أو غربا أو جنوبا أو شمالا، فسوف يجد صورة أو أخري من الإبادة أو التطهير العرقي. وحصل علي وعد بالدعم، وبدأت إجراءات الإفراج عن الجزء المجمد من المعونة، وصفقة سلاح كبري، لزوم المعركة القادمة ضد حزب الله وسورية وإيران. وتقرر تعطيل الإفراج الصحي عن أيمن نور، وإلغاء حزبه. وكل ذلك حدث أثناء جولة كونداليزا رايس في المنطقة.والاستعمار العائد يعيد ترسيخ قواعده، ويرتب صفوف رجاله ووكلائه. ترك للصراعات الطائفية والمذهبية أن تتكفل بأمر الإبادة الجماعية في بعض المناطق العربية، واستنفر قبائل وأعراق لتتولي مهمة التطهير العرقي في مناطق أخري. أما مصر الجائزة الكبري يتكفل بها جمال مبارك ودعاة الفكر الجديد مع المنظومة الأمنية، بعد أن أخذ علي عاتقه إبادة الفقراء وقتلهم، بدلا من القضاء علي فقرهم، بالأوبئة والمياه الملوثة والأغذية السامة والحوادث المروعة. ومن يبقي منهم حيا تتولي الشرطة أمره، وتقوم بإعاقته وشله، جسديا ونفسيا. وهذا ما يجعل تغيير بنية منظومة الأمن المصرية، ومعالجة ما لحقها من خلل وانحراف مستحيلا. ولا تبقي إلا الثورة حلا!
خرائط جديدة في الشرق الأوسط
بقلم : د. وحيد عبد المجيد
الحديث عن خرائط جديدة في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة أن المشروع الأمريكي لشرق أوسط جديد, أو كبير, قابل لأن ينجح. فقد تراجع هذا المشروع كثيرا. بعض خصومه يجزمون بأنه غرق مع القوات الأمريكية في العراق. وحتي إذا لم يغرق تماما, فهو فقد علي الأقل قوة الدفع التي اكتسبها خلال غزو العراق وبعيد إسقاط صدام حسين. وفضلا عن ذلك, فلو أتيحت له فرصة جديدة, فلا يعني ذلك تعديلا في الخرائط لأنه يركز عشلي استبدال سياسات الحكومات, أو الحكومات نفسها, لتكون عميلة لواشنطن, أي أنه يريد تغييرا في السياسة وليس الجغرافيا.فلا علاقة ضرورية, إذن, بين خرائط جديدة قد نراها في الشرق الأوسط في الفترة المقبلة, ونجاح المشروع الأمريكي الذي أصبح في طور الانحسار. فلا يستطيع أصحاب هذا المشروع استعادة زخمه الضائع إلا بإخضاع إيران وإرغامها علي التخلي عن التخصيب النووي, ووقف التدهور في العراق للوصول إلي منزلة في الوسط بين فشل راهن ونجاح بات في عداد المستحيلات.ومع ذلك, ربما نجد علاقة بين المشروع الأمريكي وتغيير بعض ملامح الشرق الأوسط الذي نعرفه منذ عقود طويلة, ولكن نتيجة فشل ذلك المشروع وليس نجاحه.وهذا هو الاحتمال الأرجح إذا وصل التدهور في العراق إلي مستوي يفرض تقسيما فعليا علي الأرض في ظل وضع يجعل الحفاظ علي العراق الذي نعرفه منذ العام1920 غير ممكن.وهذا احتمال لا يريد أحد مناقشته بجدية حتي اليوم ربما خوفا من أن يكون هذا فألا سيئا لدي من يتطيرون, أو من نوع( النبؤة المحققة لذاتها) عند من يؤمنون بالنظرية القائلة إن طرح احتمال غير محقق في ظرف محدد يمكن أن يجعله قابلا للتحقق.ولكن عدم طرح هذا السيناريو للحوار العام لا يعني أنه خارج نطاق التفكير. فهو مدرج علي جدول أعمال دول عدة في المنطقة, وموضوع علي' أجندة' الإدارة الأمريكية من خلال بعض مراكز الأبحاث وبعض أعضاء الكونجرس الذين دعا أحدهم قبل أسابيع إلي ما أسماه تقسيما جيدا للعراق إذا لم يكن ثمة حل آخر.غير أن ما ينبغي الانتباه إليه هو أن تقسيم العراق سيكون, إذا حدث, بداية رسم خرائط جديدة, وليس نهاية أليمة للمأساة العراقية. فلا شئ يدفع إلي الاعتقاد في أن هذا التقسيم سينهي مأساة الشعب العراقي أو يضع حدا لنزيف الدماء المتواصل. فغاية ما قد يحدث هي الانتقال من حرب شبه أهلية في داخل كيان واحد كبير إلي حروب بين كيانات أصغر, وفي داخلها أيضا.ومن هنا تأتي أهمية أن نفكر فيما لا يمكن التفكير فيه أو كما يقول الإنجليز(ThinkingtheUnthinkable). فتقسيم العراق قد يفتح شهية دول مجاورة لأن تتغذي علي بعض أجزائه, الأمر الذي يثير قضية مستقبل العلاقة بين منطقة جنوب العراق وإيران التي تسيطر فعليا عليها حتي النخاع.وفي هذه الحالة ستصبح دويلة جنوب العراق منطقة نفوذ خالصة تقريبا لإيران علي نحو لا تحتاج معه إلي ضمها رسميا. وليس هناك في طهران من يطرح احتلال دول أو أجزاء من دول أخري في المنطقة, بمن في ذلك أصحاب مشروع الإمبراطورية الإسلامية.وقد لا يكون النفوذ الإيراني في دويلة جنوب العراق, علي هذا النحو, مزعجا لواشنطن لأنه لا يعني أكثر من تكريس وضع قائم الآن. أما نقطة الإزعاج الرئيسية لأمريكا, في حالة تقسيم العراق, فهي المنطقة الكردية التي تقف تركيا المجاورة لها بالمرصاد الآن فما بالنا إذا بات استقلالها واردا. ولدي القيادة العسكرية التركية خطة لتدخل عسكري واسع النطاق في هذه الحالة. ولكن الأرجح أن تتمكن واشنطن من إقناع حلفائها الأكراد بإقامة اتحاد كونفيدرالي بين منطقة جنوب ووسط العراق والمنطقة الكردية في الشمال, وليكون هذا الاتحاد امتدادا للتحالف الذي قامت عليه العملية السياسية منذ عام2004. وتستطيع واشنطن تسويق مثل هذا السيناريو من خلال الزعم بأن الاتحاد الكونفيدرالي يمكن أن يحفظ وحدة القسم الأكبر من العراق بعد فشل الاتحاد الفيدرالي في ذلك. ويمكن أن يكون هذا السيناريو كافيا لتهدئة مخاوف أنقرة وبالتالي يجنبها شن حرب تخسر فيها الاتحاد الأوروبي نهائيا.