فى الممنوع بقلم مجدى مهنا ١/٧/٢٠٠٧
حمل المانشيت الرئيسي لصحيفة «الفجر» في عددها الأخير هذا العنوان المثير: «مبارك: لو الشعب عايز جمال يجيبه»
وفي تفاصيل الخبر الذي نشر علي الصفحة السادسة.. ذكرت «الفجر» أن لقاء الرئيس حسني مبارك بأعضاء الهيئة البرلمانية للحزب الوطني في مجلس الشوري.. تضمن مفاجأة كبيرة، وقال الرئيس مبارك عبارته السابقة: لو الشعب عايز جمال يجيبه.
وقال الرئيس مبارك إنه يرفض التوريث أو الخلافة في رئاسة الجمهورية، وإن مصر لم ولن تعرف التوريث أو الخلافة، ثم قال إن لدي مصر دستوراً وقانوناً يحددان بدقة إجراءات وقواعد الانتخابات الرئاسية بين مرشحين عديدين، وأضاف عبارته المهمة: لو الشعب عايز جمال يجيبه.
إذن الرئيس مبارك ـ بداية ـ لا يعتبر صعود نجله جمال إلي منصب الرئيس، في ظل الوضع الحالي، توريثا.. ولا يعده خلافة لحكمه، بل يعتبره انتخابا حراً وديمقراطياً.
ولا يكفي أن تنشر «الفجر» هذا الكلام الخطير، الذي يرد علي لسان الرئيس لأول مرة، دون تدقيق.. كأن تنشر كيف دار الحوار بين الرئيس ونواب الحزب الوطني في مجلس الشوري؟ ومَنْ تحديداً النائب الذي سأل الرئيس؟ وما صيغة السؤال؟ وهل كان السؤال مفتعلا ومتفقا عليه، أم أنه ألقي بشكل طبيعي وتلقائي؟ وهل السؤال كان شفاهة أم أنه جاء مكتوبا في ورقة؟ لأنه إذا كان مكتوبا في ورقة، فمن المؤكد أن المنصة هي التي سمحت بتمريره، وأنها أعادت صياغته، وأن هناك اتفاقاً علي تسريب هذا السؤال؟
وحتي لو كان السؤال شفهيا، فمن المؤكد أنه تم الاتفاق عليه أيضا، وكلمات الرئيس محسوبة بدقة ومختارة بعناية.
كلام مهم وخطير مثل هذا، لابد من التحقيق والتدقيق وتقصي الحقائق حوله، لأنه لا يقال في الهواء الطلق ولا يقال علي عواهنه، وقائله ليس الدكتور حسام بدراوي، لكنه رئيس الدولة.. وستترتب عليه نتائج وتداعيات تتعلق بمستقبل الحكم في مصر.. كما أن كلام الرئيس مبارك يقدم الدليل الدامغ ـ في حالة صحته ـ علي أن ملف التوريث يتم تنفيذه، وأنه يجري حاليا ترتيب الأوراق وتوفيق الأوضاع.. ويفسر لماذا خرجت نتائج انتخابات الشوري الأخيرة بنتيجة لم ينجح أحد غير الحزب الوطني..
فهو يريد السيطرة علي المجلسين «الشعب والشوري»، ثم علي المجالس المحلية بعد ذلك، بما لا يمكِّن جميع القوي السياسية من الحصول علي نسبة الـ ٥% اللازمة لأي مرشح للترشح علي منصب رئيس الجمهورية، فيما عدا مرشح الحزب الوطني، الذي هو في هذه الحالة السيد جمال مبارك، وكما قال الرئيس مبارك: إذا كان الشعب عايز جمال يجيبه؟
ولن أدخل في جدل حول: هل وصول جمال مبارك إلي كرسي الرئاسة في ظل فترة رئاسة والده أو بعدها مباشرة يعد توريثا أم لا؟.. لأن المسألة محسومة، فهو توريث ابن توريث، ومن يقول غير ذلك جاهل وكاذب ومغرض، حتي لو كانت القوانين والدستور تسمح لجمال مبارك بهذا الحق!.. فمتي كان للشعب حق الاختيار؟ وأي اختيار للشعب في ظل القوانين التي تم تفصيلها علي مقاس مرشح الحزب الوطني؟
فقط أطلب من الزميلة منال لاشين، المحررة البرلمانية لصحيفة «الفجر»، أن تدقق في تلك المعلومة وأن تؤكدها.. حتي نتعامل معها علي أنها الحقيقة أو العكس.
يارب ارحمنا.. برحمتك.
أرى مبارك وابنه عاريين
بقلم: إبراهيم عيسىيخرج علينا جمال مبارك باجتماعات أمانته إياها لوضع خطط وتفكير وتدبير فى شئون الوطن وتسأل نفسك : أين يجد جمال مبارك الوقت لكل هذا، متى يشتغل هذا الرجل كى يحصل على أكل عيشه ؟ ثم ماذا يشتغل بالضبط ؟ أنتي تشتغلي أيه ؟ ما هي وظيفة حضرة سعادته إيه اللى مكتوبة فى جواز السفر؟ أم يا ترى ان هذه الاجتماعات هي شغلانة الرجل أو ربما مصر نفسها في أكل عيشه وهو عيش سرايا قطعا لكن المدهش هنا فى التصريحات التى يقولها جمال مبارك عقب كل اجتماع من إياها للأمانة إياها، أنه يتحدث طول الوقت عن التطوير والتحديث متناسيا حقيقة واحدة فقط أن السيد والده هو الذي كان يحكمنا كل هذه السنوات ولا يزال الوطن من غير لا تطوير ولا تحديث.ورغم ما تعانيه مصر من استبداد وتبديد لثروتها، وغياب كلى جامع شامل للحرية السياسية واعتقالات وتعذيب ، فإن جمال مبارك لا يأتي على هذه الحقائق بكلمة أو أنه ينفيها فى سفور وتجرؤ يستحق أن تشكر فيه الرئيس مبارك على حسن تربية هذا التلميذ النجيب فى قصره العامر، مدرسته السياسية ، مدرسة إنكار الحقائق ، وتضليل الشعب ، وتزييف الانتخابات ، وتزوير إرادة الناس ، ولهذا فإنك تفاجأ فعلا بابن الرئيس يتحدث عن الديمقراطية والإصلاح وكأنه ابن الرئيس الفرنسي وليس ابن الرئيس مبارك.جمال مبارك صورة طبق الأصل من والده ، فإذا كان لدينا الأصل ح نعوز إيه من الصورة ، لقد حول جمال مبارك حزب والده من دوار عمدة إلى نادي يخت ، وحول حكومة والده من صبيان معلم إلى شلة أولاد عائلات ثرية ، وبعد كل هذا يتصور جمال مبارك أن هناك مواطنا سيصدق كلامه عن الحوار المجتمعي، مش عارف بيجيب هذا الكلام السمج منين ، أغلب الظن من ترجمات رديئة لمصطلحات أجنبية ، أى حوار مجتمعي يا أخ جيمي وأنتم تعتقلون المجتمع أساسا وتحاصرونه بأمن الدولة .لا أحد يصدق جمال مبارك ، فقد انكشف وتعرى سياسيا تماما حين شاهد وشارك فى التزوير والتزييف والاعتقالات والتعذيب وقهر الفقراء وتطليع روح محدودي الدخل . ورقة جمال مبارك محروقة ، لكنه لا يرى إلا نفسه وشلته (هاي شلة ) ووالده ، عايز مصر تتقدم وتتطور وندخل فى حوار مجتمعي طيب ما تتحاور أنت مع نفسك الأول واسألها يا نفسي هل فيه وطن فى الدنيا تطور ورئيسه يجلس على عرشه ستة وعشرين عاما هل فيه بلد فى الدنيا تقدم ورئيسه وابن رئيسه يزور الانتخابات والاستفتاءات ويطبخ القوانين على هوى ومزاج العائلة الحاكمة ، أين هو المجتمع الذي يتطور وهذا رئيسه وذاك ابن رئيسه لو تعرف مجتمعا مقموعا مقهورا مسجونا وفقرانا ومريضا ويسرى فيه جهل التطرف وتطرف الجهل قد تطور أو تقدم قل لنا، ولا على إيه .. قول لوالدك!.)
حكمة الرئيس
Submitted by كفاية on الأحد, 24/06/2007 - 11:16.
إبراهم عيسى
يتلقى المسئول الأجنبى الذى يزور مصر نصيحة فورية بمجرد ما تنزل قدمه على سجادة صالة كبار الزوار فى مطار القاهرة ، النصيحة تأتيه من سفير دولته فى القاهرة ، أو مندوب منظمته بأن يبدأ كلامه حين يقابل الرئيس مبارك بالإشادة بحكمة الرئيس ، يحفظ هذا المسئول طول الليل جملة الإشادة بحكمة الرئيس مبارك ... و يرددها كقطع المحفوظات ، فقد افهموه و كانوا صادقى النية .. مخلصى النصيحة ، إن أى مسئول أجنبى يمكنه أن يحصل فى مصر على ما يريد بمجرد ما يشيد و يمتدح حكمة الرئيس فى لقاءه معه ، و فى مؤتمره الصجفى المشترك ، و ساعتها لو عايز من مصر عينيها سوف يأخذها ، لان الرئيس من فرط حكمته لا يرد معترفا بها ، كما أن المحيطين بالرئيس مبارك نفذوا إلى وجدانه بنفاقهم الملحاح ، الذى يشير و يشيد بحكمته ، و من ثم صار أمراً منافياً للذوق ، وخارقاً للناموس ألا يعترف كائن من كان بحكمة الرئيس ! و للرئيس مبارك محبوه ، و إن كنت لا أعرفهم ، و لا أتصور أسباب حبهم له ، و للرئيس كذلك منافقوه ، و يشرفنى اننى أعرف معظمهم و أعرف أسباب نفاقهم له ، لكننى لم افهم أبدا على أى سند يتحدث هؤلاء عن حكمة الرئيس مبارك ما نسمعه من طرطشة نفاق عن الرئيس مبارك فى صحف و مؤتمرات و برامج فى صحف و مؤتمرات و برامج كلام هى عن حكمة السيد الرئيس ، و تعبير الحكمة نفسه لا يأتى ذكره أبدا فى الدول المحترمة فى معرض الحديث عن الرؤساء و الحكام ، عمرك سمعت عن حكمة كلينتون أو بوش أو حكمة شيراك و ميركل أو حتى الرئيس الروسى بوتن !إطلاقا و أبدا ، فالمجتمعات و الشعوب المحترمة لا تعتمد على حكمة شخص ، و لو كان رئيسا ، بل تعتمد على سياسات و استراتيجيات تصنعها مؤسسات منتخبة و ممثلون عن الوطن من جميع التيارات ، و لا تعتمد أمة على حكمة الرئيس ، لأنه تبقى مصيبة لو افتكر نفسه حكيما ، فالحكمة للأنبياء و الأولياء و الفلاسفة ، أما الرؤساء فيجب أن تكون أفكارهم و ممارساتهم موضع تخطيط جماعى .. و بتدابير مؤسسات ديمقراطية .و الرئيس يلتزم بسياسة دولة يشارك فى صناعتها مؤسسات الحكم و تحت رقابة الرأى العام و بمراقبة و محاسبة المجالس التشريعية المنتخبة ، و لا يجلس الرئيس بالليل تحت القمر فى شرفة القصر يحتسى جرعات من الكركديه السخن و يرزعنا حكمة ، هذا ما يذهب بالدول فى ستين ألف داهية ، فالدول التى تحكمها حتى القبائل بتقعد مع أفراد العشائر و القبائل و تتخذ القرارات بناءا على تدارس و تشاور ، أما الرئيس – الذى لا يفعل سوى الحكمة – فيخرج علينا بقرارات كأنها من وحى إلهام جاءه أو رؤيا رآها فى المنام ، فهذا هو الرئيس الفرد الواحد الذى يتصور نفسه (( الصمد )) و يصور له المنافقون أنه (( الأحد )) ، و يرتبط دوما وصف الرئيس أو الحاكم بكونه حكيما بالدول الديكتاتورية و الشمولية التى تتعبد فى رئيسها و تسبغ عليه بأوصاف الهبة ، كذلك ترتبط بالدول العربية التى يجلس فيها الرئيس عمرا طويلا على مقعده ممتدا و متمددا فى سلطته .و مع مرور الزمن يصدق الرئيس فعلا أنه حكيم و يبدأ يتصرف منطقيا من الإيمان بحكمة و عبقرية و أنه سابق زمنه ، و من هنا يبدأ فى اتخاذ القرار الفردية ، الصادمة ، الفجائية ، و تجد صدى هذا بقوة فى الأيام الأخيرة حين يصر مبارك مثلا على التأكيد بأنه يتخذ القرارات فى الوقت المناسب و لمصلحة البلد ، و أنه لا يسمع كلام الرأى العام و لا ينساق وراءه ، و أنه لا يخبر أحد بالقرار ، و أن أقرب الناس ليه لم يكون على علم باتخاذه هذا القرار أو ذلك ، و هى تصريحات تنطق بأن الرئيس خلاص وصل لمنتهى اقتناعه بحكمته ، حتى أنه لم يعد محتاجا لرأى أحد أو أخبار أحد ، فيكفيه انه فكر و دبر و قرر ، و على البلد كله التنفيذ و التهليل طبعا لحكمة القرار .و كما غنى البعض للسادات الأغنية الشهيرة (( قول قول يا سادات ياللى كلامك حكم )) ، فان واحدا من مسؤلى مصر و رجال دولتها لا يمشى خطوتين حتى باب بيتهم إلا و هو يؤكد أن ما يفعله طبقا لتعليمات و توجيهات السيد الرئيس . لكن دعنا نتأمل الموقف لعل الرئيس فعلا يتميز بالحكمة ، و نحن مفترون و جهلة لا ندركها و لا ندانيها ! أولا : خد بالك اننى لا أعتقد أبدا فى ضرورة أو لزوم أن يكون الرئيس ( أى رئيس ) حكيما ، فنحن لا نطلب من رئيسنا أن يكون فيلسوفا أو مفكرا أو كاتبا و روائيا ، بل نتصور أن الرئيس رجل سياسة و خطط موضوعة بعناية و تدابير دوله مؤسسات !الحقيقة أن صاحب الحكمة لا يمكن مناقشته و لا مساءلته ، أنت تجلس مع الحكيم ، كى تسمع و تطيع و تستمخ كدة و توافق على حكومته ، أما الرئيس فيجب أن يكون كل ما ينطق به ليس وحيا يوحى ، فهو ينطق عن هوى ( الرئيس يشر على فكرة ! ) و يحتاج إلى أخذ ورد ، مناهدة و مناكفة ، تمحيص و دراسة ، و فى مصر تجارب كالبلاوى حصلت للبلد من جراء أن الرؤساء ( ناصر و السادات و مبارك ) كانوا يمنحوننا حكمتهم على غيار الريق ، من غير مساءلة و لا محاسبة ..و الحاصل انك لو سألت أين مستشارو الرئيس و خبراء الدولة .. أين مجالس الأمن القومى ، أين مراكز البحث و الدراسات ؟ لن تجد شيئا ، بل ستجدهم خشبا مسندة ، لأن مهمتهم فى مصر هى الإشادة بحكمة الرئيس و ليست صناعة الأحداث و القرارات ! ثانيا : ما هى دلائل حكمة الرئيس مبارك ؟ سيقول البعض أنها حرص مبارك على السلام مع إسرائيل و عدم رغبته و لا إقدامه فى أى لحظة من عمره و أغضب فيها تل أبيب ، و يقول البعض أن عدم مغامرة أو مخاطرة مبارك بإغضاب إسرائيل هو عين الحكمة فى إنقاذ عين الصيرة ، و غيرها من أحياء مصر و فيزياءها من خطر الحرب ، و لكن الحقيقة أن هذه المهادنة المصرية لإسرائيل ساهمت فى أن توسع إسرائيل قوتها و أن تتوحش أطماعها ، و صارت خطرا أشد وبالا على مصر ، فكأنك لم تثر غضب وحش رابض على حدود بيتك .. و هذه حكمة ، و لكنك أطعمته و أسقيته و غذيته بحيث صار أفظع و أشد بأسا عليك و على جيرانك ، و هذا أمر غير حكيم بالمرة ، و مع ذلك فلأكن مخطئا و سأعتبر هذه حكمة من سيادته ، لكن أليس من المفروض أن تكون سياسة دولة و ليست حكمة شخص ؟!فسياسة الدولة تضمنها الدولة ، أما حكمة الشخص فالشخص لا يملك الموت من الحياة ! ثالثا : و نحن نريد الحكم على حكمة مبارك دعنا ننظر إلى حال البلد تحت رئاسته ، هل هذا بلد يحكمه حكيم ، هل هذا وطن يعرف معنى الحكمة أساسا ، هل صحتنا و عافية المصريين تشى بحكمة الرئيس ، هل التلوث فى الماء و الطعام ، هل البطالة و انتشار الرشوة و الفساد دليل حكمة ، هل ارتفاع الأسعار و تدنى الأجور دليل حكمة ، هل البلد الذى لا يزرع قمحه و لا يصنع خبزه و لا يضمن انسولينه و لا ينتج دواءه و لا يصنع حتى وش موبايل ، هل هذا بلد حكيم ، هل بلد تضرب فى المجارى و تختلط مع مياه الشرب ، هل هذا بلد حكيم ، هل بلد بدأ صناعة الأستيكة منذ عامين فقط بلد حكيم ، هل بلد يستورد سجادة الصلاة و السبح و الفانوس من الصين بلد حكيم ؟! حكمتك يا رب !
قضيتنا المصيرية
لقد حان الوقت إن لم يكن قد فات كي ندرك جميعا حكومة وأحزابا وشعبا أن المشكلة الحقيقية التي تواجه مصر هي بلاشك مشكلة البقاء واستمرار وجودنا المادي في هذا الكون. فقد تضافرت عوامل عديدة لم تكن في الحسبان كي تجعل حياة البشر في وطننا العزيز أمرا متعذرا إن لم يكن مستحيلا, بعد أن تأكد علميا أن دلتا وادي النيل عرضة لفقد جزء مهم من أرضها الخصبة نتيجة لارتفاع منسوب مياه البحر بسبب الاحتباس الحراري العالمي, كذلك تؤكد دراسات دولية احتمال جفاف نهر النيل في مستقبل ليس بالبعيد. هذا فضلا عن فقد مصر بشكل عام لأرضها الزراعية الخصبة نتيجة للبناء والتجريف غير المشروع مما يهدد بالقضاء علي مصدر الحياة والغذاء بشكل كامل خلال الاعوام الحمسين المقبلة وفقا لتقدير الخبراء.وفي الفترة نفسها يتزايد عدد السكان ليصل إلي الضعف, أضف الي ذلك ارتفاع نسبة تلوث البيئة من هواء وماء وغذاء ودواء علي نحو يهدد الحياة إن لم يكن الصحة العامة. ومن المعلوم أن علماء مصر لم يألوا جهدا في تقديم الحلول ومنها اقتراح العالم أبو زيد راجح الذي أعلنه مؤخرا بضرورة إعادة توزيع السكان في كل مسطح مصر الجغرافي والخروج من الوادي والدلتا. وكذلك ماسبق من اقتراحات للدكتور فاروق الباز بشأن تعمير الصحراء. وسنت الدولة تشريعات تعاقب العدوان علي الأراضي الزراعية والاعتداء علي البيئة والصحة العامة.غير إنه إذا كان الوقت لم يفت لإنقاذ مايمكن إنقاذه فإنه مما لاشك فيه أن أي حل متاح سيكون مآله الفشل إن لم يتحقق شرط أساسي ألا وهو سيادة القانون, فقد استقر في الوعي الجمعي لدي الأفراد بل ومؤسسات الدولة الاقتناع بعدم وجوب الالتزام بأحكام القانون بل وبمباديء الدستور الأساسية التي لا تقوم حياة الجماعة دونها.. من ذلك المبدأ القاضي بعدم التمييز بين المواطنين وضرورة تكافؤ الفرص بينهم كي يوجد الشخص المناسب في المكان المناسب. إذ من شأن غياب ذلك, الفشل في تحقيق المهام التي يتطلبها علاج مانحن فيه من محنة, ناهيك عما في مخالفة مؤسسات الدولة ذاتها وأصحاب السلطة والمال جهارا لأحكام القانون من دعوة للجميع للتباري في تحدي القانون. ولا يخفي في هذا المقام ما لغياب سيادة القانون من أثر بالغ في تفاقم الفجوة بين الأقلية المحدودة التي تراكم ثراؤها بشكل وحشي بلا حساب ولا عقاب وبين السواد الأعظم لأفراد الشعب الذي لا يملك جانب كبير منه قوت يومه. وهي فجوة لا يقل خطر تفاقمها عن طغيان مياه البحر علي أرض مصر.لقد سبق أن توحد شعب مصر بجميع طوائفه لمواجهة الاستعمار البريطاني, وهو مازال قادرا بلا شك علي التوحد ووضع حد للأسباب الزائفة التي تفرق بين أبنائه لمواجهة التحدي الأكبر ألا وهو إنقاذ مصر من خطر الفناء المادي بعد أن أوشكت علي الفناء المعنوي. ويقيني أن منبرك الصادق كفيل بإيقاظ الوعي بهذه القضية المصيرية وبالدعوة الي تكاتف المواطنين جميعا علي حلها.
فؤاد عبد المنعم رياض
** شرعت معظم دول العالم المتحضر في اتخاذ خطوات عملية لمواجهة الآثار المدمرة المحتملة للتغير المناخي. ونحن نضم صوتنا الي الأصوات الداعية لتشكيل لجنة عليا من المتخصصين لوضع خطة قومية لمواجهة هذه المشكلة المصيرية.
salama@ahram.org.eg
حماس و النظام
Submitted by كفاية on الخميس, 28/06/2007 - 02:12.
ابراهيم عيسىموقف نظام مبارك ضد حماس هذه الأيام بكل ما فيه من عصبية و توتر و عداء مطلق و متطرف يكشف عن ثلاثة أشياء : 1- إنه لم يكن طرفا محايدا فى التوسط بين حماس و فتح منذ اليوم الأول لفوز حماس ، كما انه لم يكن طرفا نزيها فى الوساطة بين حماس و أمريكا و الدول الأوروبية .2- إن نظام مبارك تلقى تعليمات مباشرة من واشنطن بالهجوم على حماس ، كما كان قد تلقى تعليمات سابقة بحصارها وإفشالها و دفعها للاعتراف بإسرائيل ، و أن النظام المصري ينفذ التعليمات ، لأنها على هواه تماما فضلاً عن رغبته فى مغازلة الأمريكان و تقديم السبت حتى يلاقى الأحد قدامه .3- إن جماعة الإخوان المسلمين تمثل ذعراً حقيقيا للنظام المصري و يبدو لأسباب كثيرة أن النظام مرعوب من الإخوان ، ثم لم يعد حتى يخفى رعبه منهم ، و هو ما ينعكس على كل قراراته و تصرفاته ، و المذهل أن حجم العداء الذى يبديه نظام مبارك لجماعة الإخوان يؤكد انه يكره الإخوان أكثر من كراهية إسرائيل ، هذا إذاً كان يكره إسرائيل أساساً ، وسنراقب جميعا الأحضان الدافئة بين الرئيس مبارك و أيهود أولمرت يوم الاثنين فى شرم الشيخ .عموما يبقى أن الأنظمة الفاسدة بدلا من أن تصلح نفسها ، تقرر المهادنة مع أمريكا و الخضوع لإسرائيل.. فنظام مبارك يعتبر التخلي عن مواجهة إسرائيل ندياً و بكرامة و كبرياء أسهل كثيراً من التخلي عن مائة مقعد فى البرلمان لحزب معارض أو للإخوان فى انتخابات نزيهة .نظام مبارك يعتقد أن محاربة التيار الديني السياسي أسهل مليون مرة من محاربة الفساد ، و أن التنازل لأمريكا و البيت الأبيض أسهل جدا من التنازل للشعب المصري ، و المشكلة فى هذا كله أن نظام مبارك و فتح يراهنان على إسرائيل ، و هى لن تمنحهما مترا من فلسطين ، فهى لا تتنازل للضعفاء أبداً .كيف يجرى هذا التواطؤ و لماذا صفقة جديدة ؟ سأعود و أكرر و أؤكد كلاماً لا أكف عن ترديده و لو بلغة الصم و البكم حتى يفهموا أو بالكتابة على طريقة برايل للمكفوفين حتى يقرأوا أن الحكام العرب لا يبحثون عن الحق و العدل بل يبحثون عن راحة الدماغ .ليس مهما أى دولة فلسطينية ترضى بها و عنها إسرائيل ؛ طيب إذا كان الكل (( موافق )) بالصلاة على النبي ما نقرا الفاتحة ؛ لكن هناك مشكلة مؤرقة للجميع و هى الجماعات و المنظمات الإسلامية و القومية الرافضة للتسوية الإسرائيلية و على رأسها الآن حماس ، الحل إذن أن تقوم إسرائيل و تشيل الليلة .. و تقتحم و تحتل و تسجن و تغتال و تخطف و تطرد و تظهر البديل المخيف هو ضياع فتات الدولة و بقايا الأرض ، هنا تحدث النتيجة التى أرادتها كل الأطراف سواء بالإيحاء أو بالإيماء أو المشاركة الكاملة بالرأي و التخطيط و هى : -1- تركيع الحركات الرافضة للتسوية ، و طحن عظامها و التلويح لغيرها بنفس العاقبة .2- تنزيل مستوى الطموحات و المطالب العربية ، فبعد أن رفض العرب عام 47 التقسيم عليهم الرضا بالمقسوم بعد 54 عاماً من العجز و العار و الهوان .و هكذا نخلص من وجع فلسطين و نتفرغ لبناء الوطن – الكباري و المجارى و المحمول و البورصة و الصفقات – و نمشى وراء شطارة اليهود حيث العز و النغنغة و رضا أمريكا و الناس الحلوة و الجدعان و أصحاب الأصول و أهل بلدنا فردا فرداً و أنا و أنت و اجدع سلام !
أسرار المصابيح ـ د.أيمن محمد الجندي
د.أيمن محمد الجندي : بتاريخ 4 - 7 - 2007
الدرب يتزين كعذراء تجلو حسنها في ليلة عرسها … ثمة حد فاصل بين الظلمة والنور .. الظلام الغامر الكثيف هناك، والنور الباهر هنا تتلألأ به آلاف المصابيح الكهربائية الملونة على جانبي الدرب في نسق بديع مثل ينبوع من النور يتدفق في حلكة الظلام.…..استيقظ من نوم الظهيرة فبدا له كل شيء حلوا وبريئا إلى حد لا يصدق..شيء يشبه مذاق السكر في طفولته..لم يكن لديه تفسير واضح لذلك ..لقد أخلد إلى النوم كمألوف عادته بعد يوم حافل ثم انتبه من غفوته فإذا به كمن يولد من جديد..حتى خال أن جميع الآم حياته الماضية كان حلما استيقظ منه لتوه ولعله لو طالع صورته في المرآة لوجد ذلك الطفل الذي كانه منذ عشرات الأعوام..الطفل الذي كان يقفز لأعلى ليرى صورته في مرآة الحمام المرتفعة..وتساءل في نفسه أية أسرار للروح لا ندري عنها شيئا ؟.هل هطل الغيث في صحرائه الجرداء دون أن يدري ؟ كانت روحه سهولا شاسعة من الجدب والرمال فأي ماء مبارك يحمل السر القدسي أبدلها ورودا تتلون بألف لون ..وتفوح بألف عطر..وتبوح بألف سر . ارتدى ثيابه ولاطف زوجته ولثم أطفاله ثم دلف إلى سيارته ومضى يجوب طرقات المدينة دون هدف محدد..…………..لشد ما يصبو إلى الانفراد بنفسه والانطلاق إلى آفاق الكون الرحيب..آفاق لم تخطر على باله هو نفسه من قبل ..وآفاق أغرب منها في داخله ..لم يفطن إلى التحول الذي كان ينشأ في روحه ببطء ..كان الطائر يرقد على البيض في العش ويعتزل أترابه لأيام طوال دون أن يدري هو نفسه علام ..بيد أن السر تكشف له عندما راح الفرخ الوليد يشق الجدار مغمض العينين مزقزقا بالغناء مسبحا بحمد ربه..لاح له بيت أعز أصدقائه لكنه لم يشعر بحاجة إلى لقائه هذه الليلة..فلتكن ليلة عرسه والمرء لا ينفرد بأصدقائه في هذه الليلة بالذات..يهرع المرء إلى أصدقائه إذا استشعر الوحشة وخشي مغبة الانفراد بنفسه ،فإذا لم يجد صديقا استجدى العطف من عابر سبيل أو من حيوان أعجم، ولكنه حينما ينسجم مع الكون ومع نفسه ..حينما يفهم بالإلهام لغة الكون ويفك رموزه ويعلم مقاصده فإنه يضن بصفائه أن يعكره الآخرون ..إن البئر يظل صافيا حتى يكثر واردوه..أليس كذلك؟إنه يخشى أن يلتقي بأحد أصدقائه فيبدأ كلاهما حديث الشكوى الذي لا ينتهي :- صارت الحياة لا تطاق-الطريق ساحة قتال وأحيانا قتل-صخب وجنون -انهارت الذمم ومات الضمير ولا عزاء-جميعهم لصوص .-انهار صرح التعليم-كن ذئبا إذا أردت أن تحذر الذئاب-انظر إلى عري النساء-ذهبت النخوة وصار الدم عصيرا -لا أمل ..لا أمل .صف طويل من العراة يجلد كل منهم ظهر صاحبه في همة .يتفجر الدم فيغرق جسده وجسد جلاديه في ذات الوقت ..لا نرحم أنفسنا ولا يرحمنا أحد وكأننا أشد الناس لددا ومقتا لذواتنا.نتشاكى وكـأن هناك عقابا صارما لمن لا يفعل .………………….المادة الأولى من قانون العقوبات"على كل مواطن أن يشكو ويتذمر.. ويعاقب من لا يفعل ذلك بغرامة لا تقل عن مائة جنيه أو الحبس مدة ثلاث سنوات أو بكليهما معا …".…..مضى يجوب الطرقات ويفكر أنه ليس بمنصف ..لا يمل من حديث الشكوى وكأنه نوعية ممتازة فوق البشر .هذا ليس صحيحا ..ليس صحيحا على الإطلاق .الأمر ليس كذلك بالنسبة له على الأقل ..ليست لديه مواهب خاصة أو غير خاصة ..إنه ليس ذكيا ولا يجيد الأعمال اليدوية وليس له جلد على العمل الدؤوب ،لا يجيد اللغات وليس بكاسح الشخصية وليس .. وليس .إن الأشياء التي لا يجيدها لتكفي أن تجعله مليونيرا لو نال قرشا واحدا على كل منها.لماذا لا يكون عادلا ويعترف أنه بالفعل قد نال أكثر مما يستحق ؟هذه السيارة التي يقودها- مثلا – ألم تكن أغلى امنياته ؟..ألم يكن يرمق حشود السيارات التي تمرق في الطرقات فيغمض عينيه ويحلم بيوم تكون لديه سيارته الصغيرة ليدللها ويعني بها ؟ ألا يجد الطعام كل يوم ويجد – وهو الأهم-الشهية لهذا الطعام؟ ألم يتزوج وينجب أطفالا يتعثرون وهم يسارعون إليه فيود لو يحملهم في أحداق مقلتيه؟ ألم يجد عملا مناسبا ليفلت من طابور العاطلين الذين هم أكثر موهبة وأشد جلدا منه؟.. أليس له أصدقاء مخلصون تسكن إليهم نفسه ؟ هل يذكر الآن كم أنقذه الله من تهلكة كادت أن تزل قدمه ولكن الله سلم ؟لماذا لا يعترف أنه فتى الأقدار المحظوظ ؟ هل ثمة متعة في الشعور بالاضطهاد والرثاء للنفس؟ لا ريب أنها هناك ولكنها متعة آثمة شريرة.……………………كان قد أنفق معظم الليل في تجواله بالسيارة يجوب طرقات المدينة النائمة ويعرف أسرارها ويناجي دروبها حتى أقترب الفجر، فبدأ يتجه إلى منزله.. أدهشته تلك الأضواء الساطعة على جانبي الطريق المفضي إلى منزله :مئات .. آلاف.. بل قل عشرات الآلاف من المصابيح الملونة ..والدرب يسبح في هالة فريدة من الأضواء الباهرة ..وتساءل في نفسه كيف لم يلحظها عندما غادر منزله ؟غريب ذلك .والأغرب من هو صاحب هذه المصابيح اللانهائية؟وما الهدف منها؟..هل ثمة عرس لأحد أثرياء الجيرة ولكن من يتحمل عبء التكاليف المادية الباهظة؟هل ينوى أحد كبار المسئولين زيارة الطريق ؟ ولكن لم؟ ولأي هدف؟ دع أنه لا توجد لافتة تدل على ذلك .ثمة شيء لا يفهمه.………………….غادر سيارته ومضى صوب منزله وهو يتلفت حوله في دهشة وارتاحت عيناه على شيخ يرتدي ثيابا بيضاء ويتجه صوب المسجد القريب ويرنو إليه مبتسما.توقف وتساءل عن سر المصابيح؟تبسم الشيخ قائلا - لا سر هناك.. إنها لك ..كلها لكقال في دهشة عارمة- ولكن علام هذه الليلة بالذات؟ قال الشيخ وهو يربت على كتفه في مودة-لقد كانت هناك دائما.. لكنك لم ترها إلا الليلة.........Elguindy62@hotmail.com
مقالات :- نقرأ من عدد الثلاثاء لجريدة الدستور اليومية لفهمي هويدي حول مذبحة يتم تدبيرها للبحث العلمي في مصر على أيدي أدعياء وأتباع الفكر الجديد ...نقرأ: (يبدو أن ثمة مذبحة تدبر للبحث العلمي فى مصر، وهذا الكلام من عندي، ولكنها شهادة للرئيس الأسبق للمركز القومي للبحوث ، الدكتور نبيل عبد المجيد صالح ، نشرت على صفحات «الأهرام » يوم الأحد 1/7، ولا اعرف ما إذا كانت شهادته سوف تجد من يصغى إليها أم لا، لكنني أرى أنها من الأهمية بحيث يتعين على كل معنى بمستقبل هذا البلد أن يحولها إلى جرس إنذار عالي الصوت ، يقرع به آذان الجالسين فى الأبراج العاجية ، الذين يسيرون على درب ملوك الفراعنة ، ممن دأبوا على مسح تاريخ أسلافهم المكتوب على الجدران والمسلات ، واعتبار «إنجازاتهم » وحدها بداية التاريخ ونهايته.لقد تحدث الدكتور نبيل عن مخطط لإنشاء مجلس أعلى للعلوم والتكنولوجيا برئاسة رئيس الوزراء، يترتب عليه إلغاء أكاديمية البحث العلمي، وتوزيع ستة مراكز ومعاهد للبحوث على الوزارات المختلفة ، لتخنق هناك وتتحول إلى إدارات يكدس فيها الموظفون ، وتتقطع تماما عن وظيفتها الأساسية ، وهو يتساهل عن خلفيات هذه المذبحة . وهل سببها أن ثمة قصورا فى أداء أكاديمية والمراكز البحثية ، وهل درست أسباب ذلك القصور وما لم ذا كان مصدره من داخل هذه المؤسسات البحثية أم من خارجها - يتساءل : لماذا الاستعجال فى اتخاذ خطوة من هذا القبيل هو لماذا لم يكلف الذين ساروا فى ذلك الاتجاه خاطرهم ويراجعوا ملف البحث العلمي جيدا، لأنهم لو فعلوا ذلك لاكتشفوا أن ثمة مجلسا أعلى للبحث العلمي صدر به قرار منذ خمسة عشر عاما، لكمه لم يعقد اجتماعا واحدا منذ ذلك التاريخ ولأنهم لم يفعلوا ذلك فمعناه أن مشروعهم لم يدرس جيدا، وأننا بصدد مغامرة جديدة تستهلك الجهد والوقت والموارد، ولا تضيف شيئا إلى مسيرة البحث العلمي، ولا تخطو به خطوة واحدة إلى الأمام.فى مقالته طرح الرئيس الأسبق لمركز البحوث قائمة طويلة من الأسئلة الأخرى التي عبرت عن شعور عميق بالحزن والأمس ، حيث تساءل : هل وضعت فى الحسبان الدراسات السابقة والحلول التي اقترحها من سبقونا من أساتذة فى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد ولم دارة الأعمال ؟ وهي دراسات لم تتوقف طوال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ، وآخرها بدأت قبل التعديل الوزاري الأخير، ثم توقفت بعد التعديل ؟ ولماذا لم تتم الاستعانة فى بحث الموضوع بدراسات لجان التعليم العالي والبحث العلمي لمجلسي الشعب والشورى والمجالس القومية المتخصصة هو ما رأى أعضاء هذه اللجان فى المخطط الجديد، أم أن أحدا لم يستشرهم بخصوصه ؟ ولماذا لم تشرك القاعدة العلمية وكبار المفكرين والاقتصاديين فى هذا الفكر الجديد؟فى رأيه أن الارتجال والتفكير العشوائي فى قضايا البحث العلمي هو الذي أدى إلى إفشال جميع الخطط التي وضعت فى السابق للنهوض به . وهو الارتجال الذي تبدو بصماته واضحة فى المخطط المقترح ، الذي يراد به هدم ما بني فى السابق ، واختراع العجلة من جديد، لذلك فإنه يدعو إلى التأني وإلي إعادة النظر فى الملف بحيث تشخص مشكلاته جيدا، بواسطة الخبراء المتخصصين ، قبل الانتقال إلى العلاج ، على الأقل حتى لا يتحول العلاج المقترح إلى قفزة فى الهواء لا تعرف عواقبها ولا يطمأن إلى نتائجها.لقد وضع الدكتور نبيل عبد المجيد يده على بيت الداء حين قال : إن منظومة البحث العلمي فى مصر لم تختبر حتى الآن ، لسبب جوهري هو انه لا توجد سياسة دولة للبحث العلمي، وهى العقدة التي لم تحل منذ نصف قرن وحتى الآن.حين قرأت هذا الكلام ، حبكت معي فقلت : كيف يدعى الرجل انه لا توجد سياسة دولة للبحث العلمي، فى حين أن لدينا لجنة عليا للسياسات صادرت لحسابها مقاولة عموم السياسة فى المحروسة.)
مقالات :- نبدأ المقالات من جريدة صوت الأمة الأسبوعية في عددها لهذا الأسبوع حيث كتب المحامي الإسلامي مختار نوح حول التطور الطبيعي لصورة الباشا ضابط الشرطة فمنذ أن كانت صورته بالجنب تعلق على حائط غرفة الفيوم في منزل الأسرة إلى أن أصبحت صور الباشوات الضباط تتداول على الهواتف المحمولة أثناء وصلات التعذيب ...نقرأ: (كان ضباط الشرطة زمان يذهب عند التخرج إلى استوديو عم ناجي ليصور نفسه وهو يرتدي زى الشرطة الذي اشتراه من محل "الششنجي" ويجلس أمام الكاميرا بجنب واحد حتى تظهر النجمة الصفراء على كتفه ثم تقوم الحاجة والدته بتعليق الصورة في حجرة الصالون لزوم الافتخار أمام الزوار وبالمرة إغاظة الست أم حنفي وفوق البيعة من أجل تخويف من تسول له نفسه وضع كيس الزبالة أمام باب الشقة ثم دارت الأيام وأصبح ضابط الشرطة يصور نفسه وهو يلصق المواطن على " قفاه" أو يضربه " شلوت صيني" يكومه على الأرض أو يلاعبه لعبة التحطيب " وحيدة العصا " ولعبة التحطيب "وحيدة العصا" هي لعبة من اختراع السادة الضباط في مصر ولها قواعد وأصول طبعاً... فالعصا الوحيدة تكون في يد الضابط أما المواطن فعليه أن يتفنن في الهروب من ضرب العصا حتى لا تأتى الضربة على " أم رأسه".. فإذا خرج حياً..." أي المواطن طبعاً " خسر الضابط نقطة.. ثم يتم إعادة اللعبة مرة أخرى بذات الشكل... والعصا في يد الضابط طبعاً والمواطن يقفز كما القرد "ميمون ".وقد حدث أن تداول المصريون على أجهزة المحمول صورا لبعض الضباط وهم يضربون المواطنين وهم يضحكون . ويضحكون تعود على الضباط طبعا . وهناك من الصور ما ظهر فيها الضابط وهو يضرب النساء في مناطق لن نذكرها في هذا المقال حرصا على الحياء العام هناك من الصور ما كان يقتصر فيها الضرب على القفا كأنها حفلة قفا أي قفا بارتي وكل هذه الصور قام بتصويرها الضباط أنفسهم على أجهزة المحمول ثم قاموا بتوزيعها على أصحابهم وأقاربهم من باب الفخر بالنصر على الأعداء اللي هما إحنا ومع ذلك فالضرب في قسم الشرطة أهون من الضرب فى السجون والحكمة المصرية الشهيرة تقول :كل ضرب يهون . . .إلا تعذيب السجون وبالتالي فإن ضرب القسم هو من النوع الرحيم الذي لا يفقد فيه المواطن . . . كرامته كلها ولكن يبقى معه شيء من الكرامة يعود بها إلى العيال مع كيس جوافة أو بطيخة . . . وبهذه المناسبة فقد كنت أراجع تقارير منظمة العفو الدولية عن مصر وكان التقرير بتاريخ يوليو عام 1988 وفى هذا التقرير طلبت المنظمة من الحكومة المصرية اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة من اجل منع التعذيب فى مصر ومع ذلك ازداد التعذيب فى أعوام 89 ، 90 وما بعدهما . . . وكلما كانت المنظمة تطالب حكومة مصر بمنع التعذيب كان التعذيب ينتشر فى الأقسام والسجون وكلما شددت المنظمة فى الطلب ازداد التعذيب قسوة حتى أرسل بعض السجناء إلى المنظمة يتوسلون إليها . . بأن كفاية تقارير لحد كده وهذا الأمر يذكرني بآلة التنبيه التي تنبه الناس عند رجوع السيارة إلى الخلف ، والمفروض أن نركب آلة تنبيه على أبواب مصر. . . فكل من يخل إليها لابد وأن يسمع عبارة انتبه . . . مصر تعود إلى الخلف .. . انتبه .. . . مصر تعود إلى الخلف على الأقل ليحمى كل مواطن قفاه ويعرف المواطنون العائدون من الخارج بعد فراق طويل .. . حدودهم داخل أقسام الشرطة المهم إن وزارة الداخلية حينما اكتشفت أن أجهزة المحمول تنقل الصور والفضائح وتنقل تصوير التعذيب وتوزعه على العالم من خلال اختراع البلوتوث تفتق ذهن الوزارة عن قرار حاسم لمنع الظاهرة وطبعا ظاهرة التصوير وليس التعذيب فمنعت الوزارة دخول أجهزة المحمول فى الأقسام أو الأماكن التابعة للشرطة حتى لو كان حامل الجهاز من صغار الضباط أو المجندين الصغار. )
قبــل أن نفـاجـأ بـزلـزال جـديــدبقلم: فهمـي هـويـــدي
إذا أردنا أن نخرج سالمين من الزلزال الذي شهدته غزة, فينبغي أن ننحي الانفعال جانبا, وأن نتخلص من الأوهام والأساطير التي راجت حول ما جري, لأن الخطأ في التشخيص يمكن أن يرتب أخطاء في العلاج, قد تستدعي زلزالا آخر لم يخطر علي البال.(1)من مفارقات المشهد وسخريات الأقدار أن الزلزال فاجأ كل القريبين منه, بينما لم يستغربه البعيدون عنه. فقد أدلي الجنرال كيت دايتون مسئول الاتصال العسكري المقيم في تل أبيب بشهادة أمام لجنة الشرق الأوسط في الكونجرس الأمريكي, في شهر مايو الماضي. وتحدث فيها عن انفجار قريب للأوضاع في غزة, وعن دور الإدارة الأمريكية في تعزيز وتسليح القوي الأمنية في مواجهة القوة التنفيذية التي أنشأتها حماس لضبط النظام في القطاع, وهذا الذي قاله الجنرال دايتون لم يختلف كثيرا عما تضمنه التقرير السري الذي قدم إلي الأمين العام للأمم المتحدة من نائبه, ومبعوثه إلي الشرق الأوسط الفارودي سوتو. وقد تسرب محتوي التقرير إلي صحيفة الجارديان البريطانية التي نشرت بعض مقتطفاته في عدد6/20, وهو ما فعلته أيضا صحيفة ها آرتس الإسرائيلية في عدد6/19, وفيه قال صراحة إن الإدارة الأمريكية عملت منذ البداية, بالتواطؤ مع بعض عناصر السلطة علي إسقاط الحكومة الفلسطينية التي تشكلت بعد الانتخابات التشريعية بأي ثمن, حتي إذا كان الثمن حربا أهلية دامية. وأضاف المبعوث الدولي أنه كان من الممكن تشكيل حكومة وحدة وطنية عقب الانتخابات, لولا أن الولايات المتحدة دفعت الرباعية إلي وضع شروط مستحيلة للاعتراف بها, فضلا عن أنها عارضت مبدأ تشكيل حكومة من ذلك القبيل. وأشار الرجل إلي أنه خلال اجتماع اللجنة الرباعية الذي عقد قبل أسبوع من لقاء مكة, حين كانت المواجهات علي أشدها بين حركتي فتح وحماس, فإن المندوب الأمريكي في الرباعية قال مرتين في الاجتماع: إنني أحب ذلك العنف, لأنه يعني أن ثمة فلسطينيين يقاومون حكومة حماس.لا أريد أن أستطرد في عرض الشهادات المحايدة والوثائق التي سلطت الضوء علي العناصر الأساسية في خلفية ما جري في غزة, إلا أنني أنبه مجددا إلي حقيقتين غيبهما خطابنا السياسي والإعلامي, الأولي أن الأصابع الأمريكية التي تحركها المصالح الإسرائيلية, سعت جاهدة إلي تفجير الوضع في غزة منذ ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية في بدايات العام الماضي, الحقيقة الثانية أن الحكومة التي تشكلت عقب الانتخابات كانت لها مصلحة في تهدئة الأوضاع في القطاع, علي الأقل لكي تنجح في مهمتها, لذلك فإنها عملت طوال الوقت علي إبطال مفعول محاولات التفجير التي تمثلت في استمرار إشاعة الفوضي والفلتان الأمني.(2)الالتباس في قراءة وفهم ما جري قبل الأحداث استمر بعدها بنفس الوتيرة تحت عناوين عدة. وكانت حكاية الإمارة الإسلامية في غزة من بين تلك العناوين. ذلك أن القراءة الموضوعية والمتأنية لما حدث في القطاع تشير إلي أن المشهد حركته أجندة أمنية بامتياز, ولم تكن وراءه أي أجندة سياسية, علي العكس تماما من الأسطورة التي يروج لها الإعلام الآن. ذلك أن خبرة15 شهرا أقنعت الحكومة بأنه طالما بقيت الأجهزة الأمنية خارجة عن السيطرة, وتؤدي دورها في إثارة البلبلة والفوضي, فإنها لن تستطيع أن تنجز شيئا علي الأرض, وحين لم تسفر استقالة ثلاثة وزراء للداخلية لهذا السبب عن إحراز أي تقدم إيجابي يخدم التعاون بين تلك الأجهزة والحكومة, فإن رئيسها السيد إسماعيل هنية قدم مشروعا من ثماني نقاط لإعادة هيكلة تلك الأجهزة, واخضاعها لسلطة الحكومة الشرعية. وحين كانت الاجتماعات مستمرة لبحث المشروع, فإن اشتباكا وقع في منتصف الأسبوع الماضي في رفح بين مجموعتين. إحداهما تمثل القوة التنفيذية التي شكلتها حماس, والثانية من عناصر الأمن الوقائي. وأدي الاشتباك إلي قتل أحد عناصر القوة التنفيذية, واثنين من الأمن الوقائي. وكان الظن أن الحادث سيمر شأن غيره من الحوادث المماثلة التي وقعت خلال الأيام الأخيرة, وتم تجاوزها بصورة أو أخري. غير أن الأمر اختلف هذه المرة. فقد أعقب الاشتباك انتشار لقوات الأمن الوقائي في الشوارع. استصحب وضع الحواجز واعتلاء المسلحين للأبراج السكنية, والإقدام علي إعدام اثنين من حماس, وخطف آخرين. وهو تحرك أيقظ شكوكا كثيرة لدي الحكومة التي لم تجد مفرا من اتخاذ قرار بالسيطرة علي مقار الأجهزة الأمنية, لإنهاء الفلتان والفوضي في القطاع.المفاجأة التي حدثت أن تلك الأجهزة انهارت بسرعة لم تخطر علي بال أحد, في حين استسلم بعض قادتها, وهرب البعض الآخر, منهم عبر الحدود, وغادر القطاع, ومنهم من لجأ إلي بيت رئيس الوفد الأمني المصري ليحتمي به.ثمة تفاصيل مثيرة في هذا الشق لا مجال للخوض فيها الآن, لكن أهم ما يستخلصه المرء من وقائع تلك المواجهة أن تحرك الحكومة لم يكن موجها لا ضد أبومازن, ولا ضد السلطة, بل ولا ضد حركة فتح ذاتها. وإنما كان موجها فقط ضد مقار الأجهزة الأمنية, بهدف اخضاعها لسلطة الحكومة, بعدما فاض الكيل وفشلت المساعي طيلة15 شهرا في التفاهم حول الموضوع.المدهش في الأمر أن الإجراء الذي اتخذ قرئ علي نحو مختلف تماما, وجري تسييسه علي الفور, وكأن الأجهزة الأمنية هي السلطة والدولة. فتحدث كثيرون عن انقلاب في القطاع, وذهب آخرون إلي حد الادعاء بأن ما جري في غزة يمهد لإقامة إمارة إسلامية, أطلق عليها البعض اسم حماستان, وتطوع نفر من المحرضين فتساءلوا عن الخطر الذي يهدد أمن مصر من جراء إقامة إمارة إسلامية علي حدودها, وصفها أحدهم بأنها قنبلة موقوتة, إلي آخر تلك الأساطير المسرفة في الخيال, حتي بدا مضحكا أن يجري تخويف المصريين وإثارة فزعهم من قنبلة موهومة في غزة بدعوي أن مصر لا تحتمل وضعا كهذا, في حين أنها احتملت200 قنبلة نووية حقيقية قامت إسرائيل بتخزينها علي حدودها, ولم ير أولئك المتحدثون في ذلك أمرا يثير القلق أو يهدد أمن مصر.(3)في استعراض ما جري وفهمه علي نحو صحيح, تقتضي الموضوعية أن نفرق بين عناصره الجوهرية والممارسات التفصيلية, وفي تتبعي للمناقشات والمساجلات التي جرت حول الموضوع, لاحظت أن التفاصيل الفرعية استحوذت علي الاهتمام بأكثر من المسائل الجوهرية والكلية. وأحسب أن الدور الأمريكي والإسرائيلي في إذكاء الصراع وتفكيره من تلك القضايا الجوهرية, كما أن الموقف الذي اتخذته الأجهزة الأمنية التي صممت لتكون فتحاوية وفصائلية, قبل أن تكون فلسطينية, وتحولت بمقتضاه إلي أداة لإثارة الفوضي, واسقاط الحكومة. هذا الموقف هو مسألة جوهرية أخري تحتاج إلي تحقيق وتحرير. يسري ذلك أيضا علي الهدف من تحرك الحكومة, وهل كان أمنيا كما ذكرت أم أنه كان سياسيا؟.وهل كان إجراء حكوميا لاخضاع الأجهزة الأمنية لسلطة الحكومة الشرعية, أم أنه كان انقلابا من جانب الحكومة الشرعية؟ حتي مسألة الشرعية ذاتها تحتاج إلي تحرير من زاويتين, إحداهما ما إذا كانت مظلة الشرعية تغطي الرئاسة المنتخبة فقط أم أنها تتسع للحكومة المنتخبة بدورها من جانب الشعب الفلسطيني. أما الزاوية الثانية فتتمثل في مدي شرعية القرارات التي أصدرها الرئيس أبومازن بما في ذلك قراره بتعطيل ثلاث مواد من القانون الأساسي الفلسطيني.هذه الأمور المهمة لم تنل حقها من الاهتمام والتمحيص, في حين أن كثيرين تعلقوا بالتفاصيل المتفرعة عن تلك الكليات. وهي التفاصيل الحافلة بعناصر الإثارة وبالأخطاء علي الجانبين, خصوصا إذا لاحظنا أن كل طرف أراد أن يشوه صورة الآخر لكسب المعركة الاعلامية التي صارت موضوع الصراع الراهن, بعدما حسمت المعركة عسكريا في غزة, حتي الآن علي الأقل. فجري الحديث عن جرائم ارتكبها كل طرف بحق الآخر, والتنديد بالممارسات الانفعالية والتصريحات التي اتسمت بالرعونة التي صدرت عن بعض عناصر حماس بوجه أخص. حتي وجدنا أن بيان المجلس المركزي لمنظمة التحرير, وبعض الأبواق الإعلامية, تتحدث عن حوادث القتل وإنزال العلم الفلسطيني من فوق بعض المباني, والاعتداء علي مقر أبومازن, وبيت أبو عمار, ونهب بعض الممتلكات إلي غير ذلك من الممارسات التي لا تستغرب في أجواء الاشتباك والفوضي, ويظل من الصعب للغاية تحديد فاعلها أو محاسبته.(4)الآن يشهر كل طرف اتهامه للطرف الآخر. فثمة حديث من جانب بعض قيادات فتح عن انقلاب حدث في غزة ومؤامرة لاغتيال أبومازن. وثمة أحاديث صادرة عن حماس تتحدث عن انقلاب في رام الله, وعن وثائق تم العثور عليها تكشف عن دور خطير وتخريب قامت به الأجهزة الأمنية. ولا سبيل إلي حسم هذا التراشق إلا بعرض الموضوع برمته علي لجنة تقصي الحقائق التي قررها مجلس وزراء الخارجية العرب, ولم أجد سببا مقنعا لاعتراض بعض ممثلي السلطة عليها.المثير للانتباه أن ثمة جدلا واسعا حول الموضوع في الصحف الإسرائيلية, التي تعددت فيها الآراء بصدده. ولكننا لا نكاد نري هذا التعدد في ساحاتنا الإعلامية, التي تتبني أغلبها رأيا واحدا ينطلق من الاتجاه إلي التصعيد والدعوة إلي قمع حماس, وإقصائها من المشهد السياسي الفلسطيني. واستئصالها بالكلية من غزة والضفة, وهو الرأي الذي يتبناه المتطرفون في فتح, ويشجعه الإسرائيليون, ويصفق له الأمريكيون بشدة. ولست أعرف إن كان ذلك ممكنا علي أرض الواقع أم لا, ولا ما هو الثمن الذي يمكن أن يدفع لقاء ذلك, ولا ما هي النتائج التي يمكن أن تترتب عليه. وفي هذه النقطة الأخيرة استوقفني تعليق لمحرر الشئون العربية في صحيفة هاآرتس, داني روبنشتاين, قال فيه إن من يرفض الحديث مع حماس اليوم, سيجد نفسه غدا في مواجهة تنظيم القاعدة, وهي ملاحظة مهمة للغاية لها شواهدها علي أرض الواقع, ذلك أن القاعدة بدأت تتسلل إلي غزة والقطاع خلال العام الأخير, ولم يحل دون انتشار تنظيمها سوي الوجود القوي لحماس في الشارع الفلسطيني, وتقليص ذلك الوجود هو أثمن هدية تقدم إلي القاعدة, التي ظهرت طلائعها في العراق, ولبنان, والمغرب, والجزائر, والأردن, واليمن, فهل نحن وداعون ومستعدون لذلك الاحتمال.أما كلمتي الأخيرة فهي تتمثل في السؤال التالي: لماذا لم يعد هناك ذكر لاتفاق مكة, ولماذا لا يتم تفعيله والاحتكام إليه فيما جري, لعلنا نجد فيه مخرجا وطوق نجاة من آثار الزلزال الحالي, والآخر القادم.
إنهم يتلاعبون بالشرعية الفلسطينية
أما وقد أصبح الجميع يتحدثون عن الشرعية الفلسطينية، فإن ذلك يغدو مبرراً لتحرير المسألة وتقصي حقيقتها.. ذلك اننا تعلمنا من دراسة الفقه الدستوري أن للشرعية ركنين، أولهما قبول الأغلبية التي تعبِّر عن رأيها من خلال الانتخاب الحر، وثانيهما احترام الدستور والقانون. وبهذا المفهوم، فان الشرعية الفلسطينية تصبح حاصل جمع رئيس السلطة المنتخب، ورئيس الحكومة التي تمثل الاغلبية، والمجلس التشريعي المنتخب، وهو ما يعني أن اختزال الشرعية في رئاسة السلطة دون غيره يعد خطأ محضاً، وربما كان حقاً أريد به باطل. رئيس السلطة له شرعيته لا ريبَ، ولكنه يظل جزءاً من الشرعية وليس كلا لها. وحصر الشرعية فيه وحده، لسحب الشرعية عن الحكومة والمجلس التشريعي هو من قبيل التغليط والباطل الذي يُرَادُ الترويج له. بسبب من ذلك فإننا حين نتطرق الى المسألة الشرعية فينبغي ان يظل حاضراً في الأذهان ان لها ثلاثة أعمدة، وليس لواحد فيها أن يهدم أو يلغي شرعية العمودين الآخرين.
الركن الآخر في الشرعية المتمثل في احترام الدستور والقانون شابَهُ لبس كبير، ويتطلب وقفة أطولَ. لكن قبل أن أتحدث عن هذا الجانب ألفت الانتباه إلى مسألة شكلية ذات مغزى. ذلك ان الطريق التي تمت بها صياغة المراسيم الرئاسية التي صدرت تباعاً في الآونة الأخيرة تبعث على الدهشة حقاً. فرئيس السلطة صدق نفسه وتصرف كأنه رئيس حقيقي في دولة مستقلة، وليس مجرد موظف كبير في نظام خاضع للاحتلال. كما ان صياغة تلك المراسيم استخدمت لغة غامضة، اندثرت في أدبيات الخطاب السياسي والقانوني. من ناحية لأن الرئيس عباس في مراسيمه احال الى «الصلاحيات المخولة لنا». ولم يشر الى طبيعة تلك الصلاحيات ومرجعيتها، لسبب جوهري هو انه ليس في القانون الاساسي (الدستور) اية نصوص يمكن الاستناد إليها فيما ذهب إليه. وحتى مصطلح تحقيق المصلحة العامة لا قيمة له من الناحية القانونية، لأنه مطاط ولا حدود له، ثم انه يرهن مستقبل المجتمع لتقدير المسؤول ومزاجه الخاص. وكان ملاحظاً في صياغة تلك المراسيم، أنها استخدمت عبارة «رسمياً بما هو آت»، وتلك لغة تعبر عن انتفاخ لا مبرر له في قاموس الصياغة السياسية والوطنية، منذ اكثر من مائة عام في الأقل.
اذا انتقلنا من الشكل الى الموضوع، فان الاجراء الدستوري الوحيد الذي اتخذه رئيس السلطة الفلسطينية هو إقالة الحكومة، وهو الحق الذي مارسه طبقاً للمادة 45 من القانون الاساسي، أما كل ما تلا ذلك من مراسيم، فانها لا تستند إلى أية مرجعية دستورية أو قانونية. وفي ظل أي نظام قانوني وسلطة قضائية مستقلة، فان هذه المراسيم يمكن الطعن فيها وإبطال مفعولها. وحتى نكون أكثر دقة، فربما استثنينا مرسومه باعلان حالة الطوارئ، لأن ذلك من حقه دستورياً «عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حرب او غزو او عصيان مسلح او حدوث كارثة طبيعية»، هذا اذا افترضنا ان ما جرى في غزة يمثل تطوراً ينطبق عليه أحد تلك العناوين. ومع ذلك، فنص المادة 110 من الدستور تشترط ان تتحدد مدة الطوارئ التي يعلنها رئيس السلطة في ثلاثين يوماً، يجوز تمديدها ثلاثين يوماً أخرى بعد موافقة ثلثي اعضاء المجلس التشريعي (وهو ما يلتزم به الرئيس ابو مازن). (لقد نص المرسوم الذي اصدره رئيس السلطة في 14/6 على تشكيل حكومة مكلفة بتنفيذ أنظمة وتعليمات حالة الطوارئ)، وتزاول هذه الحكومة مهمتها بعد تأدية اليمين القانونية أمام رئيس السلطة الفلسطينية. وذلك كله لا أصل ولا سند له في الدستور أو القانون. وما أقدم عليه أبو مازن في هذا الصدد تصرف خارج القانون بإطلاق، لماذا؟
أولا: لأنه ليس من حق رئيس السلطة تشكيل حكومة جديدة من جانبه، وطبقاً للدستور، فان حق الرئيس في إقالة الحكومة لا يمنحه أية صلاحية لتشكيل حكومة جديدة من تلقاء نفسه، وانما يؤكد الدستور مسؤولية الحكومة المنتهية ولايتها في القيام بعملها لتسيير الاعمال التنفيذية، الى حين تشكيل حكومة جديدة، يمنحها المجلس التشريعي ثقته.
ثانيا: لأنه لا يوجد في الدستور او القانون الفلسطيني شيء يمكن تسميته بحكومة إنفاذ الطوارئ، وليست هناك اية اشارة الى ما سمي انظمة وتعليمات حالة الطوارئ، وانما هذه المسميات الجديدة من اختراع
«فقهاء السلطان» الذين يطلق عليهم في مصر «ترزية القوانين»، الذين يقومون بتفصيل النصوص القانونية على النحو الذي يستجيب للهوى السياسي، بصرف النظر عن الاصول والمبادئ الواجب الالتزام بها في التقنين. وللعلم، فان نص المادة 114 من القانون الاساسي ينص صراحة على إلغاء جميع الأحكام التي تنظم حالات الطوارئ المعمول بها في فلسطين قبل نفاذ القانون الاساسي، بما في ذلك جميع احكام انظمة الدفاع (الطوارئ) الانتدابية لعام 1945.
ثالثاً: لانه في غياب اية مرجعية قانونية لما سمي أنظمة وتعليمات الطوارئ، فلا مفر من الاعتراف بان البديل في هذه الحالة هو أن يقوم رئيس السلطة باصدارها، ثم تقوم الحكومة المذكورة بتنفيذها، وهو ما يثير سؤالاً آخر هو: هل يعقل من الناحية الدستورية والقانونية ان يقوم رئيس السلطة الوطنية باصدار أنظمة تكلف الحكومة باصدارها، أم أن الحكومة التي تشكل وفقاً لأحكام بإصدار الأنظمة واللوائح، وهو ما تقضي به المادة 70 من الدستور.
رابعاً: لأن ابتكار صلاحيات دستورية اضافية لرئيس السلطة الفلسطينية، من خلال مرسوم رئاسي بتشكيل حكومة بمسمى إنفاذ أحكام الطوارئ، يعد مخالفاً لاحكام نص المادة 38 من القانون الاساسي، التي اكدت الصلاحيات الدستورية الحصرية لرئيس السلطة الوطنية، حين نصت على انه: يمارس رئيس السلطة الوطنية مهامه التنفيذية على الوجه المبين في هذا القانون.
لا يفوتنا في هذا الصدد ان نذكر ان ابتكار صلاحيات دستورية اضافية لرئيس السلطة الوطنية من خلال المرسوم المذكور، وعلى نحو مخالف لأحكام ونصوص القانون الاساسي يعد مخالفاً لجوهر ومضمون القسم الدستوري لرئيس السلطة، الذي ألزم نفسه بمقتضاه باحترام النظام الدستوري والقانوني. وفي ذلك الوقت، فإن نص الدستور على أن رئيس الوزراء وأعضاء حكومته يرددون ذلك القسم، يعني ان اية حكومة جديدة تشكل بخلاف الأصول الدستورية المتفق عليها تكون قد خرقت القانون الاساسي الفلسطيني واعتدت عليه في لحظة اداء القسم.
ذلك كله في كفة، والمرسوم الذي اصدره ابو مازن لاحقا في (15/6) بتعليق بعض احكام الدستور في كفة أخرى، ذلك ان اي معنيٍّ بالشأن القانوني أو حتى بالعمل السياسي الرشيد حين يطلع على ذلك المرسوم، سوف يدرك على الفور انه يمثل سابقة هي الاخطر في نوعها بتاريخ العمل التشريعي في عهد السلطة الوطنية، ذلك انه كفيل بان يؤدي إلى انهيار النظام الدستوري وإهدار قيمة القانون في فلسطين. ولعلها المرة الاولى التي ستوثق فيها الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) من خلال المرسوم المذكور ـ وللأجيال القادمة، ان رئيس السلطة الوطنية سجل انعطافاً خطيراً في مسيرة التجربة الديمقراطية التي قدرها الجميع في فلسطين، فتجرأ على القانون الاساسي، وهو التشريع الأسمى، بما يحمل في طياته من قيم ومبادئ وأحكام دستورية سامية، ومن ثم رسم طريق النهاية لمستقبل الديمقراطية والحكم الصالح في فلسطين.
ولان ديباجة المرسوم اشارت الى احكام الباب السابع من القانون الاساسي، التي نصت على انه: لا يجوز حل المجلس التشريعي الفلسطيني أو تعطيله خلال فترة حالة الطوارئ او تعطيل احكام هذا الباب، فأغلب الظن أن فقهاء السلطان سوغوا هذه الخطوة بواحدة من الحيل التي يجيدونها. ذلك انه اذا كان النص الدستوري المشار اليه يقول انه لا يجوز تعليق أحكام الباب السابع خلال فترة الطوارئ، فان مفهوم مخالفة النص يعني انه يجوز تعليق جميع ابواب القانون الاساسي باستثناء احكام الباب السابع، وهو ذات المنطق الذي روج له بعض ترزية القوانين ذاتهم، الذين أفتوا بأنه إذا كان نص الدستور يقضي بأنه لا يجوز حل المجلس التشريعي الفلسطيني خلال فترة الطوارئ، فإن مفهوم المخالفة يعني انه يجوز حل المجلس التشريعي في الظروف والاحوال العادية!
ان السؤال المهم الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: مَنْ الذي أعطى رئيس السلطة الوطنية الصلاحية الدستورية التي تسمح له بأن يعلق مواد القانون الأساسي، علماً بأنه ليس في نصوص الدستور ما يخوله ذلك الحق من أي باب، كما ان صلاحياته المذكورة في الدستور واردة على سبيل الحصر، وليست بينها ثغرة يمكن النفاذ منها للانقلاب على الدستور على النحو الذي تم.
خطورة هذه الخطوة التي تسمح لرئيس السلطة بان يعلق بعض مواد الدستور، انها تفتح الباب واسعاً لتعليق مواد اخرى، الأمر الذي يفقده قيمته واحترامه، ويحوله في نهاية المطاف الى لعبة يمكن العبث بها في اي وقت، وتلك من آيات انهيار النظام الدستوري والقانوني، بل من علامات الانقلاب على الدستور، لانه اذا كانت يد رئيس السلطة ملتزمة بأية مرجعية أو إطار قانوني، فان الامر كله يصبح مرهوناً بارادته وحساباته، فضلاً عن انه يغلق تماماً باب الحديث عن الشرعية.
ذلك كله أمر غريب ومدهش لا ريب، لكن الأشد غرابة منه ان تستقبل تلك الخطى الموغلة في العدوان على الدستور والقانون، بحفاوة من جانب الاغلبية الساحقة من الديمقراطيات الغربية، الامر الذي يكشف لنا عن وجه آخر في السياسة الدولية، شديد القبح والكآبة، إذ نرى في هذا الوجه المبادئ والتضحية بها، في مقابل المصالح والمنافع. ونرى فيه حماساً شديداً لإهدار قيمة القانون والدستور والاطاحة بهما، ومن ثم العبث بالشرعية طالما أنها تنتهي بحصار المقاومة وضربها، وتعزيز موقف اسرائيل واستعلائها ـ وا اسفاه.
فصــل فيمــا تكشــف خــلال الأزمــةبقلم: فهمـي هـويـــدي
ما رأي جهابذة آخر الزمان و خبراء العصر و الاوان في التصريحات الاخيرة للرئيس مبارك بشأن ما جري في غزة, التي مسحت ما قالوه, فكذبت ادعاءاتهم و صوبت اغاليطهم و فضحت افتئاتهم و جهلهم بطبيعة الحدث و مراميه؟(1) لعلي لا أبالغ اذا قلت ان الاسبوع المنصرم الذي بدأ يوم الاثنين قبل الماضي6/25, كان اسبوع الحقيقة بامتياز. ذلك اننا شهدنا في الاسبوع الذي سبقه' مندبة' عالية الصوت, لطم فيها اولئك الجهابذة و الخبراء خدودهم و شقوا جيوبهم, و تعالت صيحاتهم منددة بـ'الانقلاب' الذي شهدته غزة, و محذرة من الزحف الايراني علي ارض فلسطين, و مستنفرة الجميع ضد خطر' الامارة الاسلامية' التي توقعوا اعلانها في غزة, و ملوحة بما يمثله ذلك من انقلاب موازين المنطقة و تهديد لأمن مصر القومي. و بعد هذه الاثارة التي هيجت المشاعرتبين ان الامر كله ليس علي النحو الذي توهموه وسوقوه. اذ كشفت تصريحات الرئيس مبارك عن ان اولئك الجهابذة تحدثوا عن اشياء توهموها او تمنوها, و لا شأن لها بالحقيقة.من باب ستر العورة, لن استعيد ما قاله اخواننا المذكورون و هم يحللون الاحداث و يعلقون عليها, فضلا عن أن كلامهم تحول الآن الي ثرثرة و لغو لا قيمة له. لكني احسب ان الكلام الجاد و المفيد حقا في الموضوع, هو ما عبر عنه الرئيس مبارك في خطابه امام مؤتمر شرم الشيخ يوم الاثنين6/25, و في الحديثين اللذين ادلي بهما للتليفزيون المصري و صحيفة' يديعوت احرونوت' يوم الثلاثاء26/.6 في هذه المناسبات الثلاث وضع الرئيس المصري احداث غزة في اطارها الصحيح, بتركيزه علي النقاط التالية:* ان ما جري في القطاع لم يكن انقلابا, و لكنه ازمة داخلية بين القوي السياسية الفلسطينية.* انه لا سبيل الي مواجهة تلك الازمة الا بالحوار بين الاطراف الفلسطينية المعنية.* ان الاحداث في غزة تدحرجت اثناء الاشتباكات حتي اوصلت الامر الي ما وصل اليه.* انه لا دليل علي تدخل ايراني مباشر في تلك الاحداث.* ان سيطرة حماس علي غزة لا تهدد امن مصر القومي.(2) هذه الآراء التي عبر عنها الرئيس مبارك في لحظة صدق و صفاء تحسب له, بددت اهم الاساطير التي روج لها جهابذة آخر الزمان. لا استطيع ان اعمم, اذ لم يخل الامر من كتابات و تعليقات حول الموضوع اتسمت بالجدية و النزاهة. و مقالة الدكتور عزمي بشارة التي نشرتها صحيفة' الحياة' اللندنية( في6/28) تعد نموذجا لتلك التعليقات النزيهة. و من الملاحظات المهمة في تحليله ادانته لحملة التعليقات التي تناولت الاحداث' من منطلق كون حماس حركة اسلامية, و تجاهلت كونها حركة مقاومة شعبية واسعة و عريضة, ربحت الانتخابات و حوصرت و تم التآمر عليها.' و قوله ان تلك التعليقات حولت رابح الانتخابات الي انقلابي. كما حولت قادة الاجهزة الامنية الذين رفضوا الاعتراف بنتائج الانتخابات و اصبحوا اداة في محاربة الحكومة الي ضحية للانقلاب. و وصف بشارة هذه التعليقات بانها:' نصوص غير مسبوقة في تلفيقها و قلة استقامتها و رهانها علي عداء القارئ للحركات الاسلامية او الخلط بينها, بشكل يخجل منه حتي المستشرقون.'عديدة هي النصوص الاخري التي قرأناها خلال الاسبوع قبل الماضي, و التي انطبق عليها وصف التلفيق و قلة الاستقامة الفكرية. و منها تلك النصوص التي اندرجت تحت العناوين التي نفاها الرئيس مبارك في تصريحاته. و هي تشجعني علي تسجيل اضافة بسيطة علي المحاولات التي بذلت للزج باسم ايران في الموضوع و الغمز في سوريا, عبر الايحاء بان ما قامت به حماس تم بالتنسيق مع' قوي اقليمية' في المنطقة. هذه الاضافة تتمثل في ان احداث غزة فاجأت الايرانيين و السوريين, و معلوماتي ان السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس المقيم في دمشق, تلقي رسالتين بهذا المعني من الطرفين.(3) خبرة الاسبوعين الماضيين كشفت عن امور عدة من الاهمية بمكان. من ناحية فان عددا غير قليل من المثقفين ضبطوا متلبسين بالتحريض و الكيد العلنيين. فلم يقرأوا المشهد الفلسطيني من زاوية الصراع العربي الاسرائيلي, و انما حاكموه في ضوء مرارات و حسابات الصراع الاسلامي العلماني. من ثم فانهم شغلوا بشئ واحد هو اغتيال حركة حماس و استئصالها, مقدمين الذات علي الموضوع. و هذه القراءة' الايديولوجية' للحدث فضحت موضوعية و نزاهة عدد كبير من المثقفين الذين يتبوأون الصدارات الاعلامية و المنابر العامة, و منهم من يدعي الماما بالشئون العربية او اختصاصا بالبحوث الاستراتيجية.اذا تجاوزنا هذه الفضيحة الثقافية و القينا نظرة علي المشهد من منظور اوسع, فسوف تتكشف لنا امور ثلاث هي: ان الذي حدث في غزة ارادته القوي الغربية, التي دأبت علي الضغط بكل الوسائل لاسقاط حكومة حماس( المنتخبة ديمقراطيا), و في الوقت ذاته حرصت علي تعزيز رئاسة السلطة و الاجهزة الامنية التابعة لها, ايضا بمختلف الوسائل التي تراوحت بين الدعم السياسي و الامداد بالمال و السلاح و التدريب( عبر الوسطاء بطبيعة الحال)- و لم يكن لذلك من هدف سوي اضعاف طرف و تقوية آخر, تمهيدا لتفوق الاخير في لحظة الانفجار و المواجهة. و هذا السيناريو تحدث عنه بوضوح الكاتب البريطاني روبرت فيسك في مقالته التي نشرتها صحيفة الاندبندنت في16/.6الامر الثاني ان الولايات المتحدة هي التي ادارت اللعبة في كل مراحلها, و لم يعد سرا ان الجنرال كيث دايتون مسئول الاتصال العسكري الامريكي في تل ابيب هو الذي يشرف بنفسه علي تنفيذ المخطط. و هو ما كشف عنه بوضوح تقرير مبعوث الامين العام للامم المتحدة المكلف بمتابعة الملف الفسطيني الاسرائيلي, الذي اورد قائمة طويلة من الشواهد و الوقائع التي سلطت الضوء علي مدي تحكم الادارة الامريكية في تفاصيل الملف, الي حد منع مبعوث الامين العام للامم المتحدة السفير الفارو دي سوتو من اي تعامل جاد مع عناوينه, و منعه من الذهاب الي غزة, و الاكتفاء بالاتصال هاتفيا بالمسئولين في الحكومة عند الضرورة.الامر الثالث ان الهدف النهائي الذي تصب فيه كل هذه الجهود هو التصفية النهائية للقضية الفلسطينية, استثمارا للظروف المواتية الراهنة, التي تمثلت في هيمنة المحافظين الجدد علي القرار السياسي الامريكي في عهد الرئيس بوش الذي يوشك علي الانتهاء, او في ضعف الدول العربية و انهيار النظام العربي, و نجاح السياسية الامريكية في قسمة الصف العربي الي معتدلين موالين و متشددين متمردين. من تلك الظروف المواتية ايضا تفجير الصراع داخل الصف الفلسطنيي, بما يراد له ان يؤدي الي انفصال الضفة عن غزة, و ضم الاولي للاردن في اطار اتحاد كونفيدرالي والحاق الثانية بمصر, او اخضاعها للادارة الدولية, و بذلك لا تبقي هناك قضية فلسطينية. و قد تحدث الاستاذ محمد حسنين هيكل عن هذا الموضوع باستفاضة علي شاشة قناة الجزيرة يوم الخميس الماضي(6/28).(4) بماذا نفسر عدم تجاوب ابو مازن وجماعته مع دعوة الرئيس مبارك الي الحوار مع حماس, وحرص الرجل علي مواصلة الحرب السياسية ضدها, و احكام الحصار المفروض علي غزة؟ لقد تابعناه يوم الجمعة الماضي(6/29) و هو يدعو دول العالم في جنيف امام مؤتمر الاشتراكية الدولية الي احباط' انقلاب حماس الذي يهدف الي اقامة امارة ظلامية متطرفة و معزولة', واعدا باقامة ديمقراطية مزدهرة تتفاوض مع اسرائيل لاقامة السلام في المنطقة. كما تتحدث الدوائرالسياسية عن اتصالات يجريها مع زعماء الدول الغربية- احدثهم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي- و عن مبعوثين يتجولون في بعض العواصم الاوروبية و العربية, و الموضوع الاساسي لهذه الاتصالات تلخصه العبارة التي اوردتها توا من خطابه في جنيف.اذا اضفت الي تحفظ ابو مازن علي فكرة الحوار و التفافه عليها بوضع شروط تغلق الباب في وجهه, الي موقفه الرافض للجنة تقصي الحقائق التي قررها وزراء الخارجية العرب, فسوف تلحظ استقواء غير مسبوق من جانبه جدير بالنظر ويحتاج الي تفسير.يساعدنا علي التفسير ان نلقي نظرة علي خلفية احداث غزة, بدءا من تجاهله لوثيقة الوفاق الوطني, و تحلله من بنود اتفاق مكة, خصوصا ما تعلق منه بتفعيل الشراكة بين فتح و حماس, و اعادة بناء منظمة التحرير, و قبوله فقط بحكومة الوحدة الوطنية, لانه كان مضطرا الي ذلك في حينه.اذا كان لنا ان نستعين' بصديق' في محاولة الفهم و التفسير, فسنجد مرادنا في مقالة الدكتور عزمي بشارة التي سبقت الاشارة اليها. فقد تحدث عن ان الذي يقود المواجهة و يؤثر علي موقف السلطة' تيار هو اقل من فصيل, بل لا يتجاوز ان يكون تيارا داخل فصيل يستخدم الاجهزة الامنية للسيطرة علي الفصيل ذاته, لفرض اجندته السياسية ضد المقاومة و ضد خصومه.'اذا وضعت هذه المعلومات و الخلفيات جنبا الي جنب, فسوف تدرك ان اللعبة اكبر بكثير مما نظن. و ان حكومة الطوارئ التي يرأسها الدكتور سلام فياض, خبير صندوق النقد الدولي السابق والمرشح الاكثر قبولا لدي الامريكيين والاسرائيليين, الذي لم يحصل علي اكثر من2% من اصوات الناخبين في الانتخابات التشريعية, هذه الحكومة تقوم بدور خطر في الوقت الراهن, ليس بعيدا عن سيناريو اغلاق ملف القضية, و لان هذا الدور كان مطلوبا بالحاح- اسرائيليا و امريكيا و غربيا- فكان لا بد ان يذهب اسماعيل هنية باي صورة.هل يحق لنا بعد كل ذلك ان نقول ان ابو مازن و جماعته اختاروا في نهاية المطاف ان يراهنوا صراحة علي الولايات المتحدة لضمان احتكارهم للسلطة, مقابل تحقيق مآربها التي تريد؟- و هل تفسرلنا هذه المراهنة استقواء ابو مازن و عدم استجابته لدعوة الرئيس مبارك للحوار و رفضه للجنة تقصي الحقائق, و اصراره علي الاستمرار في اعلان الحرب علي حماس؟ان القضية اكبر من ابو مازن وجماعته, كما انها اكبر من حماس بطبيعة الحال, و لذلك فاننا اصبحنا الان امام منعطف خطر يتطلب اتخاذ موقف عربي حازم, لن يتاح له ان يري النور ما لم تعد الحيوية الي الثلاثي' القاطرة' في هذا الملف, المتمثل في احياء محور مصر و السعودية وسوريا.إنهم يحتشدون و يستقوون و يجترءون, و رسالتهم في ذلك صريحة الي العالم العربي, و مصر في المقدمة منه لذا وجب التنبيه قبل فوات الاوان.
هل تصبح أفغانستان مقبرة للأفغان؟
يبدو أن أفغانستان سقطت من الوعي العربي والاسلامى، إذ تحولت من «قبلة» للجهاد ومقبرة للغزاة الروس جذبت الآلاف من المسلمين الغيورين، إلى مقبرة للأفغان أنفسهم، وأدار جميع المسلمين لها ظهورهم، في حين انفردت بها قوات حلف الأطلسي (ناتو) التي راحت تفتك بأهلها وتعربد في طول البلاد وعرضها.
في بداية هذا الاسبوع شنت طائرات الحلف غارات على بلدة حيدرأباد في ولاية هلمند جنوب أفغانستان، بدعوى ملاحقة عناصر طالبان أدت إلى مقتل 120 مدنيا، وفي رواية أخرى 170، واعترفت قيادة قوات الحلف بما جرى، ولكنها حملت عناصر حركة طالبان المسؤولية، واتهمتهم بأنهم يختبئون في المناطق السكنية بعد القيام بعملياتهم، الأمر الذي يضطر تلك القوات الى ملاحقتهم في خطاهم، مما يؤدي الى وقوع أمثال تلك الحوادث، وفيما نقلته وكالات الانباء فإن متحدثا باسم قوات الحلف، أعرب عن أسفه لما جرى، وبهذا الأسف أبرأ الغزاة الجدد ذمتهم وغسلوا أيديهم وطووا صفحة الجريمة التي أغرقت حيدر أباد في الدماء والدموع.
وبطبيعة الحال فليست هذه هي المرة الأولى التي تقصف فيها طائرات الناتو قرى الأفغان، وهي تلاحق عناصر حركة طالبان، فلا يكاد يمر أسبوع إلا وتتكرر المأساة في إحدى الولايات، الأمر الذي أحرج الرئيس الأفغاني حميد كرزاي فخرج عن صمته، واضطر إلى توجيه انتقادات شديدة لقوات الحلف. فاتهمها في الأسبوع الماضي باستخدام «القوة المفرطة». وقال «إن مقتل مدنيين في عمليات عشوائية أمر لا يمكن تحمله»، وهو التصريح الذي دأب على ترديده بعد كل جريمة تقع وتؤدي إلى مقتل العشرات من الأفغان البؤساء.
في الأسبوع نفسه الذي وقعت فيه مذبحة حيدرأباد شهدت روما (يوم الاثنين الماضي) مؤتمرا دوليا حول «القضاء ودولة القانون في أفغانستان»، حضره الرئيس كرزاي والأمينان العامان للأمم المتحدة وحلف الأطلسي، إضافة إلى عشرين وفدا؛ بينهم ممثلون عن البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقالت متحدثة باسم المنظمة الراعية للمؤتمر أنه سيبحث قيام المجتمع الدولي بمساعدة القضاء الأفغاني، بعد وضع الدستور الجديد لأفغانستان.
تزامن الحدثين في أسبوع واحد يصور المفارقة في المشهد الأفغاني، إذ تدل القرائن على أنه أصبح منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 في عهدة الدول الغربية تحت القيادة الأمريكية، وأنه أخرج من الخارطة الإسلامية، سواء بإرادة غربية، أو بسبب الحرج الغربي الذي أصاب الدول الإسلامية بعد الذي وقع في نيويورك، وهو حرج اختلط بشعور نسبي بالذنب، دفع تلك الدول لان تحتفظ بأبعد مسافة ممكنة في الشأن الأفغاني، باستثناء دولتين فقط هما باكستان وإيران، فرضت عليهما ظروف الموقع الجغرافي أن يكونا لصيقين بالحدث الأفغاني، وإن اختلفت دوافعهما في ذلك.
لا تقف المفارقة عند ذلك الحد وإنما لها وجه آخر يتمثل في تركيز الاهتمام الغربي على ما يعتبرونه تحديثا لشكل المجتمع الأفغاني، ومحاولة نقل النموذج الغربي إليه، في الوقت الذي يسحق فيه المواطن الأفغاني وتهدر آدميته، بحيث لم يعد مهما كثيرا من وجهة النظر الغربية أن يقتل المئات من المدنيين الأبرياء، كما لا يهم أن يقيم المرتزقة الذين استجلبهم الأمريكيون للعمل هناك سجونا خاصة لتأديب «الإرهابيين»، يتعرضون فيها لأبشع أشكال التعذيب، إنما المهم أن يكون للبلد برلمان ودستور وأحزاب سياسية وقضاء. وأن تزدهر محلات الأشرطة الموسيقية، وتفتح دور السينما، وتنتعش مهنة تصفيف الشعر، ويراجع «الشادور» الذي ترتديه السيدات.. الخ.
طيلة خمس سنوات وقوات حلف الأطلسي تقاتل حركة طالبان في أفغانستان، وباسم الحرب العالمية العبثية ضد الإرهاب، فالإنجاز الذي حققته على الأرض حتى الآن أنها قهرت الشعب الأفغاني ودمرت قواه وقتلت أعدادا يتعذر حصرها من المدنيين، الأمر الذي عبّأ الناس ضدها وضاعف من كراهيتهم لوجودها، وهو ما ترجم في النهاية إلى زيادة نفوذ حركة طالبان وانخراط كثيرين في صفوفها، ليس تعاطفا مع الحركة بالضرورة، ولكن كراهية للغزاة الجدد وثأرا منهم.
ثمة تسريبات تتحدث عن خلاف بين أعضاء حلف الأطلسي حول الهدف الاستراتيجي للتدخل في أفغانستان، وهل المراد هو القضاء النهائي على حركة طالبان، أم إضعافها بما يضطرها إلى الانخراط في العملية السياسية، بما ييسر احتواءها وترويضها بمضي الوقت.
تفرع عن ذلك خلاف آخر حول آليات العمل وأولوياتها، وما إذا كان ينبغي على هذه الآليات أن تركز على عمليات إعادة الإعمار لكسب ود وثقة الشعب الأفغاني، وبالتالي الحد من قدرة طالبان على تجنيد الشباب والتحرك بحرية وسط الجماهير، أم أن المطلوب هو أن تترك هذه المهمة إلى منظمات المجتمع المدني، في حين تتفرغ قوات الناتو للمهام القتالية والأمنية.
في هذه الأجواء لا غرابة في تزايد الخلاف حول الإستراتيجية كلما اتسع نفوذ حركة طالبان وتقدمت عناصرها على مختلف الجهات، حيث بدا واضحا أنه برغم كل الضربات القوية التي وجهت ضدها ما زالت تتمتع بقوة عسكرية فعالة، كما أن نفوذها يتزايد بصورة مستمرة في مناطق كثيرة من أفغانستان، وبخاصة في مناطق القبائل. وفي تقرير نشرته صحيفة «الأهرام» المصرية أخيرا، نقلت عن صحيفة «لوموند» الفرنسية قولها إن التقدم القوي لحركة طالبان بعد خمس سنوات من سقوطها سياسيا أصبح يشكل فشلا ذريعا لقوات حلف شمال الأطلسي، إذ في ظل خلافات الناتو وتنامي نفوذ طالبان مجددا، فإن البلاد تعاني مشكلات أخرى؛ على رأسها وجود حكومة مركزية مصابة بالشلل وعاجزة عن حماية الدولة، بل إنها ذاتها ما زالت في حاجة إلى حماية، خصوصا أن نفوذها الحقيقي لا يكاد يتجاوز حدود العاصمة كابول، وهو ما أكدته دراسة أعدها مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية في واشنطن (صدرت في شهر فبراير (شباط) الماضي)، تحدثت عن أن حكومة كرزاي افتقدت التأييد الشعبي، نظرا لفشلها في تنفيذ وعودها للشعب الأفغاني. وتعزز هذه النتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة التي تتجلى بوضوح في البنية التحتية التي تم تدميرها، وعدم وجود جيش أفغاني قوي، فضلا عما هو معروف في أفغانستان عن العداء الذي يصل إلى الكراهية التي يكنها الشعب الأفغاني للأجنبي الذي يغزو بلادهم. ولا ينسى في هذا الصدد أن المرة الوحيدة التي أبيد فيها جيش بريطاني عن آخره، وقعت على أرض أفغانستان في منتصف القرن التاسع عشر (عام 1842). وهي الواقعة التي ما زالت محفورة في كل الأذهان، من حيث أنها أصدق تعبير عن مدى غضب الأفغان واستعدادهم لصد أية محاولة من جانب
«الكفار» لغزو بلادهم.
هذا الموقف المسكوت عنه بالعداء للأجانب الغزاة ومن لف لفهم، أدى إلى تقويض الجهود المبذولة لبناء جيش أفغاني يمثل جميع القبائل لمواجهة طالبان، ويمهد الطريق لتحقيق هذا الهدف. كما ألقى هذا العداء بظلاله على الموقف من حكومة الرئيس كرزاي، ذلك أن سلطانها لم يتجاوز حدود العاصمة فحسب، وإنما لم يعد خافيا على أحد أنها فاقدة للاحترام والهيبة أيضا، ولذلك فان تحدي قرارات كرزاي أصبح أمرا عاديا، وهو ما تجلى في حالات عدة اصدر فيها قرارات بتعيين ولاة أو محافظين في بعض المناطق، ولكن الأهالي رفضوا قراراته تلك، وتمسكوا بالإبقاء على من صوتوا لصالحه واختاروه بأنفسهم. حدث ذلك مثلا في ولاية لوجر التي تبعد 25 كيلومترا عن العاصمة حيث عيِّن لها كرزاي حاكما من جانبه، ولكن الأهالي ثاروا ورفضوا استقبال الوالي الجديد وأصروا على بقاء الوالي الذي انتخبوه في موقعه، وكان لهم ما أرادوا، وهو ما تكرر في ولايات أخرى مثل بقلان وباكتيا.
ما أريد أن أخلص إليه أن أفغانستان بعدما تخلصت من عاصفة طالبان فإنها لم تنج من الأذى والقهر، وإنما ضربها إعصار قوات الناتو، وبعدما كانت حية في الإدراك العربي والإسلامي، فإنها سقطت من الذاكرة وتركت نهبا لغزاتها الجدد، وبعدما كانت الدراسات الأكاديمية تصفها بأنه بلاد الإسلام المحلق والمسلمين الأشداء الذين لا يقهرون، فإن صحفنا لم تعد تذكرها الآن إلا في خلال نشرات أخبار حلف الناتو، وفي ثنايا قصص الغارات التي تسحق البلاد والعباد بلا رحمة.
ليس عندي أسف على رحيل حكم طالبان ولكن كلما طالعت أخبار أفغانستان تحت سلطان حلف الناتو، أشعر بأسى يتزايد حين أرى العرب والمسلمين جميعا يقفون موقف المتفرجين مما يجرى هناك، قانعين بتعبيرات الأسف التي تصدر عن ممثلي حلف الأطلسي كلما اشتد الفتك بالأفغان وتطايرت أشلاؤهم في الهواء، بعد تدمير بيوتهم وإشاعة الخراب في قراهم.
لا أعرف لمن أتوجه برجاء الالتفات إلى ما يجري في أفغانستان، وتذكّر أن بها شعبا قوامه 30 مليونا من المسلمين أحال حلف الناتو حياتهم جحيما. وشغل العالم الغربي بطلاء واجهات بلدهم من الخارج، لكي يصبح أجمل مقبرة ديمقراطية في قلب آسيا.
ترى هل يمكن أن يتسلم الرسالة أمين منظمة المؤتمر الإسلامي الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو، ليحيلها بدوره إلى من يهمه الأمر من قيادات العالم الإسلامي.
لمهذا المصـــــير الأسـود للديمقــــراطية!بقلم : صلاح الدين حافظ
أسمع أسوأ ولا أسخف من تلك النكتة التي أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش الأسبوع الماضي, حين قال إنني أسعي وأريد عراقا ديمقراطيا علي غرار إسرائيل!!وسخافة النكتة تعود أولا إلي أن قائلها هو بوش الموروط عسكريا في العراق, وتعود ثانيا إلي إيحائها بأن العراق قد استقر, في نظر بوش, وها هو يبني نموذجا ديمقراطيا جديدا, ثم تعود ثالثا إلي أن الرئيس الأمريكي لم يجد في جعبته سوي النموذج الديمقراطي الإسرائيلي ليتطلع إليه, ويتخذه نموذجا ومنهاجا ونبراسا... وهو النموذج الاستعماري الكلاسيكي!!أما سوء النكتة, فيكمن في أن الرئيس المبعوث رسولا للديمقراطية, يريد منا نحن باقي الدول العربية, أن نتعلم من التجربة الديمقراطية العراقية, لنقلدها ونحاكيها ونسير علي خطاها, إن كنا قد فشلنا في محاكاة النموذج الإسرائيلي!!ولكي نثبت أن النكتة سخيفة وسيئة معني ومبني, علينا أن نعيد تقليب الأوراق وترتيب الأحداث, لندرك هل نجح الرئيس الوكيل الحصري للتبشير بالديمقراطية في المنطقة, في بناء نموذج ديمقراطي يحتذي في العراق, ويحاكي بالتالي النموذج الديمقراطي الإسرائيلي, أم أن الورطة التي أثبتت الخيبة, هي المحصلة النهائية حتي الآن علي الأقل.كان هدف الإطاحة بالنظام الديكتاتوري لصدام حسين, وإقامة بديل ديمقراطي في العراق, أحد ثلاثة أهداف استراتيجية, أعلنها الرئيس بوش في بدايات عام2003 تمهيدا لغزو العراق واحتلاله, ابتداء من مارس من العام المذكور... والثابت حتي الآن أنه نجح في تحقيق الجزء الأول من الهدف وهو إطاحة صدام حسين وحكمه, ولم يستطع أن يحقق الجزء الثاني, وهو إقامة نظام ديمقراطي بديل, لأن الاحتلال الأمريكي بعد أن دمر البلد قد أوجد مقاومة مسلحة عنيفة, وأيقظ كل المشاعر الوطنية في الشعب العراقي, باستثناء جماعات المتأمركين والمستفيدين..يتفاخر صناع السياسة الأمريكية الآن, أنهم أقاموا حكما ديمقراطيا في العراق لأول مرة, ولا أدري كيف ومتي تم ذلك... نعرف أن انتخابات عامة قد جرت وأن برلمانا قد تم انتخابه, وأن حكومة تشكلت من قوي الأغلبية..مما يوحي للوهلة الأولي, ولمن لا يتعمق في قراءة الوقائع, أن هناك بالفعل حكما ديمقراطيا يسيطر علي العراق من شماله إلي جنوبه, ومن شرقه لغربه...غير أن الوقائع تقول غير هذا, بداية بأن الانتخابات قد تمت تحت الاحتلال الأجنبي, مما يفقدها الشرعية أساسا, وأن هذه الانتخابات أفرزت برلمانا وحكومة طائفية, يرتكز كلاهما علي التوزيع الطائفي والعرقي من( سنة وشيعة وأكراد وتركمان وآشوريين...الخ) ترسيخا لتفكيك الوحدة الوطنية..وها هي الحكومة تمارس حكما طائفيا بوضوح, وتدفع سياستها إلي تقسيم الوطن العراقي إلي شمال كردي وجنوب ووسط شيعي وجزء من الوسط والغرب سني التوجه والمذهب, وهي في الواقع حكومة تحتمي مع البرلمان في المنطقة الخضراء بقلب بغداد المحمية بالقوات الأمريكية, بينما الأمن وشئونه في مجمل البلاد, لايزال في أيدي قوات الاحتلال..***والمعني الذي نريد أن نبرهن علي وضوحه, هو أن العراق يفتقد شرعية الاستقلال والسيادة الوطنية, وتفتقد مؤسساته الرئيسية خصوصا البرلمان والأحزاب والحكومة والأمن والجيش الشرعية الوطنية, الأرض ممزقة تحت التقسيم الطائفي والعرقي, والدولة غائبة تفتقد السيادة بالمعني القانوني, والشعب ممزق بين القتل والقتال, والدولة المتحالفة مع الاحتلال لا تستطيع حماية أحد, وأكثر من خمسة ملايين هاجروا للخارج عبر الحدود, مع مليونين آخرين هجروا في الداخل, في ظل التطهير الطائفي والمذهبي الجاري علي قدم وساق...فأي نموذج للديمقراطية هذا يبنيه الرئيس بوش في العراق, بل أي مستقبل لمثل هذه الديمقراطية, إذا كان بوش لايزال غارقا في المستنقع الدموي العراقي دون بادرة لنهاية مشرفة له, فضلا عن أي إشارة للانتصار وإن طال الزمن...قبيل أيام من انتخابات الكونجرس في نوفمبر من عام2006, كان بوش يردد كمن يهذي بأن أمريكا ربحت الحرب ضد الإرهاب وحققت انتصارا واضحا في العراق... وما ان قلبت نتائج تلك الانتخابات كل الموازين بفوز كاسح للحزب الديمقراطي خصم الرئيس بوش وحزبه الجمهوري, حتي عاد بوش وانقلب علي قوله الأول, فأعلن في حوار شهير أجرته معه جريدة واشنطن بوست في20 ديسمبر الماضي, أننا لا نكسب الحرب في العراق, ولكننا لا نخسرها!!هذا إذن اعتراف أمريكي صريح بفشل150 ألف جندي أمريكي في كسب الحرب في العراق, فشل عسكري يؤدي بالضرورة إلي فشل سياسي, وإن كان قد حقق نجاحا اقتصاديا عبر سرقة واحتكار الثروة النفطية العراقية الهائلة..فإن لم تحقق الترسانة العسكرية الأمريكية الهائلة أي انتصار حتي العام الرابع لاحتلال العراق, وتضمن الأمن والاستقرار في البلاد علي الأقل, فكيف للإدارة السياسية الأمريكية أن تحقق نجاحا في بناء نموذج ديمقراطي, أو علي الأقل وضع بذوره الأولي في التربة العراقية... والديمقراطية كما نعلم عملية سياسية اجتماعية ثقافية طويلة المدي!يتصور المحيطون بالرئيس بوش, من بقايا عصابة المحافظين الجدد المهزومة, أن إجراء انتخابات وتشكيل برلمان وحكومة في العراق, دليل واضح وبرهان ساطع علي بناء ديمقراطية, وهذا وهم وتدليس سياسي من الدرجة الأولي, يحاولون به اقناع الرأي العام الأمريكي أولا, بنجاح سياستهم في ترويج القيم الديمقراطية الأمريكية وزرعها في العراق, ليكون نموذجا جاذبا لباقي الدول العربية...وهنا تدخل حكاية السير علي خطي الديمقراطية في إسرائيل, التي يحلم بها الرئيس بوش مبشرا وهاديا ومتعبدا في محرابها, إنه يخاطب المشاعر والعواطف الأمريكية لتسانده وتدعمه, حين يذكرها بالنموذج الديمقراطي الإسرائيلي, الذي نجحت القوة اليهودية بأذرعها ومنظماتها الصهيونية, في زرعه في الوجدان الشعبي الأمريكي, واقناع قطاعات واسعة من الرأي العام, بأن قيام دولة إسرائيل تمهيد لعودة المسيح عليه السلام وشرط من شروط قيامته, وبأن إسرائيل تحاكي النموذج الأمريكي تمام المحاكاة, من حيث النشأة والتأسيس والهجرة والقيم والثقافة والتقاليد, وكذلك النموذج الديمقراطي..***معظم الرأي العام الأمريكي, نشأ وتعلم وتثقف, علي هذه المشاعر والمواقف تجاه إسرائيل, فهي جزء من كبد أمريكا وعين لها في قلب الشرق الأوسط, الذي هو قلب العالم ومخزنه النفطي, نموذج ديمقراطي يكرر ويحاكي النموذج الأمريكي حين كان حلما يتوبيا مثاليا يهيم في خيال المهاجرين الأوائل, وهم يحتلون الأرض ـ الجنة الجديدة, ويقيمون المستوطنات ـ المستعمرات, ويقاتلون أهل البلاد الأصليين ويبيدونهم, من أجل بناء الجنة الموعودة!!! وما فعله المهاجرون الأوروبيون في أمريكا, فعله المهاجرون اليهود في فلسطين, باسم الحلم الصهيوني في أرض الميعاد..بوش حين قال الأسبوع الماضي إنه يسعي لبناء عراق ديمقراطي علي غرار النموذج الديمقراطي الإسرائيلي, كان يخاطب العواطف الأمريكية دون أن يجرؤ علي مخاطبة العقول الأمريكية, لأن هذه تدرك حجم الورطة العسكرية الدامية في العراق, ومدي خسائرها بل وعمق تأثيراتها علي مستقبل الحياة السياسية في أمريكا ذاتها... حين تضطر صاغرة للانسحاب في نهاية المطاف, بلا حرب انتصرت وبلا ديمقراطية زرعت!حكم التاريخ حتما سيجري علي الاحتلال الأمريكي للعراق, كما جري علي احتلال الامبراطوريات الاستعمارية الغربية القديمة, التي انسحبت صاغرة واستقلت الشعوب والدول التي خضعت زمنا للغزو والاحتلال... وحينئذ سترتد النتائج العكسية علي أمريكا في الداخل, لتحاسب نفسها كما سبق لها أن فعلت بعد حربها المريرة في فيتنام وكوريا وغيرها من حروب الغزوات الخارجية...لكن تبقي المأساة متحكمة في تفكير الرئيس بوش, مستحكمة في سياساته الفاشلة, سواء في الحرب أو في نشر الديمقراطية, بعنجهية القوة المسلحة المغرورة الباطشة الطائشة, والخشية أن يستغل ما تبقي له في عرش الرئاسة من شهور قليلة, ليتوهم إقامة نموذج ديمقراطي آخر غير نموذج العراق, وعلي غرار النموذج الإسرائيلي, الذي لم يعد في العالم من هو أسوأ منه عدوانية وتعصبا ومعاداة لكل معاني الديمقراطية, والدليل الحي هو ما يفعله الآن ضد الفلسطينيين!أما المأساة الأكبر والأفدح, فهي أن البعض منا منهم لايزال يأمل خيرا, في وعود الرئيس بوش وتعهداته, بإقامة ديمقراطية في بلادنا... علي غرار النموذج العراقي الدامي والنموذج الإسرائيلي المدمي!!إن كانت حرب بوش مغامرة, فديمقراطية بوش مقامرة, والرهان عليهما خاسر من البداية للنهاية يا أولي الألباب...***** خير الكلام : يقول الشاعر أحمد فتحي:يا تري ما تقول روحك بعديبابتعادي وكبريائي وسهدي
الدعم الغربي للحكام العرب معيب
قالت ناشطة أمريكية في مجال حقوق الانسان يوم الثلاثاء إن السياسة الغربية الخاصة بدعم الحكومات العربية القمعية بدلا من تعزيز الديمقراطية التي قد تقوي الاسلاميين ستغذي حالة عدم الاستقرار في الشرق الاوسط.وقالت سارة ليا ويتسون التي تعمل في منظمة هيومان رايتس ووتش ومقرها نيويورك ان الولايات المتحدة وحلفاءها خففوا الضغوط عن القادة العرب والتي كانت ترمي للاصلاح بسبب خلل في الاولويات الغربية التي وضعت المخاوف الامنية فوق الديمقراطية.وأضافت ويتسون ان الدول العربية بما فيها حليفا واشنطن مصر والاردن استغلت هذا التغير في السياسة لتشن حملة كبيرة على معارضيها مما من شأنه أن يبعد الاسلاميين عن نهج الاحتجاج السلمي ويدفعهم الى العنف.وقالت ويتسون وهي المديرة التنفيذية لهيومان رايتس ووتش لشؤون الشرق الاوسط وشمال أفريقيا "اختارت الولايات المتحدة وحلفاؤها الاوروبيون الضعفاء في هذه اللحظة الحكومات القمعية المستقرة بدلا من المجهول الذي يتهددهم.. وهو تولي الاسلاميين السلطة السياسية."وأضافت متحدثة في مقابلة مع رويترز في عمان "انه لخطأ هائل سيقود في نهاية الامر الى ضعف كبير."ورأت أنه اذا أرادت الدول العربية تحقيق الاستقرار فان عليها دمج الاسلاميين الساعين للتغيير من خلال صندوق الانتخابات. فهم أكثر أحزاب المعارضة شعبية في معظم الدول.وتظهر افادات الاسلاميين المعتقلين "مرة تلو الاخرى" أن المعاملة الوحشية وقلة الضمانات القانونية أبعدتهم عن النشاط السلمي.وأضافت انه "اذا توجهوا للمسجد لمرات كثيرة.. واذا أطلقوا لحاهم فانهم يتعرضون للمضايقات وقد يعتقلون ويوبخون ويرسلون الى منازلهم من دون تهم توجه لهم على الاطلاق."وقالت "وحينما تقمع نهجا من المعارضة فانك تظهر للمجتمع بأن المعارضة السلمية ستقمع ثم تترك للناس الانطباع بان الطريق الوحيد ربما يكون المعارضة العنيفة."وشنت الولايات المتحدة حملة من أجل التغير الديمقراطي في عام 2005 ولكن محللين يقولون ان تلك الحملة فقدت اندفاعتها لان واشنطن كانت بحاجة لدعم الحكومات العربية المحافظة في العراق وفي الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.ومضت تقول "ان الحرب على الارهاب أعطت من جديد لهذه الحكومات المساحة التي تقول بها للغرب والولايات المتحدة ان عليها التراجع عن مشروع نشر الديمقراطية والاصلاح."وتابعت انه كان هناك "قمع هائل للاسلاميين في المغرب وتونس ومصر والاردن وسوريا".وقالت "ان الضحايا كانوا هؤلاء النشطاء الذين صدقوا الوعد الامريكي وخرجوا وتظاهروا وخرجوا وضغطوا من أجل التغيير واعتقدوا أن لديهم المجال وصدقوا ذلك لوهلة."ووصفت ويتسون تركيا التي يقودها حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الاسلامية بأنها في حالة "فوز على كل الاحوال" وقارنتها بالحملة القمعية المصرية ضد الاخوان المسلمين.وأضافت "الان يرزح الالاف من الاخوان المسلمين (في مصر) في السجون ولا يمكن لاحد أن ينبس بكلمة."
07-07-03
من عدد الاثنين لجريدة الدستور اليومية حيث نقرأ لإبراهيم عيسى حول أسراب الأحلام الإصلاحية والوعود التنموية التي لا تقف على قدمين التي لا يكف جمال مبارك عن إطلاقها متجاهلا أن والده السيد الرئيس مبارك هو الذي يحكمنا طوال الست وعشرين عاما الماضية : (كل أسبوع على الأقل يخرج علينا جمال مبارك باجتماعات أمانته إياها لوضع خطط وتفكير وتدبير فى شئون الوطن وتسأل نفسك : أين يجد جمال مبارك الوقت لكل هذا، متى يشتغل هذا الرجل كى يحصل على أكل عيشه ؟ ثم ماذا يشتغل بالضبط ؟ أنتي تشتغلي أيه ؟ ما هي وظيفة حضرة سعادته إيه اللى مكتوبة فى جواز السفر؟ أم يا ترى ان هذه الاجتماعات هي شغلانة الرجل أو ربما مصر نفسها في أكل عيشه وهو عيش سرايا قطعا لكن المدهش هنا فى التصريحات التى يقولها جمال مبارك عقب كل اجتماع من إياها للأمانة إياها، أنه يتحدث طول الوقت عن التطوير والتحديث متناسيا حقيقة واحدة فقط أن السيد والده هو الذي كان يحكمنا كل هذه السنوات ولا يزال الوطن من غير لا تطوير ولا تحديث.ورغم ما تعانيه مصر من استبداد وتبديد لثروتها، وغياب كلى جامع شامل للحرية السياسية واعتقالات وتعذيب ، فإن جمال مبارك لا يأتي على هذه الحقائق بكلمة أو أنه ينفيها فى سفور وتجرؤ يستحق أن تشكر فيه الرئيس مبارك على حسن تربية هذا التلميذ النجيب فى قصره العامر، مدرسته السياسية ، مدرسة إنكار الحقائق ، وتضليل الشعب ، وتزييف الانتخابات ، وتزوير إرادة الناس ، ولهذا فإنك تفاجأ فعلا بابن الرئيس يتحدث عن الديمقراطية والإصلاح وكأنه ابن الرئيس الفرنسي وليس ابن الرئيس مبارك.جمال مبارك صورة طبق الأصل من والده ، فإذا كان لدينا الأصل ح نعوز إيه من الصورة ، لقد حول جمال مبارك حزب والده من دوار عمدة إلى نادي يخت ، وحول حكومة والده من صبيان معلم إلى شلة أولاد عائلات ثرية ، وبعد كل هذا يتصور جمال مبارك أن هناك مواطنا سيصدق كلامه عن الحوار المجتمعي، مش عارف بيجيب هذا الكلام السمج منين ، أغلب الظن من ترجمات رديئة لمصطلحات أجنبية ، أى حوار مجتمعي يا أخ جيمي وأنتم تعتقلون المجتمع أساسا وتحاصرونه بأمن الدولة . لا أحد يصدق جمال مبارك ، فقد انكشف وتعرى سياسيا تماما حين شاهد وشارك فى التزوير والتزييف والاعتقالات والتعذيب وقهر الفقراء وتطليع روح محدودي الدخل . ورقة جمال مبارك محروقة ، لكنه لا يرى إلا نفسه وشلته (هاي شلة ) ووالده ، عايز مصر تتقدم وتتطور وندخل فى حوار مجتمعي طيب ما تتحاور أنت مع نفسك الأول واسألها يا نفسي هل فيه وطن فى الدنيا تطور ورئيسه يجلس على عرشه ستة وعشرين عاما هل فيه بلد فى الدنيا تقدم ورئيسه وابن رئيسه يزور الانتخابات والاستفتاءات ويطبخ القوانين على هوى ومزاج العائلة الحاكمة ، أين هو المجتمع الذي يتطور وهذا رئيسه وذاك ابن رئيسه لو تعرف مجتمعا مقموعا مقهورا مسجونا وفقرانا ومريضا ويسرى فيه جهل التطرف وتطرف الجهل قد تطور أو تقدم قل لنا، ولا على إيه .. قول لوالدك!.)
لصورة الروح ـ د.أيمن محمد الجندي
د.أيمن محمد الجندي : بتاريخ 27 - 6 - 2007
ملامحك القديمة ، هل تذكرها ؟ ..تتطلع إلى المرآة كل يوم ولذلك تعودت على شكلك الجديد ..ولكن ماذا لو وقعت في يدك صورة قديمة تآكلت أطرافها فانخلع قلبك حين تأملتها ؟..هذا الوجه البريء لمن ؟ تلك الملامح الناعمة لمن ؟..وهذه النظرة الوديعة التي تطل من عينيك رغم محاولتك الثبات أمام عين الكاميرا الناقدة .. دون أن تعلم أن تلك اللحظة ستتجمد إلى الأبد ..وفيما ستتغير أنت بعد ذلك..تتهدم وتتحول ، تذبل وتذوي ، بينما تصمد هي أمام الزمن القادم المتسلل ...........وأحيانا تشرد بينما تحدثك زوجتك ..لا تصغي لها وإنما تدقق في وجهها محاولا العثور على الفتاة النحيلة الصبوح التي وقعت في غرامها ذات يوم بعيد..ولا تدري - يا مسكين - أنها – في ذات اللحظة – تفكر في نفس الشيء وهي تكلمك..تتساءل عن وجهك القديم وعينيك المتوهجتين !!.ثقيلة خطوة الزمن ..تطأ وجهك ببطء ..تدوس ملامحك وتدهس روحك..هل فكرت أن روحك تغيرت أيضا ؟ ..هل ضبطت نفسك متلبسا بخطيئة لم تكن تتصور – أيام البراءة الأولى - أن تقترفها ؟ ..من حسن حظك أنه لا توجد صورة قديمة لروحك لتدقق وتقارن وتشاهد حقيقتك بغير رتوش..بغير السكر الذي نرشه على السطح ..يقولون أن عقلك الباطن هو أسوأ ما في العالم ..لذلك نخفيه عن أنفسنا ونخدعها طيلة الوقت واثقين أنه لا يمكن التقاط صورة فوتوغرافية لأرواحنا ..ولكن ماذا لو كان هذا ممكنا ؟!!...........دوريان جراي فعلها ..المستحيل تحقق له فكان نكبة عليه وشقاء بلا حدود ، ولكنه على الأقل لم يخدع نفسه – كما نفعل – في أي لحظة .. كلا ..لم تكن مجرد حيلة بارعة لمجرد إضفاء الغرابة من المؤلف البريطاني أوسكار ويلد أن تحمل الصورة عن بطل الرواية ( درويان جراي ) أعباء السنين وأثقال الخطايا في حين يحتفظ هو - أبد الدهر – بفتنة وجهه وروعة شبابه ولكنه أراد للصورة المر سومة أن تكون " معادلا ماديا " للروح بحيث نستطيع أن " نرى " ما يحدث فيها من تغيرات خفية بفعل الآثام . دوريان جراي يمثل الإنسان كما خلقه الله في أحسن تقويم ..بارع الحسن فاتن الطلعة غريرا يوشك أن يكون في جماله وفتنته فلتة من فلتة الطبيعة ..لذلك تحمس صديقه الفنان لرسمه لكن الغلام لم يحب تلك الصورة قط وشعر بالحقد عليها لأنها ستبقى محتفظة بكل هذا الشباب اليانع فيما يشيخ هو ويذبل ..لذلك لم يكن غريبا حينما تمنى في نفسه لو حدث العكس : يحتفظ هو بالشباب بينما تشيخ الصورة وتكبر .. وحينما ارتكب خطيئته الأولى وهجر خطيبته في قسوة غير مبال بدموعها حدثت المعجزة ..تغيرت الصورة قليلا وأحاط بفمه المبتسم قوس عميق أكسبه مسحة من الصرامة والقسوة ..لم يصدق نفسه وتصور أنه يتوهم ولكنه تذكر أمنية الأمس الغريبة فعلم أن السماء استجابت له ..وها هو بوسعه أن يتخذ هذه الصورة مرشدا له إن شاء ومقوما لميوله ونزعاته فتكون بمثابة ضميره ..تلك الفرصة التي لم تسنح من قبله لمخلوق ..أن يجد رمزا ملموسا يبين له مدى التلف الذي يلحق بروحه كلما تورط في أثم أو أرتكب معصية ..لكنه لم يفعل وأسدل الستار عليها ليحجب سره المخيف عن الأنظار ..ثم أخفاها في غرفة مغلقة لتفعل بها السنون والخطايا أفاعيلها بعيدا عن أنظار الجميع....................وتمر الأيام تلو الأيام وكلما ارتكب معصية جديدة ظهرت على الصورة فورا قبحا وإثما ..وها هو ذا كلما تطلع إليها رأى بشاعة الخطايا تسود وجهه وتلطخ روحه ..والأعوام تحفر أخاديد الشيخوخة على صورته ، والشيب يشيع في مفرقيه بينما يحتفظ هو بذلك الوجه الناعم الذي كان له وقت رسم اللوحة منذ عهد لا يذكره من السنين..الصبا والفتنة والجمال والطهارة والنقاوة التي لا ترى إلا في وجوه الصالحين ..ومهما ترددت الشائعات عن سلوكه المريب وحياته الشائنة فقد كان وجهه النقي الصريح يكذب كل الشائعات . وفي لحظة يكشف السر لصديقه الفنان الذي رسم الصورة وقد لذ له أن يجد من يشاطره سره العجيب فاقتاده إلى الغرفة المغلقة وكشف الستار بعنف ..وما أن رأي الفنان دمامة الوجه المخيف حتى تملكه الذعر ..هذا وجه فاسق أثيم ..بل مسخ أسوأ ألف مرة من كل الإشاعات التي سمعها عن صديقه .. وأحس دوريان جراي أنه يبغض هذا الفنان كما لم يبغض أحدا آخر في الوجود ..إن هذه الصورة كانت سر مأساته وشقائه ..وبدون أي تردد طعنه بالسكين حتى وقع جثة هامدة ..ثم راح - في فضول- يتأمل الصورة التي تلوثت ببقعة حمراء مخيفة تصبغ يديه .روح معذبةحليف الشيطان ، هذا هو لقبه الجديد ..لكن شيئا في روحه يتمرد ..لماذا حاول بدون وعي أن يثني صديقه عن قتل أرنب تأثر بظرفه وطمأنينته ؟ ولماذا عدل عن إغواء فتاة ساذجة رغم أن هذا كان ممكنا ؟ لكن المدهش أنه حينما تطلع إلى صورته - آملا أن تسجل له هذا الصنيع - وجدها أكثر بشاعة ..واكتشف أن نيته تلك لم تكن خالصة للخير كما تصور بل هي لذة جديدة يريد أن يجربها .. رغبة منه في الظهور في صورة أسمي من حقيقته..وها هي قطرات الدم قد بدت أشد احمرارا ولمعانا وكأنها لطخت اليدين في التو واللحظة .وفي عزم أمسك بالسكين وراح يطعن الصورة المخيفة ..ودوت صرخة هائلة سمعها خدم الدار فهبوا مذعورين وما أن دخلوا الغرفة المهملة حتى رأوا على الجدار صورة رائعة ورأوا على الأرض جثة ميت له أبشع وجه وقعت عليه أبصارهم ..وقد استحالت عليهم معرفته قبل أن يفحصوا الخواتم التي تزين أصابعه .........................حقا ، من حسن طالعنا أننا لا نمتلك صورة مادية لأرواحنا القديمة المرهفة .. تكفينا تلك الغصة التي نستشعرها كلما وقعت في أيدينا – مصادفة - صورنا القديمة تطالعنا بملامحنا الناعمة ووجوهنا الرائقة وابتسامة غافلة عما تخبئه لنا الأيام ..Elguindy62@hotmail.com
في عدد الخميس من جريدة المصري اليوم كتب د. عمرو الشوبكي عن اتفاقية التزوير كنمط من الجرائم الاجتماعية أصبحت جذوره ضاربة في عمق المجتمع المصري نقرأ: (سيظل ما جري في انتخابات مجلس الشوري شاهدًا علي حجم الجريمة الأخلاقية والسياسية التي أصابت المجتمع المصري، حين أصبح التزوير نمطًا طبيعيا للممارسة السياسية حتي لو لم تكن هناك أي مبررات سياسية لاستخدامه، فالانتخابات تجري بين الحزب الوطني وحبايبه، ولا يوجد "غرباء" من المعارضة سواء كانوا من حزب الوفد أو الإخوان، ومع ذلك اعتمد التزوير كثقافة وخيار "استراتيجي" مارسها علي نطاق واسع وبكل الصور والأشكال، وبدون أي دوافع سياسية، كما جري مثلا في السبعينيات، حين استهدف النظام السياسي في انتخابات ١٩٧٩ ثلاثة عشر نائبا عارضوا اتفاقات كامب ديفيد، ونجح في إسقاط ١٢ منهم. أما ما جري الآن فقد تحول فيه التزوير إلي سلوك عام مارسه المرشحون والناخبون وموظفو الدولة، وتواطأت معه كل الأجهزة الرقابية التي يفترض أن تواجه التزوير، ومعها إعلام حكومي حول غياب الناخبين إلي "حضور غير مسبوق"، وملأ آلاف الصناديق الخاوية بآلاف الأصوات المزورة في مشهد عرف الضحك علي النفس أكثر من الضحك علي الغير.والحقيقة أن ترسخ هذا النمط من الجرائم اجتماعيا بات يصعب من مهمة أي إصلاح سياسي مستقبلي، في حال إذا تنفس المصريون هواء نقيا وعرفوا في يوم من الأيام نظاما سياسيا ديمقراطيا يحترم كرامتهم ويواجه السلبيات المجتمعية التي اعتادوا عليها علي مدار ربع قرن، فانهيار نظام المحاسبة ودخول الدولة في معارك صغيرة ومتدنية أضاعت هيبتها وتقاليدها التاريخية، وميل جانب كبير من المصريين إلي الحلول السهلة التي لا تحتاج إلي مجهود إنما إلي بعض الفهلوة والشطارة والابتزاز، هذا الوضع سيصعب علي أي نظام محترم مهما كانت توجهاته السياسية، أن يغير من هذه القيم ومن تلك الثقافة التي ترسخت علي مدار ما يقرب من ثلاثة عقود. والحقيقة أن الكارثة الحقيقية في الوضع الحالي أن التزوير الذي يجري لا يعود إلي دافع سياسي فنقول إنه بغرض استبعاد نواب المعارضة أو الإخوان المسلمين، فأعجب أمر سمعته في هذا الإطار هو ما قاله لي عقب مقالة الأسبوع الماضي ـــ الوطني في مواجهة الوطني ـــ مرشح الإخوان المسلمين في دمياط الأستاذ فكري الأدهم، حين أبدي دهشته من قيام الحكومة بتزوير نسبة كبيرة من الأصوات التي حصل عليها حتي تتناسب مع الأصوات المزورة التي حصل عليها مرشح الحزب الحاكم في نفس الدائرة "الكابتن " سمير زاهر. فأعطته الحكومة بسخاء ٢٥ ألف صوت، في مقابل ما يزيد علي ٨٠ ألفًا حصل عليها مرشح الحزب الحاكم، وحرصت حكومتنا الرشيدة علي إعطاء كل مرشحي المعارضة والمستقلين نسبة من الأصوات حتي تحافظ علي "ديمقراطية" الانتخابات، وحتي يكون الفارق "مشرفا" بين مرشحي الإخوان والمستقلين من جهة ومرشحي الحزب الوطني من جهة أخري، وهو الأمر الذي لم يستطع الحزب أن يحافظ عليه في كل الدوائر، حيث نجح في اكتساح منافسيه من أصدقاء الحزب وحلفائه في انتخابات التزوير الجماعي.أما الدكتور سعد عمارة وهو أيضا من رموز المعارضة في نفس المحافظة، فقد اعتبر أن الدولة قدمت طرقًا جديدة في التزوير وصفها "بالمبتكرة " واعتبر أنها لم تكتف بالبحث عن قرية نائية تقوم فيها "بتقفيل" اللجان بعيدا عن أعين الناس، إنما قامت بالتحرك علي مستويات متعددة لإحكام عملية التزوير، منها أسلوب "تقفيل" اللجان التقليدي، ومنها أيضا الأسلوب المبتكر الجديد الذي يقوم علي تجهيز الصناديق المزورة قبل بدء العملية الانتخابية، وأكد علي أن هناك ١٠٠ صندوق كانت ممتلئة بالأصوات وضعت منذ التاسعة صباحا في اللجان المختلفة.وعرفنا في هذه الانتخابات أيضا أسلوب "البلطجة الناعمة"، التي كانت تتسم بدخول أعداد من البلطجية بكل سلاسة إلي اللجان، وقيامهم بتسويد الأصوات أمام الموظفين البسطاء الذين تابعوا المشهد بصمت وأحيانا بتواطؤ، وعجز الوجود الرمزي للقضاة عن منع أي من هذه الجرائم.هل فكر المزورون كم مؤسسة وجهازًا في الدولة شارك أو تواطأ مع عملية التزوير الجماعي هذه بكل ما يعنيه ذلك من خلق منظومة قيم فاسدة داخل كل كيانات المجتمع؟، وهل فكر هؤلاء في الكارثة التي يمكن أن نسقط فيها جميعا حين تسود ثقافة التزوير الجماعي في كل مؤسسات الدولة؟، وأخيرا هل تبلد هؤلاء من الحس السياسي ولم يفهموا أنهم هذه المرة لم يكن أمامهم منافسون، وأن الانتخابات جرت بين رجال الحكم وأصدقائه، وأنه كان يمكن للقلة القليلة التي ذهبت للتصويت أن يترك لها حرية الاختيار دون أي خطر من النتائج، لأن الغالبية العظمي من المرشحين هم في النهاية جزء من النظام.إن الكارثة الأخري في هذا الجرم الذي شاهدناه في انتخابات الشوري، تكمن في صعوبة إصلاحه في المستقبل، لأنه لا يتعلق بتوجه سياسي يمكن تغييره، إنما بثقافة عامة بذل النظام جهدا كبيرا نحسده عليه من أجل ترسيخها، وبالتالي إذا جاء نظام سياسي ديمقراطي، وقرر القبول بشرعية القوي السياسية المختلفة التي حجبها النظام الحالي، وأسس لتداول حقيقي للسلطة، سيكتشف أن المشكلة الحقيقية ليست في تغيير التوجهات السياسية السابقة، إنما في إصلاح تخريب الذمم وانهيار المؤسسات الذي شاهدناه في هذا العهد.إن هناك كثيرًا من النظم التي تعرف ديمقراطية مقيدة مثلنا، وقامت بتحديد القوي السياسية المسموح لها بالتنافس السلمي داخل المعادلة السياسية، ومع ذلك لم تعرف مشاهد التزوير التي تمارسها الحكومة المصرية، فإيران التي تضع شروطًا للترشح في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لا تنطبق بالضرورة علي كل المرشحين، لا تعرف هذا التزوير المشين الذي نشهده في بلادنا، فطالما وضعت مصفاة سياسية ــ مهما كان التحفظ عليها ــ فهي تترك الجميع بعد ذلك يتنافسون بشكل حر وفق الشروط التي وضعها النظام دون أي تزوير أو تدخل، ولذا لم يكن عجيبا أن تعرف إيران خمسة رؤساء في مقابل رئيس واحد في مصر لنفس الفترة، ولم يكن غريبا أن تكون إيران أهم لاعب إقليمي في المنطقة يمتلك قدرات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة نتيجة كفاءة نظامه السياسي وحيويته.المؤكد أن ما جري في انتخابات مجلس الشوري ظل شاهدًا علي هذا الانحراف الكبير الذي شهده المجتمع ومؤسسات الدولة، ومن المستحيل أن تتحسن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية ما لم نمتلك نظاما سياسيا جديدا يحل مكان النظام الحالي، الذي تركنا له ساحة السياسية والتزوير السياسي، ووجدناه ينتقل إلي ساحة التزوير المجتمعي، ويفرض منظومة قيم بائسة علي المجتمع والنخبة، سنحتاج إلي عقود لإصلاحها.)
Thursday, July 12, 2007
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment