Monday, July 30, 2007

حكمة الرئيس

حكمة الرئيس
بقلم: إبراهم عيسى
يتلقى المسئول الأجنبى الذى يزور مصر نصيحة فورية بمجرد ما تنزل قدمه على سجادة صالة كبار الزوار فى مطار القاهرة ، النصيحة تأتيه من سفير دولته فى القاهرة ، أو مندوب منظمته بأن يبدأ كلامه حين يقابل الرئيس مبارك بالإشادة بحكمة الرئيس ، يحفظ هذا المسئول طول الليل جملة الإشادة بحكمة الرئيس مبارك ... و يرددها كقطع المحفوظات ، فقد افهموه و كانوا صادقى النية .. مخلصى النصيحة ، إن أى مسئول أجنبى يمكنه أن يحصل فى مصر على ما يريد بمجرد ما يشيد و يمتدح حكمة الرئيس فى لقاءه معه ، و فى مؤتمره الصجفى المشترك ، و ساعتها لو عايز من مصر عينيها سوف يأخذها ، لان الرئيس من فرط حكمته لا يرد معترفا بها ، كما أن المحيطين بالرئيس مبارك نفذوا إلى وجدانه بنفاقهم الملحاح ، الذى يشير و يشيد بحكمته ، و من ثم صار أمراً منافياً للذوق ، وخارقاً للناموس ألا يعترف كائن من كان بحكمة الرئيس ! و للرئيس مبارك محبوه ، و إن كنت لا أعرفهم ، و لا أتصور أسباب حبهم له ، و للرئيس كذلك منافقوه ، و يشرفنى اننى أعرف معظمهم و أعرف أسباب نفاقهم له ، لكننى لم افهم أبدا على أى سند يتحدث هؤلاء عن حكمة الرئيس مبارك ما نسمعه من طرطشة نفاق عن الرئيس مبارك فى صحف و مؤتمرات و برامج فى صحف و مؤتمرات و برامج كلام هى عن حكمة السيد الرئيس ، و تعبير الحكمة نفسه لا يأتى ذكره أبدا فى الدول المحترمة فى معرض الحديث عن الرؤساء و الحكام ، عمرك سمعت عن حكمة كلينتون أو بوش أو حكمة شيراك و ميركل أو حتى الرئيس الروسى بوتن !إطلاقا و أبدا ، فالمجتمعات و الشعوب المحترمة لا تعتمد على حكمة شخص ، و لو كان رئيسا ، بل تعتمد على سياسات و استراتيجيات تصنعها مؤسسات منتخبة و ممثلون عن الوطن من جميع التيارات ، و لا تعتمد أمة على حكمة الرئيس ، لأنه تبقى مصيبة لو افتكر نفسه حكيما ، فالحكمة للأنبياء و الأولياء و الفلاسفة ، أما الرؤساء فيجب أن تكون أفكارهم و ممارساتهم موضع تخطيط جماعى .. و بتدابير مؤسسات ديمقراطية .و الرئيس يلتزم بسياسة دولة يشارك فى صناعتها مؤسسات الحكم و تحت رقابة الرأى العام و بمراقبة و محاسبة المجالس التشريعية المنتخبة ، و لا يجلس الرئيس بالليل تحت القمر فى شرفة القصر يحتسى جرعات من الكركديه السخن و يرزعنا حكمة ، هذا ما يذهب بالدول فى ستين ألف داهية ، فالدول التى تحكمها حتى القبائل بتقعد مع أفراد العشائر و القبائل و تتخذ القرارات بناءا على تدارس و تشاور ، أما الرئيس – الذى لا يفعل سوى الحكمة – فيخرج علينا بقرارات كأنها من وحى إلهام جاءه أو رؤيا رآها فى المنام ، فهذا هو الرئيس الفرد الواحد الذى يتصور نفسه (( الصمد )) و يصور له المنافقون أنه (( الأحد )) ، و يرتبط دوما وصف الرئيس أو الحاكم بكونه حكيما بالدول الديكتاتورية و الشمولية التى تتعبد فى رئيسها و تسبغ عليه بأوصاف الهبة ، كذلك ترتبط بالدول العربية التى يجلس فيها الرئيس عمرا طويلا على مقعده ممتدا و متمددا فى سلطته .و مع مرور الزمن يصدق الرئيس فعلا أنه حكيم و يبدأ يتصرف منطقيا من الإيمان بحكمة و عبقرية و أنه سابق زمنه ، و من هنا يبدأ فى اتخاذ القرار الفردية ، الصادمة ، الفجائية ، و تجد صدى هذا بقوة فى الأيام الأخيرة حين يصر مبارك مثلا على التأكيد بأنه يتخذ القرارات فى الوقت المناسب و لمصلحة البلد ، و أنه لا يسمع كلام الرأى العام و لا ينساق وراءه ، و أنه لا يخبر أحد بالقرار ، و أن أقرب الناس ليه لم يكون على علم باتخاذه هذا القرار أو ذلك ، و هى تصريحات تنطق بأن الرئيس خلاص وصل لمنتهى اقتناعه بحكمته ، حتى أنه لم يعد محتاجا لرأى أحد أو أخبار أحد ، فيكفيه انه فكر و دبر و قرر ، و على البلد كله التنفيذ و التهليل طبعا لحكمة القرار .