وإذا مضت الأمور باتجاه اتحاد كونفيدرالي بين مناطق الأغلبية الشيعية والكردية, لن يكون هناك إلا خيار واحد بالنسبة إلي منطقة غرب العراق ذات الأغلبية السنية, وهو إقامة اتحاد بينها وبين الأردن.وإذا تأملنا فكرة' التقسيم الجيد', التي يرجح أن تلجأ إليها أمريكا الرسمية لتجميل واقع شديد القبح, يصبح هذا السيناريو واردا في ظل حاجة واشنطن إلي الإيحاء بأن هذا هو الحل الوحيد لمأساة العراق. كما أن في إمكانها, في ضوء علاقاتها الوثيقة مع الأردن, إقناع قيادته بأنها توفر لها فرصة لاستعادة' المجد الهاشمي' وأن تقدم لها في الوقت نفسه مساعدات كبيرة لدمج غرب العراق.وربما تجد الولايات المتحدة أيضا, في هذا السياق, فرصة للتخفف من أعباء قضية فلسطين واستثمار الانقسام الذي قاد إلي فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية, فتدفع باتجاه إحياء مشروع الكونفيدرالية الأردنية- الفلسطينية. فهذا المشروع, الذي ظن كثيرون أنه مات منذ عقود, ظل عصيا علي الدفن. ولا يكاد يبدو أنه مات حتي يتبين أنه في غيبوبة يمكن أن يفيق منها.وهذا هو ما يمكن أن يحدث في حالة تقسيم العراق, بدءا بإعلان مباديء يمهد لإقامة الاتحاد الكونفيدرالي بين الأردن والضفة الغربية بحيث يظل مفتوحا, من الناحية النظرية, لقطاع غزة في المستقبل. ويمكن أن يكون هذا حلا مريحا لأمريكا وإسرائيل, من زاوية أنه يتيح التركيز علي حل مسألة الحدود بشكل معقول في مقابل إرجاء قضية القدس( مادامت عمان ستكون عاصمة الكونفيدرالية) ومسألة اللاجئين.وفي هذه الحالة, تتحول الأردن إلي مملكة كبيرة تضم الضفة الغربية والعراق الغربي علي أساس كونفيدرالي.وقد لا تكون هذه هي كل ملامح الخرائط الجديدة المحتملة في المنطقة, ولكنها تمثل أهم هذه الملامح حتي الآن. وعلينا أن نفكر فيها, حتي إذا كان كثير منا يعتبرونها بعيدة الاحتمال. فالتفكير, حتي فيما لا يمكن التفكير فيه, واجب علي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في مرحلة انتقال عصيبة. كما أنه أكثر من واجب علي مصر وسياستها الخارجية ليس فقط لأنها في حاجة إلي بناء رؤية مستقبلية تشمل مختلف الاحتمالات علي أساس من التخطيط الاستراتيجي, ولكن أيضا لأن موقع الضفة الغربية في بعض الخرائط المحتملة يثير سؤالا كبيرا عن مصير قطاع غزة. وهذا سؤال يعني مصر قبل غيرها بكل تأكيد.
فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ٢٠/٨/٢٠٠٧
والمجاري يا ريس!
هذا ليس عنوانا لفيلم سينمائي، ولا مانشيت لصحيفة يبحث له عن موضوع.. إنما هو نداء إلي الرئيس حسني مبارك، أن يعطي اهتمامه، ويصدر تعليماته للتصدي لمشكلة المجاري في كل عموم مصر.
نعم.. أنفقنا علي الصرف الصحي عشرات المليارات من الجنيهات كقروض ومن أموال المعونة الأمريكية، علي إصلاح هذا المرفق، وعلي تجديد شبكته.. ومع ذلك فالذي تبقي من المشكلة هو أن ٩٦% من قري مصر بلا صرف صحي.. وفقط ٤% من القري هي التي تكرمت الدولة وأدخلت إليها هذه الخدمة.
ونعم.. الصرف الصحي ليس في أهمية مياه الشرب، لكنه إحدي الخدمات الأساسية، التي يجب أن ينعم بها المواطن.. فمن حقه الحصول علي كوب ماء نظيف.. ومن حقه أن تصله خدمة الصرف الصحي، خاصة أن القري والمناطق المحرومة من مياه الشرب النقية حتي الآن تلجأ إلي استخدام الطلمبات، للحصول علي مياه الآبار للشرب منها، وهذه المياه تختلط بالمجاري أحيانا، وهو ماتسبب في مشكلة كبيرة في محافظة الدقهلية، نتج عنها تسمم العشرات من المواطنين.
وحيث إن الرئيس مبارك أصدر تعليماته إلي الحكومة بسرعة الانتهاء من مشكلة نقص مياه الشرب، بتخصيص ١٠٠٠ مليون جنيه للمناطق المحرومة، التي أعلن وزير الإسكان أحمد المغربي أنه سيتم إمدادها بالمياه النقية قبل نهاية ٢٠٠٨، كما تم تخصيص ١٧ مليار جنيه للانتهاء من جميع مشروعات المياه خلال السنوات الأربع المقبلة، وهي المشروعات التي بدأ العمل فيها منذ عشرة وعشرين عاما، ولاتزال مفتوحة حتي اليوم، بسبب نقص السيولة المالية لها.
الرئيس مبارك مطالب اليوم بالاهتمام بمشكلة المجاري، خاصة في ريف مصر، قبلي وبحري، وإدخال خدمة الصرف الصحي في ٤٠٠٠ قرية علي الأقل.
وقد يسأل أحد بالنيابة عن الرئيس مبارك: هذه القري محرومة من المجاري منذ عشرات ومئات وآلاف السنين، فلماذا تطالب اليوم بإدخال خدمة الصرف الصحي إليها؟ والإجابة سهلة: لأنه لم يوجد حاكم مصري واحد استمر في الحكم ٢٦ عاما و«لسه» سوي الرئيس حسني مبارك، كما أن الناس من حقها أن تنعم بالحد الأدني من الخدمات، مثل بقية شعوب العالم المتحضر، ويجب ألا نقارن أنفسنا بالدولة المتخلفة والقذرة، ونقيس أنفسنا عليها.
بقي سؤال واحد: هل تعلمون كم يتكلف مشروع الصرف الصحي للقري؟
يقدر بحوالي ٦٠ ألف مليون جنيه، تم تدبير ٣٤٠٠ مليون جنيه فقط حتي الآن، وباق ٥٦ ألف مليون جنيه تقريبا.. والحل سهل لدي وزير الإسكان أحمد المغربي، وهو طرح عدد من قطع الأراضي، وبيعها في مزاد علني.
المجاري ياريس.. حتي لا نفاجأ، في يوم قريب بالأهالي يحملون «قصعات» بداخلها مخلفات المجاري ويلقون بها في الطريق العام.. وعلينا تخيل الصورة هتطلع إيه في الجرائد، وعلي شاشات الفضائيات.
انقلبت الآية: الحوار مع إسرائيل والحرب ضد حماس
بقلم: فهمـي هـويـــدي
الكلام عن «اوسلو» جديد لم يعد سؤالا يبحث عن جواب، ولا اجتهادا يحتمل الصواب والخطأ، ولكنه أصبح خبرا مقطوعا بصحته، بحيث بات علينا أن نتساءل عن مضمون الاتفاق وليس عما إذا كان هناك اتفاق أم لا، بل إن عناصر الاتفاق وعناوينه باتت معروفة بصورة نسبية، ويبدو أن ثمة تفاهما على معظمها، أما الجزء المتبقي فالحوار مستمر حول كيفية «إخراجه».
ففي الأسبوع الماضي، كشفت الصحف الإسرائيلية أن ثمة حواراً يجري منذ عدة أشهر بين رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن ورئيس الوزراء الاسرائيلي أيهود أولمرت، يستهدف التوصل الى إعلان مبادئ للتسوية النهائية للقضية الفلسطينية. وهذا الحوار يتم بصورة سلمية للغاية، وثنائية بين الرجلين، اللذين يفترض أن يعقدا خلال الأيام القادمة جولة جديدة في تلك المباحثات.
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد كشفت النقاب عن هذا الموضوع في تقرير نشرته يوم 16/8 الحالي، وكتب شمعون شيفر مراسلها السياسي المعروف بصلته الوثيقة بمكتب أولمرت، وتحدث فيه عن أن الرجلين «يحاولان بصدق وشجاعة معالجة القضايا السياسية في الصراع»، مشيراً الى أن أولمرت صرح للمرة الأولى أمام وفد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بأنه يتحادث منذ أشهر مع عباس في القضايا الجوهرية للصراع، بهدف التوصل إلى اتفاق حول المبادئ التي تقود إلى قيام الدولة الفلسطينية، وأن هذه المبادئ تتعلق بالحدود والقدس واللاجئين وتبادل الأراضي والمعبر الآمن بين الضفة واسرائيل، وطبيعة العلاقة بين اسرائيل والدولة الفلسطينية». وأمام الوفد الأمريكي وصف أولمرت أبو مازن بأنه «أول زعيم فلسطيني ـ منذ بدء الحوار مع القيادة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو ـ معني حقا بتغيير الواقع ويريد فعلاً سلاماً مع اسرائيل». وأضاف أنه في حالة التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني، فإنه سيعرض على الشعب الفلسطيني للاستفتاء عليه.
من الملاحظات المهمة التي سجلها تقرير المراسل الاسرائيلي إشارته إلى أن أولمرت اشترط في اللقاءات السرية أن تبقى حركة حماس خارج اللعبة (لأنها عدو للسلام!). كما أنه هدد بوقف التعاون مع أبو مازن في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بمشاركة حماس.
لم يذكر شمعون شيفر شيئاً عن مضمون المحادثات الجارية. وأشار في الوقت ذاته إلى أنه لا يعرف مدى التنازلات التي يقدمها عباس لأولمرت (لاحقاً ذكرت صحيفة هآرتس أن موضوع حق عودة اللاجئين يشكل الخلاف الأبرز في المفاوضات الدائرة بين الرجلين)، لكنه أضاف أنه اعتماداً على تصريحات أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني فإن إسرائيل ستكون مستعدة للانسحاب من 50% من أراضي الضفة تقام فيها وفي قطاع غزة الدولة الفلسطينية على أن تبقى (اسرائيل) تحت سيطرتها المساحة المتبقية المقامة عليها أكثر من مائة مستوطنة، وإنها توافق على إقامة ممر عادي (علوي أو تحت الأرض) بين الضفة والقطاع. وزاد أن أولمرت يميل الى قبول اقتراح بتعويض الفلسطينيين عن الأراضي في الضفة بأراض بديلة في رمال النقب. وتابع أن أولمرت لمح في الماضي إلى استعداده لنقل أحياء عربية في أطراف مدينة القدس الشرقية الى سيادة السلطة الفلسطينية، وأنه مستعد للتوصل الى اتفاق على مسؤولية مشتركة فلسطينية ـ اسرائيلية على الحرم القدسي الشريف. وفي مسألة اللاجئين، يتبنى أولمرت موقف ليفني القاضي بأن يطبق الفلسطينيون حق العودة فقط الى تخوم الدولة الفلسطينية، وليس الى ديارهم داخل اسرائيل.
صحيفة «هآرتس» نشرت تفاصيل أخرى حول الاتفاق المرتقب، منها أن الوثيقة المتضمنة لاعلان المبادئ سوف تكون مختصرة في صفحة واحدة، وستتضمن ما بين 4 و5 مبادئ عامة مقبولة من الطرفين، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية يأمل في إنجازها قبل المؤتمر الإقليمي الذي دعت إليه الولايات المتحدة في الخريف القادم. وكشفت أن وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس ستزور المنطقة في مستهل الشهر الجديد لتضييق الفجوات بين الطرفين، وأن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني وضعت استراتيجية لإنجاح مفاوضات أولمرت وأبو مازن عن طريق التحرك على ثلاثة مستويات هي:
ـ إضعاف «حماس» من خلال تصعيد الجهود الرامية إلى نزع الشرعية عنها في مقابل تدعيم حكومة السلطة الفلسطينية من خلال التعاطي مع «الجهات المعتدلة».
ـ حشد تأييد إقليمي من الدول العربية والإسلامية المعتدلة للعملية السياسية. ومن رأي ليفني أن من شأن ذلك أن يساعد على اندماج إسرائيل في المنطقة عبر تطبيع العلاقات معها على مراحل.
ـ تجنيد دعم دولي من أعضاء اللجنة الرباعية الدولية تحديداً والمجتمع الدولي عموماً، الذي ترى اسرائيل أن مهمته الأساس دعم العملية السياسية وتقديم المساعدات المالية لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة وتوفير أفق اقتصادي لها.
ليس معروفاً ما إذا كانت هذه الاتصالات بدأت بين أولمرت وأبو مازن أثناء حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية أم لا، برغم إشارة مراسل «يديعوت أحرونوت» الى أن العملية مستمرة منذ عدة أشهر وتعطي ذلك الانطباع. كما أن بعض الكتابات الاسرائيلية تشكك في إمكانية الوصول إلى الاتفاق المنشود، وهو ما عبر عنه كبير المعلقين في الصحيفة ذاتها ناحوم برنياع، الذي قال إن أولمرت وضعه مهزوز وقد يطيح به تقرير لجنة فينوغراد عن تقصير حكومته في حرب لبنان، الأمر الذي يجعله رئيساً للوزراء مع وقف التنفيذ، كما أن أبو مازن رئيس فلسطيني تكمن قوته الوحيدة في ضعفه. وقياديان بهذه المواصفات أعجز من أن يسوقا اتفاقاً حول مبادئ التسوية النهائية للصراع.
مع ذلك، فالثابت أن أولمرت يحاول استثمار فرصة الضعف الشديد لأبو مازن الذي أدى إلى تدهور وضع القضية الفلسطينية على نحو غير مسبوق، لانتزاع ما يمكن انتزاعه من تنازلات في إعلان المبادئ. وذلك يمكن أن يحسب له كإنجاز قد يحسن موقفه وينسى الرأي العام فشله في حرب لبنان. وفي الوقت ذاته، فإن الإدارة الأمريكية تستعجل الوصول إلى اتفاق، لإضافته إلى رصيد الرئيس بوش المتراجع بامتياز، أملاً في أن يؤدي ذلك الى تسكين الوضع في المنطقة ويمكن الإدارة الأمريكية من التفرغ للتعامل مع الملف الإيراني.
على الصعيد الفلسطيني، فثمة تمهيد متسارع للاستبدال بالاتفاق تحركا في اتجاهين متوازيين، أولهما السعي بمختلف السبل والمراسيم لإخراج حركة حماس من المسرح السياسي الفلسطيني، والحيلولة دون تمثيلها في أي مؤسسة فلسطينية منتخبة أو تنفيذية في المرحلة المقبلة. أما ثانيها فهو يتجلى في العمل على تصفية المقاومة بمختلف صورها، إذ بعد أن أسقط رئيس حكومة رام الله الدكتور سلام فياض المقاومة المسلحة من برنامج حكومته، فإنه لم يتوقف عن شن الحملات ضدها، حتى وصفها في بداية الاسبوع الحالي بأنها «مليشيات مسلحة». واعتبرها عقبة في طريق تحقيق السلام. وربما كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يصرح فيها رئيس حكومة «وطنية» في بلد محتل بمثل هذا الكلام عن المقاومة الوطنية. وفي الوقت ذاته، فإن حكومته شجعت عناصر المقاومة على إلقاء سلاحها والتعهد بعدم التصدي للاحتلال، مقابل توقف السلطات الإسرائيلية عن ملاحقتهم. وهو ما يعني ـ بين ما يعني ـ إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لمطاردة وتصفية المقاومين الذين يصرون على حمل السلاح وتحرير وطنهم من الاحتلال.
ما الذي يعنيه ذلك كله؟ ثمة محاولة حقيقية لإغلاق ملف القضية الفلسطينية. وانتزاع أقصى ما يمكن من التنازلات من أبو مازن، الذي لن يمكنه ضعفه من الصمود أمام الضغوط الاسرائيلية والفلسطينية. يعني أيضاً أن أبو مازن بصدد الدخول في دوامة جديدة تكرر تجربة أوسلو، التي كانت كسباً إسرائيلياً محققاً، وأصبحت وبالاً على النضال الفلسطيني، وحملة التخلص من الاحتلال، بعدما وفرت للاسرائيليين فرصة جديدة لتغيير الحقائق على الأرض، واستدراج الدول العربية الى الفخ الذي أصبح يحمل اسم معسكر السلام وقوى الاعتدال في المنطقة. يعني كذلك أن المسلسل العبثي مستمر، فبدلاً من أن يسعى أبو مازن وجماعته إلى لملمة الصف الفلسطيني من خلال التفاوض مع حماس بعيداً عن الضوء وفي السر، ومواجهة المخططات والاجتياحات الإسرائيلية بالإدانة المعلنة، فإنه فعل العكس تماماً، إذ بدأ يفاوض إسرائيل في السر لإغلاق ملف القضية، في حين أن حربه المعلنة ظلت ضد حماس وحدها. وهو ذات الموقف العبثي الذي أدهش الجميع وأذهلهم، مما دفع مراسل الإذاعة البريطانية الى التوجه بالسؤال التالي عبر الهاتف الى أقرب مساعديه السياسيين، ياسر عبد ربه، من يكون عدوكم الآن اسرائيل أم حماس؟ ـ وهو السؤال الذي أحرج الرجل وأربكه، حيث لم يستطع أن يعترف بالحقيقة المرة، فشتم المراسل وأغلق في وجهه سماعة الهاتف!
مآسي الجماعة الإسلامية
محمود سلطان : بتاريخ 21 - 8 - 2007
الكلام الذي قاله الصديق العزيز د. كمال حبيب، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، يوم أمس في "المصريون" تعقيبا، على تفضيل المفرج عنهم من أعضاء الجماعات الإسلامية، العودة إلى السجون والمعتقلات مجددا، بعد أن ضاقت بهم سبل الرزق وسدت كل منافذ العمل في وجوههم، خارجها وتواطؤ الجميع على مأساتهم وتجاهلها.. ما قاله حبيب بالغ الأهمية ولعله يوقظ الضمائر التي لا زال بها بعض الحياة.لفت حبيب إلى أن المفرج عنهم يتسمون بـ"الخجل الاجتماعي" نظرا لأنهم كانوا يمارسون دورًا دعويًا أو سياسيًا، ويعتبرون لجوءهم للإعلام لطلب مساعدتهم نوعًا من "التسول". هذه لافتة مهمة ينبغي وضعها قيد الاعتبار حال النظر في تقدير الموقف على مستواه الإنساني، غير أن الأهم من ذلك كله هو التنبيه على الجمعيات الخيرية الإسلامية أن تُعمل "فقه الأولويات" في هذه المسألة، وأن تعلم أن مساعدة المعتقلين وأسرهم ومرضاهم هي من أعمال البر المقدمة على بناء المساجد، خاصة أن الملايين التي تنفق على الأخيرة، يمكن أن تترجم إلى مشاريع صغيرة تغني ضحايا الاعتقالات مئونة ذل السؤال أو الموت جوعا ومرضا أو غما وهما.لقد قال لي مسئول كبير يتولى إدارة هذا الملف، أن قيادات كبيرة بوزارة الداخلية عاجزة تماما عن الوفاء بالأحكام القضائية التي قضت بتعويض المفرج عنهم، بسبب "تعنت" وزارة المالية، ورفضها الإحساس بالمسئولية تجاه هذا الملف الخطير، وهي ترفض اعتماد بنود جديدة مخصصة للتعويضات.ولقد كان صادما هذا الخبر الذي نشرته "المصريون" اليوم الذي كشفت فيه أن أحد المفرج عنهم لجأ إلى بيع إحدى كليتيه لعجزه عن سداد غرامة بـ 1000 جنيه قضت بها عليه محكمة عسكرية، بسبب ما اعتبرته "تهربا من التجنيد" رغم أنه قضى كل عمره في السجون!بل بلغني من مصادر موثوقة وقريبة من هذا الملف، أن عددا منهم حاول سافر إلى ليبيا بحثا عن عمل، غير أن السلطات المصرية، ردتهم على أعقابهم لأسباب "أمنية" رغم أنهم كانوا قد استدانوا تكلفة السفر من أقربائهم ومعارفهم! المشكلة الحقيقية هنا أن هذا الملف ليس ملفا إنسانيا يتعلق بأزمة بطالة عادية، ولكنه ملف "مفخخ" يمكن حال تجاهله، أن ينفجر فجأة وبدون مقدمات ليترك جرحا غائرا في المجتمع ويعيدنا إلى سنوات العنف السوداء.الأفكار كثيرة والمقترحات متعددة، ولكن القضية تحتاج إلى جهود جماعية إذ لن تجدي أية جهود فردية مهما كان حجمها، فالمشكلة تعدل أزمة دولة تحتاج إلى إسهامات كل مكوناتها السياسية والاجتماعية والحقوقية والخيرية الرسمية والأهلية.أتمنى من زملائي الصحفيين، سيما المشهود لهم بالوطنية والحرص على أمن هذا البلد واستقراره أن يحظى هذا الملف بنصيب من اهتمامهم، يليق بقدره وجلاله وخطورته.sultan@almesryoon.com
الحديث عن خرائط جديدة في الشرق الأوسط لا يعني بالضرورة أن المشروع الأمريكي لشرق أوسط جديد, أو كبير, قابل لأن ينجح. فقد تراجع هذا المشروع كثيرا. بعض خصومه يجزمون بأنه غرق مع القوات الأمريكية في العراق. وحتي إذا لم يغرق تماما, فهو فقد علي الأقل قوة الدفع التي اكتسبها خلال غزو العراق وبعيد إسقاط صدام حسين. وفضلا عن ذلك, فلو أتيحت له فرصة جديدة, فلا يعني ذلك تعديلا في الخرائط لأنه يركز عشلي استبدال سياسات الحكومات, أو الحكومات نفسها, لتكون عميلة لواشنطن, أي أنه يريد تغييرا في السياسة وليس الجغرافيا.فلا علاقة ضرورية, إذن, بين خرائط جديدة قد نراها في الشرق الأوسط في الفترة المقبلة, ونجاح المشروع الأمريكي الذي أصبح في طور الانحسار. فلا يستطيع أصحاب هذا المشروع استعادة زخمه الضائع إلا بإخضاع إيران وإرغامها علي التخلي عن التخصيب النووي, ووقف التدهور في العراق للوصول إلي منزلة في الوسط بين فشل راهن ونجاح بات في عداد المستحيلات.ومع ذلك, ربما نجد علاقة بين المشروع الأمريكي وتغيير بعض ملامح الشرق الأوسط الذي نعرفه منذ عقود طويلة, ولكن نتيجة فشل ذلك المشروع وليس نجاحه.وهذا هو الاحتمال الأرجح إذا وصل التدهور في العراق إلي مستوي يفرض تقسيما فعليا علي الأرض في ظل وضع يجعل الحفاظ علي العراق الذي نعرفه منذ العام1920 غير ممكن.وهذا احتمال لا يريد أحد مناقشته بجدية حتي اليوم ربما خوفا من أن يكون هذا فألا سيئا لدي من يتطيرون, أو من نوع( النبؤة المحققة لذاتها) عند من يؤمنون بالنظرية القائلة إن طرح احتمال غير محقق في ظرف محدد يمكن أن يجعله قابلا للتحقق.ولكن عدم طرح هذا السيناريو للحوار العام لا يعني أنه خارج نطاق التفكير. فهو مدرج علي جدول أعمال دول عدة في المنطقة, وموضوع علي' أجندة' الإدارة الأمريكية من خلال بعض مراكز الأبحاث وبعض أعضاء الكونجرس الذين دعا أحدهم قبل أسابيع إلي ما أسماه تقسيما جيدا للعراق إذا لم يكن ثمة حل آخر.غير أن ما ينبغي الانتباه إليه هو أن تقسيم العراق سيكون, إذا حدث, بداية رسم خرائط جديدة, وليس نهاية أليمة للمأساة العراقية. فلا شئ يدفع إلي الاعتقاد في أن هذا التقسيم سينهي مأساة الشعب العراقي أو يضع حدا لنزيف الدماء المتواصل. فغاية ما قد يحدث هي الانتقال من حرب شبه أهلية في داخل كيان واحد كبير إلي حروب بين كيانات أصغر, وفي داخلها أيضا.ومن هنا تأتي أهمية أن نفكر فيما لا يمكن التفكير فيه أو كما يقول الإنجليز(ThinkingtheUnthinkable). فتقسيم العراق قد يفتح شهية دول مجاورة لأن تتغذي علي بعض أجزائه, الأمر الذي يثير قضية مستقبل العلاقة بين منطقة جنوب العراق وإيران التي تسيطر فعليا عليها حتي النخاع.وفي هذه الحالة ستصبح دويلة جنوب العراق منطقة نفوذ خالصة تقريبا لإيران علي نحو لا تحتاج معه إلي ضمها رسميا. وليس هناك في طهران من يطرح احتلال دول أو أجزاء من دول أخري في المنطقة, بمن في ذلك أصحاب مشروع الإمبراطورية الإسلامية.وقد لا يكون النفوذ الإيراني في دويلة جنوب العراق, علي هذا النحو, مزعجا لواشنطن لأنه لا يعني أكثر من تكريس وضع قائم الآن. أما نقطة الإزعاج الرئيسية لأمريكا, في حالة تقسيم العراق, فهي المنطقة الكردية التي تقف تركيا المجاورة لها بالمرصاد الآن فما بالنا إذا بات استقلالها واردا. ولدي القيادة العسكرية التركية خطة لتدخل عسكري واسع النطاق في هذه الحالة. ولكن الأرجح أن تتمكن واشنطن من إقناع حلفائها الأكراد بإقامة اتحاد كونفيدرالي بين منطقة جنوب ووسط العراق والمنطقة الكردية في الشمال, وليكون هذا الاتحاد امتدادا للتحالف الذي قامت عليه العملية السياسية منذ عام2004. وتستطيع واشنطن تسويق مثل هذا السيناريو من خلال الزعم بأن الاتحاد الكونفيدرالي يمكن أن يحفظ وحدة القسم الأكبر من العراق بعد فشل الاتحاد الفيدرالي في ذلك. ويمكن أن يكون هذا السيناريو كافيا لتهدئة مخاوف أنقرة وبالتالي يجنبها شن حرب تخسر فيها الاتحاد الأوروبي نهائيا.وإذا مضت الأمور باتجاه اتحاد كونفيدرالي بين مناطق الأغلبية الشيعية والكردية, لن يكون هناك إلا خيار واحد بالنسبة إلي منطقة غرب العراق ذات الأغلبية السنية, وهو إقامة اتحاد بينها وبين الأردن.وإذا تأملنا فكرة' التقسيم الجيد', التي يرجح أن تلجأ إليها أمريكا الرسمية لتجميل واقع شديد القبح, يصبح هذا السيناريو واردا في ظل حاجة واشنطن إلي الإيحاء بأن هذا هو الحل الوحيد لمأساة العراق. كما أن في إمكانها, في ضوء علاقاتها الوثيقة مع الأردن, إقناع قيادته بأنها توفر لها فرصة لاستعادة' المجد الهاشمي' وأن تقدم لها في الوقت نفسه مساعدات كبيرة لدمج غرب العراق.وربما تجد الولايات المتحدة أيضا, في هذا السياق, فرصة للتخفف من أعباء قضية فلسطين واستثمار الانقسام الذي قاد إلي فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية, فتدفع باتجاه إحياء مشروع الكونفيدرالية الأردنية- الفلسطينية. فهذا المشروع, الذي ظن كثيرون أنه مات منذ عقود, ظل عصيا علي الدفن. ولا يكاد يبدو أنه مات حتي يتبين أنه في غيبوبة يمكن أن يفيق منها.وهذا هو ما يمكن أن يحدث في حالة تقسيم العراق, بدءا بإعلان مباديء يمهد لإقامة الاتحاد الكونفيدرالي بين الأردن والضفة الغربية بحيث يظل مفتوحا, من الناحية النظرية, لقطاع غزة في المستقبل. ويمكن أن يكون هذا حلا مريحا لأمريكا وإسرائيل, من زاوية أنه يتيح التركيز علي حل مسألة الحدود بشكل معقول في مقابل إرجاء قضية القدس( مادامت عمان ستكون عاصمة الكونفيدرالية) ومسألة اللاجئين.وفي هذه الحالة, تتحول الأردن إلي مملكة كبيرة تضم الضفة الغربية والعراق الغربي علي أساس كونفيدرالي.وقد لا تكون هذه هي كل ملامح الخرائط الجديدة المحتملة في المنطقة, ولكنها تمثل أهم هذه الملامح حتي الآن. وعلينا أن نفكر فيها, حتي إذا كان كثير منا يعتبرونها بعيدة الاحتمال. فالتفكير, حتي فيما لا يمكن التفكير فيه, واجب علي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في مرحلة انتقال عصيبة. كما أنه أكثر من واجب علي مصر وسياستها الخارجية ليس فقط لأنها في حاجة إلي بناء رؤية مستقبلية تشمل مختلف الاحتمالات علي أساس من التخطيط الاستراتيجي, ولكن أيضا لأن موقع الضفة الغربية في بعض الخرائط المحتملة يثير سؤالا كبيرا عن مصير قطاع غزة. وهذا سؤال يعني مصر قبل غيرها بكل تأكيد.
فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ٢٠/٨/٢٠٠٧
والمجاري يا ريس!
هذا ليس عنوانا لفيلم سينمائي، ولا مانشيت لصحيفة يبحث له عن موضوع.. إنما هو نداء إلي الرئيس حسني مبارك، أن يعطي اهتمامه، ويصدر تعليماته للتصدي لمشكلة المجاري في كل عموم مصر.
نعم.. أنفقنا علي الصرف الصحي عشرات المليارات من الجنيهات كقروض ومن أموال المعونة الأمريكية، علي إصلاح هذا المرفق، وعلي تجديد شبكته.. ومع ذلك فالذي تبقي من المشكلة هو أن ٩٦% من قري مصر بلا صرف صحي.. وفقط ٤% من القري هي التي تكرمت الدولة وأدخلت إليها هذه الخدمة.
ونعم.. الصرف الصحي ليس في أهمية مياه الشرب، لكنه إحدي الخدمات الأساسية، التي يجب أن ينعم بها المواطن.. فمن حقه الحصول علي كوب ماء نظيف.. ومن حقه أن تصله خدمة الصرف الصحي، خاصة أن القري والمناطق المحرومة من مياه الشرب النقية حتي الآن تلجأ إلي استخدام الطلمبات، للحصول علي مياه الآبار للشرب منها، وهذه المياه تختلط بالمجاري أحيانا، وهو ماتسبب في مشكلة كبيرة في محافظة الدقهلية، نتج عنها تسمم العشرات من المواطنين.
وحيث إن الرئيس مبارك أصدر تعليماته إلي الحكومة بسرعة الانتهاء من مشكلة نقص مياه الشرب، بتخصيص ١٠٠٠ مليون جنيه للمناطق المحرومة، التي أعلن وزير الإسكان أحمد المغربي أنه سيتم إمدادها بالمياه النقية قبل نهاية ٢٠٠٨، كما تم تخصيص ١٧ مليار جنيه للانتهاء من جميع مشروعات المياه خلال السنوات الأربع المقبلة، وهي المشروعات التي بدأ العمل فيها منذ عشرة وعشرين عاما، ولاتزال مفتوحة حتي اليوم، بسبب نقص السيولة المالية لها.
الرئيس مبارك مطالب اليوم بالاهتمام بمشكلة المجاري، خاصة في ريف مصر، قبلي وبحري، وإدخال خدمة الصرف الصحي في ٤٠٠٠ قرية علي الأقل.
وقد يسأل أحد بالنيابة عن الرئيس مبارك: هذه القري محرومة من المجاري منذ عشرات ومئات وآلاف السنين، فلماذا تطالب اليوم بإدخال خدمة الصرف الصحي إليها؟ والإجابة سهلة: لأنه لم يوجد حاكم مصري واحد استمر في الحكم ٢٦ عاما و«لسه» سوي الرئيس حسني مبارك، كما أن الناس من حقها أن تنعم بالحد الأدني من الخدمات، مثل بقية شعوب العالم المتحضر، ويجب ألا نقارن أنفسنا بالدولة المتخلفة والقذرة، ونقيس أنفسنا عليها.
بقي سؤال واحد: هل تعلمون كم يتكلف مشروع الصرف الصحي للقري؟
يقدر بحوالي ٦٠ ألف مليون جنيه، تم تدبير ٣٤٠٠ مليون جنيه فقط حتي الآن، وباق ٥٦ ألف مليون جنيه تقريبا.. والحل سهل لدي وزير الإسكان أحمد المغربي، وهو طرح عدد من قطع الأراضي، وبيعها في مزاد علني.
المجاري ياريس.. حتي لا نفاجأ، في يوم قريب بالأهالي يحملون «قصعات» بداخلها مخلفات المجاري ويلقون بها في الطريق العام.. وعلينا تخيل الصورة هتطلع إيه في الجرائد، وعلي شاشات الفضائيات.
انقلبت الآية: الحوار مع إسرائيل والحرب ضد حماس
بقلم: فهمـي هـويـــدي
الكلام عن «اوسلو» جديد لم يعد سؤالا يبحث عن جواب، ولا اجتهادا يحتمل الصواب والخطأ، ولكنه أصبح خبرا مقطوعا بصحته، بحيث بات علينا أن نتساءل عن مضمون الاتفاق وليس عما إذا كان هناك اتفاق أم لا، بل إن عناصر الاتفاق وعناوينه باتت معروفة بصورة نسبية، ويبدو أن ثمة تفاهما على معظمها، أما الجزء المتبقي فالحوار مستمر حول كيفية «إخراجه».
ففي الأسبوع الماضي، كشفت الصحف الإسرائيلية أن ثمة حواراً يجري منذ عدة أشهر بين رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن ورئيس الوزراء الاسرائيلي أيهود أولمرت، يستهدف التوصل الى إعلان مبادئ للتسوية النهائية للقضية الفلسطينية. وهذا الحوار يتم بصورة سلمية للغاية، وثنائية بين الرجلين، اللذين يفترض أن يعقدا خلال الأيام القادمة جولة جديدة في تلك المباحثات.
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد كشفت النقاب عن هذا الموضوع في تقرير نشرته يوم 16/8 الحالي، وكتب شمعون شيفر مراسلها السياسي المعروف بصلته الوثيقة بمكتب أولمرت، وتحدث فيه عن أن الرجلين «يحاولان بصدق وشجاعة معالجة القضايا السياسية في الصراع»، مشيراً الى أن أولمرت صرح للمرة الأولى أمام وفد من أعضاء الكونجرس الأمريكي بأنه يتحادث منذ أشهر مع عباس في القضايا الجوهرية للصراع، بهدف التوصل إلى اتفاق حول المبادئ التي تقود إلى قيام الدولة الفلسطينية، وأن هذه المبادئ تتعلق بالحدود والقدس واللاجئين وتبادل الأراضي والمعبر الآمن بين الضفة واسرائيل، وطبيعة العلاقة بين اسرائيل والدولة الفلسطينية». وأمام الوفد الأمريكي وصف أولمرت أبو مازن بأنه «أول زعيم فلسطيني ـ منذ بدء الحوار مع القيادة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو ـ معني حقا بتغيير الواقع ويريد فعلاً سلاماً مع اسرائيل». وأضاف أنه في حالة التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني، فإنه سيعرض على الشعب الفلسطيني للاستفتاء عليه.
من الملاحظات المهمة التي سجلها تقرير المراسل الاسرائيلي إشارته إلى أن أولمرت اشترط في اللقاءات السرية أن تبقى حركة حماس خارج اللعبة (لأنها عدو للسلام!). كما أنه هدد بوقف التعاون مع أبو مازن في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بمشاركة حماس.
لم يذكر شمعون شيفر شيئاً عن مضمون المحادثات الجارية. وأشار في الوقت ذاته إلى أنه لا يعرف مدى التنازلات التي يقدمها عباس لأولمرت (لاحقاً ذكرت صحيفة هآرتس أن موضوع حق عودة اللاجئين يشكل الخلاف الأبرز في المفاوضات الدائرة بين الرجلين)، لكنه أضاف أنه اعتماداً على تصريحات أولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني فإن إسرائيل ستكون مستعدة للانسحاب من 50% من أراضي الضفة تقام فيها وفي قطاع غزة الدولة الفلسطينية على أن تبقى (اسرائيل) تحت سيطرتها المساحة المتبقية المقامة عليها أكثر من مائة مستوطنة، وإنها توافق على إقامة ممر عادي (علوي أو تحت الأرض) بين الضفة والقطاع. وزاد أن أولمرت يميل الى قبول اقتراح بتعويض الفلسطينيين عن الأراضي في الضفة بأراض بديلة في رمال النقب. وتابع أن أولمرت لمح في الماضي إلى استعداده لنقل أحياء عربية في أطراف مدينة القدس الشرقية الى سيادة السلطة الفلسطينية، وأنه مستعد للتوصل الى اتفاق على مسؤولية مشتركة فلسطينية ـ اسرائيلية على الحرم القدسي الشريف. وفي مسألة اللاجئين، يتبنى أولمرت موقف ليفني القاضي بأن يطبق الفلسطينيون حق العودة فقط الى تخوم الدولة الفلسطينية، وليس الى ديارهم داخل اسرائيل.
صحيفة «هآرتس» نشرت تفاصيل أخرى حول الاتفاق المرتقب، منها أن الوثيقة المتضمنة لاعلان المبادئ سوف تكون مختصرة في صفحة واحدة، وستتضمن ما بين 4 و5 مبادئ عامة مقبولة من الطرفين، وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية يأمل في إنجازها قبل المؤتمر الإقليمي الذي دعت إليه الولايات المتحدة في الخريف القادم. وكشفت أن وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس ستزور المنطقة في مستهل الشهر الجديد لتضييق الفجوات بين الطرفين، وأن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني وضعت استراتيجية لإنجاح مفاوضات أولمرت وأبو مازن عن طريق التحرك على ثلاثة مستويات هي:
ـ إضعاف «حماس» من خلال تصعيد الجهود الرامية إلى نزع الشرعية عنها في مقابل تدعيم حكومة السلطة الفلسطينية من خلال التعاطي مع «الجهات المعتدلة».
ـ حشد تأييد إقليمي من الدول العربية والإسلامية المعتدلة للعملية السياسية. ومن رأي ليفني أن من شأن ذلك أن يساعد على اندماج إسرائيل في المنطقة عبر تطبيع العلاقات معها على مراحل.
ـ تجنيد دعم دولي من أعضاء اللجنة الرباعية الدولية تحديداً والمجتمع الدولي عموماً، الذي ترى اسرائيل أن مهمته الأساس دعم العملية السياسية وتقديم المساعدات المالية لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية العتيدة وتوفير أفق اقتصادي لها.
ليس معروفاً ما إذا كانت هذه الاتصالات بدأت بين أولمرت وأبو مازن أثناء حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية أم لا، برغم إشارة مراسل «يديعوت أحرونوت» الى أن العملية مستمرة منذ عدة أشهر وتعطي ذلك الانطباع. كما أن بعض الكتابات الاسرائيلية تشكك في إمكانية الوصول إلى الاتفاق المنشود، وهو ما عبر عنه كبير المعلقين في الصحيفة ذاتها ناحوم برنياع، الذي قال إن أولمرت وضعه مهزوز وقد يطيح به تقرير لجنة فينوغراد عن تقصير حكومته في حرب لبنان، الأمر الذي يجعله رئيساً للوزراء مع وقف التنفيذ، كما أن أبو مازن رئيس فلسطيني تكمن قوته الوحيدة في ضعفه. وقياديان بهذه المواصفات أعجز من أن يسوقا اتفاقاً حول مبادئ التسوية النهائية للصراع.
مع ذلك، فالثابت أن أولمرت يحاول استثمار فرصة الضعف الشديد لأبو مازن الذي أدى إلى تدهور وضع القضية الفلسطينية على نحو غير مسبوق، لانتزاع ما يمكن انتزاعه من تنازلات في إعلان المبادئ. وذلك يمكن أن يحسب له كإنجاز قد يحسن موقفه وينسى الرأي العام فشله في حرب لبنان. وفي الوقت ذاته، فإن الإدارة الأمريكية تستعجل الوصول إلى اتفاق، لإضافته إلى رصيد الرئيس بوش المتراجع بامتياز، أملاً في أن يؤدي ذلك الى تسكين الوضع في المنطقة ويمكن الإدارة الأمريكية من التفرغ للتعامل مع الملف الإيراني.
على الصعيد الفلسطيني، فثمة تمهيد متسارع للاستبدال بالاتفاق تحركا في اتجاهين متوازيين، أولهما السعي بمختلف السبل والمراسيم لإخراج حركة حماس من المسرح السياسي الفلسطيني، والحيلولة دون تمثيلها في أي مؤسسة فلسطينية منتخبة أو تنفيذية في المرحلة المقبلة. أما ثانيها فهو يتجلى في العمل على تصفية المقاومة بمختلف صورها، إذ بعد أن أسقط رئيس حكومة رام الله الدكتور سلام فياض المقاومة المسلحة من برنامج حكومته، فإنه لم يتوقف عن شن الحملات ضدها، حتى وصفها في بداية الاسبوع الحالي بأنها «مليشيات مسلحة». واعتبرها عقبة في طريق تحقيق السلام. وربما كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يصرح فيها رئيس حكومة «وطنية» في بلد محتل بمثل هذا الكلام عن المقاومة الوطنية. وفي الوقت ذاته، فإن حكومته شجعت عناصر المقاومة على إلقاء سلاحها والتعهد بعدم التصدي للاحتلال، مقابل توقف السلطات الإسرائيلية عن ملاحقتهم. وهو ما يعني ـ بين ما يعني ـ إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لمطاردة وتصفية المقاومين الذين يصرون على حمل السلاح وتحرير وطنهم من الاحتلال.
ما الذي يعنيه ذلك كله؟ ثمة محاولة حقيقية لإغلاق ملف القضية الفلسطينية. وانتزاع أقصى ما يمكن من التنازلات من أبو مازن، الذي لن يمكنه ضعفه من الصمود أمام الضغوط الاسرائيلية والفلسطينية. يعني أيضاً أن أبو مازن بصدد الدخول في دوامة جديدة تكرر تجربة أوسلو، التي كانت كسباً إسرائيلياً محققاً، وأصبحت وبالاً على النضال الفلسطيني، وحملة التخلص من الاحتلال، بعدما وفرت للاسرائيليين فرصة جديدة لتغيير الحقائق على الأرض، واستدراج الدول العربية الى الفخ الذي أصبح يحمل اسم معسكر السلام وقوى الاعتدال في المنطقة. يعني كذلك أن المسلسل العبثي مستمر، فبدلاً من أن يسعى أبو مازن وجماعته إلى لملمة الصف الفلسطيني من خلال التفاوض مع حماس بعيداً عن الضوء وفي السر، ومواجهة المخططات والاجتياحات الإسرائيلية بالإدانة المعلنة، فإنه فعل العكس تماماً، إذ بدأ يفاوض إسرائيل في السر لإغلاق ملف القضية، في حين أن حربه المعلنة ظلت ضد حماس وحدها. وهو ذات الموقف العبثي الذي أدهش الجميع وأذهلهم، مما دفع مراسل الإذاعة البريطانية الى التوجه بالسؤال التالي عبر الهاتف الى أقرب مساعديه السياسيين، ياسر عبد ربه، من يكون عدوكم الآن اسرائيل أم حماس؟ ـ وهو السؤال الذي أحرج الرجل وأربكه، حيث لم يستطع أن يعترف بالحقيقة المرة، فشتم المراسل وأغلق في وجهه سماعة الهاتف!
مآسي الجماعة الإسلامية
محمود سلطان : بتاريخ 21 - 8 - 2007
الكلام الذي قاله الصديق العزيز د. كمال حبيب، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، يوم أمس في "المصريون" تعقيبا، على تفضيل المفرج عنهم من أعضاء الجماعات الإسلامية، العودة إلى السجون والمعتقلات مجددا، بعد أن ضاقت بهم سبل الرزق وسدت كل منافذ العمل في وجوههم، خارجها وتواطؤ الجميع على مأساتهم وتجاهلها.. ما قاله حبيب بالغ الأهمية ولعله يوقظ الضمائر التي لا زال بها بعض الحياة.لفت حبيب إلى أن المفرج عنهم يتسمون بـ"الخجل الاجتماعي" نظرا لأنهم كانوا يمارسون دورًا دعويًا أو سياسيًا، ويعتبرون لجوءهم للإعلام لطلب مساعدتهم نوعًا من "التسول". هذه لافتة مهمة ينبغي وضعها قيد الاعتبار حال النظر في تقدير الموقف على مستواه الإنساني، غير أن الأهم من ذلك كله هو التنبيه على الجمعيات الخيرية الإسلامية أن تُعمل "فقه الأولويات" في هذه المسألة، وأن تعلم أن مساعدة المعتقلين وأسرهم ومرضاهم هي من أعمال البر المقدمة على بناء المساجد، خاصة أن الملايين التي تنفق على الأخيرة، يمكن أن تترجم إلى مشاريع صغيرة تغني ضحايا الاعتقالات مئونة ذل السؤال أو الموت جوعا ومرضا أو غما وهما.لقد قال لي مسئول كبير يتولى إدارة هذا الملف، أن قيادات كبيرة بوزارة الداخلية عاجزة تماما عن الوفاء بالأحكام القضائية التي قضت بتعويض المفرج عنهم، بسبب "تعنت" وزارة المالية، ورفضها الإحساس بالمسئولية تجاه هذا الملف الخطير، وهي ترفض اعتماد بنود جديدة مخصصة للتعويضات.ولقد كان صادما هذا الخبر الذي نشرته "المصريون" اليوم الذي كشفت فيه أن أحد المفرج عنهم لجأ إلى بيع إحدى كليتيه لعجزه عن سداد غرامة بـ 1000 جنيه قضت بها عليه محكمة عسكرية، بسبب ما اعتبرته "تهربا من التجنيد" رغم أنه قضى كل عمره في السجون!بل بلغني من مصادر موثوقة وقريبة من هذا الملف، أن عددا منهم حاول سافر إلى ليبيا بحثا عن عمل، غير أن السلطات المصرية، ردتهم على أعقابهم لأسباب "أمنية" رغم أنهم كانوا قد استدانوا تكلفة السفر من أقربائهم ومعارفهم! المشكلة الحقيقية هنا أن هذا الملف ليس ملفا إنسانيا يتعلق بأزمة بطالة عادية، ولكنه ملف "مفخخ" يمكن حال تجاهله، أن ينفجر فجأة وبدون مقدمات ليترك جرحا غائرا في المجتمع ويعيدنا إلى سنوات العنف السوداء.الأفكار كثيرة والمقترحات متعددة، ولكن القضية تحتاج إلى جهود جماعية إذ لن تجدي أية جهود فردية مهما كان حجمها، فالمشكلة تعدل أزمة دولة تحتاج إلى إسهامات كل مكوناتها السياسية والاجتماعية والحقوقية والخيرية الرسمية والأهلية.أتمنى من زملائي الصحفيين، سيما المشهود لهم بالوطنية والحرص على أمن هذا البلد واستقراره أن يحظى هذا الملف بنصيب من اهتمامهم، يليق بقدره وجلاله وخطورته.sultan@almesryoon.com
No comments:
Post a Comment