و كما غنى البعض للسادات الأغنية الشهيرة (( قول قول يا سادات ياللى كلامك حكم )) ، فان واحدا من مسؤلى مصر و رجال دولتها لا يمشى خطوتين حتى باب بيتهم إلا و هو يؤكد أن ما يفعله طبقا لتعليمات و توجيهات السيد الرئيس . لكن دعنا نتأمل الموقف لعل الرئيس فعلا يتميز بالحكمة ، و نحن مفترون و جهلة لا ندركها و لا ندانيها ! أولا : خد بالك اننى لا أعتقد أبدا فى ضرورة أو لزوم أن يكون الرئيس ( أى رئيس ) حكيما ، فنحن لا نطلب من رئيسنا أن يكون فيلسوفا أو مفكرا أو كاتبا و روائيا ، بل نتصور أن الرئيس رجل سياسة و خطط موضوعة بعناية و تدابير دوله مؤسسات !الحقيقة أن صاحب الحكمة لا يمكن مناقشته و لا مساءلته ، أنت تجلس مع الحكيم ، كى تسمع و تطيع و تستمخ كدة و توافق على حكومته ، أما الرئيس فيجب أن يكون كل ما ينطق به ليس وحيا يوحى ، فهو ينطق عن هوى ( الرئيس يشر على فكرة ! ) و يحتاج إلى أخذ ورد ، مناهدة و مناكفة ، تمحيص و دراسة ، و فى مصر تجارب كالبلاوى حصلت للبلد من جراء أن الرؤساء ( ناصر و السادات و مبارك ) كانوا يمنحوننا حكمتهم على غيار الريق ، من غير مساءلة و لا محاسبة ..و الحاصل انك لو سألت أين مستشارو الرئيس و خبراء الدولة .. أين مجالس الأمن القومى ، أين مراكز البحث و الدراسات ؟ لن تجد شيئا ، بل ستجدهم خشبا مسندة ، لأن مهمتهم فى مصر هى الإشادة بحكمة الرئيس و ليست صناعة الأحداث و القرارات ! ثانيا : ما هى دلائل حكمة الرئيس مبارك ؟ سيقول البعض أنها حرص مبارك على السلام مع إسرائيل و عدم رغبته و لا إقدامه فى أى لحظة من عمره و أغضب فيها تل أبيب ، و يقول البعض أن عدم مغامرة أو مخاطرة مبارك بإغضاب إسرائيل هو عين الحكمة فى إنقاذ عين الصيرة ، و غيرها من أحياء مصر و فيزياءها من خطر الحرب ، و لكن الحقيقة أن هذه المهادنة المصرية لإسرائيل ساهمت فى أن توسع إسرائيل قوتها و أن تتوحش أطماعها ، و صارت خطرا أشد وبالا على مصر ، فكأنك لم تثر غضب وحش رابض على حدود بيتك .. و هذه حكمة ، و لكنك أطعمته و أسقيته و غذيته بحيث صار أفظع و أشد بأسا عليك و على جيرانك ، و هذا أمر غير حكيم بالمرة ، و مع ذلك فلأكن مخطئا و سأعتبر هذه حكمة من سيادته ، لكن أليس من المفروض أن تكون سياسة دولة و ليست حكمة شخص ؟!فسياسة الدولة تضمنها الدولة ، أما حكمة الشخص فالشخص لا يملك الموت من الحياة ! ثالثا : و نحن نريد الحكم على حكمة مبارك دعنا ننظر إلى حال البلد تحت رئاسته ، هل هذا بلد يحكمه حكيم ، هل هذا وطن يعرف معنى الحكمة أساسا ، هل صحتنا و عافية المصريين تشى بحكمة الرئيس ، هل التلوث فى الماء و الطعام ، هل البطالة و انتشار الرشوة و الفساد دليل حكمة ، هل ارتفاع الأسعار و تدنى الأجور دليل حكمة ، هل البلد الذى لا يزرع قمحه و لا يصنع خبزه و لا يضمن انسولينه و لا ينتج دواءه و لا يصنع حتى وش موبايل ، هل هذا بلد حكيم ، هل بلد تضرب فى المجارى و تختلط مع مياه الشرب ، هل هذا بلد حكيم ، هل بلد بدأ صناعة الأستيكة منذ عامين فقط بلد حكيم ، هل بلد يستورد سجادة الصلاة و السبح و الفانوس من الصين بلد حكيم ؟! حكمتك يا رب

No comments: